المنشور

مصر والسلطة الجديدة المطلوبة

تمثل انتفاضة مصر الراهنة محاولة من الشعب المصري الذي ضاق بالنظام البيروقراطي الهرم وعجزهِ عن مواكبةِ مشكلات الشعب، وتركيزه في الاستغلال وتكوين فئات ثرية عليا، في الوقت الذي حدث اهتراء في البنية الاقتصادية والسياسية، وانقطعت قوى التجديد الشبابية والديمقراطية السياسية من الدخول في قنوات النظام، ولم يسعَ لإيجاد تغييرات في الطبقة الحاكمة العتيقة، وبدا ذلك في بقاءِ مؤسسة الرئاسة جامدةً وفي طرح مسألة التوريث، مما يجعل النظام يتراجع حتى عن مكاسبه الجمهورية من دون أن يبقي على مكاسب المَلكية القديمة بتنوعها وتعدديتها وثقافتها المفتوحة، فجمع النظامُ سلبيات المَلكية وسلبيات الجمهورية معاً، فكان لابد من صدمةٍ عظيمة كبرى يقومُ بها الشعبُ البسيط ببطولات هائلة.
عجزه الأساسي يتمثل في التحاق مؤسسة الرئاسة بالحزب البيروقراطي ممثل الفئات المسيطرة المتحكمة في الثروة العامة خلال عقود الهيمنة العسكرية الطويلة.
وإذا رفضت مؤسسةُ الرئاسة قبول مطلب المتظاهرين بالتنحي فإن الأفق مفتوح لصراعات غير معلومة خطرة.
وهناك صراعا المشرقِ العربي الإسلامي يحتدمان في مصر: محور الصراع الديني الشمولي، والمحور الليبرالي، وإذا كان المحورُ الثاني مكوناً من فئاتٍ غير واضحة المعالم ومن أحزابٍ صفتْ نفسها ولم تنشئ لها قواعد واسعة وابتعدت عن الصراع كحزب الوفد ومن جماعات شبابية غير متمرسة في العمل السياسي الجماهيري وهو المحور الإيجابي الذي يمكن أن يكون وريثاً إيجابياً لطبقة اهترأت سياسياً، فإن المحور الثاني لديه منظمة الإخوان ذات الشبكة التنظيمية الواسعة والمؤثرة في شبكة المساجد والقوى العامية ذات الفعالية الكبيرة.
والتغيير لو حدث فإنه سيجمع هذين المحورين في سلطة واحدة مضطربة، ليس لها تقاليد النضال التونسي الديمقراطي العلماني الطويل، ومؤسسة الرئاسة رافضةٌ للتنحي ولتكوين طاقم جديد يتولى السلطة كحلٍ عقلاني يجنبُ مصرَ احتدام الصراع بين المحورين إضافة لدخول قوى أخرى عديدة على الساحة.
إن مطالب المحتجين تتوجه إلى الهجوم على الطبقة البيروقراطية المتحكمة في المال العام والمخططة لسير الاقتصاد بحسب مصالحها وليس حسب حاجات الشعب والأجيال الجديدة. ومؤسسة الرئاسة رمز وتتويج لهذه الطبقة.
بطبيعة الحال لن يخرج النظام من العلاقة الوثيقة مع الغرب، وهو أمرٌ مهم لعدم الانزلاق بالحرب والصراع الساخن مع إسرائيل في هذه المرحلة التكوينية، فالفئاتُ الشبابيةُ الوسطى القوية الحراك تتسم بالحداثة وهي تتداخل مع بعض القوى الدينية من دون أن يظهر ذلك بشكل أيديولوجي صارم. وحتى الإخوان يقاربون الحداثةَ والعقلانيةَ على مستويات معينة، ليست غائرةً تماماً في الخطاب الإسلامي لديهم، فهم بعدُ متعلقون بإرثِ الإقطاع في العصر الوسيط، ولم يجددوا ولم يفهموا الإسلامَ بشكلٍ ديمقراطي علماني. ويعوقُ فهمُهم دخولَ مصر في الثورة الديمقراطية والثورة التقنية الصناعية العالمية الجارية، ومن جهة الشباب فإنهم لا يملكون دهاء السياسة وفهم البُنى الرأسمالية المتصارعة في مصر والعالم.
ولهذا فإن مصر تريدُ إدارةً ديمقراطية انفتاحية عصرية تجمع كل هؤلاء الفرقاء وتركز في تجديد الرأسمالية الحكومية النخرة، وتفتح الأفق لتحولات اقتصادية واجتماعية كبرى ذات برنامج طويل مركب.
ولهذا فإن السيد محمد البرادعي هو أفضل الشخصيات التي تستحق تسلم موقع الرئاسة في الوقت الراهن، كمحطة انتقالية، وخاصة بسبب قبوله بالتعددية والحكم الديمقراطي وشروط المعارضة المصرية، ورحابة صدره لكل القوى، وعمله خلال المدة الأخيرة بعد رجوعه في تحريك فئات النضال والعلم الشبابية وتحويلها إلى قوة حراك لعبت دوراً في تفجير الانتفاضة ولكنها ليست ذات جذور تنظيمية وقيادات ذات تاريخ، ولهذا فإنها قد تُبلع من طواقم الدهاء والتجذر في الحكم والتنظيمات القديمة.

صحيفة اخبار الخليج
31 يناير 2011

اقرأ المزيد

تعبئة الـ «فيسبوك» وما في حُكمه

حين عاد الدكتور محمد البرادعي لبلاده مصر أول مرة بعد أن كان قد أعلن عزمه على الترشح لرئاسة الجمهورية، عقد أحد الكتاب المصريين المعروفين مقارنة بين العدد الهائل لمناصري البرادعي على صفحات الفيسبوك وبين العدد القليل لمن استقبلوه في مطار القاهرة، ليصل الى خلاصة أن العالم الافتراضي الذي يتحاور عبره الشباب ليس هو الواقع الحقيقي بعد، وأن علينا ألا ننخدع بما نقرأه على الفيسبوك أو سواه من وسائل الاتصال الحديثة، لنبني على أساسه حسابات سياسية.
لا أريد هنا أن أخطئ ما ذهب اليه هذا الكاتب، فلعله لا يخلو من وجاهة في بعض وجوهه، لكنا علينا أن نقرأ الأمر مجدداً من زواية تأثير هذا العالم الافتراضي للشباب، في ظل ما كشف عنه التغيير في تونس وما يرافقه من تداعيات عارمة تجتاح عدة بلدان عربية دفعة واحدة، حيث بات الفيسبوك وسواه وسائل تعبئة جماعية لقوى الشباب.
ويبدو لي انه لكي نصغي برهافةٍ لهواجس وتطلعات وآمال ومشاريع الشباب من الجنسين علينا أن نولي ما يكتبونه في مدوناتهم على الشبكة العنقودية، عناية كبيرة.
من يفعل ذلك، ويزور هذه المدونات سيجد عالماً حقيقياً يضج بالحياة والتفاعل مع معضلاتها وهمومها، وسنتعرف الى مشاريعهم التي تتخطى «افتراضية» الانترنت ووهميته، لتشتبك مع الواقع في أكثر تجلياته مباشرة وتعقيداً.
أكثر من ذلك فإن هذه المدونات تكاد تكسر الصورة النمطية الراسخة في الأذهان عن كون الانترنت عالماً افتراضياً يُزيف الواقع، بالانعزال عنه وبإقامته لعالمٍ بديلٍ، على نحو ما يذهب كثير من الدراسات في علم الاتصال.
عبر مدونات الشباب ومواقعهم الحوارية يغدو الانترنت وسيلة لتشكيل رأيٍ عام حول القضايا الساخنة في المجتمع، لا مجرد شاشة لتبادل الخواطر الوجدانية التي يُنفس من خلالها الشباب عما يتعرضون له من كبت مُحيط.
يمكن سوق كثير من الأمثلة في هذا السياق، بينها مثل قريب منا، هو الدور الذي أدتــه مدونات الشباب من طلاب وطالبات الجامعة في دولة الكويت في الحملة الجماهيرية التي تمحورت منذ سنوات قليلة فقط حول تعديل النظام الانتخابي هناك، وإعادة رسم الدوائر الانتخابية تحت الشعار الذي عمّ الكويت يومها: «نبيها خمسة».
يلفت المراقبون للتطورات في البلدان العربية إلى محتوى مُدونات الشباب في بلدان أخرى مثل سوريا ومصر والبحرين والسودان والأراضي الفلسطينية المحتلة وغيرها، للبرهنة على درجة تفاعل الجيل الجديد مع ما يدور حوله.
تلك نماذج تُظهر الأشكال الجديدة للتعبير للشبان والشابات، وتُرينا أن الحياة تدب في مسارات أخرى غير مألوفة وغير مطروقة بالنسبة لأبناء الأجيال الأكبر.
ولأن التعميم عادة منبوذة، فعلينا الإشارة إلى أن التحولات السلبية في المجتمعات العربية تلقي بظلالها الثقيلة أيضاً على ما يُنشر في بعض المدونات وفي المنتديات الالكترونية، حيث نجد بعضها يتحول إلى وسيلة لترويج النزعات الطائفية أو التكفيرية والظلامية، ولكن هذا لا يجب أن يحجب أبصارنا عن رؤية العالم الآخر الذي يضج بالحياة في مدونات شبابية أخرى، جديرة بالمعاينة والدراسة.
 
صحيفة الايام
31 يناير 2011

اقرأ المزيد

فضيلة الإبداع وورطة السياسة


كثيرون من الكتاب والمبدعين والفنانين من سقط في إغراءات المنصب السياسي. وكثيرون حاولوا الموازنة بينهما بالرغم من صعوبة امتطاء حصانين في وقت واحد كما يحلو للروائي المكسيكي والدبلوماسي الشهير كارلوس فوينتيس ترديده. وقد يبدو بالإمكان التوفيق بين المهنتين في كل الأوقات، غير ان ذلك يصبح أمرا صعبا مع الأيام والتجربة الحياتية المباشرة.
 
ومع ذلك تقلد بعض الفنانين المناصب العليا وتقديم أسماء يجعلنا نملأ الصفحات دون جدوى من بديهية يعرفها القراء كما هو هافل رئيس الجمهورية التشيكية، فهو معروف ككاتب مسرحي كبير. ربما تطمر الأيام صورة هافل السياسي وتبقى مع التاريخ أعماله المسرحية.
 
ولكن ترى كم من الناس يقدر أهمية الفرق بين الكتابة في الفن والأدب وعالم السياسة؟ ولو لم يكن ذلك حقيقة لما وجدنا كتابا وفنانين يقعون في شراك المنصب السياسي!! وحدهم الأذكياء وذو الحساسية المرهفة يفضلون تحاشي الجمع بين الحصانين وان كانت أحيانا ورطة لابد منها. وقد عرفت البعض من الكتاب والمبدعين والذين لم تغرهم بقوة تلك المناصب الآنية والمتغيرة كما تتغير الرياح الموسمية. الحمقى دائما لا يرون أكثر من أرنبة أنفهم كما يردد البعض ولكن هل كل الحمقى أذكياء ومبدعين؟ ربما ذلك ممكنا فهناك خيط رفيع بين الجنون الواقف عند الخط الفاصل بين الحكمة والتهور ولا ندرك الفرق بينهما إلا حينما نسقط في الهاوية لنؤكد الحكمة القديمة أبدا «التجربة خير برهان».
 
ما جعلني اكتب مثل تلك السطور هو الرغبة في عرض حكاية مسلية وهامة للقارئ العادي لكي يعيد النظر في مسائل شتى ويقدر كم هي قيمة الأدب والفن كبيرة وتاريخية وأبدية للإنسان بينما السياسة استهلاك عابر يعيش زمنه والوقت الضائع. بين المؤقت والدائم يعيش الإبداعي والإنساني كضرورة لها علاقة بموضوع الحرية. ففي الأيام الأولى من حصول بولندا على استقلالها، في السادس عشر من يناير عام 1919، أصبح اغناسي بادروفسكي «1860-1941» عازف البيانو والموسيقار والاجتماعي والسياسي النشط والمحترم بشكل كبير من كل الجماعات السياسية رئيسا للوزراء للجمهورية الثانية لبولندا. وعندما زار باريس في تلك السنة «التي تم فيها انتخابه وتعيينه» التقى بجورج كليمنصو رئيس وزراء فرنسا لكي يقدم نفسه كرئيس للوزراء للجمهورية الثانية في بولندا. لقد استقبل كليمنصو بادروفسكي بكل دفء وحميمية وبلقاء خاص قائلا له «إن لي الشرف العظيم بأن التقي أستاذ البيانو العظيم». وكان بيدروفسكي -على كل حال- مندهشا بمثل ذلك اللقاء وأوضح إلى كليمنصو:«ولكن، يا سيدي أنا أزورك الآن كرئيس للوزراء «. وبذلك أجابه كليمنصو:«سيد البيانو الآن رئيسا لمجلس الوزراء ؟! أواه, ياالله ماهذا الانحدار !!».

فهل توجد تجربة أفضل من لقاء تاريخي بين سياسي يعشق الفن وفنان تورط بالسياسة؟ كان أجدر فيه ألا يسقط الثاني في متاهة ما سقط فيه الأول. ولكن كم من الناس يدرك العبر ويتعظ بها كلما اقتربت إلى أنوفهم رائحة المقاعد الوثيرة في صالة الاجتماعات الرئاسية، متناسين أن المقاعد تذروها الرياح بينما تظل الكلمات المبدعة محفورة في ذاكرة الوقت والزمن يتناقلها جيل بعد جيل لندرك ان الحقيقة العظمى تتمثل في القول المأثور في البدء كانت الكلمة. وكم من الناس خانوها؟ وكم من الناس قدموا حياتهم على قرابينها المقدسة.
 
الأيام 30 يناير 2011
 

اقرأ المزيد

المصالح أهم وأبقى من “ديمقراطية” الأفارقة


على هامش لقاء عمل، اختليت بالممثل المقيم للأمم المتحدة في دولة عربية، واستفسرت منه باستغراب عن سر ذلكم الموقف الحازم الذي تتخذه الأمم المتحدة من الرئيس الايفواري (العاجي) لوران غباغبو، والذي يُعتقد على نطاق واسع أنه خسر الانتخابات ورفض نتائجها التي أظهرت، كما يُعتقد، فوز منافسه الحسن وتارا . حيث أعلنت الأمم المتحدة الأخير فائزاً في الانتخابات، ثم دخلت في مواجهة ساخنة مع الرئيس غباغبو . كان للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون نفسه قسط وفير من الحملة التي شنتها ضد الرئيس غباغبو قبل أن تُتوج ذلك برفض طلب غباغبو سحب قوات حفظ السلام التابعة لها من ساحل العاج، ومن ثم المبادرة للاعتراف بوتارا رئيساً شرعياً لساحل العاج، بينما لا نرى مقدار عُشْر هذا الحماس لإقرار العدالة من الأمم المتحدة حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية وبجرائم “إسرائيل” التي دانتها لجان تحقيق دولية، والأمم المتحدة نفسها التي أصدرت أكثر من 60 قراراً تدين “إسرائيل” وتطالبها بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ،1967 ومنها قرارات صادرة من أعلى سلطة في المنطقة أي مجلس الأمن الدولي .
 
واسترسلت: من الواضح أن الأمم المتحدة تقتفي أثر فرنسا والولايات المتحدة، اللتين أعلنتا منذ البدء انحيازهما السافر والواضح إلى جانب مرشح المعارضة الحسن وتارا، وأن أمين عام الأمم المتحدة الذي ألقى بكل ثقله خلف وتارا، قد أسهم من جديد في إظهار بؤس وعدم استقلالية الأمم المتحدة في تعاطيها الانتقائي مع القضايا الدولية .
 
ابتسم الرجل ورد علي بلغة دبلوماسية فيها الكثير من دماثة الخلق قائلاً “الأمم المتحدة تصرفت بناء على الموقف الدولي العام المُجْمِع على فوز مرشح المعارضة الحسن وتارا، فهي لم تكن في وارد أن تشذ عن مواقف فرنسا والولايات المتحدة وأوروبا والدول الإفريقية، التي اعتبرت أن وتارا هو الفائز في الانتخابات، وأن على غباغبو أن يتنحى عن السلطة لمصلحته” . ثم أردف قائلاً “الحق علينا  يقصد نحن المسلمين، فهو مسلم بالمناسبة  في عدم قيام الأمم المتحدة بواجباتها تجاه الشعب الفلسطيني بسبب تثاقلنا وعدم مبادرتنا للتحرك لاستثمار أي فرصة مواتية لتسجيل نقاط لمصلحتنا على حساب خصومنا” .
 
طبعاً هو محق بعض الشيء في ما قاله بالنسبة للعجز العربي الرسمي، وعدم نهوض نخبه الحاكمة بواجباتها ومسؤولياتها تجاه قضاياها المصيرية، وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني المظلوم، ولكنه ليس كذلك في ما يتعلق بموقف الأمين العام للأمم المتحدة المتزلف والمنحاز للإدارة الأمريكية الحاكمة سواء في القضية التي نحن بصددها، وهي الانقسام الحادث في ساحل العاج بين فريق مؤيد للرئيس غباغبو وفريق منحاز لمنافسه في الانتخابات الرئاسية وتارا، أو حتى في ملف القرار الظني للمحكمة الخاصة باغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، والذي حرص خلالها على مواكبة عملية “تخليق” وإخراج القرار الظني بالإكثار من إطلالته العازفة على إيقاعات الموقف الأمريكي والناسخة له . ولعلي أجزم بأنه لولا وجود مصالح أمريكية وفرنسية في ساحل العاج تتصل بالثروات الطبيعية لهذا البلد لكان بقي مصير الانتخابات فيه نسياً منسياً، ولما شاهدنا بالتالي دموع التماسيح على وجنتي كل من باراك أوباما ونيكولا ساركوزي وبان كي مون وهي تنداح على وجناتهم كمداً على مصادرة نتيجة “العرس الديمقراطي” العاجي (!)، ولما سمعنا صراخهم وعويلهم وتهديداتهم لغباغبو بالويل والثبور، إن هو لم يسلم مقاليد السلطة لصديقهم الوفي نائب الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي، وصاحب الطموحات الانفصالية المسؤولة، بجانب دكتاتورية غباغبو، عن التخريب الذي لحق بساحل العاج منذ انتهاء عهد الرئيس هوفويه بوانيي .
 
واقع الحال يقول إن الولايات المتحدة التي ظلت تعتبر دول أمريكا اللاتينية بمثابة حديقتها الخلفية منذ مطلع القرن العشرين، وترعى حكامها الموالين لها ولمصالحها، الذين تحدث عنهم ذات يوم أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي قائلاً “إننا ندعم أوغاداً”، حتى تساقطت هذه الدكتاتوريات السوداء الواحدة تلو الأخرى في العقدين الأخيرين من الألفية الثانية،  وحولت اهتمامها وتركيزها إلى منطقة الشرق الأوسط لتكون فناءها الخلفي البديل .
 
وأما فرنسا فإنها لا زالت تعامل الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية، وكأنها حديقتها الخلفية، حيث ترعى، سواء من خلال وجودها العسكري أو نفوذها الاقتصادي، عدداً من الحكام الموالين لمصالحها .
 
وإلى ذلك، فإنه حتى بعد مرور خمسة وستين عاماً على إنشاء النظام الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة، وإبرام العديد من الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية المنظمة للعلاقات الدولية، فإن الغرب لا زال يتعامل مع بلدان “العالم الثالث” بذات العقلية الاستعمارية . . عقلية الهيمنة والاستغلال .
 
 

اقرأ المزيد

انتهت صلاحية «الديمقراطيات الزائفة»


الصحافي الأميركي فريد زكريا (من أصل هندي وكان يرأس تحرير مجلة نيوزويك الدولية ما بين 2000 إلى 2010 ويعتبره الأميركان واحداً من أهم 100 مثقف في العالم) لديه كتاب عنوانه «مستقبل الحرية»، يشير فيه إلى «الديمقراطية غير الليبرالية»، أو بمعنى آخر «الديمقراطية الزائفة» التي تتلبس بلباس الانتخابات وتأخذ مظاهر النظام الديمقراطي ولكنها جوفاء وفارغة من أي محتوى ديمقراطي. ويشير زكريا إلى الديمقراطية في العالم الغربي إنما هي مزيج من «الدستورية الليبرالية» و«السياسة التشاركية»، وذلك يعني أن «حماية الحريات العامة» و«سيادة القانون» كانت موجودة في تلك المجتمعات لفترة طويلة سبقت وجود الانتخابات. وبالتالي فإن البلدان التي تلبس لبس الديمقراطية من خلال إجراء انتخابات من دون تثبيت الشروط السابقة (الحريات العامة وسيادة القانون) فإنها في النهاية ديمقراطية زائفة illiberal democracy.
 
الديمقراطيات الزائفة هي تلك التي «تمزج الانتخابات بالتسلط»، وعلى الرغم من أن الانتخابات تجرى، إلا أن هناك قطيعة بين المواطنين والنخبة الحاكمة، والمواطنون لا يعرفون عن طبيعة الأنشطة التي يمارسها من يمسك السلطة بسبب عدم وجود حريات مدنية، والدستور المكتوب لا يحد من سلطات الحكومة، بل إنه قد يتجاهل أو يحد من الحريات العامة، وحتى لو كان الدستور يقر الحريات والحقوق، إلا أن القوانين والإجراءات المعمول بها على أرض الواقع لا تلتزم بالإطار الدستوري.
 
المسئولون في الحكومات التي تنتهج «الديمقراطية الزائفة» يتصرفون وكأن لديهم تفويضاً مطلقاً لفعل ما يرونه مناسباً لهم كـ «نخبة حاكمة»، ويعتبرون إجراء الانتخابات المنتظمة مبرراً لقمع حرية التعبير وحرية التجمع وعرقلة عمل المعارضة السلمية، بل إنهم يلغون الفصل بين وظائفهم الخاصة والعامة، ويتحكمون بكثير من وسائل الإعلام بقوة النظام والإجراءات، ويتم خنق المجتمع المدني بل ويخلقون «منظمات غير حكومية» في الظاهر ولكن أتباعها موظفون رسميون (وفي أحيان كثيرة يرتبطون بالجهاز الأمني مباشرة)، ولا تتورع هذه الديمقراطيات الزائفة من حظر أي نشاط قد يوفر وسيلة لطرح رأي غير رسمي، وثم تمارس هذه الأنظمة ضغطاً اقتصادياً على الناس، وتستخدم العنف ضد منتقديها، وتفرق المجتمع على أسس دينية أو إثنية أو قبلية، بل إنها قد تتهم جماعة ما (أو فئة من المجتمع بأكملها) بأنها تقف خلف كل المؤمرات والمصائب التي تحل بالبلاد، ولا تتورع في إنزال أشد أنواع العذاب والانتهاكات ضدها.
 
الديمقراطيات الزائفة تبرر السلوك السلطوي لمن يتبوأ مواقع اتخاذ القرار، وتبرر لنفسها تحشيد كل من يبحث عن وظيفة لشتم الناس وإذلالهم، وتبرر خلق طبقة طفيلية لا علاقة لها ببلادها أو بشعبها، وتبرر الظلم ضد جماعة أو فئة أو مجتمع بأكمله، وتبرر خلط الأوراق والقضايا على الناس، وتبرر توزيع التهم بالإجرام والإرهاب على من تشاء، وتبرر صعود كل من أفرغ عقله من الإبداع والإنسانية، وتحتقر كل من يسعى لخدمة الصالح العام. هذه هي الديمقراطيات الزائفة التي انتشرت في المناطق المنكوبة سياسياً، وربما أننا نشهد مرحلة «انتهاء صلاحيتها».
 
صحيفة الوسط 30 يناير 2011م
 

اقرأ المزيد

سؤال الفقه أم سؤال الدولة؟

 


 
يقول الإمام علي: «ما دخل الفقر قرية إلا وقال للكفر خذني معك».
ويقول:«عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه».

****
الجوع يدخل في نسق الفقر. وبالفهم الحديث، يمكننا أن نقول أن الجوع يدخل في نسق الفقر والحرمان والبطالة والقهر والظلم والإحباط والفساد والاستبداد والطغيان . إنها تركيبة مدنية شديدة التعقيد وحالة إنسانية شديدة الإرباك .صعوبة تأويل الحدث التونسي تأتي من صعوبة فك هذا التركيب.

الشاب التونسي»الجائع»، الذي أشعل بجسده ثورة «الجياع»، هو نتاج هذا التعقيد وهذا الإرباك. الحالة الـ«بوعزيزية» وتداعياتها، لا تزال تُربك، ليس فقط الأنظمة التي باتت تخشى «من لا يجدون قوت يومهم»، أن يخرجوا شاهرين حريق أجسادهم عليها، بل لا تزال تُربك أيضاً الفقه الديني، الذي تورط في سؤال الحكم والتشريع.

****
هل يمكن للفقه الديني أن يسعفنا فعلاً في فك هذا التعقيد لإصدار الحكم عليه؟ هل يمكن أن يفهم حالة الإنسان وسلوكه في مثل هذا السياق المركب؟ هل «قتل النفس أو حرقها» في مثل هذه الحالة المعقدة يعد انتحارا بالمعنى الذي يحرمه الفقه؟

الإرباك الذي وجد الفقهاء أنفسهم فيه إزاء هذا الحدث، لا يُظهر أن الفقه الديني يمكنه تقديم تفسير وتفهّم وتحليل تعقيدات حالات الدولة أو حالات الإنسان في الدولة. وهذا ليس ذنبه في الحقيقة، فالفقه ليس وظيفته تقديم تفسير أو تحليل أو قراءة أو تفهم أو تعاطف للأحداث، هو مختص بإصدار حكم على الفعل الفردي كما يقره النص الديني. الفقه محكوم باستنطاق النص لا باستنطاق الواقع، حتى في أقصى حالته المقاصدية «فقه المقاصد».

ولعل هذا يفسر لنا ما أثاره التعاطف الذي أبداه بعض رجال الدين مع البوعزيزي، من جدل ديني وسياسي ومجتمعي كبير تحت عنوان «توظيف الفتاوى سياسيا وإخضاعها للظروف التي يعيشها البلد والموقف السياسي فيه». الفقه ليس مقبولاً منه إخضاع الفتاوي لظروف البلد والمواقف السياسية، أي ليس مقبولاً منه إسقاط الواقع على النص، بل النص على الواقع.

بعض الفقهاء الذين لاحقهم سؤال الجمهور:« ما حكم البوعزيزي؟»، لجأ إلى تبرير الظروف القاسية التي «أدت إلى غيابه عن الوعي وعرض نفسه للموت عن غير عمد، وهو ما قد يشفع له في رحمة الله الواسعة». الشيخ القرضاوي لم يُخفِ تعاطفه وترحمه ودعائه بالمغفرة، ونبه أن «الحكم بعد الابتلاء بالفعل غير الحكم قبل الابتلاء» «1» ..

****

ما الحكم الشرعي للبوعزيزي؟ هل نحن أمام حالة خلط أنساق هنا؟ يمكننا أن نقول أن المشكلة التي وجد الفقه الديني نفسه واقعاً في بلبلتها، تعود إلى أن السؤال في هذه الحالة ليس من اختصاصه أصلاً، بل من اختصاص فقه الدولة. كيف؟

الفقه الديني علم يشرع للفرد ما يجوز وما لا يجوز والحلال والحرام، وفق نص ديني غايته فوز الإنسان في الآخرة. وتشريعاته المتعلقة بالدنيا ليست غايتها الدنيا بل الآخرة. فهو إن شرّع للفرد في الدنيا فعينه على الآخرة. لم ينشأ علم الفقه في رحم الدولة الحديثة، لذلك ليست لديه تشريعات لحالة الدولة المدنية المعقدة والمركبة والمنتقلة من حال إلى حال «الدولة في معناها المعجمي هي الانتقال من حال إلى حال»، ولا يمكنه أن يشرع لفقهها الدستوري، ولا أن يشرع لأنماط الاحتجاج السياسي وحدوده في المجتمع السياسي أو المدني الحديث .
والفقه وإن توفر على أحكام تخص الدنيا فإنها لا تتجاوز الحدود الدنيا «العبد وابتلاءاته الدنيوية»، ولا يمكنه أن يتجاوز هذه الحدود الدنيا ليشرع للحدود العليا «الدولة بتركيبتها المعقدة والمجتمع الحديث بعلاقاته المتشابكة».
أما فقه الدولة، فهوعلم أنشأته الدولة الحديثة بمتطلباتها وتعقيداتها وتحولاتها. وهو من اختصاص الفقهاء الدستوريين. يضعون التشريعات المعنية بقضايا الشأن العام، والقوانين المنظمة لعلاقة الفرد بالدولة والسلطة بالشعب، وفق آليات وضع الدستور في الدولة الحديثة. الدولة بهذه القوانين ليس لديها غاية أخروية. هي لا تبشر بجنة ولا تعد بأن تكون جنة. ولا تدعي أنها تعد إنسانها لفردوس ما. التجارب التي وعدت بذلك انتهى بها الأمر إلى أن تكون نيراناً مستعرة.

فقه الشريعة المختص بنار الآخرة لا يمكنه أن يحكم على نار الدولة أو على نار مشتعلة ضمن أحكام تخص الدولة لا تخص الآخرة.

****

لمن نوجه هذا السؤال إذن: «ما حكم البوعزيزي؟»

نوجهه لفقه الدولة. لأنه فعل احتجاج مدني ضد نظام الدولة الذي أرسى الجوع والفقر والحرمان والبطالة والقهر والظلم والإحباط والفساد والاستبداد والطغيان. النار التي أشعلها البوعزيزي في جسده هي نار الدولة التي أراد أن يكشف سعيرها في الناس. الاحتجاج ليس مسألة فردية.الفعل الفردي يمكن تفسيره على أنه انتحار، لكن الفعل الاحتجاجي العلني يحمل قضية ويوجه سؤاله مباشرة إلى الدولة. فقه الدولة هو الذي يستطيع أن يحكم عليه لأنه مختص بنار الدولة لا بنار الآخرة.

محمد البوعزيزي في فقه الدولة الحديثة، لا يُترحم عليه كما فعل الفقهاء في كأقصى ما يستطيعون، بل ينصب بطلاً وشهيداً ومؤسِساً وأباً لشرعية جديدة في الدولة، ويحفظ تراثه ليصبح تراثاً للأمة، لا للأمة المؤمنة بالفقه الديني، بل تلك المؤمنة بالفقه الدستوري.

****

الشيخ جمال قطب، أستاذ الدعوة في الأزهر يقول إن التصريحات بالرحمة والدعاء «للمنتحر» هي «تطييب خواطر» لأهل الضحية والمتعاطفين معهم: «فليس معقولا أن نقول لهم ابنكم كافر بشكل علني وواضح».
لكن في أغنيته الاحتجاجية، يصرخ زياد الرحباني في وجه الدولة: «أنا مش كافر بس الجوع كافر.. بس الفقر كافر.. والذل كافر.. أنا مش كافر.. لكن شو بعمل.. إذا اجتمعوا فيي كل الأشيا الكافرين». إنه الجوع الذي لا يدخل «دولة» إلا وقال للكفر خذني معك.

هامش:
«1» تصريحات رجال الفقه مأخوذة من صحيفة الشرق الأوسط 20 يناير 2011 العدد 11741
 
الأيام 30 يناير 2011

اقرأ المزيد

في الاحتفاء بأحد الرموز النضالية


لقد جاء الحفل ألتكريمي الذي أقيم في منزل المناضل والرمز الوطني (محمد جابر صباح) مساء يوم الجمعة الموافق 14 يناير 2011م، بمناسبة عيد ميلاده الثمانين، والذي حضره كوكبة من الوطنيين المناضلين والمثقفين والناشطين السياسيين.. مهيباً بكبرياء الشموخ الوطني والانتماء المبدئي.. رائعا بلمسات التقدير والوفاء.. متسما بتحية الإجلال والإكبار لطالما حقائق هذا الاحتفال، قد ترجمت بجلاء بأنه ليس بالضرورة، هو الاحتفال بعيد ميلاد المناضل (محمد جابر صباح) بقدر ما عبر (هذا الاحتفال) بالمحتفى به، بأنه لا يزال حيا يشم عبير الحياة، بقلب ينبض بحب الحياة، وبحب النضال، وبحب التضحيات، وبحب الوطن، الذي التصق (صاحب هذا الحب) بمفاهيم (هذا الحب) بحيث لازمه كظله، وجبل عليه بمعايشته دلالاته، وتعايشه مع تداعياته، طوال أكثر من خمسين عاماً من الزمان، حتى بلوغه الثمانين عاماً.. مدعوما (هذا الحب) بالإرادة الحرة، وبالضريبة الوطنية المضيئة، وباستشراف آمال الشعب المستقبلية.

ولعل ما رسخ (هيبة واعتبار) هذا الحفل العيد الميلادي والوطني والمبدئي.. هو كلمة المحتفى بعيد ميلاده، المناضل (محمد جابر صباح) التي ألقاها أمام الحضور والتي حملت في جوهرها مفاهيم الالتزام بقضايا الشعب والوطن والقضية والمبدأ.. مثلما عبر المتحدثون في هذا الحفل التكريمي الرائع بكلماتهم الصادقة، ومن بينهم المناضل والناشط السياسي والحقوقي (سلمان كمال الدين) الذي أبدع بكلمته التي تجلت مغازيها بتلك الشهادة الوطنية والتاريخية لسيرة المناضل (محمد جابر صباح) وما تمخضت هذه السيرة الذاتية، بنسجها أعظم الملاحم النضالية والوطنية والمبدئية.. وكذلك تلك القصائد الوطنية التي ألقاها الأستاذ (عبدالواحد البحراني).. تلك القصائد التي صدح بها بصوته الجهوري الجميل، قد تمازجت دلالاتها بالدماء المتدفقة في شرايين المحتفى به، لترسم معالم درب الرفاق الصعب.

لقد جاء حفل تكريم المناضل (محمد جابر صباح) بسمو المبادئ، والتزام المواقف، تليق معانيه وسيرة هذا الرمز الوطني النضالية، التي امتدت طوال أكثر من خمسة عقود، تمثلت بمختلف المحطات الوطنية.. ومن هنا فإن تاريخ (محمد جابر صباح) النضالي، قد نطق منذ أول انطلاقة وطنية، قد قامت ركائزها على أكتافه وكواهله، بمشاركته رفاق الدرب على منضدة النضال الوطني، حتى تم تأسيس أول حركة وطنية يشارك في إنشائها، ويلتزم بالانتماء الحزبي إليها.. ألا وهي (حركة الشباب العربي) المنبثقة في عام 1957م التي ضمت في عضويتها شباباً، قد تشربوا بالمبادئ القومية والناصرية، واتصفوا بمعايير المستعدين للتضحية لمحاربة الاستعمار البريطاني آنذاك.. الأمر الذي دفع هذه الحركة، إلى الاندماج مع (حركة القوميين العرب).. ضمن حركة وطنية واحدة، تجمعها مختلف الخلايا والقنوات التنظيمية، حسبما تنصهر في بوتقة الفكر ذاته.. ولكن هذا التنظيم الجديد بتشكيلته الحزبية، ما لبث ان انفرط عقد خلاياه وحلقاته ما بين (حركة الشباب العربي) و(حركة القوميين العرب).. لعوامل تعود أسبابها إلى وجود مركز القيادة التنظيمية لـ (حركة القوميين العرب) بدولة الكويت، وتلقيها مختلف الأوامر والتعليمات التنظيمية من هناك.. مما دفع (حركة الشباب العربي) إلى إعلانها رفض الدوران في فلك التبعية الحزبية للخارج.

لعل في ضوء ذلك سارع الأستاذ (محمد جابر صباح) بمعية من الشباب الوطني، إلى اتخاذهم زمام المبادرة من أجل تأسيس حركة وطنية بديلة، هي (حركة الثوريين العرب) التي بدورها واصلت المسيرة الوطنية، بحيث تجلت في قيادة حركة وانتفاضة مارس 1965م، بجانب (حركة القوميين العرب) و(حركة الناصريين) و(جبهة التحرير الوطني البحرانية) و(الجبهة الشعبية) وتنظيم (شرق الجزيرة).. وعلى إثر ذلك اعتقل المناضل (محمد جابر صباح) مثلما اعتقل الآخرون من مختلف الحركات الوطنية.

لعل ما يبعث على القول فخراً، ان نضالات المواطن (محمد جابر صباح) الدؤوب، قد تشربت بالمبادئ القومية والناصرية في عقدي الخمسينيات والستينيات.. ولكن تظل فترة ما بعد منتصف الستينيات.. أي ما بعد هزيمة يونيو عام 1967م، تمثل فترة تاريخية مفصلية، إزاء تحولاته الفكرية والأيديولوجية، بتوجهاته نحو الانتماءات التنظيمية الاشتراكية والمتصفة بالمبادئ الأممية، التي تجلى بها المناضل (محمد جابر صباح).. كادرا قياديا في تنظيم (جبهة تحرير الخليج) ذي التوجه الاشتراكي العلمي والوطني والأممي.. بمستوى التنظيم الناضج بنهجه، المتألق بايديولوجيته، عبر قنواته التنظيمية وخلاياه الحزبية والذي كان ينضوي تحت لوائه كوادره الواعية الناضجة بمقاييسها النوعية.. ولكن هذا التنظيم، هو الآخر لم يدم طويلاً، حين انفرط عقده وروابط خلاياه، و(انفلشت) قنواته وهياكله، في شهر فبراير عام 1971م.. بعد أن استمر يعمل بعمره القصير ما بين عامي (1967 ــ 1971م). لقد انتهى تنظيم (جبهة تحرير الخليج) على إثر خلافات تكتيكية عصفت به.. ولكن أحد قيادات هذا التنظيم وهو المناضل (محمد جابر صباح) بمواقفه المبدئية، قد تجلى بالتطور السياسي النوعي نحو النضج الفكري والأيديولوجي، بترسيخ التزامه بالفكر الاشتراكي والمبدأ الأممي.. ليصبح عضوا فاعلا في (جبهة التحرير الوطني) وبما جسدت عضويته التنظيمية تجسيدا تاريخيا متجليا بعضويته في (تكتل الشعب) ونائبا تحت قبة البرلمان(المجلس الوطني المنتخب) بعد فوزه في الانتخابات النيابية في 7 ديسمبر عام 1973م بجانب سبعة من أعضاء تكتل الشعب.
 
تم اعتقاله عام 1976م بعد حل البرلمان في أغسطس 1975م.. وبعد خروجه من المعتقل بعد أن أمضى فيه أربعة أعوام.. بادر إلى تشكيل (الحركة الدستورية) التي تمثلت في مشروع العريضتين: النخبوية عام 1992م والشعبية عام 1994م.. واتخاذ منزله منبرا حرا ومنتدى منفتحا لجميع القوى الوطنية طوال ثلاثين عاماً، أي منذ بدايات عقد الثمانينيات من القرن المنصرم.. وذلك على قدم المساواة مع فعاليات وأنشطة (جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي) الذي يمثل الأستاذ (محمد جابر صباح) أحد أقطابه ومؤسسيه.

في نهاية المطاف لم يبق لنا سوى القول بافتخار عظيم.. من أعماق الجوانح وأغوار الجوارح، وما بين جنبات العقل إليك أيها المناضل الرمز الوطني الرفيق الشامخ القامة والجبين (محمد جابر صباح).. أعذب التمنيات الرفاقية، بمناسبة عيد ميلادك الثمانين عاماً.. الثمانين عاماً المضيئة، التي نسجت من خلالها أعظم الملاحم النضالية والوطنية والمبدئية.. ستظل دوماً وأبداً تمثل تجربة انسانية رائدة ورائعة، يستنهض المناضلون من معينها إرادتهم.. ويستلهمون من حكمتها رغبتهم الأكيدة.. وتسترشد الأجيال المتعاقبة من مغازيها، دربهم واستشراف مستقبلهم.

وفي ذات السياق فإن ثمة حكمة لأحد الحكماء التي يقول فيها: “ليس ثمة رجل عظيم يعيش عبثاً.. إن تاريخ العالم ليس إلا تاريخ الرجال العظام”.. وهكذا يظل الرمز الوطني (محمد جابر صباح).. متألقاً بنضالاته الوطنية وتضحياته المبدئية، التي امتدت طوال أكثر من نصف قرن من الزمان، غير مساوم على مبادئه، ولن يتزحزح قيد أنملة عن مواقفه الوطنية.. بقدر ما زادته تلك الفترة التاريخية المفصلية صلابة، بإرادته الحرة.


 
أخبار الخليج 28 يناير 2011

اقرأ المزيد

إشكالية حزبِ الأغلبية

هو حزبُ الأغلبية وسيطرَ على البرلمان لكن الأغلبية في الشارع تثور عليه، فأي أغلبية حققها؟
هذا يعني أن المؤسسات الرسمية المهيمنة على القرار كان يمكن أن تمضي بهذا القرار إلى التضاد الكلي العميق مع الأغلبية التي زعمتْ هذه المؤسسات أنها تنطق باسمها.
من الواضح ان حزب(الأغلبية) التهم المؤسسات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لقلةٍ معينةٍ راحت توغل في إيجاد المكاسب الذاتية لها.
الأجيالُ القديمةُ التي حققتْ بعضَ العيش الجيد في زمن (أغلبية) الحيتان هذه استقرت على ردود فعل مع الواقع السيئ واعتادت على أن تُركل سياسياً وتهمش اجتماعياً وتسوء معاملتها وتعتمد على روح الزحف والانبطاح.
وحزب الأغلبية هذا ليس هو ناشئ من اليوم بل خلال عدة عقود، وتلون من (هيئة التحرير) مروراً بالاتحاد الاشتراكي حتى الحزب الوطني الديمقراطي، وفي كل مرحلة يلتهمُ أجزاء من جسد البلد حتى تعفن الواقع السياسي الاجتماعي الثقافي.
تبدى هذا المستنقع في حراك الأحزاب المعارضة خلال عقود من خلال نخبها المعزولة عن الجمهور، حيث مقراتها وعلاقاتها بالسلطة التنفيذية وبعض الرشا والمكاسب الصغيرة التي تُعطى لزعمائِها وانتهازييها بحيث أنشأتْ سياسةَ التبعية وثقافة القنوات الرسمية والعجز وغياب الممكن التحويلي للحياة.
يمكن أن تكون هناك برامج مليئة بالكلام، وندوات صارخة، وإعلام نخبوي، لكن خلال كل هذه السنوات الطويلة لم تستطعْ أن تقيمَ أي علاقةٍ مع الشارعِ القريب منها، أو أن تحتك بشرائح الشباب المدانة بالسلبية وبعدم الاهتمام بالسياسة والجاثمة في المقاهي وغرف الإنترنت.
لم تكن أحزاب المعارضة العائشة في مناخ التخدير إلا ذات صلات بالرجال الكبار السن الذين يعيشون في ذكرياتهم السياسية التي تنتمي لعقودٍ سابقة، وحين يجلسون يسترجعون الماضي بمرارته وحلاوته، في حالات تخدير ونشوات نضالية عظيمة زائفة بالعلاقة مع الواقع.
ويقوم الحزب الوطني الديمقراطي باستدعاء رموز من هؤلاء ويعطيهم جوائز وشهادات النضال القديمة ومناصب تزيدهم عزلة عن الواقع وغرقاً في الفساد الاجتماعي، حيث النخب القديمة والأجيال التي حصلت على بيوت وشقق وأعمال ومناصب.
إنها استرخت وغدت الجمل السياسية مفصلة على هذه العزلة والانتهازية، برامج مليئة بالورق ولكن لا قدم واحدة تمشي في أزقة المحرومين ولا عين تبصر الحارات.
كانوا قادة النضالات والهبات الجماهيرية المدافعين عن حياة الشعب وحريات عيشه لكنهم تجمدوا.
ما هي الأسباب؟ هل هو القمع والمكاسب الصغيرة والتغلغل البوليسي الداخلي؟ ربما.
نعم إن حزب السلطة هو حزب الأغلبية، لكنها الأغلبية الفاسدة من كل لون، استلَّ عصارةَ النضال من الأحزاب القديمة، حنطها في مقراتها، سلبها بصرَها وركبَ على وجوهها نظارات مشوهة، ونزع من أجهزة السلطة المسئولية والكرامة والوطنية والموضوعية والمحاسبة الدقيقة للأخطاء، وجعل من الرشوة والعيارة والفهلوة أصناماً معبودة.
الشباب الذي لم يدخل الأحزاب ولم يتمرغ بالطائفية وأفرغته الأجهزةُ من تراثهِ الوطني النضالي، فكان انعزاله نضالاً،أنطلاقا من غرف الإنترنت، وكانت مراسلاته حزباً ووحدة وطنية وبعثاً للأمة العربية التي لا تموت.
بعد أن صدأت الأجيال القديمة، وخافت وتجمدت، واستكانت وهاجرت، وعانت، فوجئت بالميلاد الجديد للوطن ولها وراحت تتنظف وتقاوم.

صحيفة اخبار الخليج
30 يناير 2011

اقرأ المزيد

انتفاضة يناير تتجدد وكأنك مفيش



 

اذا كانت روائح ثورة الياسمين في تونس قد اثارت هذه العاصفة الشعبية الكاسحة في مصر، التي تتقدم بثبات نحو التغيير، فان السؤال: ماذا سيكون عليه حال الأنظمة في العالم العربي اذا نجحت الانتفاضة في إسقاط نظام حسني مبارك ؟ .

كتبت قبل يومين، بان الأنظمة أمام خيارين: الإصلاح او القمع. أمس شاهدنا الخيار الثاني بيد الحاكم ليقتحم به وعي وعقل المواطن العربي اينما كان، المصدوم بما يشاهد من استهتار الانظمة بالشعوب. كيف ان حاكما يجلس على كرسيه منذ 30 عاما وبقانون طوارئ وانتخابات مطعون بها دائما، ثم نراه يواجه مطالب الملايين بالقمع وكأنه لا يسمع ولا يرى ابناء شعبه، من الاسكندرية الى اسوان، يطالبون بإسقاط نظامه وكما وصف احد المراسلين ما حدث امس: بانه لم يبق مصري في بيته الا وخرج الى الشوارع . كان عليه ان ينسحب من الحياة العامة ويقول شكرا للشعب ويدعو الى انتخابات جديدة حرة ونزيهة وبرقابة دولية، لافساح المجال لابناء مصر ان يتقدموا الصفوف لقيادة البلد، الذي ان صلح صلح العالم العربي كله وان اصابه وهن او فساد ارتجف الجسد كله بالسهر والحمى.

كنت في مصر، اثناء انتفاضة  18 و 19 يناير عام 1977 ضد انور السادات. قبل ذلك بيوم واحد كنت تعتقد وانت تتجول في شوارع القاهرة بان الشعب يدين بالولاء التام للسادات. فالأرصفة كانت مليئة بالكتب والمجلات التي تندد بجمال عبد الناصر وعهده، اما صحافة مصر واعلامها وكتابها فكانوا يخرجون يوميا بالمقالات التي يكتبها موسى صبري ومصطفى وعلي أمين ومحسن محمد, وفكري اباظة الذين يبشرون بـ الانفتاح” الاقتصادي الذي سيجلب للشعب المن والسلوى، بعد ان جلب له “قائد العبور”النصر!! .

فجأة, في  18 و 19 يناير انفجر البركان وإذا الشعب كله يهتف بصوت واحد على كل شبر من ارض مصر “ناصر..ناصر”. فلم يجد السادات ولا أعوانه مكانا يفرون اليه الا في عمق صحراء الهرم. وكان ايضا خيار السادات انزال الجيش وقوات الامن لقمع “انتفاضة الحرامية” كما وصفها، لقد نجح في ذلك لكن إلى ان حانت نهايته المعروفة..!

بعض القادة لا يقرأون التاريخ، وآخرون لا يستوعبون اي درس من تاريخ بلادهم القريب. والنتيجة دائما مرحلة من تدمير البلد وملء السجون والمعتقلات وجر الأوطان والشعوب إلى متاهات أخرى من الخراب والفقر والفساد.

قبل ايام من فراره وبعد 23 عاما من حكمه البوليسي خرج زين العابدين بن علي، على جماهير شعبه الثائر بخطابه الذي قال فيه عبارته الغريبة: “اليوم انا افهم, انا فهمتكم, انتم تريدون الحرية وحرية الصحافة والأعلام.!! في مصر وجه الشاعر احمد فؤاد نجم حمم إحدى قصائده ضد نظام مبارك، يخاطبه فيها بدهشة تتكرر عند خاتمة كل مقطع من قصيدته.

“مطنش علينا وعامل عبيط..

كأنك مفيش …..
 
 
العرب اليوم 29 يناير 2011

 


فصيدة أحمد فؤاد نجـم


كأنك ما فيـش



http://www.altaqadomi.org/ar-BH/ViewArticle/55/3496/poetry.aspx

اقرأ المزيد

المثقفون السلطانيون والخرس والعضويون!


شاركت طوال أمس في ملتقى المثقفين العرب، الذي نظمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في إطار فعاليات مهرجان القرين الثقافي السابع عشر، وكان الحديث يدور عن عوائق النهضة العربية ودور المثقفين العرب في اختراق حالة الانسداد التي تعانيها الأمة العربية.
 
وأجد من المناسب أن أعرض بعض ما جاء في مداخلتي ضمن هذا الملتقى:
 
“إنّ تخلف اقتصاداتنا لا يمكن تجاوزه من دون تحرر اقتصادي من التبعية… وتحقيق التنمية لا يمكن أن يتم في ظل الفساد والاستبداد وغياب العدل الاجتماعي… ولا قيمة للتنمية ما لم تتجّه هذه التنمية نحو الإنسان العربي، بحيث يكون محورها وهدفها، فكيف يتحقق ذلك لإنسان عربي مهمّش ومقموع ومحروم؟!
 
ولا مدخل لأي إصلاح جدّيّ من دون إصلاح سياسي حقيقي أولاً وقبل كل شيء، فلا إصلاح للاقتصاد، ولا إصلاح للتعليم، ولا إصلاح للتشريعات، ولا إصلاح للإدارة، إلا بإصلاح سياسي، وهذا ما تعمل الأنظمة العربية الحاكمة على إعاقته ما أمكنها ذلك.
 
وعندما نتحدث عن المثقف العربي ونتساءل عن دوره، فعلينا أن نسأل أنفسنا أولا أي مثقف عربي نقصد؟… هل نقصد مثقف السلطان، الذي يبرر الاستبداد ويحسّن صورة الفساد ويتستر على الاضطهاد؟… أم  نقصد المثقف العضوي وفق مصطلح غرامشي المرتبط بالطبقات الاجتماعية الشعبية الساعية للخلاص من القهر والقمع والاستغلال؟!
 
هناك مثقفون عرب كثر، منهم مَنْ يكتفي بدور مثقف السلطان، وإن لم يكن قريبا من شخص السلطان ومحسوبا عليه، وهؤلاء المثقفون السلطانيون لا دور لهم في الإصلاح والتغيير المنشودين، بل إنّهم جزء من سلطة الطبقة الحاكمة في مسعاها المستمر لفرض الهيمنة الثقافية على المجتمع بهدف إبقاء الوضع القائم على ما هو عليه وتكريس الخضوع والخنوع تحت ادعاء الواقعية، وكأنّ الواقعية هي الاستسلام للواقع السيئ وتبريره ورفض تغييره!
 
وهناك مثقفون يتوهمون أنّهم محايدون، وكأنّ الحياد مقبول بين المضطهِد والمضطهَد، وبين المستغِل والمستغَل، وبين المستبد والمهمّش، وبين الفاسد الناهب والبائس المنهوب، وربما اكتفى بعض هؤلاء المثقفين بمحاولة فَهِم الواقع، دون أن يسهم في تغييره، وهؤلاء مثقفون سلبيون على أقل تقدير… وربما انطبق عليهم الحديث النبوي الشهير عن الشيطان الأخرس، فواحدهم “مثقف أخرس”!
 
وهناك في المقابل مثقفون عضويون مرتبطون بقضايا أوطانهم وهموم شعوبهم، ناقدون للأوضاع القائمة، ومنحازون للإصلاح المستحق والتغيير المنشود، لا يستسلمون للواقع البائس تحت ذريعة “الواقعية” الزائفة، ولا يكتفون بتفسير الواقع، وإنما يسهمون، وهذا هو الأهم، في محاولة تغييره… يبثون الوعي، ويشخّصون العلّة، ويقترحون البدائل، ويشاركون في بلورة حركة الإصلاح ودعوات التغيير… وهؤلاء المثقفون العضويون مهمّشون الآن في الغالب ومعزولون مقاطعون محاربون.
 
إنّ الطريق نحو النهوض العربي يتطلب أول ما يتطلب إزالة العوائق من هذا الطريق… والدور المؤمل من المثقفين العضويين العرب في هذه المهمة التاريخية أن يُعمِلوا الفكر لرسم الطريق نحو المستقبل، بتحليل علمي لمشكلاتنا؛ وتفسير موضوعي لأوضاعنا، وتفكيك دقيق لواقعنا المعقد، وتشخيص سليم لأمراضنا، واستشراف مستقبلي لخط مسارنا”. 
 



عالم اليوم الأربعاء 26 يناير 2011

اقرأ المزيد