المنشور

البحرين ومخصصات الدعم


عاد الجدل حول مخصصات دعم السلع الذي تفرده الحكومة في الموازنة العامة بهدف توفير السلع الأساسية للمواطنين والمقيمين بأسعار مخفضة في البحرين، وذلك على خلفية تجدد الحديث الحكومي عن إمكانية إعادة النظر في الدعم على قاعدة إعادة توزيعه لصالح مستحقيه من ذوي الدخول المنخفضة.
 
سارع مختلف مراكز القوى المجتمعية للإدلاء بدلوه في هذا الموضوع، كل من موقعه والمصالح التي يمثلها من دون كثير اعتبار هنا لوظيفة الاختصاص موجبة الحضور هنا بأهمية بالغة.
 
دعونا في البداية نطرح المسألة – مسألة أو موضوع الدعم على النحو التالي الذي ربما ساعدنا على ملامسة جوهرها، وذلك من خلال التساؤل التالي: هل الدعم هو قدر واضعي ومصممي السياسات المالية؟ وما هي المقاربة الدولية الجديدة لآلية الدعم، بمعنى هل هو حلال أم حرام بالمفهوم الشعبي الدارج؟ أو هل هو مسموح به أو غير مسموح به؟
 
التساؤلان نطرحهما من وجهة نظر الاقتصاد السياسي ومن وجهة نظر قواعد النظام التجاري الدولي الجديد الذي تمثله منظمة التجارة العالمية، وأخيراً من وجهة السياسات المالية السيادية .
 
يعتبر الدعم إحدى أدوات السياسة المالية للدولة، شأنه شأن تسعير السلع والخدمات والرسوم والضرائب، وهو يقع بالتالي ضمن اختصاصات الجهة الحكومية المختصة بتصميم واقتراح وتنفيذ السياسة المالية للدولة بما يخدم هدف حفز النمو الاقتصادي، وهي هنا وزارة المالية .
 
واعتمدت الدولة أداة الدعم منذ الاستقلال الوطني في 1971 كإحدى آليات تحقيق التوازن الاجتماعي من حيث انه يشكل أحد روافد شبكة الأمان الاجتماعي خصوصاً لمحدودي الدخل من المواطنين. وقد شمل الدعم السلع الأساسية مثل الأرز والسكر والطحين واللحوم (الحمراء والبيضاء) والمحروقات، لاسيما البنزين والديزل وكذلك الغاز، وإنها توفر منذ عام 1983 دعماً مستمراً ومنتظماً للمحروقات يشمل تحديداً الغازولين بنوعيه الممتاز والجيد، والكيروسين، والديزل، ووقود الطائرات، والأسفلت، إضافة إلى غاز البترول المسال والموزع على المواطنين لأغراض الطبخ، وكذلك إمدادات الغاز للشركات والمؤسسات الصناعية الحكومية والخاصة .
 
وبفضل هذا الدعم فإن (البنزين) من نوع ممتاز يباع على المستهلكين ب 100 فلس للتر الواحد رغم أن تكلفة إنتاجه تبلغ 161 فلساً، ويباع الجازولين من نوع جيد ب 80 فلساً رغم أن تكلفته تبلغ 180 فلساً، علماً بأن متوسط السعر العالمي لكل من الممتاز والجيد هو 188 فلساً و185 فلساً على التوالي .
 
فيما يتعلق بالديزل فإن سعر الليتر الواحد المباع في السوق المحلية كان يبلغ 70 فلساً مقابل 260 فلساً كمتوسط سعر عالمي. وهو السعر الأخفض للديزل في دول مجلس التعاون وظل هذا الدعم الحكومي للديزل مستمراً منذ عام 1983 أي بقاء سعر التجزئة والجملة في السوق المحلي دونما تغيير .
 
ولذا وأمام ازدياد عمليات تهريب الديزل من البحرين لبيعه في دول مجلس التعاون الأخرى والاستفادة من فارق الأسعار (يقدر حجم كميات الديزل المهرب يومياً في الوقت الحالي بحوالي 700 برميل يومياً، وهو ما يمثل 15% من مجموع الاستهلاك المحلي) أمام ذلك قامت الحكومة بتعديل السعر إلى 100 فلس للتر للاستهلاك الشخصي و120 فلساً للأغراض التجارية، وتم أخذ مصلحة الصيادين بعين الاعتبار من خلال ترتيبات خاصة شملت التعويض والبيع بسعر تفضيلي.
 
ونتيجة للتوسع الاقتصادي الضخم الذي شهده الاقتصاد البحريني على العقود الثلاثة الأخيرة، والزيادة السكانية السنوية التي انعكست زيادة سنوية لمخصصات دعم المحروقات، فقد غدا الدعم بفاتورته المتعاظمة عبئاً كبيراً على الموازنة العامة، حيث ارتفعت كلفة دعم المحروقات (من دون الغاز) حوالي 500 مليون دولار سنوياً .
 
من الوجهة القانونية الدولية المتمثلة هنا في الالتزامات المترتبة على عضوية مملكة البحرين في منظمة التجارة العالمية، فإن الدعم الحكومي السلعي لا تغطيه اتفاقية الدعم والإجراءات التعويضية المضادة وذلك لكونه شأناً اقتصادياً داخلياً ليس له علاقة تأثير مباشرة على التجارة . وهو يقع ضمن نطاق السياسات والممارسات الاقتصادية السيادية للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية .
 
ولكن الأمر يختلف بالنسبة للدعم المقدم لإمدادات الغاز للشركات، حيث انه يعتبر موضوعاً إشكالياً خاضعاً للجدل والتنازع التفاوضي ضمن هياكل منظمة التجارة العالمية، شأنه شأن الدعم الذي تقدمه حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لمزارعيها، من حيث أن المنتجات الناتجة عن استخدام الغاز كلقيم فيها (ذات الوجهة التصديرية)، والمنتجات الزراعية المصدرة للأسواق الخارجية، لها تأثير مباشر في شروط التجارة وهنا تثار قضية ما يُسمى بالتسعير المزدوج للمنتجات من جانب بعض الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية باعتبارها شكلاً من أشكال الدعم ذي الأثر المباشر على التجارة . وهو يعني تسعير السلع ذات الاستخدام الكثيف لمصادر الطاقة (الغاز مثلاً في صناعة البتروكيماويات) في السوق المحلي بأقل من تسعيرها في أسواق التصدير .
 
والحال، أن قواعد منظمة التجارة العالمية لا تغطي “ظاهرة” التسعير المزدوج للمنتجات، وهي بالتالي لا تعتبر دعماً قابلاً للمقاضاة (مقاضاة الطرف الممارس له لدى جهاز فض المنازعات في منظمة التجارة العالمية)، أي إنما هذا الأمر لا ينطبق على الدول الجديدة الراغبة في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (روسيا على سبيل المثال) .
 
وبالنسبة لنا في مجلس التعاون فإن لدينا موقفاً ثابتاً وواضحاً مُجمعاً عليه من قبل كافة الدول الأعضاء، وهو عدم المساومة على هذا الموضوع، من حيث أن دول التعاون تمارس سيادتها الاقتصادية في تقرير سياساتها الاقتصادية الوطنية من دون الإضرار بشروط التجارة، فضلاً عن عدم تمييزها في تمكين مختلف الصناعات من الوصول إلى مصادر الطاقة المتاحة لهذه الصناعات .
 
وبالنسبة للقطاع النفطي في البحرين، فإن دعم المحروقات يُنقص بلا أدنى شك من فاعلية ومن هوامش ربحية صناعة التكرير التي تعتبر رافداً أساسياً للصناعة النفطية الأم. . صناعة الاستخراج. وكان من الممكن أن تكون مساهمة هذه الصناعة النفطية التحويلية بالغة الأهمية، في دعم موازنة الدولة وحقن دورة النمو، أكبر وأكثر فاعلية فيما لو أُلغي الدعم عن المحروقات.
 
وبما أن عمل مصفاة البحرين يعتمد اعتماداً شبه كامل على واردات النفط الخام السعودي بواقع ربع مليون برميل يومياً تقريباً، فإن ارتفاع أسعار النفط العالمية لاشك يلقي بظلاله السلبية على هامش ربحية المصفاة، الأمر الذي يقلل استفادة المصفاة من ارتفاع أسعار المنتجات البترولية التي تنتجها وتصدرها المصفاة بالتوازي مع ارتفاع النفط عموماً في الأسواق العالمية .
 
 

اقرأ المزيد

الأديب والمناضل بدر شاكر السياب في ذكرى رحيله


حينما يرحل العظماء.. فان انجازاتهم وابداعاتهم وعطاءاتهم، تظل ماثلة في ضمير الزمن وذاكرة الوطن.. وحينما يرحل المناضلون، فان افكارهم ومبادئهم وكلماتهم، تبقى حية في وجدان الشعوب وعقول المناضلين وطالبي الحرية في كل مكان.. حسبما يجسد يوم رحيلهم علامات مضيئة تتجلى في بلوغها عنان السماء.. وهكذا يظل يوم رحيل شاعر عراق الرافدين العظيم (بدر شاكر السياب).. وهو يوم الرابع والعشرين من شهر يناير عام 1964م، منقوشا في صخرة الحضارة الانسانية.

رحل الشاعر العراقي والعربي (بدر شاكر السياب) بعد ان ترك للعالم العربي إرثا أدبيا ونضاليا ووطنيا ومبدئيا، انصهرت حقائقه في مفاهيم (الثقافة السياسية والفكرية والأدبية والحزبية).. ومثلما يعكس هذا (الإرث) مرتكزات تلك المدرسة الأدبية، والمتسمة بالأدب الواقعي الملتزم، بقصائد عبرت عن معاناة الشعب والوطن، ومكابدة المعذبين والمقهورين، وما حملت في ماهيتها هجاء لـ (الاستبداد السياسي) للنظام الرسمي في العراق.. والنقد لـ (الاستبداد الحزبي) لبعض من رفاق الشاعر.. فان شاعر العراق العظيم قد ابدع بأشعاره المؤثرة إزاء غربته عما اضناه البعد عن الوطن.. واغترابه بما أدى إلى الفراق ما بينه وما بين أهله ورفاقه واحبائه.

ولعل ما ضاعف محنة هذا الانسان.. ومأساة هذا المبدع.. وبؤس هذا الشاعر.. وابتئاس هذا المناضل في غربته واغترابه.. هو وطأة تلك الامراض التي ألمت به وتكالبت على جسده النحيل وهو في ريعان شبابه.. وهي طائلة تلك الحاجة الممقوتة من شظف العيش والفقر المدقع.. الأمر الذي دفع قصر ذات اليد إلى عجزه عن شراء الدواء لعلاج أمراضه، أو توفير لقمة العيش لسد رمق جوعه.. ولكن رغم تلك الاوزار الثقيلة وتلك الهموم الأليمة لحياة بائسة كتلك التي عاشها هذا الانسان العظيم في منفاه وفي غربته اللذين قضى الشطر الاكبر منهما في دولة الكويت في عقد الستينيات.. فإنه أبى ان يطامن الرأس الشامخ، بعزة نفسه وشموخ كبريائه، وثوابت مواقفه ومبادئه، وأصالة جوهره ومعدنه.. صامدا أمام قسوة تلك الغربة الذاتية، وسياط الاغتراب النفسي والاجتماعي.

ومثلما غالب تلك الملاحقات الامنية والبوليسية.. فانه ظل شامخا أمام حواجز التجاهل والتهميش الرسمية لأنظمة الوطن العربي، التي أدارت ظهرها لأحد عباقرتها ومبدعيها، بتجاهل متعمد.

وبحسب ما كان الشاعر والمناضل (بدر شاكر السياب) يستجمع شجاعته المألوفة أثناء حياته، مغالبا ذاك التنكر الحزبي لرفاق دربه في الحزب الشيوعي العراقي.. فانه يبادر إلى إعادة شريط ذاكرته للوراء، ليستنهض (الإرادة الحرة) من معين تضحيات شعبه بمواجهة القهر السياسي والظلم الاجتماعي للنظام العراقي الاستبدادي.. ويستلهم (الحكمة) من جلاء وجادة الصواب لمواقفه الفكرية والايديولوجية.. هو حينما واجه بعض قيادات الحزب الشيوعي العراقي المحافظة والدوغمائية، من اجل جدلية تطوير الحزب طبقا لأصول الفلسفة الماركسية، عبر توجيه انتقاداته العقدية وابداء ملاحظاته الحزبية، حول الجمود العقدي للحزب وإزاء اعطاء الهالة التقديسية لبعض ثوابت الحزب الميكانيكية.. وفي مقدمتها “مسائل دكتاتورية البروليتاريا والمركزية الديمقراطية”.
من هنا سجل الشاعر والمناضل (بدر شاكر السياب) بـ(اطروحاته الحزبية التصحيحية الشجاعة) موقفا حزبيا ديالكتيكيا هو سابق لأوانه، بقدر ما انسجمت هذه الاطروحات الحزبية وافكار المناضل والفيلسوف (جرامشي) مؤسس الحزب الشيوعي الايطالي، وصاحب نظرية (الكتلة التاريخية).. حينما يسترسل (جرامشي) بالقول: “ان دكتاتورية البروليتاريا لا تستطيع ان تعتمد بالدرجة الأولى على النقابيين ولا على الحزب، بل ينبغي لها العكس ان تستند قبل كل شيء إلى الاشكال والمنظمات التي يشعر فيها العامل بابداعيته من حيث هو منتج ويعي قيمته ومستقبله، انها الصورة التاريخية والجديدة لتنظيم العمال.. مجلس العمال”.

لقد رحل شاعر عراق الحضارة.. (بدر شاكر السياب) شامخا.. وبحسب ما اكد قبل خمسين عاما موقفا مبدئيا ثابتا تشهد مفاهيمه بانه (كادر قيادي ماركسي حقيقي بماركسيته الاصيلة) انسجمت هذه (الانتماءات الماركسية) وجوهر مقولة (فلاديمير إيليتش لينين): “اننا نريد شيوعيين واعين وليس دراويش مؤمنين”… فان الشاعر (بدر شاكر السياب) قد نسج أعظم الملاحم الادبية، المتمثلة في دواوينه الشعرية وفي مقدمتها (انشودة المطر، لمن هذا الحديد؟ غريب عن الخليج).. اقترنت جميعها بالنقد الأدبي والسياسي والاجتماعي والحزبي.. ولنا هنا وقفة اخرى مع الشاعر (بدر شاكر السياب) عبر مقالة أخرى، سنتناول فيها قسوة منفاه السياسي، وتخلي رفاق دربه عنه وهو يغالب محنة غربته في اتعس الساعات.

طوبى لأحد أدباء ومناضلي القرن العشرين (بدر شاكر السياب) في الذكرى السابعة والأربعين لرحيله.. وسلام لـ (أبي غيلان) الذي عاش مناضلا شامخا ورحل واقفا على قدميه صامدا.
 
أخبار الخليج 21 يناير 2011

اقرأ المزيد

تونس والسنة الدولية للشباب!


مفارقة لا مثيل لها. الحكومة التونسية المنهارة كانت قد اقترحت على الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الرابعة والستين في 18/12/2009 إقامة سنة دولية للشباب، تحت شعار « سنتنا صوتنا». جرى قبول الاقتراح بالإجماع من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة على ان تبدأ في آب / أغسطس 2010 وتنتهي في آب/ أغسطس 2011. وتقرر ان تتضمن السنة هذه مؤتمراً دولياً حول الشباب برعاية المنظمة الدولية يهتم بموضوع الحوار والتفاهم والتبادل. ويهدف قرار الجمعية العمومية هذا الى إشراك الشباب في كل أوجه النشاط المجتمعي ويدعو الى العمل على تحقيق شراكة مع الشباب ومنظماتهم والتعرف على احتياجاتهم وما يهتمون به من امور وما يمكن ان يقدموه الى شعوبهم.

ان الشباب وفقاً لمفهوم القرار الاممي هم الذين تتراوح اعمارهم بين 15 و25 سنة. وهم يشكلون اذا ما اعتمدنا هذا التحديد 18% من سكان العالم اليوم، اي ما يبلغ مليار ومئتي مليون نسمة. واذا ما اعتمدنا معياراً آخر، ولنقل ان الشباب من تتراوح اعمارهم بين الخمسة عشر سنة والثلاثين سنة لارتفعت نسبتهم الى حوالي ربع سكان العالم. ومن المعروف ان الغالبية العظمى منهم يعيشون في البلدان النامية.

ويقينا ان الحكومة التونسية بقيادة الرئيس السابق زين العابدين بن علي لم يدر في بالها ان السنة التي اقترحتها لتكون سنة دولية للشباب، سوف تفاجئها، وهي في منتصفها، بانتفاضة عارمة، تستمر ما يقارب الشهر وتؤدي الى هرب الرئيس، تفادياً لغضب الشعب. هذه الانتفاضة التي اشعل لهيبها شاب اكمل دراسته الجامعية ولم يجد عملاً يؤمن له لقمة العيش، واضطر الى التجوال بعربة يدفعها بيديه ليبيع بها الخضار. ومع ذلك لم يتخلص من جور النظام البوليسي وشرطته التي اعتدت عليه وحطمت عربته، مما دفعه الى إشعال النار بنفسه، فأشعل بذلك غضب أقرانه من الشباب الذين نزلوا الى الشوارع في بلدته، ليتعرضوا لعنف شرطة النظام الاستبدادي الفاسد ونيرانها التي اوقعت شهداء وجرحى. وكان من نتيجة ذلك ان امتد لهيب الانتفاضة الى المدن الأخرى بما فيها العاصمة التي تردد فيها الهتاف المدوي» اعتصام .. اعتصام حتى يسقط النظام «. وسقط رأس النظام. وبقي ان تواصل القوى الديمقراطية التي تعادي الاستبداد والفساد والدولة البوليسية، وحدتها ويقظتها لتمنع اقطاب النظام الذي سقط رئيسه من سرقة ثمرة النضال الشعبي الذي تعمـّد بدم الشباب، والإبقاء على النظام البوليسي بصيغة جديدة.

ان ما حصل في تونس فاجأ جميع المراقبين السياسيين الذين كانوا يتصورون ان النظام التونسي عصيُّ على التغيير بسبب قواه الامنية المتمرسة في قمع طموحات الشباب نحو الحياة الحرة الكريمة التي تؤمن لهم الحرية والعمل والخلاص من البطالة والفقر والتهميش وانتقاص الحقوق والتفاوت الكبير بين قلة الأغنياء واكثرية الفقراء.

ولاشك ان الانتفاضة التونسية الرائعة تشكل انذاراً جدياً لكل نظم الاستبداد والقهر في البلدان العربية والعالم اجمع. وتذكـّر من جديد بما قاله الشاعر التونسي الكبير ابو القاسم الشابي منذ النصف الاول من القرن الماضي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة / فلابد ان يستجيب القدر
/ ولابد لليل ان ينجلي / ولابد للقيد ان ينكسر.

واذا ما كان تحريض الشاعر منصباً على مكافحة جور المستعمر وقيوده، فإنه اليوم ينصب على جور الطغم الاستبدادية الفاسدة والحكام الذين يصرون على البقاء في الحكم على الضد من ارادة الشعوب. ولا بأس في هذا السياق من تحذير هؤلاء الحكام الفاسدين بقول شاعر آخر قال: من حـُلقت لحية جار له/ فليسكب الماء على لحيته. وليتأكدوا من ان الشعوب تـُمهل ولا تهمل. وعليهم ان يعرفوا ان وداعة الشعب ليست خنوعاً!
 
الأيام 19 يناير 2011

اقرأ المزيد

انتصر الشعب ولم يسقط النظام


بعيداً، أو حتى قريباً، من مشاعرنا الفياضة ابتهاجاً بانتفاضة الشعب التونسي الذي أعاد الأمل الى النفوس، حين استطاع أن يزيح رئيس الدولة في انتفاضة شعبية، علينا التوقف ملياً أمام التوازن الدقيق الناشئ هناك بعد الإطاحة بالرئيس، وهو توازن ما كان سيتهيأ لولا الموقف التاريخي الذي يحسب لقيادة الجيش التي رفضت الانخراط في قمع المتظاهرين، وربما تكون ضغطت في اتجاه إاقصاء الرئيس المخلوع، تجنيباً للبلد المزيد من الضحايا واراقة الدماء.

فما حدث بالضبط هو سقوط رأس النظام والحلقة العائلية المحيطة به، أما النظام السياسي بأجهزته الرئيسية الضاربة فما زال ممسكاً بمفاصل الوضع في البلاد، وبهذا المعنى فان ما تحقق على أهميته يمكن اعتباره نصف انتصار، او مدخلاً للانتصار في اتجاه إرساء الديمقراطية في البلاد ووضع حد للفساد والاستحواذ على المال العام.

في البلدان النامية، وبينها بلداننا العربية بالطبع، فان الدولة تتماهى في النظام السياسي، فيصبح هو الدولة، لذلك ما أن ينهار هذا النظام بكافة مؤسساته، حتى تنهار الدولة ولو الى حين، وفي حالات معينة قد لا تعود الدولة إلى ما كانت عليه من وحدة ومهابة، وما أكثر الدول العربية التي انهارت أو تفككت بانهيار أنظمتها السياسية، مع تأكيدنا على مسؤولية هذه الأنظمة عن هذا المصير، ببطشها وجشعها.

اللحظة الراهنة التي تعيشها تونس اذا ما استمرت وجرى العمل المسؤول على توجيهها في المسارات الأكثر أمكناً وحكمة هي لحظة تحمل الكثير من الايجابيات، فمفاصل الدولة متماسكة رغم خلع الرئيس وبطانة الفساد من حوله، ولهذا الأمر عدة وجوه، بينها الايجابي وبينها ما يمكن أن يدعو للقلق.

فإذا ما استطاعت تونس بقواها الحية ومجتمعها المدني أن تُحول هذه اللحظة الى انعطافة في اتجاه دمقرطة الدولة وأجهزتها، وإعادة بناء أجهزة الأمن وتأهيلها بمبادىء احترام حقوق الإنسان، وإرساء مداميك دولة القانون والمؤسسات تكون ضمنت لنفسها المستقبل الذي من أجله خرج التونسيون والتونسيات الى الشارع في انتفاضتهم.

وهذا المستقبل لا يمكن، ولا يجب، أن يشكل قطعاً مع ميراث من الايجابيات والمكاسب التي أرساها الحبيب بورقيبة في مرحلة ما بعد الاستقلال، خاصة على صعيد حرية العمل النقابي وخدمات التعليم والثقافة وحقوق المرأة، بالشكل الذي جعل تونس متميزة ومتقدمة في الكثير من المجالات على نظيراتها لا في المغرب العربي وحده وإنما في العالم العربي إجمالاً.

على مفترق الطرق هذه ، إذاً، تقف تونس: إما المضي في اتجاه تحويل ثورة الياسمين إلى منعطف في التاريخ السياسي للبلد باتجاه الديمقراطية، مع ما يتطلبه ذلك من تنازلات جوهرية على المؤسسات الممسكة بالوضع اليوم أن تقدمها، بالإقلاع عن نهج الاستبداد الذي اندلعت الانتفاضة ضده، وصون ما في البلاد من مكاسب اجتماعية، أو تهيئة الظروف مجدداً لظهور” بن علي ” جديد في حلة جديدة.
بوسع الشعب التونسي الذي أدهش العالم خلال الأسابيع القليلة الماضية أن يَحول دون هذا السيناريو الأخير، ويدفع بالبلاد نحو آفاق الحرية والعدالة الاجتماعية اللتين ينشدهما.
 

اقرأ المزيد

ثورة الياسمين… لكي لا يخبو الحلم!


لقد كان التونسيون بالفعل أوفياء لشاعرهم العظيم أبي القاسم الشابي وقد غدو يرددون أفرادا وجماعات:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد ان ينكسر
الانتفاضة الشعبية التونسية التي رفعت شعارات تطالب بالخبز والكرامة وبالديمقراطية وبالحريات وبوقف كافة مظاهر الفساد والاستبداد، استطاعت بعفوية اجمع عليها الجميع تقريبا، وفي غضون اقل من شهر ان تقتلع نظاما عرف بمركزيته الشديدة وباستبداده وفساده ومحسوبيته، حيث كان علامة فارقة ميزته عن بقية الأنظمة المشابهة اليه في نواحٍ كثيرة!.

بعد هذا السقوط المدوي لنظام حسبنا ان عمره سيطول ويطول معتمدا على كل ما توافر له من مقومات اعتقد قادته واهمين أنها مقومات قوة ليفاجئوا بها مقومات هدم وانهيار سريع لنظامهم على عكس ما أرادوا وتمنوا، فما أحوجنا ان نقرأ جميعا أحداث تلك الانتفاضة الجماهيرية التي عجلت برحيل نظام الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي بعد عقود من الاستبداد والقبضة الحديدية التي حكمت بها بلاد كتونس وهي التي تتمتع بثروات مادية وبشرية كبيرة، علاوة على ما ميز مجتمعها المدني من حيوية جماهيرية، لكنه بالرغم من كل ذلك ظل مقيدا ومحاصرا رغم ما ترافق مع كل ذلك من تغييب إعلامي ومصادرة للحقائق بمثل ما غيبت الحريات والحقوق، في الوقت الذي تم فيه تسويق تونس طيلة أكثر من عشرين عاما على انها واحة الرخاء والديمقراطية. وجاءت صفعة احد رجال الدرك التونسي لشاب جامعي اصر على ان لا يستسلم لوضعه كعاطل عن العمل محاولا ان يمتهن مهنة بائع جوال للفواكه والخضروات، مهنة يوفر من خلالها قوت يومه ويحفظ بها كرامته، جاءت تلك الصفعة لتوقظ ضمير امة بأكملها، فبعد أن احرق محمد البوعزيزي نفسه احتجاجا على تلك الإهانة ليتحول الى رمز لانتفاضة الياسمين التي سرعان ما انتقلت كالنار في الهشيم لتعم كافة مدن وقرى واحياء تونس، خرجت فيها شغيلة تونس وعمالها معبرة عن مطالبها المشروعة في العيش بكرامة تحت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، في دليل آخر على ما تكتنزه الطبقة العاملة من قدرات لا يمكن تجاهلها، لتوقد فتيل مسيرة خضراء باتجاه تحقيق ملايين التونسيين لحلمهم المكبوت في زنازن النظام ومنافيه القسرية نحو قيام دولة الحريات والديمقراطية المنتظرة، ولتوقظ بدورها شعورا عارما لدى الكثير من الشعوب المقهورة.

وعلى الرغم من كل ما قيل ويقال من تحليلات حول الأوضاع التي سبقت سقوط النظام هناك، يبقى من الصعب الحكم على ما سيتوافر من بدائل، خاصة إذا علمنا اننا نتحدث عن فترات طويلة من الكبت السياسي وتغييب الحريات والممارسة الديمقراطية، حيث بات الوضع الجديد يحتمل الكثير من السيناريوهات المنتظرة، وذلك بالنظر الى ما تمثله تونس ومحيطها الجيوسياسي من اهمية للكثير من دول القرار العالمي، وبالنظر الى موازين القوى الداخلية والخارجية وحتى حاجة بعض دول الجوار التونسي الذين ارعبت بعضهم تداعيات الأحداث الى الاطمئنان على اوضاع نظمهم القائمة ولو الى حين، نذكر فقط بان ما رفع من شعارات خلال مسيرة انتفاضة ثورة الياسمين لم يكن مقتصرا على تونس لوحدها فها هو احد الشعارات الرئيسة التي رفعت في التظاهرات يقول مخاطبا الرأي العام العالمي قائلا «هل رأيتم حاكما يعامل شعبه وكأنهم مجموعة من الأغبياء؟» فيما يقول شعار آخر «خبز وماء وبن علي لا» و«اخرج من دون رجعة.. لقد انتهت اللعبة»، فيما ترفض حكومات اوروبية صديقة للنظام المخلوع استقبال صديق الأمس اللدود حفاظا على مصالحها الحيوية في ذلك البلد وخوفا من المنظمات الحقوقية التي رفعت منذ زمن العشرات من القضايا في محاكم بلادها ضد ازلام النظام المقبور وممارساته، فيما تنبري الولايات المتحدة باسم رئيسها للترحيب بالتحولات والقبول بخيارات الشعب التونسي.. كل هذا جرى ويجري في فترة زمنية قياسية لم تكن بأي حال ضمن حسابات العديد من المتابعين.

وبالمثل حملت لنا صور المسيرات والتظاهرات العديد من المضامين والقراءات المتسقة والمتعارضة ايضا للمشهد القادم في تونس لعل اخطرها هو المجهول، حيث تشي تداعيات الأحداث بأن لا زال هناك من لم يقولوا كلمتهم بعد وسيحاولون دون ادنى شك الالتفاف على ما استجد من معطيات وقد اربكتهم الأحداث وتسارعها، لكنهم حتما سيبقون متربصين بحركة الشارع وتحولات المزاج العام انتظارا للانقضاض على ما لدى التونسيين من حلم وأمل فهل سيسمح الشارع هذه المرة بأن يخذل ثانية وقد جرب ذلك من قبل أم هل لنا ان نعول على وعي جماهيري وسياسي وحزبي يستطيع ان ينتقل بتونس الخضراء الى حيث التحول الحقيقي نحو الديمقراطية وبناء النموذج الذي لا زال غائبا عن محيطنا العربي والإسلامي… ذلك هو التحدي وتلك هي المهمة وما أصعبها!!
 
 

اقرأ المزيد

من تونس.. درسان


كثيرة هي الدروس التي يمكن تعلمها من «الملحمة التونسية». من بينها أن الثورات قد تشتعل في أي لحظة ومن دون سابق إنذار. وقد تجري الأمور بما لا يتوقع أعتى المحللين أو أكثر عناصر المخابرات دهاء.

لكن من أهم الدروس التي تستقى من ثورة «البوعزيزي» اثنان. أولهما أن الأنظمة البوليسية هشة مهما كانت الصورة الشائعة عنها. ومهما كثر عناصر مخابراتها. وازدادت زنازين السجون فيها. وخنقت فيها الحريات. تلك الأدوات لزوم «الشغل». ولردع ضعاف النفوس من التفكير في مواجهة الظلم.

لكن سلاحا مثل تلك الأنظمة الأشد فتكًا لا تملكه هي. بل موجود في داخل نفوس شعوبها. هو سلاح الخوف الذاتي. في تونس، لم تطل إقامة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي طويلا في بلاده بعدما كسر التوانسة حاجز الخوف. في اللحظة التي سار فيها الآلاف إلى مقر وزارة الداخلية، رمز النظام البوليسي الذي حكم تونس أكثر من عقدين، تأكد الجميع أن بن علي راحل لا محالة.

في اللحظة التي رفعت فيها فتاة لا يتعدى عمرها العشرين عاما لافتة تدعو بن علي إلى الرحيل، بدا النظام القاسي المتعجرف، عاريا قليل الحيلة بل مذعورًا يسعى بكل الوسائل إلى «انقاذ ما يمكن انقاذه». في اللحظة التي أعلن فيها الرئيس المخلوع عن وعود بالحريات والديمقراطية وإصلاحات كان يرفضها أربعة وعشرين عاما، عرف التونسيون أن الرجل يعيش لحظاته الأخيرة في الحكم.

تلك أنظمة هشة. لا تملك شرعية من أي نوع. أساس «شرعيتها» الوحيد الخوف القائم في نفوس شعوبها. الخوف من صورة بناها النظام عبر أدوات متعددة: بوليسية، إعلامية، وشبكة مصالح ربطته بقوى دولية ومحلية.

كسرت الثورة التونسية هيبة كل الأنظمة القمعية. بددت صورة الأنظمة التي لا تقهر، كشفت عجز وهشاشة أنظمة لا تملك من الشرعية سوى ما يكتب في تقارير المخابرات التي تزيف إرادة الشعوب وتتلاعب بانتخاباتها وتصادر قراراتها، لا تملك من الشرعية سوى بعض بطانة زائفة تعتاش على مقدرات الشعوب، غارقة في وحل الفساد حتى قمة الرأس، وتظلم باسم النظام حتى أولئك الفقراء الذين لا يملكون من سبل العيش سوى عربة خضار على ناصية شارع كتلك التي كان يملكها الشهيد محمد البوعزيزي ذي الستة والعشرين عاما مفجر الثورة التونسية.

الدرس الآخر للحكومات، كثيرة هي الوعود، بالاصلاح، بالوظائف بالبنى التحتية، بمزيد من المدارس والحدائق والطرقات، قليل منها ينفذ، وتظن بعض الأنظمة أن الشعوب تنسى، وتغفر، لكن الشعوب تمهل ولا تهمل، قد تغفر، لكنها لا تنسى، وحين تغضب فلا راد لانتقامها. 
 
منذ قامت «الجمهوريات» العربية خلال وبعيد سنوات الاستقلال، والشعوب تنتظر تنفيذ الوعود الوردية. تنتظر قيام المؤسسات التي وعدت بها «البلاغات رقم واحد» التي تذاع على الهواء عند كل انقلاب نفذه العسكر، غير أن أوضاع تلك الدول ازدادت سوءا، باتت كل دولة تتراجع على كل الصعد. 
 
وترى تلك الشعوب بحسرة قيام نظم ديمقراطية في مناطق في العالم كانت حتى وقت قريب توصم بالتخلف والجهل، مثل بعض الجيوب الجغرافية في أفريقيا وآسيا. ولم تعد دول أمريكا اللاتينية توصف بجمهوريات الموز، بل بات ذلك الوصف ينطبق حصرا على دول عربية كثيرة رهنت ثرواتها وقرارها السيادي في يد دول خارجية أو عصابات فساد محلية. 

إن على تلك «الجمهوريات» أن تدرس ما جرى في تونس بعناية، وتعيد النظر ثانية، وتراجع أوضاعها. وتعيد صياغة العلاقة بينها وبين الشعوب المقموعة التي تنتظر أول فرصة لتقلب الطاولة، ربما كان حتى البوح بمثل هذا الحديث من المحرمات قبل بعض الوقت، لكنه حديث لا بد منه، إن على الأنظمة أن تصلح أمورها وتستمع لما تطالب به الشعوب قبل أن يفوت الأوان.

هذان درسان يهمان كل من يعنيه الأمر في منطقتنا المنكوبة بأنظمتها، ولكن هناك في ملاحظة لا بد من سردها حين الحديث عن ثورة تونس العظيمة، كان لافتا غياب الإسلاميين عن تلك الثورة، ولم يسمع أحد صوت تلك الأحزاب الدينية إلا بعدما بلغت طائرة بن علي مطار جدة، واختفت، لحسن الحظ، لافتات «الإسلام هو الحل» عن تظاهرات تونس وسيدي بوزيد والقصرين وصفاقس. إن الثورة قامت على أكتاف وبتضحيات التونسيين البسطاء، قامت من دون أن يدعي أحد قيادتها. ولم يقدر أحد من «النخبة» أن يشتت انتباه الشباب والشابات الذين أذهلوا العالم خلال ثمانية وعشرين يوما من التضحيات باللحم الحي. 
 
ولكن ذاك لا يعني أنه لا يوجد خوف من أن يركب الإسلاميون الموجة محاولين اختطاف الثورة. كما هي المخاوف من أن يحكم الجيش قبضته عليها، لكن الإسلاميين معروفون بقدرتهم على المناورة ونسج تحالفات مع ذوي النفوذ لضمان تمرير مصالحهم وتنفيذ أهدافهم. 
 
الأمل أن تبقى ثورة تونس المجيدة بريئة، شعبية، طاهرة، ديمقراطية، مدنية، حضارية، تعلم العرب كيف ينتفضون لكرامتهم. وتعيد فينا جميعا الثقة وتثبت أن في مكان ما لا يزال هناك عرق ينبض فينا يتوق إلى الحرية، عاشت تونس، وعاش أبناؤها، ورحم الله الشهيد البوعزيزي.
 
الأيام 18 يناير 2011

اقرأ المزيد

لم تكن مجرد انتفاضة فقراء!


يركّز كثيرون على أنّ انتفاضة الشعب التونسي كانت احتجاجا على الفقر والبطالة، ويتجاهلون العديد من الأسباب، التي حرّكت الشعب التونسي كله ودفعته إلى الانتفاض… فصحيح أنّ الفقر والبطالة كانا من بين أسباب الانتفاضة، ولكنهما لم يكونا السببين الوحيدين، واقتطف هنا بعض ما جاء في بيانات أحزاب المعارضة التونسية وتصريحات قادتها من مختلف الأطياف والتوجهات، التي تبيّن أنّ هناك أسبابا تقف وراء الانتفاضة هي أعمق وأوسع من أن تنحصر في الفقر والبطالة.
 
 فحزب العمال الشيوعي التونسي، الذي اعتقل النظام البائد الناطق الرسمي باسمه حمّه الهمامي، كان قد أصدر بيانات عديدة جاء في آخرها: “إنّ القضايا التي أثارتها الاحتجاجات الشعبية هي قضايا جدّيّة وعميقة لا تتعلق بالبطالة فحسب، بل كذلك بالاستغلال الفاحش وغلاء المعيشة والتفاوت الجهوي (أي المناطقي) والفساد والظلم والاستبداد، وقد بيّن نظام الحكم أنّه عاجز عن تقديم الحلول المناسبة لهذه القضايا”… أما حركة التجديد برئاسة مرشح المعارضة السابق للرئاسة أحمد إبراهيم فشرحت في بيان صدر عنها أبعاد الأزمة العامة في تونس وخلصت إلى “أنّها أزمة ناتجة عن شعور بالضّيم أمام انسداد مزدوج: انسداد آفاق تمتّع كل فرد من الشعب في كل أنحاء البلاد بنصيبه من فرص الشغل والعيش الكريم في الوقت الذي تستفحل فيه ظواهر الفساد والإثراء الفاحش لقلّة قليلة على حساب المصلحة الوطنية، وانسداد قنوات التعبير والدفاع عن المطالب والتحاور في شأنها فضلا عن قنوات ممارسة حقّ المواطنة وما تعنيه من مشاركة حرّة في رسم الاختيارات ومساءلة المكلّفين بتنفيذها”… وكذلك أقتطف بعض ما جاء على لسان المعارض التونسي الإسلامي زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي في مقابلة صحافية أجريت معه قبيل سقوط نظام بن علي، حيث تحدّث عما كان يُسمى “المعجزة التنموية التونسية” فقال: “في سنوات محدودة ظهر مليونيرات لم يكونوا يملكون شيئا.. كل ذلك وماكينة الإعلام الدولي تترنم بالمعجزة التنموية التونسية. لقد بُحّت أصواتنا خلال عشرين سنة دون أن نحقق نجاحا يذكر في إقناع أحد بأن ما يتراءى أمامهم يتلألأ ليس ماء زلالا وإنما سراب خادع. لقد بحّت أصواتنا لنقنع الناس بزيف هذا “النموذج”، نموذج يناقض نفسه بنفسه… تنمية في ظل نظام بوليسي يقمع المواطن ولا يقف عند حد في إهانته وانتهاك كرامته ويفرض عليه الاغتراب ويكمم فاه قائلا له: استهلك واصمت”!
 
وإذا أردنا الوقوف أمام معطيات أخرى ومقارنات ذات دلالة فإنّ الفقر والبطالة في تونس كانا يمثلان مشكلتين حقيقيتين، ولكن الفقر والبطالة في تونس ليسا الأعلى قياسا بما هما عليه في معظم البلدان العربية، ومع ذلك فقد اندلعت الانتفاضة الشعبية في تونس قبل أن تندلع في تلك البلدان، حيث نضجت ظروفها الموضوعية واشتدت تناقضاتها قبل سواها… فعلى سبيل المثال فقد كانت تونس في التقرير الأخير للتنمية البشرية  في العالم الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تُصنّف ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، ولكنها لم تكن تنمية متوازنة ولا عادلة، وبالمناسبة فإنّ تصنيف تونس في هذا التقرير يقع ضمن التصنيف المرتفع ذاته، الذي تقع ضمنه الكويت، مع فوارق أهمها أنّ الكويت بلد نفطي وتونس ليست كذلك، والمؤسف أنّ أحد أسوأ المعايير المشتركة بين البلدين يتمثّل في تقارب درجاتهما ضمن مؤشر مدركات الفساد العالمي الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حيث كانت درجات تونس في التقرير الأخير 4.3 درجات والكويت 4.5 درجات من عشر درجات!
 
باختصار، صحيح أنّ الفقر والبطالة كانا من أسباب الانتفاضة، ولكنهما لم يكونا السببين الوحيدين، إذ لم ينحصر جمهور المنتفضين في الفقراء والعاطلين وحدهم، وإنما كانت انتفاضة شعبية واسعة شارك فيها العديد من طبقات المجتمع التونسي وفئاته، بدءا من الطبقة العاملة مرورا بالبرجوازية الصغيرة وانتهاء بالطبقة الوسطى، وكانت الانتفاضة إلى جانب ذلك انتفاضة ضد الفساد والظلم والاستبداد المرتبط معا بما كان يُسمى “المعجزة التنموية التونسية”… فلا تنمية في ظل الفساد… ولا تنمية من دون عدالة اجتماعية… ولا تنمية من دون أن يكون الإنسان محورها وهدفها… ولا تنمية في ظل احتكار السلطة… ولا تنمية من دون حرية حقيقية… وهذا أحد الدروس، التي يجب الاتعاظ منها!
 
صحيفة عالم اليوم 17 يناير 2011
 
 

اقرأ المزيد

تونـس بعد العاصـفة


انتهتْ المرحلةُ الخطرة من الأزمةِ التونسية بانتصار سياسي عام للشعب التونسي على النظام الشمولي السابق.

وتنتمي القوى الاجتماعية الكبرى التي برزت على السطح إلى ثلاث: الرأسمالية الحكومية المتنفذة بقواها الاقتصادية وأجهزتها، والرأسمالية الخاصة الحرة المشكلة عبر تنظيمات مثل: الحزب الديمقراطي التقدمي والاشتراكيون وحزب النهضة الإسلامي، فيما تأتي الطبقة العاملة وتنظيماتها أخيراً مثل حزب التجديد الاشتراكي والحزب الشيوعي العمالي التونسي.

فيما تغدو الطبقة الحاكمة الممثلة سياسياً في الحزب الدستوري المهيمنة على المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية، في مواجهة عاصفة لزحزحتها عن الهيمنة الطويلة على الحياة العامة لعقود عديدة، وهي التي انقسمت إلى بيروقراطية الفساد المسيطرة على الخيرات، وتكنوقراط مشاركين لها في الحكم والامتيازات، وحشود من المستخدمين المدنيين والعسكريين، وهي تتطلع بعد رحيل الرئيس السابق إلى توسيع تحالفاتها مع القوى الاجتماعية الأخرى، بعد أن أدت السياسة السابقة إلى تقوقعها في نخب معزولة مهددة من بحر شعبي.

الإلحاح الدعائي على أحزاب الطبقة الوسطى المستقلة وخاصة قواها العلمانية ورفض جماعة النهضة المذهبية السياسية في الإعلام الرسمي، والحديث عن تكوين (جبهة وطنية) هو من أجل توسع قواعد السلطة المتقوقعة سابقاً والمهددة بالاقتلاع التام من قبل شعب عمالي فقير.

وبطبيعة الحال يُفترض أن تكون الجبهة الوطنية المقترحة تضم كل الأطراف، وتنقل تونس لدولةٍ ديمقراطية ذات طابع عريض، وتتجه للتعددية الحقيقية.
وهذا ممكن بعد أن قبل حزب اليسار التجديدي الاشتراكي(الحزب الشيوعي التونسي) خيار الديمقراطية الغربية والتعددية، وبدل اسمه، فيما يظل الجناح المتطرف (الشيوعي العمالي) الذي لعبَ دوراً في التأجيج الحاد مطالباً بتغييرات جذرية تسحق البرجوازية وتُحدث الانتقال للاشتراكية!

إن التعددية الحقيقية والديمقراطية على الطريقة الغربية غير ممكنة في الوقت الراهن بسبب طبيعة الرأسمالية الحكومية التي تمتلك أغلب المؤسسات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. فهي لا تريد من القوى الأخرى سوى مساندتها والعبور من المحنة الراهنة، التي تسببت فيها الحكومة السابقة حتى تعيد تجديد ذاتها بنفس المضمون. لكن أن تنتقل هذه القوى الاجتماعية الأخرى إلى الشراكة الكاملة معها والتحول الكلي للمشروع الديمقراطي الغربي، فذلك مرفوض.

ولا تتيح الموارد والقوى الاقتصادية الراهنة والقوى العاملة البشرية أن تتجاوزَ الطبقةُ الحاكمةُ هذا الخيار، فلا توجد إمكانيات تصنيعية متقدمة، وقوى إنتاجية بشرية علمية واسعة، فيقع خيارُها في مستوى رأسمالية حكومية مهيمنة على إنتاج وتصدير المواد الخام الصناعية والزراعية، مع مساندة كاملة من رجال الأعمال.

تنافس الرأسماليةُ الخاصةُ الحكومةَ والطبقةَ الاقتصادية التي كونها الحزبُ الدستوري الحاكم. فثمة جوانب كبيرة تطورت من خلالها هذه الطبقة، ولكن يبقى سقف الدولة هو السوق الأكبر، وهو الذي يتيح المشروعات الكبرى، فيغدو الصراع السياسي صراعاً اقتصادياً على السوق كذلك.

والطبقة الرأسمالية الخاصة لا تنمو إلا بمؤازرةٍ من الطبقة العاملة إلا إذا مضتْ هذه الطبقة الأخيرة في خيارها السياسي الخاص. ويمكن أن يقع ذلك مع تصاعد الهياج الاجتماعي، وعجز الطبقة الحاكمة عن تغيير الحياة المعيشية المأزومة للجماهير.

هنا نجد صورة واضحة للحراك الاجتماعي للدول النامية وهي في سبيل بناء رأسماليتها الخاصة حيث التطور الاقتصادي الوطني والاستغلال وآلام الجماهير معاً.
ولهذا فإن صيغةَ التحالف بين المنظمات السياسية الوطنية المختلفة ضرورية هنا للعبور من مرحلة التفرد الاجتماعي السياسي لأي قوة اجتماعية، وفتح سبل التطور الاقتصادي لمختلف الطبقات، وحل مشكلات النظام السابق العالقة والسير لتعددية حقيقية وتبادل للسلطة بعد حين.


 أخبار الخليج 18 يناير 2011

اقرأ المزيد

من وحي فيلم «حنين»


وسط حضور شبابي لافت متعدد الميول والاهتمامات عُرض في مقر المنبر التقدمي مساء أمس الأول الفيلم البحريني:«حنين»، من إخراج الفنان حسين الحليبي وسيناريو الفنان خالد الرويعي، وتمثيل نخبة من أبرز الفنانين البحرينيين.

يُقارب الفيلم موضوعاً إشكاليا ودقيقاً هو المسألة الطائفية في البحرين، من خلال رصده للتحولات في الوعي المجتمعي، ممثلةً في العودة عن الحس الوطني المشترك الذي جمع البحرينيين في بوتقة النضال من أجل قضاياهم المشتركة الجامعة، إلى أشكال الاستقطاب الطائفي في أكثر صورة مَرضية وابتذالاً.

ولأن هذا الموضوع ملتبس إلى حدود بعيدة بالشأن السياسي، فانه لم يكن بوسع كاتب السيناريو والمخرج وطاقم العمل أن ينجوا من ملامسة التقاطعات بين التيارات المختلفة في البحرين، دون أن يتيح زمن الفيلم المحدود الوقوف على تلك التقاطعات بالصورة المتوخاة.

عقب عرض الفيلم نقاش جدي مع الحضور شارك فيه كل من مخرج الفيلم حسين الحليبي والمخرج المساعد الفنان أحمد الفردان والفنانة القديرة مريم زيمان الممثلة في الفيلم، وبين الحضور ضيوف مهتمون بالشأن السينمائي والنقدي من المملكة العربية السعودية، حول القضية الإشكالية التي يطرحها الفيلم وحول بعض الجوانب الفنية فيه، ويمكن القول أن مداخلات الحضور تشير إلى تشكل وعي سينمائي واعد لدى شرائح من الجيل الجديد.

وكانت الإشارات التي قدمها حسين الحليبي ومساعده أحمد الفردان مهمة لجهة تسليطها الضوء ليس فقط على بعض المحطات في الفيلم التي أثارت الأسئلة، وإنما أيضاً لتشديدهما على الصعوبات التي واجهت إنتاج الفيلم، وهي جميعها تندرج تحت عنوان غياب العناية الرسمية بالإنتاج السينمائي في البلاد.

فالفيلم أنتج بإمكانيات مادية محدودة للغاية، وبفريق عمل قليل العدد بالقياس إلى طبيعة الموضوع والمعالجة التي يتطلبها، مما جعل القائمون على الفيلم يستعينون بتقنيات تلفزيونية أكثر منها سينمائية.

وأشار المخرج إلى أن عدة جهات رسمية تمنعت عن تقديم المساعدة في تصوير الفيلم، وتأمين الإمكانيات المطلوبة، وواجه الفريق العامل صعوبات في تأمين أماكن التصوير أمام اعتذار الجهات المعنية عن الترخيص بالتصوير، بل أن بعض الجهات تراجعت في اللحظات الأخيرة عن موافقتها فيما كان الممثلون بكامل استعدادهم للتصوير.

هذه الإشكالات تشير إلى معضلتنا الأزلية ، حين لا تواجه مواهب إبداعية واعدة ومتفانية في عملها ومخلصة له، ولديها رغبة جادة في النهوض بأوضاعنا في المجالين الثقافي والفني، إلا بالتجاهل والإهمال وعدم التقدير.

جميل أن يتصدى لمثل هذه الموضوعات مبدعون شباب تلقوا خبراتهم في المؤسسات الفنية في البلد منذ صباهم، وكانوا على تماسٍ مع قضايا المجتمع الكبرى من خلال أدوارهم في مؤسسات المجتمع المدني، وهي سمة بحرينية بامتياز يجب النظر إليها على أنها علامة من علامات نضوج الوعي في بلادنا، جديرة بالتقدير والرعاية، لا التنكر منها أو السعي لإقصائها أو إحباط آمالها.

في النهاية نشد على أيادي فريق الفيلم، وهو فيلم يأتي في سياق التأسيس لسينما بحرينية، كما نوهت إلى ذلك الفنانة مريم زيمان، حين قالت أن مجموع ما قدم من أعمال سينمائية بحرينية ما زال محدوداً للغاية، وهذه الأعمال هي مساعي ولوجنا إلى عالم السينما الذي يجب العمل على تحفيزه وتسريعه.
 

اقرأ المزيد

موسم الهجرة للجنوب !!


ليس هذا العنوان له علاقة بالمصطلح والاصطفاف العالمي الجديد لزمن العولمة لمسألة الصراع بين الشمال والجنوب، وليس أيضا له علاقة برواية الطيب صالح موسم الهجرة للشمال، غير اننا هذه المرة تخيلنا لو إن الروائي السوداني كان حاضرا يعايش هجرة مختلفة ولكنها من الداخل، أكثر ما يمكن وصفها بمأساة عملية النزوح المستمرة الداخلية في السودان في العقود الأخيرة واغلبها كان بسبب الحروب الأهلية وسوء إدارة النظام لتناقضاته وتنميته.

موسم الهجرة هذه المرة ستكون ارتحال الجنوبيين من الشمال إلى الجنوب والشماليين من الجنوب إلى الشمال لسببين إما بسبب الاستفتاء والخشية من أمور سياسية لاحقة أو أنها تداعيات لعملية نزوح قادمة، عندما يكتشف السودانيون الذين عاشوا في وطنهم دون التفكير بأنهم ينتمون للجغرافيا بقدر ما كانوا ينتمون للقبيلة والولاية والحزب والدين، وبسبب تداعيات نتائج الاستفتاء آجلا أو عاجلا ستحدث تشابكات بين الأقلية المسلمة الصامتة في الجنوب والأكثرية المسيحية في الشمال، مما سيؤدي إلى صدام عنيف ودموي، يدفع بالشماليين للانتقام من الجنوبيين في حالة وجودهم في مناطق الشمال، ولهذا يعيش السودانيون حالة من القلق والترقب والسيناريوهات المجهولة لحالة بلد سيكون بعد التاسع من يناير عام 2011 بلدين أو سودانيين لا سودان واحد ، وبدلا من أن يكون هناك نائب رئيس من الجنوب ورئيس من الشمال، فان أهل الجنوب يميلون ان يكون رئيسهم مستقلا وندًا لرئيس الشمال، ويتعاملان كبلدين مختلفين ومتجاورين تجمعهما اتفاقيات دولية وتربطهم علاقات متكاملة داخل المنظمات الإقليمية.

في التاسع من يناير وقف في طابور طويل الجنوبيون ليدلوا بصوتهم نحو الانفصال ـ دون ريب – إذ لم تكن السنوات الست الانتقالية أو التجريبية أو التمهيدية إلا تجربة مريرة بين الشمال المركز والجنوب الطرف المهمل والفقير والأكثر شعورا بالتمييز في المركز والوظائف العليا كلما أراد التنافس من اجل الوصول إلى وضع لا يعرف التمييز والإقصاء. لن يستطيع دعاة الوحدة في الجنوب إبداء رأيهم بكل وضوح وكثافة لكونهم يدركون إن ذلك التصويت مع الوحدة له تبعات سلبية بعد خيبتهم وميل الاستفتاء للانفصال بأغلبية كبيرة، تدفع بكل وضوح الدوائر الغربية دون استثناء نحو الانفصال. وإذا ما كان الانجليز هم سادة ترسيم خارطة أفريقيا مع الاستعمار الأوروبي القديم في القرون الأربعة الأخيرة، فان مهندس الخارطة في الألفية الثالثة هذه المرة الولايات المتحدة، المتسيدة دون منافس، إذ تتربع الولايات المتحدة وراء كل الخرائط الجديدة في عصر العولمة، بل وتمارس قوة الدفع والانحياز لجعل الدول الجديدة مرتكزات جديدة لإسرائيل وغيرها، دون أن تسمح بسلبها حق أن تكون اللاعب المتميز في تلك الساحة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة اليوم المعنية بصياغة لعبة حق تقرير المصير ولعبة حقوق الإنسان والديمقراطية والاستئساد المصطنع للدفاع عن حقوق الأقليات في العالم، انطلاقا من المبدأ نفسه «حق تقرير المصير وحقوق الإنسان».

ما رصدته شعوب وقبائل الجنوب في حكومة الشمال، من فتاوى وتصريحات وممارسات وجلد وأحكام إزاء النساء والتدخلات الفظة في قضايا كثيرة من قبل التيارات المتشددة، دفعتهم للإصرار أكثر نحو الاستقلالية الكاملة والانفصال، بحيث تصبح الثروة والقرار السياسي كاملا بيد الجنوبيين وهم يديرون دولتهم بأنفسهم، دون الحاجة لأن يصبحوا أتباعا للشمال وحكومته المركزية، التي لم ولن تكون مستقرة أكثر بعد نتائج الاستفتاء والانفصال!! إذ على «سودان ما قبل الانفصال» أن يعيد تركيبته بعد الانفصال وإعادة صياغة دستوره وطبيعة نظامه، وهذا ما تدعو إليه المعارضة السودانية حاليا، التي على اختلاف توجهاتها، اتفقت على محور مركزي هو ضرورة إسقاط نظام البشير، دون أن تحدد أدواته ووسائله، وإن كانت عملية العصيان المدني والانتخابات والنهج الديمقراطي السلمي سيكون خيارها. كيف سيخطو السودان الجنوبي مع نظيره الشمالي لاحقا كدولة مجاورة انسلخ بعضهما البعض عن تاريخهما الاستعماري القديم؟ كما لم تستطع توثيق فكرة السودان الموحد القائم على توزيع عادل وديمقراطي طوال تلك العقود، مما ترك جرحا عميقا لدى الجنوبيين استمرت أثاره في تلك السنوات الخمسة والعشرين من حربهم ضد حكومة الشمال ودفع الجميع ثمنها باهظا.

بعد الاستفتاء الحتمي نتائجه – الانفصال – سنجد العلم الجديد يرفرف في سفاراتها في العالم وكعضو في منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وقد يكونون أيضا جزءاً من الجامعة العربية كإخوتهم من الصوماليين والجيبوتيين. المتباكون بنزعتهم القومجية على واقع الانفصال لم يسألوا أنفسهم يوما لماذا هم يقررون حق تقرير مصير الغير في مؤتمراتهم وندواتهم؟ وكأنما لا يوجد شعب هناك له حق الاختيار في الانفصال أو الوحدة وذلك ابسط مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها.

السودان ليس البلد الوحيد في العالم الذي يشهد استفتاءً ولن يكون الأخير، بل هناك من الملفات الكثيرة تاريخيا تدلل على أن المنطق الطبيعي لعدم التوافق هو الانفصال، كما كتبها السوداني على سيارته «الطلاق بالثلاثة» وكانت رسالة واضحة لحكومة الشمال، ونحن نراهم يتدفقون من الشمال إلى الجنوب طوال شهور كاملة رغم صعوبة المواصلات والفقر المدقع للمنتقلين الجنوبيين من الشمال نحو بلدهم الجديد القادم.

ستنتهي عملية الصراع لبناء بلد جديد في الجنوب وستبدأ بعدها الصراعات الداخلية فيه نحو مواقع الثروة والسلطة، وسيتم الفرز القبلي والحزبي، ولن تكون الديمقراطية الوليدة صمام أمان نهائيا، فما وحّد الجنوبيين خلال الست سنوات هو الهدف المركزي المشترك – الاستفتاء وبناء بلد ودولة جديدة مستقلة – ولكن بعد الانتهاء من الفصل ما قبل الأخير من المسرحية، فان الصراع الاجتماعي الطبقي سيكون المنطق الطبيعي للنظام الجديد. ومسمار الموت في نعش الأثرياء الجدد في الدولة الأفريقية الجديدة. أخيرا سيرقص الجنوبيون بطريقتهم دون رقيب أو فتوى دينية تردعهم، مثل كل الأقوام البدائية في القارة «فالبامبو السوداني» صار اكثر رواجًا في الجنوب من رواج الطرق الصوفية في الشمال على اقل تقدير بالمعنى الدلالي للواقع السوداني المنتظر.
 
الأيام 18 يناير 2011

اقرأ المزيد