المنشور

حول الرقابة الإدارية

سواء كانت الرقابة الادارية كما يقول د .بسيوني عبدالله هي التأكد من تنفيذ اهداف الخطة بأعلى غاية ممكنة ومن صحة وشرعية الاعمال الادارية لتصحيح ما يكتشف من اخطاء وانحرافات، او كما يقول د. علي حسين الشامي هي النشاط الدائم والهادف الى المتابعة والتأكد من تحقيق المهام وتنفيذها على اكمل وجه بحيث يتأمن الاداء الحسن لسير المرافق العامة وممارسة اشراف كامل عليها يمنع انحرافها وتأمين الانتظام القانوني لحماية حقوق الغير وضمان الصالح العام، ستظل هذه الرقابة داخلية كانت أم خارجية من الركائز الاساسية التي يجب ان تمارس بكفاية عالية لمنع التجاوزات والاخطاء وفرض العقوبات، ومن جانب آخر يجب أن تتخذ تدابير للتحفيز والمكافأة.
واختصار كلما كانت وظيفة الرقابة فعالة كلما اقتربت الادارة من تحقيق اهدافها بإنتاجية عالية وفعالية وكفاية. ومن الواضح ان تعديل احكام قانون ديوان الرقابة والحاق «الرقابة الادارية» بديوان الرقابة المالية يُعد من الخطوات والانجازات الادارية التحديثية الهامة التي حققتها البحرين في العهد الاصلاحي، وقد اعطت هذه الخطوة دفعة قوية لتطوير النظام الاداري، وخاصة ان الرقابة الادارية كما جاءت في هذا التعديل تهدف الى الرقابة في تطبيق الوزارات ومؤسسات الدولة للأنظمة والشفافية والعدالة في التوظيف الذي يجب ان يتم على اساس الخبرة والشهادة والمعرفة والكفاءة لاعلى اساس الوساطات والمحسوبية أو على اساس «الاقرباء أولى بالمعروف»، والامر الاكثر اهمية هو ان هذا القانون يمنح الصلاحيات الكبيرة للقيام بمهمة التدقيق والرقابة والتحقيق من صحة الشكاوى على المؤسسات الحكومية وهذا كما يقول د. حسين الشامي «نوعا من الرقابة التي تمارس من خلال تقدم المواطنين أو الموظفين الى الادارة لمراجعتها بشأن ضرر لحق بهم أو بشأن مخالفة ارتكبت ازائهم، ولا شك ان هذا النوع من الرقابة التي تهدف الى تحقيق المصلحة العامة وضمان حقوق الغير من التعسف الاداري او سوء تطبيق التشريعات والقوانين والانظمة اذا ما طبقت بشكل عادل وسليم وفعال فاننا حتمًا سنتفادى التعقيدات الادارية ومصادرة حقوق الآخرين جراء غياب الرقابة الادارية ولا سيما في مجال التوظيف والتأكد من صحة الشكاوى على المؤسسات الرسمية الناتجة عن التجاوزات الادارية، وهذا يشكل جانبًا مهمًا في عملية الاصلاح الاداري التي هي من وجهه نظر اغلب المتخصصين بان الاصلاح عمل تنظيمي مستمر يتطلب اعادة النظر حينًا بعد حين في الهيكل الاداري والنصوص القانونية والتنظيمية ووسائل العمل واساليبه، واهمال هذه الناحية تشكل سبباً آخر لتدهور العمل الاداري، وان هذا الاصلاح هو وحدة تامة متكاملة لا تتجزأ تشمل الاصلاح الاداري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي وبالتالي فان حدوث اي خلل في احد هذه الانظمة يؤدي الى مشكلة ادارية.
على اية حال، فالذي يهمنا هنا فيما يتعلق بالرقابة الادارية التي اصبحت وظيفتها مكملة للرقابة المالية التي تتولى مهمة الرقابة على اموال الدولة والتحقق بوجه خاص من سلامة ومشروعية استخدام هذه الاموال وحسن ادارتها لدى الجهات الحكومية المختلفة. ان جهاز الرقابة الادارية الذي بشرنا سلفًا انه يمتلك وفقًا للتعديلات الجديدة التي طرأت مؤخراً على قانون ديوان الرقابة صلاحيات واسعة ان يعيد النظر في حمل القوانين والانظمة الادارية القديمة حتى تكون ملائمة لتطورات مستجدات المرحلة الاصلاحية وحاجات المملكة التي تفرض علينا الاهتمام بالاصلاح الاداري كضرورة تحتم علينا الرقابة وتحرير الاجهزة الادارية من النصوص القانونية والتنظيمية القديمة والوقوف على السلبيات التي تعود الى وسائل واساليب العمل التي لا تخلو من الخلل الاداري او بالأحرى الأخطاء الادارية الناتجة عن مخالفة التشريعات الادارية التي في مقدمة اولوياتها الاهتمام بالعنصر البشري والانسان المناسب في المكان المناسب انطلاقاً من الكفاءات العلمية والخبرة والمعرفة وهذا في الحقيقة اهم التحديات الاساسية التي تواجه الاصلاح الاداري. واخيراً.. من الطبيعي ان يحظى ديوان الرقابة المالية والادارية بكل هذا الترحيب من قبل قطاعات واسعة في المجتمع البحريني لأننا في هذا الوطن جميعا نسعى الى تطويره وتحديثه على كافة الصعد، وبالتالي ولكن تستمر خطى هذا الديوان نحو الافضل ان ينجح في انجاز مهماته الرقابية رغم كل العراقيل والمشكلات التي يجب تسويتها بعيداً عن تضارب المصالح والمنافع الضيقة لان المسؤولية هنا هي أمانة مجتمعية ووطنية.
 
صحيفة الايام
11 ديسمبر 2010
اقرأ المزيد

تداعيات الانتخابات البحرينية


كما كان متوقعاً فإنه ما إن أعلنت نتائج الانتخابات البرلمانية البحرينية حتى توقفت المجاديف عن التجديف السريع العالي الوتيرة وعادت القوارب المتسابقة إلى مستقرها، كل منها إلى مرساه ساكناً “هادئاً” .
 
حتى الفترة الزمنية القصيرة التي تعقب الانتخابات والتي تشهد عادة تقديم وتدقيق كشف الحساب بالنسبة إلى لكل الأطراف المشاركة في الانتخابات الخاسرة منها والرابحة، جاءت خلواً من أي صخب أو مواقف درامية على نحو ما حدث مثلاً في أعقاب انتخابات ،2006 حيث “أطلقت القذائف” من هنا وهناك على خلفية اللغط الذي دار قبل وأثناء تلك الحملة الانتخابية حول الدور المرسوم للمراكز العامة في التدخل الحكومي لحسم نتائج “بعض” الدوائر “المستعصية”، والتي استمر إطلاقها لحين نفاد الذخيرة وبدء مفعول الإعياء من معاناة الخروج من السياق الانتخابي، الإعياء الذي أخذ مأخذه من جراء معاناة الخروج  إنما بشرف  من السباق الانتخابي .
 
ولكن الدقة تقتضي منا القول إنه كانت هنالك ردات فعل تم تسجيلها عبر مواقف الكيانات السياسية التي لم توفق في تحقيق الاختراق المأمول، بيد أنها كانت ردات فعل هادئة بقيت ضمن الحدود المعقولة والمقبولة المعتادة في مثل هذه الحالات .
 
ولكنها، من ناحية أخرى، كانت درامية من نوع خاص، ذلك أن التراشقات النقدية وإلقاء الملامة والمسؤولية في ما آل إليه خروج الكيانات السياسية خالية الوفاض أو متواضعة الحصاد، قد تحولت هذه المرة من الحكومة إلى علاقات التحالف البينية التي كانت إلى ما قبل الانتخابات تنتظم الكيانات المؤتلفة مثل تحالف المنبر الإسلامي (إخوان) مع الأصالة (سلف)، والتحالف السداسي .
 
فلقد انفرط عقد تحالف الإخوان (جمعية المنبر الإسلامي) مع السلفيين (جمعية الأصالة)، ما أدى إلى نتائج عكسية على حصتها البرلمانية، حيث مني “الإخوان” بخسارة كبيرة، إذ لم يتمكنوا من توصيل سوى مرشحين اثنين فقط، وهم الذين كانوا مُمَثلين بسبعة نواب في المجلس السابق . ولم يكن حال حلفائهم السلفيين أقل سوءاً حيث تقلص عدد المقاعد التي فازوا بها من 8 في انتخابات 2006 إلى ثلاثة فقط في البرلمان الحالي .
 
وفي الواقع فإن هذا الانحسار الكبير لنفوذ تيارات الإسلام السياسي السني لا يعزى فقط إلى انفراط عقد تحالف واجهتيه السياسيتين الرئيسيتين “جمعية الأصالة” و”جمعية المنبر الإسلامي”، وإنما إلى عدم رضا الناخبين في دوائرهما الانتخابية عن أداء نوابهما طوال السنوات الأربع من عمر المجلس السابق .
 
ولعل التطور الأبرز الذي شهدته الانتخابات، وما تمخضت عنه من نتائج وردود أفعال، يتمثل في انفراط عقد ما يسمى بالتحالف السداسي الذي كان يضم جمعيات “الوفاق الإسلامية”، و”العمل الوطني الديمقراطي” (وعد)، و”العمل الإسلامي”، و”التجمع القومي”، و”المنبر التقدمي”، و”الإخاء الوطني”، والذي داوم على مدى السنوات الأربع الماضية على تنسيق مواقفه تجاه عدد من الملفات والقضايا السياسية والاقتصادية الساخنة، وذلك على خلفية أساليب التشهير والتسقيط التي استخدمتها كبرى جمعيات هذا التحالف وهي “جمعية الوفاق” ضد مرشحي بعض جمعيات التحالف (المنبر التقدمي والتجمع القومي)، فقط لأنها دفعت بواحد أو اثنين من مرشحيها لخوض الانتخابات في دوائر اعتبرتها “الوفاق” دوائر مغلقة في وجه أي مرشحين آخرين غير مرشحيها، وكأنها أممتها وحولتها إلى إقطاعية حكراً عليها .
 
لقد كانت منذ البداية زيجة سياسية غير متجانسة وغير متكافئة، اضطر بعض أطرافها إلى “الدخول في قفصها” اضطراراً، كما قلنا . ذلك أنها جمعت بين ضدين مختلفين في الجوهر، إذا ما أخذنا في الاعتبار المحتوى الاجتماعي والثقافي لبرنامجي التغيير المعتمدين لدى كل منهما ونوعية التحولات الاجتماعية والثقافية التي يستهدفانها . ناهيك عن تنافر أمزجتهما الناتج بالضرورة من استبطان الفوقية والاستعلائية، إنما التي لا تخطئها عين، في تعامل الضد “الأكبر” مع الضد “الأصغر”، ونظرته إليه . . أي أن “اقتصاديات الحجم” (إذا ما استخدمنا المصطلح الاقتصادي) تَفْرِق هنا .
 
وعلى ذلك فإن من الصعوبة بمكان فهم الدعوات للإبقاء على “زخم” هذا التحالف السداسي المتنافر تحت مسوغات البرغماتية السياسية التي تصل حد التهالك والنفعية السياسية المتملقة والبائسة بمنظورها الغافل الساذج الذي أسهمت بموجبه جمعيات التحالف ذات النفس الوطني والديمقراطي، بوعي وليس من دون وعي، وخلال السنوات الثماني الماضية من هذا التحالف، في رفع منسوب وجرعات تديين المجتمع البحريني قبالة عملية تمدينه الطبيعية التي تمليها عملية إعادة إنتاجه الجارية والموسعة، وتغوّل الخطاب الديني الزاجر والمتعالي وتنمره وتطاوله على المجتمع وعلى هيبة الدولة ومؤسساتها .
 
 . . نعم في هذا تتحمل قوى التيار الديمقراطي جزءاً كبيراً من المسؤولية، ثم إننا حتى لو سلمنا بمنطق بعض مكونات التيار الديمقراطي القائل بإمكانية وضرورة الائتلاف مع تيارات الإسلام السياسي، فإننا لا بد أن نتساءل، وعلى أي أساس يجري هذا التحالف؟  . . على أجنداتها المعلنة أم الأخرى الخفية التي تستبطنها؟
 
هذه جزئية تفصيلية مهمة يجب عدم إغفالها، فمن الضروري أن تعرف شريكك قبل الدخول في شراكة معه . ذلك أن الجماعات الإسلامية درجت على استبطان أجندات غير تلك التي تظهرها في العلن، والتي يمكن الاستدلال عليها واستشفافها من ممارستها لها عملياً، فهي بمنزلة “غيتوات” مغلقة حصراً على أعضائها وطائفتها وعالمها الخاص . ولذا فإن تطوع مكونات التيار الوطني للائتلاف معها قد قدم لها هدية من السماء بتوفيرها لها الغطاء الوطني الذي تفتقده، والذي وظفته أيما توظيف في إبعاد شبهة الطائفية عنها .
 
فهل يكون التيار الوطني والديمقراطي في البحرين قد تعلم الدرس أم أن التذرع بالبراغماتية السياسية البائسة سوف يستمر، باعتبارها “التكية” التي سيتم الاتكاء عليها في تبرير عدم فسخ تلكم الزيجة . . “الإذعانية” في مضمونها .
 

اقرأ المزيد

طوبى للعظماء في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان


في يوم العاشر من شهر ديسمبر تحل الذكرى الثانية والستون للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. فتنهض الشعوب الحرة من كبوتها من خلال توطيد نضالاتها وبذل تضحياتها التي من أجلها سعت إلى انتزاع حقوقها انتزاعا، وفي سبيلها استنهضت هممها واستلهمت إرادتها من معين إرادة طالبي الحرية والكرامة الإنسانية في كل مكان.. بحسب ما يبرز النقيض لتلك الإرادة الحرة المتمثل هذا (النقيض) في سياسات الحكومات حين استئسادها على شعوبها، وتضييق الخناق حول أعناقها ومصادرة حرياتها واستلاب كرامتها، وهدر حقوقها وسرقة مقدراتها، عبر ترسيخ هذه الحكومات سلطاتها وتعزيز تعسفاتها المتجسدة حيويا في فتح المزيد من السجون والمعتقلات التي يتجاوز عددها عدد المدارس والمستشفيات والجامعات ومراكز البحوث والدراسات وحدائق ومتنزهات الأسر والأطفال.. ذلك كله من أجل الزج في تلك المعتقلات.

ومثلما يمثل هذا اليوم العظيم للإعلان العالمي لحقوق الإنسان امتدادا لنضالات أصحاب (الرأي والفكر والعلم) من الفلاسفة والمبدعين والمفكرين بتضحياتهم بالغالي والنفيس بل حتى بحياتهم في حملهم أرواحهم على أكفهم التي تميزت بجلاء في نسج تلك الملاحم البطولية والمضيئة خلال عصري التنوير والنهضة وعصر الثورتين الصناعية والاشتراكية وفي مقدمة أولئك العظماء (روسو وفولتير وديكارت وماركس وأنجلز وهيجل ولينين).. فإن الأنظمة الأوروبية الرسمية اليوم قد حملت عنوانا لاستبداد أعتى الأنظمة على الإطلاق والمتجسدة مفاهيم هذا العنوان في تلك الخطوة المخزية التي اتخذتها دول أوروبية في تصديرها منتجات مرعبة إلى مختلف الدول الدكتاتورية وهي أدوات التعذيب المتمثلة في أجهزة تقييد الأيدي والأرجل وأدوات تثبيت بالجدران تطلق صعقات كهربائية بشدة (50) ألف فولت على المسجونين والمعتقلين.. ذلك بحسب ما نشرته صحافتنا المحلية في الآونة الأخيرة.

إذاً ليس هناك ما يثير الغرابة أن تتبنى هذه الدول الغربية تلك الخطوة المخزية السالفة الذكر.. لكون هذه الأنظمة الأوروبية قد شوهت فيما مضى أفكار ومبادئ تلك الكوكبة المضيئة من عظمائها وفلاسفتها وعباقرتها.. ولطالما الإدارات البريطانية غرقت في أوحال مستنقع مؤامراتها الاستعمارية هي حينما غزت فلسطين وصادرت وطنا بأكمله ومنحته للعصابات الصهيونية التي احتلت أرضا واقتلعت شعبا من وطنه وأرضه، ومن ثم تشريده في المنافي وتهجيره في الشتات.. منذ وعد وزير خارجية بريطانيا ارثر بلفور الأسود عام 1917 مرورا بانتدابها على فلسطين عام 1924 وتواصلا بإعلان النكبة في ليلة 15 مايو 1948 .

وتأتي مخططات الإدارات الأمريكية الغازية لتدعم المؤامرة البريطانية الصهيونية في فلسطين وخاصة خلال إدارات ترومان وولسون وروزفلت باستمرائها العبودية لسلطة منظمة إيباك الصهيونية وخضوعها لطائلة احتكارات الرساميل اليهودية الكبيرة من أجل استئثار هذه الإدارات الأمريكية وأولئك الرؤساء بالمصالح السياسية والمكاسب الانتخابية.

من هنا يأتي الدعم العسكري الأمريكي للكيان الصهيوني بأحدث الأسلحة الأمريكية الذي بدور هذا الكيان هو تفنن عصاباته في التمثيل بالشعب الفلسطيني المناضل خلال عمليات التشريد والتهويد وهدم المنازل وتكسير العظام والتعذيب في أقبية السجون والمعتقلات وتوسيع رقعة الاحتلال ومساحات الاستيطان.

وهكذا هي الأنظمة الدكتاتورية الأخرى لا تختلف سياساتها الاستبدادية عن دكتاتورية وسياسة دويلة الكيان الصهيوني الغازية لفلسطين.. لطالما الحكومات الاستبدادية لدى دول العالم الثالث صادرت حريات شعوبها واستلبت كرامتها وأهدرت مقدراتها وسرقت خيراتها في ظل غياب الحريات السياسية والعدالة الاجتماعية والمساءلة الشعبية والدستورية والبرلمانية بحسب ما أخضعت هذه الشعوب لطائلات أبشع الجرائم الأمنية و(البوليسية) والاستخباراتية لأنظمة أوتوقراطية خارجة عن التاريخ دأبت على بسط سياساتها على تكميم الأفواه وشل الألسن، وقمع الكلمة الحرة، وإسكات الآراء الوطنية وكسر الأقلام الشريفة.

ولعل التقرير الصادر عن المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة في أكتوبر 2010 هو خير شاهد على ذلك.. هو حينما كشف التقرير عن أفظع الجرائم التي ارتكبتها جمهورية الكونجو الديمقراطية ) زائير سابقا)، إذ يقول التقرير: “إن جرائم إبادة تشكلت في جمهورية الكونجو الديمقراطية من يوليو 2008 إلى يونيو 2009 (617) جريمة خطرة أسفرت عن عشرات القتلى المدنيين من 1993 إلى 2003”.

وثمة التقارير السنوية والدورية الصادرة عن هيئات ومنظمات حقوق الإنسان العربية والدولية وعلى رأسها منظمة العفو الدولية تتحدث عن ارتكاب الأنظمة وفي مقدمتها النظام الإيراني أبشع الجرائم بحق شعوبها، منها سقوط العشرات من الوفيات أحيانا تصل إلى المئات أحيانا أخرى في أقبية السجون الرهيبة لمناضلين وأصحاب رأي وضمير.. بحسب ما يقبع الكثير من المعتقلين السياسيين في زنازين تلك المعتقلات المظلمة أعواما طويلة من دون محاكمة.

وفي ظل هذه الأجواء السياسية في الدول والمشحونة بمظاهر الخوف والرعب والبطش والترهيب فإنه ليس من عزاء للشعوب المناضلة والمعذبة والمضطهَدة على حد سواء سوى استلهام إرادتها من معين يوم العاشر من شهر ديسمبر بحسب ما يستنهض المناضلون وطالبو الحرية في كل مكان من إضاءات الذكرى الثانية والستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان هممهم وعزائمهم من أجل تقرير مصائرهم وتحقيق طموحاتهم وأحلامهم وأهدافهم..
 فسلام لرسل الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.. والمجد للشعوب المتألقة بنضالاتها وبتضحيات قواها ورموزها ومعارضتها الوطنية والتقدمية من أجل انتزاع حرياتها المستلبة واستعادة حقوقها المصادرة والمهدرة..
وطوبى لكل من استشهد في سبيل الوطن. ولكل من رحل من أجل حرية الكلمة وحرية القلم.. الذين هم أسماؤهم وعطاءاتهم وتضحياتهم جميعا تضيء سماء الحرية والأجواء المجتمعية والجماهيرية مع كل إضاءة من الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
 


أخبار الخليج 10 ديسمبر 2010

اقرأ المزيد

لماذا نراوح في مكاننا؟


من واقع تجربة  المشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات وورش العمل والحلقات المستديرة التي تناقش ما يمكن أن نطلق عليه قضايا الساعة في العالم العربي، يتكون انطباع أخذ في التعزز مع الوقت مفاده أن ما ينقص ثقافتنا هو غياب التراكم والتأصيل للأمور، وبالتالي تجدنا أسرى لتكرار البدايات .
 
فالمفردات والمحاور والموضوعات التي تناقش في هذه الأنشطة متشابهة إلى حد الضجر، وعندما يفكر منظمو الندوات أو الملتقيات المعنية في وضع محاور البحث والمناقشة فيها يتصرفون كأن الموضوع يبحث للمرة الأولى، فينطلقون من أولى البدهيات، ليكون الناتج أن المشاركين في تلك المؤتمرات والندوات يكررون ما سبق أن قالوه هم أنفسهم في ندوات مشابهة سابقة أو قاله سواهم في أنشطة أخرى .
 
ومن النادر أن تبنى ندوة أو مؤتمر على خلاصات أو نتائج مؤتمر آخر سبقها، لينطلق منها نحو آفاق جديدة غير مسبوقة أو غير مدروسة تحتاج للدراسة والتأصيل، لتحقيق الإضافة على ما سبق أن قيل أو بحث، والانطلاق، بالتالي، من هذه الإضافة، هي الأخرى، نحو أفق جديد .
 
التراكم وحده معيار الإنجاز، ذلك أن الأمور الحاسمة في ميادين الفكر والنشاط الإنساني الخلاق لا تتحقق دفعة واحدة، إنما بالتراكم الذي يفضي، مع الزمن، إلى تحولات نوعية، وهو الأمر الذي تكشف عنه التجربة الإنسانية المديدة، والتراكم لا يتحقق بالتكرار، وإنما بالإضافة لما هو منجز أو قائم، حتى لو كانت هذه الإضافة محدودة، فإن أهميتها تنبع من كونها خروجاً عن المراوحة في الدائرة المكرورة .
 
ليس غريباً بعد ذلك، أن تغدو أنشطتنا الفكرية عاجزة عن أن تحدث النقلة المنشودة في مجال تطوير استجاباتنا لما حولنا من تحديات، لأنها تظل تطرح الأجوبة ذاتها على أسئلة سبق أن طرحت مراراً، أي أنها تخفق في إثارة أسئلة جديدة، أو على الأقل مقاربة إجابات مختلفة على أسئلة مثارة، غير تلك الإجابات المتداولة، والتي تتحول، مع التكرار، إلى كليشهات أو إلى “دوغما” فيها من البلادة والخمول والكسل، أكثر مما فيها من اليقظة والحيوية والجدة .
 
إن الركون إلى ما قيل سابقاً مراراً من دون التبصر في محتواه يصبح مع الزمن عائقاً بوجه تطوير المعرفة، وبوجه اجتراح الأدوات والسبل المفضية إليها، خاصة عندما يتصل الأمر بواقع شديد التعقيد، والتشويه أيضاً، مثل واقعنا العربي .

اقرأ المزيد

رقصٌ داخِلَ الجسد


  
  
  


 



  
  





رقصٌ داخِلَ الجسد 
 



مِثلَ فَراشَاتٍ بَهيةٍ







تَتَهادَى في الريحِ
تُحَاوِرُ البَحْرَ
بِلغةٍ طَريةٍ تُغَازِلُهَا فَيروزُ الشَوَاطِئِ
تَقتَنِصُ الفَرحَ الغَائِبَ
في مَخبأٍ نَائمٍ فِي نَفَقِ القَلبِ
ارقُصُوا ….
ارقُصُوا يا آخِرَ العُشَّاقِ
ارقصُوا مِثلَ “زوربا”
وهُو يَعْبُرُ غُربَتَهُ الكَونِيّةَ
فَالرقصُ رَياضةُ الحَزانَى
ارقصُوا دَاخِلَ أجْسَادِكُمْ
ارقُصُوا خَارِجَهَا
سَيَستَحيِلُ الحُزنُ رَماداً
أو رُبَّما بُرتُقالةً
أو رُبَما سَمَاءً تُطلِينَا بِرَحمَتِهَا
ليُصِبحَ المَدَى أزرَقَ
القَلبُ أخْضرَ
الحُلمُ بَنَفسَجِياً
وتَسْقُطُ نَظَّارتي مِن أرنَبَةِ أَنْفِي
مَعَها يَسقُطُ الغمُّ
غَميّ ضَفَادعُ مَجنُونَةٌ
 تَتَقافزُ فِي دَمِي
تؤجِّجهُ تَلاوِينُ المُحِيطاتِ
خِفافاً تَذرُعُهُ الصَحَارَى
تَقطَعُهُ المَسَافَاتُ
أُحجيةٌ كالفَانتَازْيا
حَبلُهُ طويلُ .. مُمِلٌّ
كَحِكاياتِ ألفِ ليلةٍ وليلةْ
 
***
 
سَألبسُ هَذِهِ الليلَةَ رِدَاءَ الغِوايةِ
أرقصُ مُنفَسِخاً عَن جَسَدِي
فَربَّما يَهجَعُ بُرْكَانِيَ المَمْسوسُ قَليِلاً
تَتَفتَّحُ في دَاخِلي قُرُنفُلةٌ
وأسَمَاكٌ غَجريةٌ
ورَبُما طَحَالبُ تُعَالجُ حَظَّيَ المَلعُونْ
سَأرقُصُ
فَربما يَتسَرَّبُ الحُزنُ مِنِّي
حَتَى أغَيبَ
أَغَيبَ عَنَّي
مَا أغرَبَ الحُزْنَ عِندمَا يَمتَطِي جَمَلاً
مَا أقسَاهُ حِينَ يَسْتَعْصِي عَلَى التَرجَمةْ
عِندمَا يَرجُمُني بحِجَارة صَنَعتهَا يَدَاي
يَسْحَقُنِي بِالنَدمْ
مَا أشرَسَ الألمْ
وهو يَحشُرُ القَلبَ فِي فَتحَةِ إِبرةٍ
يَأبَى أنْ يَخْرُجَ
تَخفقُ فِي إزَالتِهِ شِطَارةُ السَحَرةَ
وتَعَاوِيذُ العَراّفِينِ والكَهَنةُ
حتى جُنوَن ِالقلمْ
 
***
 
سَأرقُصُ
نَسْتَمرُ فِي الرَقْصِ مَعَاً
نَحْلُمُ
نَحْلُمُ أن يُزهِرَ المُستَحِيَلُ خُيُولاً
وسَماءً تَهطِلُ غَيثاً أخضَرَ 
 






الشاعر عبدالحميد القائد
 11 سبتمبر 2010





 


اقرأ المزيد

بخصوص رفع الدعم


هناك عادة حكومية ألفناها، حين تنوي الدولة الإقدام على خطوة ما تسبقها بإطلاق ما يشبه المجسات أو بالونات الاختبار، لقياس مدى ردود الفعل المتوقعة إزاء هذه الخطوة او تلك في حال إن تمت، وعلى ضوء ذلك تقرر ما المطلوب الإقدام عليه.

 ومن ذلك  التوجه الحكومي بإلغاء الدعم المقدم للسلع الغذائية الأساسية ومشتقات النفط في العام المقبل، وهذا التوجه جاء على شكل إعلان أطلقه وزير المالية، مما أعاد إلى أذهاننا ما كانت الحكومة قد أعلنت عنه نهاية العام الماضي، حين قيل أن مثل هذه الخطوة من شأنها أن توفر لخزينة الدولة أكثر من 100 مليون دينار.
لكن مسالة بهذه الخطورة لا يمكن الإقدام عليها هكذا خبط عشواء، فلو أن الحكومة أخذت بمثل هذا التوجه من دون دراسة موضوعية وشاملة لجوانبه المختلفة، في الظروف الخاصة ببلادنا، فإنها ستكرر الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه الكثير من الحكومات التي استهوتها وصفات البنك الدولي ورديفه صندوق الدولي وغيرها من المؤسسات الاقتصادية الدولية، لأن هذا الإجراء  سينعكس بشكل سلبي على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، والتي شهدت تدهوراً مخيفا لأوضاعها خلال السنوات الأخيرة، ازداد بما أحدثته الأزمة المالية والاقتصادية العالمية من آثار سلبية أضحت واضحة لدى الجميع.

ما نحتاجه من قبل الدولة هو أن تدخل في مصارحة مع المجتمع، ومع السلطة التشريعية ومؤسسات المجتمع المدني حول الخطوات المصيرية التي تنوي الإقدام عليها، خاصة إذا كانت تطال مصالح القطاعات الأوسع من المجتمع كما هو حال التوجه بإلغاء الدعم الحكومي أو إعادة توجيهه كما يُقال.
فهو توجه يطرح تساؤلات جدية أمام توقيته ومدى جدواه، وفيما إذا اخضع لدراسة معمقة من قبل الحكومة، خاصة مع التحسن المضطرد في أسعار النفط وانخفاض عجز الموازنة العامة إلى أكثر من النصف ونسب التضخم التي لا زالت تبدو تحت السيطرة من خلال المؤشرات المعلنة.

 ما نحن بحاجة اليه هو وضع حلول عملية  للارتقاء بالفئات الفقيرة والمتوسطة بالمجتمع باعتبارها المحرك الأساس لعجلة الاقتصاد والتنمية، الأمر الذي يستدعي ضرورة الاهتمام بأوضاعها بوضع الخطط والحوافز للارتقاء بها لتأخذ دورها في عملية التنمية الشاملة.
 وقد أثبتت التجربة أن الرضوخ لمطالبات المؤسسات الدولية من دون النظر لطبيعة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين ولحالة الاقتصاد بشكل عام، سيدفع الى حال من الإفقار لفئات جديدة، وزيادة أوضاع الفقراء تردياً.

وإذا كان هناك حاجة للنظر في سياسة الدعم فان الحل الأمثل يكمن في إعادة هيكلة تلك السياسة بما لا يمس من مكتسبات الفئات الفقيرة والمتوسطة، خاصة مع أهمية أن يسبق ذلك تعريف رسمي واضح لخط الفقر في البحرين.

وعلى صلة بذلك نذكر بالمطالبات المستمرة لتفعيل دمج هيئتي التقاعد والتأمينات بما يضمن حسن إدارة وتعزيز المركز المالي للهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية وزيادة عوائدها الاستثمارية وتوجيه استثماراتها على أسس أكثر ربحية وبطرق ووسائل أكثر حرفية بما يرمي للحفاظ على مدخرات المؤمن عليهم ومستحقاتهم التقاعدية، وسرعة حسم الكثير من القضايا التي لا تزال محل أخذ ورد بالنسبة لتوحيد المزايا التقاعدية للمشتركين، وهو المشروع الذي طال انتظاره من قبل شرائح واسعة من المشتركين.
 

اقرأ المزيد

تسوية الـ20 مليون الغامضة ..


 
التسوية التي تمت مؤخراً بين شركة ألبا وشركة جلينكور (Glencore) السويسرية غريبة.. مريبة.. ومطوقه بأسئلة ترتجي توضيحاً يُجلي لبسها .. فالبيان المقتضب لشركة ألمنيوم البحرين (ألبا) أكتفى بالإشارة أن الشركة قد توصلت إلى اتفاق مع شركة «جلِينكور» تقوم تلك الأخيرة بموجبه بسداد مبالغ نقدية لشركة «ألبا» كتسوية لإنهاء خلاف بين الطرفين يتعلق بتورط وكيل لـ «جلينكور» بدفع مبالغ ” وهو ما توصف به الرشا والعمولات تخفيفاً” لمسئولين بشركة ألبا هذا وقال البيان أن هذه الإتفاقية هي تمهيد ” لإعادة العلاقات التجارية بين الشركتين”
 وفي تعليق منفصل له ، أوضح محمود الكوهجي – رئيس مجلس إدارة شركة (ألبا)- أن هذه التسوية هي ” ثمرة جهود كبيرة وطويلة” جاءت بعد ” تحقيق شامل قامت به ألبا ومستشاريها “  ..

يبدو هذا للوهلة الأولى كلام جميل.. وكلام معقول ” ما أقدرش أقول حاجة عنو” كما تقول أسمهان؛ بيد أن الموغل في تفكيك الحدث سيقف حائراً؛ فاغراً عيناه ؛ في حضرة جملة من التساؤلات :

- وفقاً لصحيفة ” وول ستريت جورنال” فإن الخلاف بين الشركتين متعلق بـمبلغ 4.6 مليون دولار .. ولكن مبلغ التسوية – كما أشارت مصادر مطلعة- وصل لــ21 مليون دولار !!
فما الذي يدفع الشركة السويسرية لدفع مبلغ تسوية يربو لـ4 أضعاف عن مبلغ الخلاف..؟ أمر محير أليس كذلك ؟

- ثم؛ أيعقل أن تقر شركة جلينكوربالتورط  (Glencore) في دفع رشاوى ولا تتم محاكمة الشركة في بلدها الأم سيما في ظل ما نعرفه عن سويسرا من صرامة في التعاطي مع قضايا الفساد وهي الصرامة التي جعلتها واحدةً من أفضل عشرة دول في العالم في مضمار مكافحة الفساد.. ؟!

- إن كانت شركة جلينكور (Glencore)السويسرية قد اعترفت بدفع رشاً لمسئولين في شركة ألبا فكيف لهذا الملف أن يغلق دون محاكمة المتورطين؟! ومن هم هؤلاء المسئولين/ المتورطين أصلا ؟!

أهم ذاتهم مسئولي المبيعات والتسويق السابقين اللذان تم تقديمهم كقرابين في قضية فساد المبيعات..؟ أيعقل أنهم وحدهم من التهموا هذه الكعكة الكبيرة ؟

بالطبع ظننا – للوهلة الأولى- أن للأمر علاقة بقضية ألبا/ ألكوا المليارية؛ ولكن تصريحا رسمياً أشار بوضوح أن تلك التسوية ونقتبس ” لا تتعلق بالدعوى المدنية المرفوعة من قبل شركة «ألبا» ضد شركة «ألكوا» والمنظورة لدى المحكمة الجزائية بمنطقة غرب ولاية بنسلفانيا الأميركية”..
إذن؛ فمن هم أبطال هذه القضية الحقيقيون ؟ ولم يتم التستر على هذا الكم من المرتشين الذين أحالوا ثروات ألبا وأرباحها ألبا خسائراً ؟!
- ورد في بيان التسوية أن التسوية جاءت لتمهد ” لاستئناف العلاقات” بين الشركتين وهو ما يعني عقوداً ومعاملات جديدة والسؤال ” كيف لألبا أن تلزم نفسها وتعد بالدخول في علاقات تجارية وصفقات مع شركة متورطة في قضية فساد سببت لها خسائر مالية جمة ؟ أهي مكافئة من نوع ما لهم على تورطهم واستدراجهم لمسئولي الشركة !!

أن سمو ولي العهد ، رئيس مجلس التنمية الاقتصادية، شدد مراراً على أهمية مواصلة النائب العام محاسبة المسئولين عن أية تجاوزات قانونية في الشركات التي يديرونها أو يعملون ضمنها.

حاثاً سموه موظفي تلك الشركات على الإفصاح عن أي تجاوزات مالية أو إدارية من أجل الحفاظ على المال العام.. والحفاظ على المال العام لا يتأتى باستعادة جزءاً مما بددته يد الفساد؛ بل بمحاسبة الأيادي التي امتدت ، وستمتد مراراً ، للمال العام خاصةً وإن لم يطلها رادع..

موقع لميس ضيف
 

اقرأ المزيد

حول بيان مركزية التقدمي‮.. ‬حاجة التيار الديمقراطي‮ ‬إلى إبراز وجهه المستقل


في البيان الأخير الصادر عن اللجنة المركزية للمنبر التقدمي الديمقراطي، تمت الإشارة إلى ما انتهت إليه الانتخابات الأخيرة من نتائج، على الصعيد الوطني العام وعلى صعيد العلاقة مع القوى السياسية المختلفة، إضافة إلى القضايا التنظيمية والمعيشية والسياسية الأخرى، وكان واضحاً من الفقرة المخصصة للانتخابات وللعلاقة مع القوى السياسية الأخرى أن الإخوة في المنبر قد استخلصوا الدرس الذي كان يجب استخلاصه منذ البداية، خاصة بعدما عاينوا بأنفسهم بعض الإشكالات السياسية والتنظيمية في هذه العلاقة الغريبة وغير مبدأية مع بعض القوى التي اختارت للعمل السياسي سياقاً طائفياً خالصاً.

لعل هذه الخلاصة المتوقعة سوف تساعد في المستقبل على توجيه جل العناية إلى ‘تقوية خيار البديل الوطني وترسيخ مكانته في المجتمع، مع كافة القوى والشخصيات الوطنية المقتنعة بهذا البديل والمستعدة للعمل في سبيله’، على حد تعبير البيان، وقد كان لافتاً في هذا الجانب تحديداً 3 نقاط رئيسية:

الأولى؛ تتعلق باستخلاص النتائج من مجريات الانتخابات الأخيرة والتحرر من أوهام التحالف مع النقيض الأيديولوجي، فبقدر ما كانت الحملة الانتخابية فرصة للمنبر التقدمي للتعريف ببرنامجه في مجال الإصلاح السياسي والبناء الديمقراطي  والوحدة الوطنية ‘فإن التجربة  الانتخابية قد كشفت، بمجرياتها وتحالفاتها، وتحولاتها، ومفاجأتها، هشاشة التحالف السداسي والرباعي، وأن الحقيقة المرة أن لحظة الانتخابات قد جردت بإغراءاتها بعض القوى السياسية، من بلاغة البيانات، ومن فنون المجاملات وتبادل النفاق العام، وأظهرتها على حقيقتها، عامة، حيث تعرض مرشحو المنبر الديمقراطي المنافسين لقائمة الوفاق على حملة من التعريض والتشهير والإساءة بحقهم  تجاوزت حدود القيم المرعية في العلاقات السياسية العادية بين الأحزاب والجمعيات، فما بالك مع تلك المصنفة حليفة بمعنى من المعاني، حيث ‘لم يتورع  المنافسون – الذين يفترض أنهم حلفاء، عن اختلاق الأكاذيب والافتراءات، والتجاوز الفاضح لأخلاق المنافسة الانتخابية الشريفة، ولولا هذه الحملة لأمكن لمرشحي القائمة أن يفوزوا في بعض الدوائر’ كما جاء في البيان.

النقطة الثانية؛ تتعلق بالاعتراف بوجود نوع من القصور الذاتي أو التقصير من جانب قوى التيار الديمقراطي، من حيث مدى استعداده للانتخابات، وبناء قدراته وتفعيل خطابه، ومن حيث علاقته بالجمهور ومن حيث ‘غياب الاتفاق على رؤية مشتركة لخوض هذه الانتخابات، وغياب حتى الحد الأدنى من التنسيق فيما بين قوى التيار الديمقراطي في هذا المجال.

النقطة الثالثة؛ والأهم في تقديري تتعلق باستخلاص الدروس من التجربة الانتخابية الأخيرة، بالتأكيد على حاجة هذا التيار الديمقراطي إلى إبراز وجهه المستقل، سياسياً وفكرياً وهذا يحتاج إلى إجراء مراجعة شاملة وعقلانية لصيغ التنسيق القائمة بين جمعيات المعارضة بعدما تأكد عقم التحالفات الحالية وتأكد أن البعض يستغل البعض لإدارة الصراع أو الحملات ولكن في لحظات الحقيقة يعود كل إلى قواعده ومراجعه ويحتكم إلى مصالحه الضيقة.

إضافة إلى هذه النقاط الثلاث الأنفة الذكر والتي تؤكد تطوراً ملحوظاً في خطاب طرف مهم من التيار الديمقراطي، فإننا نتطلع إلى أن يقوم الإخوة في ‘وعد’ بمراجعة مماثلة، بما يساعد على إعادة بناء التيار الديمقراطي وتوحيده، حيث يبدو واضحاً أن الفرصة قد أصبحت مواتية لتفكيك الخطاب السياسي الديمقراطي، بغرض التوصل إلى فهم آلياته ومؤدياته وحدوده وجمهوره وأولياته، خاصة وأن هذا الخطاب يؤثر بدرجات متفاوتة على مجمل المشهد الوطني، فإذا كان الخطاب الامتثالي ضرباً من تجميد السائد، فإن استمرار الاقتصار على تبني خطاب احتجاجي مفرغ من العمق البرنامجي، يصبح بدوره عقبة مظللة على المهام التاريخية لتكريس المسار الديمقراطي، باعتباره قائماً على جملة من الشعارات التي تفقد بريقه كلما تلبست بأشكال مختلفة من الإسقاط  واللاواقعية



جريدة الوطن 3 ديسمبر 2010

اقرأ المزيد

إيران بين الحصارِ والتراث

عاشتْ إيران في العصور القديمة محاصرةً بين جماعاتٍ من الشعوب البدوية الضارية، الهضبةُ الإيرانية كانت مركزَ الوجودِ للشعبِ الفارسي المتحضر الذي سكنَ هذه الأرض المجدبة، وحولها على مر القرون لمدن تقدم، ومن هنا صنعَ صورتي الإلهين المتضادين، إله النور وإله الظلام، إله الخير وإله الشر، وقد تجسد الشريرُ في هذه الشعوب البدوية الدموية.
وحتى حين شكل امبراطورية سمح بالتعدديات الدينية، وجاء حتى لليهود المُبعدين عن أرضهم وأرجع بعضهم بعد تخريب ملوك بابل وآشور. كان نموذجاً غريباً لأمبراطورية غزو وهيمنة.
وعارض هذا الشعبُ الإسلامَ بعد ذلك بشكلهِ البدوي الغازي المتجسدِ في عواصم الهيمنةِ والخراج، وحاولَ إعادةَ تأسيس حضارته القديمة بشكلٍ ديني إسلامي، فبحث عن العناصر المعارضة في هذه الحضارة الإسلامية، وأخذ يتماهى مع عناصر الغضب والعنف الحاد فيها كالخراسانية تحت رمزية القائد الفذ أبي مسلم الخراساني والقدرية والزيدية والإسماعيلية وهي كلها عرضتهم لأهوالِ الهجماتِ المضادة من قبل الدول المركزية، التي اكتسحت بلدهم مراراً وتكراراً بسبب دعوات هذه الفرق للثورة العنيفة الدائمة!
جاءتْ الصوفيةُ الاثناعشرية لتخلصهم من هذه الأهوال الحربية، ومن غياب الشخصية الوطنية، واختارتْ الطريقَ السلمي ونبذتْ العنف، وأخذتْ بالتقية، التي تعني المرونة السياسية في ظل حكم الهيمنة الأجنبي، وحدث فيضانٌ ثقافي كبير خلال هذا التاريخ.
إن العناصرَ الحصاريةَ ومواجهة الخير والشر، استدعتْ ثيمةً تاريخيةً تراثية مهمة هي حصارُ الحسين في معركة كربلاء الشهيرة، وهذه الثيمةُ انتشرتْ وتوسعتْ في الثقافة الإسلامية الإيرانية، وغدتْ عنصراً مركزياً استحضر كلَ ذلك الحصار التاريخي الطويل للشعب الإيراني، وهجوم القبائل البدوية، والنزيف الدموي الذي لم يتوقف، والمعاناة والحزن والنواح المُعذب من الفقر والاستغلال والحكومات الغريبة.
وصارتْ هيكلاً دينياً سياسياً متداخلاً وهو الذي تنبثقُ منهُ الدولةُ كجهازٍ متعالٍ على الشعب، يحكمهُ ويقهره، ويبقي سيطرةَ الأغنياءِ الكبار فيه ويغدو كذلك أداةَ تحريره من الدخلاء، ونهضته وتقدمه.
إنها ثيمةٌ ذاتُ وجهين: وجهُ العذابِ القادم من الخارج، ووجهُ التعذيبِ الذاتي. إنها الرغبةُ في وقفِ الألم ، الممزقِ للإنسان، وكذلك الرغبةُ في بقاءِ الأشكالِ الدينية التعذيبية كإطارٍ اجتماعي ديني لوحدةِ الشعب. إنه تاريخٌ معقدٌ طويل للشعوب الزراعية.
هو تعبيرٌ عن بقاءِ الألم والعذاب ونقص الوجود الإنساني وسلبيته وغربته عند جمهور الفقراء الذين لم يجئ الإمام بعد لتخليصهم من المعاناة وسوء الأحوال، وتمثل هذه الممارسات فرصة للتوحد والاشتراك في المحبة الإنسانية.
وفيما الشعبُ الإيراني يتحررُ ويدخلُ العصرَ الحديثَ بأحاديثه عن النور والسعادة تبقى ظروفهُ تراوح في مكانها، وعذاباته تتلون حسب الفترات المختلفة، وتنهمرُ سيولُ عذاباتهِ في العزاء وفي الفنونِ النواحية التي تغرفُ من ينابيع الأسى الدفينة الغائرة.
جاء الغربُ واعداً بالحريةِ والحداثة لكن الشركات راحتْ تنهبُ المدن والأرياف الفقيرة، ويظهر تراثٌ جديد، وفنون مختلفة، تفككُ تلك اللحمة القديمة، ويظهر إلهُ الشر وإلهُ الخير في صراع جديد، وهذه المرة من خلال صراع الغرب والشرق.
الجمهورُ يكره الحكومةَ ورجالَ الدين ويصارعهما لكن حين يهدد البلدُ يقف مع الدولة بقوة!
مظهران غريبان متضادان لم يُدرسا من قبل قوى الحصار والعقوبات.
تستثمر الأجهزةُ الحكومية الإيرانية تراثَ الحصارِ القديم، وتؤدلجُ الظاهرات الدينية، وتركبُها على التاريخِ المعاصر، وتستدعي الرموزَ وتعبئها بمادةٍ جديدة مُسيّسة تحرك المشاعر وتستدعي الاصطفافَ حولها.
العقوباتُ والأزمةُ المعيشية التي يعانيها الناس، تتفاعلان وتُصوران بأنهما جزءٌ من العداءِ التاريخي للأمم التي تكره الشعب المُختار من العناية الإلهية، ويعزف الرئيسُ الإيراني على نغمات العنصرية والجذور الغيبية، في سيمفونية عسكرية سياسية، تتخلص من ثقالة الرأسمالية الحكومية حين تكون عوناً للشعب، في جهات الأكل والوقود، وتضعها على أكتافه وهي تتسلح بمشروعات عسكرية خيالية.
يستثمر النظامُ الحصارَ والعقوبات، ليبرر الأزمات، فيظهرُ نفسَهُ بمظهر الدفاع العظيم عن الأمة المُهددة بفقد تراثها ودينها، وهو يعجز عن تكوين الفئات الوسطى الحاكمة الجامعة بين الديمقراطية التنموية والحرية الوطنية، بين حماية الجذور الإسلامية العريقة وتقبل ثقافة العصر الغربية الإنسانية.
فنظراً لتوجه أغلبية الفوائض الاقتصادية الكبيرة نحو التسلح وهيمنة العسكر، يصعب نمو الفئات الوسطى الصناعية والمدنية ويعاني الفقراء والكادحون هذا النزيف غير المبرر لكن الذي تبرره ثقافةُ المُحاصرين المُعذَّبين.
بينما يظن المؤسسون للعقوبات أنهم يهزمون النظامَ هم يقوونه، ويغذون لغة الحصار، وتكتيكات النظام المتلاعب على المشروع النووي، والشعب الإيراني يحتاج إلى المساعدات وتطوير البنى الاقتصادية المدنية ودعم الأرياف المنهكة، وتوسيع العلاقات الأخوية، التي يمكن من خلالها التعاون مع قوى السلام والآيات العظمى الحكيمة وقوى الإصلاح، أما لغة التهديد والتجبر فلا تنجح معه.

صحيفة اخبار الخليج
8 ديسمبر 2010

اقرأ المزيد

التاريـخ الصغيـر

في «المقدمة» يذهب ابن خلدون إلى أن «التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار سياسية عن الدول والسوابق من القرون الأُول، تنمو فيه الأقوال وتضرب فيها الأمثال، إلا انه في باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل، في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعد في علومها وخليق».
وكأننا بابن خلدون في هذا يحضُنا على التفكر في الحاجة الدائمة التي لا تنتهي لإعادة تأويل التاريخ، حيث لا منجز نهائيا في هذا المجال، حين تصبح جميع الأحكام خاضعة لإعادة الفحص والتدقيق.
أحدهم قال:« إن التاريخ لم يقع .. والمؤرخ لم يكن هناك» . وأياً كان الأمر فان التاريخ قد وقع، لكن المؤكد أن المؤرخ لم يكن هناك بالفعل، لم يكن موجودا وقت وقوع الحادثة، انه أشبه برجل المرور الذي أتى متأخرا للتحقيق في حادثة مرورية بعد أن تم كل شيء، وأعد روايته لما حدث نقلا عن الشهود، والشهود ليسوا مجردين من الأهواء، ثم أن محضر التحقيق تضمن في خلاصته ما ظنه المحقق صحيحاً، أي ما اقتنع به هو من شهادة هذا الشاهد، لا ذاك.
وليس بوسع أحد أن يجزم في صورة مطلقة أن هذه الشهادة بالذات هي الحقيقة الناجزة أو أن العناصر التي اختارها المحقق من أقوال الشهود جميعا ليتبناها، هي بالضرورة العناصر الصحيحة التي أهملها وظنها غير دقيقة أو صائبة.
التاريخ يظل دائما بحاجة لإعادة قراءة، لإعادة كتابة، وفي عبارة أخرى لإعادة تأويل. ربما لا يدور الخلاف حول أن هذه الواقعة التاريخية تمت أو لم تتم، وإنما يدور في درجة أساسية حول الملابسات التي أحاطت بهذه الواقعة.
يُذكرنا ذلك بالفارق الجوهري بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، ومن ضمن هذه الأخيرة التاريخ ، فإذا كان بوسع عالم الفيزياء أو الكيمياء أن يجري الاختبارات العديدة في المختبر للتحقق من النتائج العلمية التي بلغها، فلا تعدو «حقيقة» متداولة إلا بعد فحوصات متأنية، فان الباحث في العلوم الاجتماعية يشتغل في فضاءات اجتماعية ومعرفية معقدة تجعله عرضة للخطأ أكثر من عالم الطبيعة، لأنه لا سبيل سريعا لاختبار خلاصاته أو التحقق من مدى صحتها.
كان الفلاسفة الطبيعيون قد لاحظوا ذلك حين نبهوا إلى أن مادة التاريخ بالذات غير ثابتة وغير قابلة للتحديد، لأن الاختبار والتجربة أمران غير ممكنين في الدراسة التاريخية.
ولعل العودة المطلوبة للتاريخ تتصل بالجزئيات، بالتفاصيل التي كثيراً ما جرى إهمالها لصالح التعميمات، أي الوقوف عند الأحداث الكبرى كالحروب والغزوات، وإغفال ما كان خلف ذلك أو الى جواره، بصفتها عناصر لها سياقها المستقل الذي كانت له سيرورته الخاصة به التي ظلت مستمرة على «هامش» التطورات الحاسمة.
لقد جرى النظر الى هذه التفاصيل بصفتها مادة»غير تاريخية»، أو في أحسن الأحوال بصفتها تاريخاً ثانوياً، أو تاريخاً صغيراً، مع انها قد تكون غيرت مجرى التاريخ ذاته أكثر مما فعلت الأحداث الظاهرة، أو الكبرى.
 
صحيفة الايام
8 ديسمبر 2010

اقرأ المزيد