المنشور

احتضار جمهوريات


كان حكمُ الجمهور صعباً في التاريخ العربي الإسلامي، لأنه بلا جذور تاريخية عريقة في الحكم، وترك الحبال له وهو ينساق مع رغباته وتمرداته القبلية والشخصية المتسمة بالشطط غالباً، يلقي بالدولة في التهلكة.

وليس غريباً أن يُقتل ثلاثةٌ من الخلفاء الراشدين وهم الذين عُرفوا بالعدل والصلاح في حدود اجتهاداتهم الشخصية ومستوى قدراتهم، لأنهم لم يشكلوا قبضاتٍ حديديةً ولا مؤسساتٍ أمنيةً حارقةً تخترقُ الجمهورَ وتتحكمُ في خلجاته، وتطعنُ أولَ بادرةِ حلمٍ فيه أو استقلال.

وليس غريباً كذلك استمرار الدولِ الملكية على مدى مئات السنين، فقد اعتمدتْ على مؤسساتٍ أكثر قوة من الجمهور الديمقراطي المتصارع ذي الأهواء الفردية الجامحة والزعامات المنتفخة، فاعتمدتْ على القبائل العريضة والأسر والموالين من المستعربين.

ما قوى الجمهورية الراشدية هو نشرها أسس العدالة الاجتماعية من تملك فردي واسع، وتوزيع الفوائض النقدية بشكل عقلاني. ولم تعط للقبائل سطوة ولا لشيوخ الدين مكانة فوق الرؤوس وأبقت الجمهورَ هو سيد الموقف ببساطة أدوات السياسة لتلك الأزمنة.

رغم المشكلات الكبرى في الإمبراطوريات العربية الإسلامية فإنها صمدت أمام الزمن قروناً، على ضخامةِ المساحة وتخلف وسائل المواصلات وكثرة التمردات والنضالات.
لقد اعتمدت على تحالفات اجتماعية واسعة كتحالفات القبائل والأسر المتنفذة، ورغم تقليدية هذه التحالفات، فإنها كانت الشكل الممكن في تلك العصور التي ضمنت استقراراً طويلاً.

أما جمهورياتنا المعاصرة فهي لم تقترب من القرن الواحد، والعديد منها في السنوات الأخيرة في حالات صراعات محتدمة، ولم تقم على تحالفات اجتماعية واسعة، فإضافةٍ إلى إطاحتها بالتحالفات القبلية والأسرية التقليدية لم تشكل تحالفات جديدة مبنية على الأحزاب والتنظيمات والنقابات الحديثة، بل على جماعات الانقلابيين وعلى المتنفذين المستفيدين حسب عفوية العلاقات.

لم تقم الجمهوريات على قبائل واسعة أو أسر ذات جذور، وجاءت عبر مؤامرات مجموعات من الضباط والسياسيين المتمردين، فاهتزت بشدة فيما قامت جمهوريات أخرى على حروب وطنية شعبية متجذرة في التاريخ الحديث، لكنها هي الأخرى تحولت لدكتاتوريات أجهزة حكومية وحكومات أحزاب فقدتْ شعبيتها، ولم تحول الحروب الوطنية التحررية إلى جبهات حاكمة.

الجمهوريات المقاربة للذوبان وهي العراق واليمن والسودان شهدت استمرارية للدكتاتوريات عبر عقود، حتى وجدنا التنظيم الحزبي الجماهيري في البداية الذي قد يتحالف بهذا الشكل أو ذاك ويعزز نظامه، يتحول في النهاية إلى شخص وحيد تعود إليه كل السلطات.
شخصنة السلطات هو أمرٌ على طرف النقيض من “الجمهورية”، حيث حضور الجماهير المفترض.
وحين يسقط التحالف الطبقي الذي يدعم النظام الجمهوري في بدايته، ويقفز حزبٌ وحيدٌ للسلطة، فهذا تداعٍ للجمهورية، فتتحلل إلى كياناتٍ طائفية وعنصرية وإقليمية، ثم تعلن احتضارها عبر انسلاخ أقاليم ومناطق.
رغبة الهيمنة في الفرد تحللُ النظامَ الجمهوري الواسع، وتطيح بركائزه على نحو متدرج حتى يظهر الانهيار.
وهذا يجري في أنظمةٍ جمهورية أخرى تعششُ فيها الجراثيم نفسها حيث غدا الحزب الحاكم وحيداً وصارت جملة محدودة من العسكر هي الآمرة.
ودائماً يلاحظ ذلك في صعود الطائفية وتراجع الحزب عن مواريثه الوطنية والقومية فيدب فيه التحلل وينقسم الشعب إلى طوائف متعادية وينشط في المنطقة على أسس طائفية.
وأزمة الجمهوريات العربية وتحللها تنعكس على بقية الأقطار وتدخل المنطقة كلها في حالات تفكك واضطراب.

أخبار الخليج 8 يناير 2011

اقرأ المزيد

أزمات ثقة متنقلة عربياً‮ ‬بين السلطتين التشريعية والتنفيذية


دفعة واحدة، وعلى نحو مفاجئ، شهدت العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في غير بلد عربي انهياراً وصل حد الصدام الذي اتخذ أشكالاً مختلفة، تناسباً مع درجة الاحتقان والمستوى الذي بلغته القطيعة بين قطبي معادلة الحكم المدني المعاصر.

فمن الأردن إلى مصر ثم إلى اليمن ثم إلى الكويت اندلعت الأزمات تباعاً بين السلطات/الأحزاب الحاكمة وبين القوى المجتمعية والسياسية المعارضة التي تنافس وتصارع من أجل تعزيز مواقعها السياسية ونفوذها في عملية صناعة القرار الوطني، عبر تعظيم وجودها المادي داخل السلطة التشريعية التي تتوفر على اختصاصين بالغي الأهمية بالنسبة لفرص تعزيز تلك المواقع وذلك النفوذ.. وهما التشريع والرقابة.

ففي الأردن أجريت الانتخابات البرلمانية في التاسع من نوفمبر الماضي وسط مقاطعة لجماعة الإخوان المسلمين الناخبين، تعبيراً عن عدم رضاهم عن قانون الانتخابات القائم على أساس الصوت الواحد الذي رفضت الحكومة تعديله من أجل خلق التوازن بين مختلف الدوائر الانتخابية، ومنح المدن الكبرى تمثيلاً عادلاً يوازن التمثيل الكبير الذي أُعطي للمناطق القبلية قليلة السكان، فضلاً عن عزوف الناخبين المحبطين من المستوى الخفيض لمخرجات البرلمان السابق.

وقد أسفرت هذه الانتخابات، كما هو معروف، عن تشكيلة برلمانية يغلب عليها المستقلون وغياب تام للإخوان المسلمين، حيث بلغ عدد الأشخاص الذين فازوا بعضوية المجلس للمرة الأولى 80 نائباً من إجمالي عدد نواب البرلمان البالغ 120 عضواً (أي حوالي 70٪)، أما الأبرز والأكثر أهمية في هذه الانتخابات وهذا المجلس فهو نجاح 13 نائبة من إجمالي 30 نائبة من الحصة (الكوتا) النسائية التي خصصت للنساء في هذه الانتخابات.

وفي مصر، حيث أجريت الانتخابات البرلمانية على دفعتين الأولى يوم الأحد 28 نوفمبر 2010 والثانية يوم الأحد 5 ديسمبر 2010 ، أسفرت نتائجها في الجولة الأولى عن فوز الحزب الوطني الحاكم بـ209 مقاعد، والمستقلين بسبعة مقاعد، والمعارضة بخمسة مقاعد، منها مقعدان لحزب الوفد ومقعد لحزب التجمع، وكانت المفاجأة عدم حصول جماعة الإخوان المسلمين الذين رفضوا الانضمام لحملة المقاطعة التي أعلنتها أحزاب المعارضة، على أي مقعد مع أنها نجحت في توصيل 88 من مرشحيها لقبة البرلمان السابق، وفي الجولة الثانية التي أجريت على 283 مقعداً المتبقية، قرر كل من جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد مقاطعتها، وكان يفترض أن يدخل حزب الوفد دور الإعادة بتسعة مرشحين تأهلوا لخوض التصفية النهائية في الجولة الثانية، بينما كان يفترض أن تخوض جماعة الإخوان الدورة الثانية بـ26 من مرشحيها المتأهلين من الجولة الأولى.  باستثناء حفنة من المستقلين وثلاثة نواب من المعارضة، فإن الحزب الوطني الحاكم أصبح مهيمناً بشكل كامل على مجلس الشعب المصري بنسبة تزيد على 3,91٪ من إجمالي عدد مقاعد البرلمان البالغ ,518 منهم 10 مقاعد يتم تعيين شاغليها من قبل رئيس الجمهورية، علماً أن الحزب الوطني كان قد فاز في انتخابات عام 2005 بـ330 مقعداً مقابل 420 مقعداً في الانتخابات الأخيرة، إضافة إلى 53 مقعداً من إجمالي المقاعد التي فاز بها المستقلون وعددها 68 مقعداً، حيث إنهم ينتمون للحزب الوطني.

كان لابد أن تؤدي هذه الانتخابات وتداعياتها إلى مزيد من توسيع الفجوة بين السلطة التنفيذية والقوى الاجتماعية التي تسعى لموازنتها، ولو نسبياً، عن طريق السلطة التشريعية.

في اليمن اتهمت أحزاب المعارضة المنضوية تحت لواء ‘اللقاء المشترك’ الحزب الحاكم ‘حزب المؤتمر الشعبي العام’ بالنكوث عن اتفاق فبراير 2009 الذي تم التوافق بموجبه بين الحزب الحاكم وأحزاب ‘اللقاء المشترك’ برعاية أوروبية على تأجيل الانتخابات البرلمانية لمدة عامين، بقيامه بإجراء تعديلات أحادية على قانون الانتخاب لإجراء الانتخابات في شهر أبريل القادم، وعلى إثر ذلك دعت أحزاب المعارضة إلى ما أسمته ‘هبة غضب شعبية لاستعادة الحق في التغيير والعدالة الاجتماعية والشراكة الوطنية في السلطة والثروة’.

وفي دولة الكويت نشبت أزمة بين السلطة التنفيذية وعدد من نواب بعض الكتل في مجلس الأمة الكويتي على خلفية الندوات المتنقلة التي ينظمها أولئك النواب تحت شعار ‘إلا الدستور’، وجلهم من جماعات الإسلام السياسي، في دواوينهم (مجالسهم) الخاصة، والتي تخلل بعضها اشتباكات بين الأمن والحضور، ومنهم عدد من النواب المتواجدين في تلك الندوات، وتحديداً الندوة التي نُظمت في ديوانية النائب أحمد السعدون بتاريخ 4/12/2010 والتي سجل فيها قيام حشد من حضور الندوة المحسوب على تيارات الإسلام السياسي السلفي التي تقوم بالتحشيد والتعبئة ضد الحكومة التي يرأسها الشيخ ناصر المحمد الصباح، بالاعتداء على الناشط محمد الجويهل، والندوة الثانية التي نظمتها نفس المجموعة المحسوبة أساساً على التيار السلفي في ديوانية د.جمعان الحربش بتاريخ 8/12/2010 والتي شهدت اشتباكات بين قوات الأمن وبعض النواب وأنصارهم.

ماذا يعني كل هذا؟ وإلى ما يؤشر هذا التدهور السريع والمتداعي لطرفي المعادلة الديمقراطية في العالم العربي أي السلطتين التنفيذية والتشريعية؟ وما هي تبعاته على الوضع العام في البلدان المعنية وربما الأخرى التي قد لا تكون بعيدة كثيراً عن مآلات الحالات سالفة الذكر؟

قد يرى البعض أن نموذج الديمقراطية العربية منخفض الحدة (LOW-INTENSE DEMOCRACY)، أي بمعنى آخر الديمقراطية الموجهة (STATE-CONTROLLED DEMOCRACY) ربما يؤشر إلى حدوث ما يشبه ‘الاختناق’ للديمقراطية العربية بالحيز الضيق الذي احتُجزت فيه، فأرادت التعبير عن حاجتها لتنفيس حالة الاحتقان التي شعرت بها، فجاء ذلك على شكل صدام وتدهور علاقات السلطتين التنفيذية والتشريعية في حالات متكررة وشبيهة مع بعضها البعض إلى حد كبير.

غني عن القول أن العلاقة الصحية المتكافئة والفاعلة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، تشكل صمام أمان الاستقرار لأي مجتمع معاصر، لاسيما في مجتمعات ديمقراطيات العالم ثالثية الناشئة   (EMERGING DEMOCRACIES)

 وبضمنها ديمقراطياتنا الموجهة .( STATE-CONTROLLED DEMOCRACIES)

اقرأ المزيد

تناقضاتُ ما قبل الرأسمالية


تشهد منطقةُ المشرق العربي الإسلامي بروز تناقضات عميقة لأزمنةٍ عتيقة، فهي لم تحلْ مشكلاتها المتأصلة التي بدأت ربما مع بداية الحضارات قبل ألوف السنين.
صراعاتُ البدو والحضر، صراعاتُ الفلاحين والقبائل، تبدو أحد المرتكزات الصراعية الطويلة الأمد.

البدو سكان الصحارى يغيرون ويستولون على المدن والقرى بسرعةٍ كبيرة قبل أن يتحضروا وقبل أن يتطوروا وحين يحصلون على ثمارِ الأراضي والحقول والمناجم والآبار، يتجمدون في عائلاتهم وقبائلِهم وموروثاتِهم، عاجزين عن التطورِ وملاحقة العلوم وقبول النقد والرأي الآخر.

في مدى قرن أو قرنين نرى قفزتَهم من رعي الماشية إلى المدن الباذخة، ويؤبدون كل أشكالِ تراثِهم البسيط لما قبل الرأسمالية، الذي يعودُ هو بدورهِ لبداياتِ الحضارات، فيشعرون بالتناقض بين ما يملكونهُ من معمارٍ باهر، وأدواتٍ هي آخر منجزات العصر، وبين ما يفكرون فيه من أفكارٍ بسيطة وفنون عادية، ويشعرون في قرارةِ أنفسهم بعدمِ قدرتهم على ابتكار الإنتاج العميق، وصنع الأشياء المتطورة.

وأهلُ التحضر البسيط حيث لا تعدو مكوناتهم سوى قرى بسيطة أو مدن صغيرة لم تعرف التمدن الواسع، يتمسكون هم أيضاً بعاداتهم ومستويات تفكيرهم وحرفهم التي تصبحُ أطلالاً، فيتشبثون بالإرثِ والتاريخ وأشباح الماضي.

عالم البوادي وعالم المدن، عالم القرى وعالم الصحارى، إن التناقضات القديمة تستمر تحفر في الحاضر رغم أنها غدت أطلالاً.
انقسمتْ الحضاراتُ القديمة إلى عالم الرعاة وعالم المدن، وهي تعيدُ نفسَها بشكلٍ دائب: بدو وحضر، من دون إعادة صهر لهذين المكونين.
جاء آخرون واشتغلوا في المصانع وفجروا الثروات، ومازالت القبائلُ والصحارى والقرى، تستعيدُ أساطيرَها وملاحمَها بأشكالٍ أمية، لم تحولها إلى إبداعٍ فني وشعر إنساني وتوحيد وطني.

انقسم السومريون إلى أهلِ مدنٍ وبادية، وتبعهم البابليون، حتى جاء العربُ وانقسموا كما انقسم السابقون، لكنهم فقط وسعوا التناقض، وحولوا أمماً كثيرة إلى بدو أو قرويين.

جاءتْ الأقمارُ الصناعيةُ وتكلم الحديدُ واحتلتْ أممٌ قاراتٍ مجهولةً واحتضنتْ شعوباً من مختلف الألوان والأجناس، وكبرتْ بها، ومازال العربُ في عدنان وقحطان.
دخلوا المدنَ وحولوها إلى أحياء قبائل، وإلى أهلِ دينٍ جديد وأهلِ دينٍ قديم، وإلى مذهبٍ هنا ومذهبٍ هناك.
والمكوناتُ الاجتماعيةُ الأخرى تتبعُ عمليةَ عدمِ الانصهارِ هذه، فالنساءُ غير الرجال وهناك هوة هائلة بينهما، المثقفون غير العامة وهناك بحرٌ بينهما تغرقُ فيها الفنونُ والآدابُ والعلوم، والحكام غير المحكومين، و(الأصيل) غير الطارئ.

ما قبل الرأسمالية، أي مكونات العصور القديمة، يصطدم بمكونات الحداثة المنهمرة المكتسحة في كل مكان من الكرة الأرضية، ولم يعد لحروب داحس والغبراء مكان، والذي لا يكيف نفسه مع الحداثة ولا يتطور يخرجُ من مجتمعاته ووظائفه وأرزاقه وعالمه، لم يعد العالم عهد الفرسان والصحارى والمعلقات والبكاء على الأطلال.
عالم يمضي بقسوة شديدة، والرأسمالية لا ترحم، وهي ليست من الأنظمة النائمة عبر العصور، ولا تقبل بضرة، وهي باستغلالها وشدتها الرهيبة لا تأبه بتقاليد الأمم وتواريخها وعدم انسجامها مع بعضها بعضا ولا تأبه بصراعاتِ الطوائف وتصهر الجميع في عواصف تحديثية عاتية.

حين يحاول إقطاعيو المنطقة توظيف العناصر الرأسمالية التحديثية لخدمة عوالمهم لن يستطيعوا الاستمرار في مثل هذا التوظيف، فالرأسمالية الحديثة بنية متكاملة لا تُؤخذ أجزاء وتُترك أجزاء، وقد سبق لروسيا أن حاولتْ ذلك من دون جدوى، وها هي الصين العملاقة تحاول كذلك، لكنها تقبل تدريجياً بعناصر الرأسمالية الحديثة بشكلٍ فيه صعوبة وأزمة لا تُعرف حلولُها ذات المخاطر الكونية حتى الآن.

ولكن العرب ليست لديهم حتى عناصر رأسمالية متطورة وحين يخلطونها بإقطاع متخلف فقد أدخلوا أنفسهم في فوضى تاريخية كبرى.
على بلدان مثل مصر والجزائر أن تقود مثل هذه العملية التحولية كبدايةٍ قياديةٍ وكنماذج يمكن أن تأتي بلدانٌ أخرى بعدها.

أخبار الخليج 7 يناير 2011

اقرأ المزيد

برنامـج الحكومـة


مسألتان مهمتان ينبغي من السلطة التشريعية التعاطي معهما برؤية مسؤولة بعيدة عن المساومات والمزايدات والانتقائية.
الأولى برنامج عمل الحكومة للأربع السنوات القادمة، والأخرى تقرير ديوان الرقابة المالية الذي سنتناوله في مقالة لاحقة.

في البدء من قراءة برنامج الحكومة نخرج بانطباع ايجابي لكونه يشمل محاور عدة تتعلق بحاجات المواطن والوضع المالي والاقتصادي والتنمية والصحة والتعليم والاسكان والثقافة والاعلام وهذا بكل تأكيد يحتاج كما قال البعض الى فرق عمل متخصصة على مستوى عالٍ من الكفاءة والدراية والمعرفة ولكن قراءته تترك ايضاً انطباعاً آخر وهو ان البرنامج لا يخلو من الملاحظات التي تتمثل ليس في عموميات البرنامج وخاصة فيما يتعلق بتحسين اوضاع المواطن الحياتية والمادية في ظل غياب الكيفية التي ينبغي ان نتعاطى معها لتطوير الديمقراطية والعملية السياسية التي تستدعي مراجعة التشريعات السياسية والقوانين الاقتصادية والمدنية التي لا تتناسب مع حاجات ومتطلبات المرحلة التي تمر بها البحرين حالياً.
 
من بين تلك الملاحظات الهامة التي اثيرت حول البرنامج تبرز لنا ملاحظة احد أعضاء مجلس الشورى وهي ان الحكومة قد اكدت على الميزانية وجانب من المصروفات المتكررة وهذا في الواقع يلامس قضية في غاية الاهمية وهي متى ما تم استهلاك هذه المصروفات لجزء كبير من الميزانية فان ذلك سيتم على حساب بعض المشاريع التنموية التي تصب في مصلحة المواطن وهذا ما يجب اعادة النظر فيه اذا ما قدمت الميزانية ويجب ان يدرس بشكل جيد من قبل السلطة التشريعية اي من اللجنة التي شكلت من قبل المجلسين لانه لابد ان يكون ثمة توازن لتغطية الجوانب التنموية في حين ان احد النواب كانت ملاحظته تقول لنا عكس ذلك، حيث يرى لابد من زيادة المصروفات لما له فائدة على الاقتصاد البحريني، مشيراً الى ان النمو الاقتصادي لا يتأتى إلا من خلال الصرف على المشاريع التي من شأنها خلق فرص عمل.

صحيح ان البرنامج ركز على مرئيات هامة تدعم رؤية البحرين الاقتصادية والتنموية من خلال الحفاظ على مقومات الاستقرار الاقتصادي ورفع مستوى الانتاجية والكفاءة والاداء وتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد وتطوير مظلة الرعاية الاجتماعية ودعم برامج ومشاريع دخل المواطنين وتوفير السكن الملائم وتطوير التعليم والتدريب وتشجيع البحث العلمي ودعم الخدمات الصحية والبنية التحتية وتعزيز موقع البحرين كمركز للخدمات ومع اهمية كل ذلك كان بودنا ان يقدم البرنامج وبشيء من التفصيل عن خطة وآليات عمل تشير الى معالجة حالات الفقر وتحسين الاجور ومكافحة الغلاء في ظل التضخم الموجود، والامر الآخر والهام جداً هو ما اشار اليه الاقتصادي الأخ عبدالنبي سلمان عندما كتب في احد مقالاته ان برنامج عمل الحكومة الذي رفعته للمجلس الوطني رؤية الدولة للمرحلة القادمة وهو الامر المفترض ان تستتبعه خطوات عملية حتى لا يكون محض استنساخ لما سبقه من برامج خاصة وان مؤشرات السلطة التنفيذية تخبرنا ان الحكومة استكملت فقط ما نسبته 62 في المئة من ميزانية المشاريع لعام 2009 وبعد ان كان لدينا فوائض مالية قبيل الازمة المالية الأخيرة اتجهنا عوضاً عن ذلك للاستدانة لتغطية ما اصاب موازنتنا من عجوزات وسيبلغ حجم الدَّين العام للدولة مع نهاية 2012 ما مجموعه 5800 مليون دينار وهو ما يعني بكل تأكيد قفزة كبرى متوقعة في خدمة الدَّين العام وما يعنيه ذلك من عبء مضاعف على الموازنة العامة، والشيء الآخر الذي يحتم علينا الوقوف عنده هو ان الحساب الختامي للدولة يكشف لنا عن عجز موازنة 2009 والذي يقدر بـ 446 مليون دينار، ويكشف ايضاً ان التقديرات تشير الى ان اجمالي العجز عند اعتماد الموازنة للدولة للسنتين الماليتين 2009 و2010 ما نسبته 48.9 في المئة من اجمالي الايرادات العامة وان اجمالي الدَّين الحكومي للسنة المالية 2009 حقق ارتفاعاً بمعدل 36.5 في المئة مقارنة بما كان عليه في السنة المالية 2008، والشيء الآخر الذي يلفت الانتباه هو ما نشر في احدى الصحف المحلية عن الحساب الختامي وهو ان المصروفات الفعلية للسنة المالية 2009 لم تتضمن مصروفات بمبلغ 4.701.031 ديناراً اذ تم تحميلها على موازنة السنة المالية 2010. بينما تتضمن المصروفات الفعلية مصروفات تخص العام 2008 بمبلغ 30.501.414 ديناراً ليبلغ مجموع المبالغ غير المسجلة (35.202.440 ديناراً) اي وبالعربي الفصيح هناك 35 مليون دينار مصروفات غير مسجلة.

وتخلص من هذا ان البرنامج بالرغم مما تطرق اليه من محاور اقتصادية واجتماعية تتطلب وفقاً لما جاء فيه استراتيجيات اقتصادية فاعلة تؤدي الى معالجة العجز المالي في الموازنات وزيادة الاحتياطات النقدية وتقليل الدين العام وتعميق الشراكة مع القطاع الخاص وتنمية القطاع السياحي فان اغلب المخاوف تقودنا الى التفكير في كيفية تجنب التأثيرات السلبية التي قد تعطل أو تعيق تنفيذ البرنامج في ظل العجز المالي في الموازنات وفي ظل الدين العام؟

وأخيراً، نأمل من المجلس الوطني بغرفتيه ان يناقش ويدرس برنامج عمل الحكومة دراسة موضوعية وافية تتناسب مع مصالح البلاد العليا وحاجات وتطلعات المواطن.
 
الأيام 8 يناير 2011
 

اقرأ المزيد

من أين نقرأ الجريدة ؟


إن أردت أن تعرف الفوارق بين ميول واهتمامات البشر، فراقب الطريقة التي يقرأ بها كل منهم جريدة كل يوم.
شريحة واسعة من القراء تشتري الجريدة لا لكي تطالعها وإنما لتطالع الملحق الرياضي اليومي. الملحق هو الأصل أما الجريدة فهي الفرع. لا يمنع ذلك أن المهتمين بالرياضة قد يتصفحون الجريدة ذاتها بسرعة تزيد أو تنقص، ولكن بعد أن يكونوا قد فرغوا من «فلفلة» أخبار الرياضة.

شريحة أخرى تهرع بعد الإمساك بالجريدة إلى صفحة الإعلانات المبوبة، هؤلاء في الغالب ليسوا قراء دائمين، إنهم يبحثون عن أمر ما يعنيهم هناك: وظائف شاغرة، سيارات للبيع، شقق للإيجار.. الخ. ما يميز هذه الشريحة أنها ليست ثابتة ولكنها موجودة دائماً لأن حاجات البشر لما يقدمه باب الإعلانات المبوبة حاجة متجددة. يتغير الأفراد أما الحاجات فثابتة.

ثمة قراء أول ما يفعلونه هو الذهاب إلى الصفحة التي تتضمن بيانات الأبراج أو الحظ. لدى الناس شغف غريب بمعرفة طالعها. والناس تدرك أن الأمر ينطوي في حالات كثيرة على فبركة، لكنها تصدق ما هو مكتوب، تتفاءل به أو تتشاءم. يمكن للناس أن يٌصدقوا الوهم طواعية.

متعة قراءة البرج أو الطالع لا تقل عن متعة أولئك الذين تشدهم التسالي: حل الكلمات المتقاطعة مثلاً، ففي حلها تجزية للوقت خاصة حين تعم البطالة المقنعة، حيث موظفون لا عملاً محدداً أمامهم.

لا أحد يحل الكلمات المتقاطعة في منزله، الناس تحل هذه الكلمات في المكاتب، أو أماكن العمل.. وربما في المقاهي إذا أنعم الله عليك وظفرت بتقاعد مبكر مقرون بصحة جيدة لا تعرف ماذا تعمل بها.

لكن ماذا عن الصفحة الأولى وماذا عن الصفحة الأخيرة من الجريدة. ثمة ميل تقليدي لأن يلقى المرء نظرة سريعة على الصفحة الأولى يطالع بها العناوين، ثم يقلب على الصفحة الأخيرة التي تخلو من أخبار الكوارث والحروب والمفاوضات والمناوشات. هنا المادة الخفيفة، المسلية، أما على الصفحة الأولى فهناك الجد.

البعض يميل لتصفح الجريدة كاملة بتأنٍ بدءاً من صفحتها الأولى وانتهاء بصفحتها الأخيرة، أنه يتفحص كل العناوين ويقرأ الكثير مما تحتها. وهناك من يذهب أول ما يذهب لقراءة أو معرفة ما كتبه كاتبه المفضل، ثم يطالع باقي الجريدة، وهناك من يذهب إلى الصفحة التي تتصل باهتماماته وميوله. أهل الأدب والثقافة مثلاً يمكن أن يتصفحوا الجريدة بسرعة ليصلوا إلى صفحة «الثقافة»، وقد لا يصلوا إليها لأن إعلاناً صادر مكانها.. لا بأس! الثقافة «حمالة أسية» بإمكانها أن تنتظر يوماً آخر.

هل حدث مرة أن سألك أحدهم يوماً: هل قرأت الجريدة اليوم؟ وأجبته بنعم، فيقول لك هل قرأت الخبر الفلاني أو التعليق العلاني، فيسقط في يديك، لأن الخبر أو التعليق الذي بدا مهماً جداً لم تقع عليه عيناك، أما تفسير ذلك فهو أننا نقرأ الجريدة ولا نقرأها في آن، أننا نطالع ما يهمنا، أو ما نظن أنه يهمنا. وكثيراً ما يحدث أن الأهم ليس هو الذي يأتي تحت المانشيت الكبير. يمكن لخبر صغير، صغير جداً، أن يكون هو الأهم على الإطلاق حتى لو لم نتبه له.
 

اقرأ المزيد

أغلبية لا تحب الوطن


عدد هائل يحيط بالمواطنين هم العمال الأجانب الفقراء، لا علاقة لهم بحب الوطن أو الاهتمام به.
لا يهمهم ما يحدث، لا تعرف أصلاً ما يحدث، عيونُهم ملأى باللامبالاة أمام ما يجري.

يأتون ممغنطين نحو المادة الثمينة، عقولهم مكرسة حول شروطها وظروفها وإمكانيات خرقها للحصول على أكثر منها، يجثمون في أي شروط عيش، في أي شوارع، في أي بيوت، بهدف أن تبقى من الأجور أرقام كثيرة جزيلة تمد الوطن الحقيقي، الآخر بالحياة، بالوجود، بالتطور، بتغيير أبواب مهترئة وعظام نخرة.
لا مبالاة غريبة تجاه الشارع ونظافته أو وساخته، تجاه التلوث والصراخ والنار والحطام، تجاه الميادين والحدائق، تجاه الشواطئ.
(أنا جئتُ لأنتزعَ مالاً ولستُ معنيا بأرضكم وبلدكم!).

كائنات غريبة فوضوية المجيء، من كل أقطار الدنيا سحبت بمصاصات، تتجمع بأشكال فجة من المصادفة والغرابة: فثمة كائن يعيش في قدسية متعالية، يغطي زوجتَه وبناته بالثياب والأحجبة، وأمامه امرأة حديثة سافرة عارضة للجمال تطلق الموسيقى وتعلم أولادَها وبناتها على الفنون والحريات.

ما يوحدهم هو ضربات المؤجر للزيادة المطردة القاسية في الإيجار ثم ترك العمارة مثل حصالة صدئة تشرب النقود بلا مشاعر مع بعض التحسينات الخارجية الزائفة، لكي تتألق أمام القانون غير البصير، وليستمر امتصاص المعدن الثمين وهذه الكائنات تقاوم هذا العصر النقدي كل يوم بلا جدوى.

الشوارع تفيض، محلاتٌ قذرة تملأُ الدروب بفضلاتها، أرصفة مهترئة، كائنات غريبةٌ مشوهة بعد عواصفِ المعامل والمغاسل والغربة، تأكلُ أي شيء لتبقى تلتهم صحونا من الطحين المغسول بالدهن الكثيف المُعاد طبخه مرارا، كل هذا لا يهم، الجدوى في فيض النقود، هذا السحر الذي جاءوا إليه.

لكن الدراكولا الاجتماعية لا تتوقف عن التهام الضحايا، تفتح أشداقَها لحضورهم، واسعة مثل نيران الجحيم، تأكل الشبابَ والشيوخ والأطفال، تحيل دموعهم وعرقَهم إلى نقد مضيء وورق ملون يطير فوق العالم.

خطوط هواتفِهم تشتغل مع الخارج، الذبذبات الحارة موجهة إلى الأوطان الحقيقية، تعيش بأجسادها المضناة المحروقة الملسوعة المقطوعة وأيديها المحروقة في التنانير والأفران والمسالخ، وخطوط نقالاتها تبقيها في الأوطان النائية، وراء البحار، ترفرف هناك بأرواحها، تسمع صرخات الأطفال ومشكلاتهم وأوجاعهم، وهي تمضي بالباصات تحادث المزارع والأكواخ والبيوت المهروسة بالضرائب، أو المُحاطة بالسيول المفاجئة والصراعات الدموية، تكلم الأمهات اللواتي ينتظرن المعاشات والشيكات التي تخصم منها البنوك، لحماً كثيفاً، تتوزع أشكال البنوك من كائنات عملاقة أشبه بالديناصورات حتى دكاكين صغيرة تحسب النمل البشري وهو يريق دمه من أجل أطفال ونساء وشيوخ.

صرخات وكلمات حارقة مدوية تنطلق من هذه الحناجر في كل مكان، خيوط الهواتف اللامرئية تشتعل بالقبل الحارة والآهات والتمنيات والانتقادات والشتائم، تسأل عن مزرعة اختنقت، وعن أطفال نقلوا إلى الطوارئ أو غرقوا في الفيضانات، وتنتقل دموع كثيفة عاجزة عن الحراك والسفر، وعن المساعدة، حتى تتجمع في الليل في الظلمات أو الأنوار الحادة لتنسى وتصرف آخر الدموع.

العمارة الملونة من الخارج، الزاهية بالأصباغ الكاذبة، تهترئ من الداخل، تفقد جدرانها ومرافقَها، وحين يخرج المستأجر يكون قد قضى على روحها وشبابها، ولكن صاحب العمل يقول هذا هو العامل الذي نريده قطعة من حديد لا تتألم، وتحضر في الميعاد وتخرج بعد الميعاد، طيعة مسالمة، لكنه لا يبصرها من الداخل وقد نخرت مثل الشقة، لا تعيش إلا بجسد بلا روح، وتعمل بلا فن ولا ابتكار، شكل معبأ بالتضليل، وفي أي لحظة من غفلة تلتهم يدها ما في الخزانة من تعب سنين وتفر في لمح البصر وفي نوم المطارات والملفات والانتربول.

البلد البعيد هناك، الوطن الحقيقي الحبيب، هو الذي تمضي إليه الآهات والحنين والنقود، لا يرى إلا إياه، فلا يشعره أحد هنا بأنه جزء من هذا الوطن، فهو مجرد آلة غير محبوبة مكروهة جاءت لتقدم مهمة ما وتمضي بعد أن تأخذ حصتَها من المعدن، لا أحد يسألها عن نظافة الزقاق الذي تعيش فيه، ولا حتى عن صحة القطط والكلاب، لا أحد يعبأ بقصتها ومعاناتها، واليوم مبارك حين ترحل وقد ملأت جيوبها من قلوب الأطفال وآذان النساء الذهبية!

 
أخبار الخليج 6 يناير 2011

اقرأ المزيد

نريد كبشاً.. سمينا هذه المرة ..


في تقرير ديوان الرقابة للعام 2004 تحفظ التقرير على 4 وزارات فقط.. في العام 2008 تضاعف العدد لـ12 وزارة وجهة، وها قد وصل في تقرير 2009 لـ17 بالتمام والكمال.. فأي رسالة تلك التي تصل لتلغراف الوطن عبر هذه المفارقة ؟!

ببساطة أن الوزارات تتجاهل التقرير.. ومثلهم النواب والصحافة ومؤسسات الدولة القانونية والمجتمعية.. ست تقارير مرت من قبل فيها من الفضائح والتجاوزات ما يكفي لأن يذوب 5 وزراء – على الأقل- خجلاً، وأن يُهرب كبار قياديي الشركات للخارج جزعاً وهرباً من القضبان والأصفاد – ولو سيق تقرير كهذا في دولةً متقدمة، لشهدنا استقالات وإقالات ومحاكمات بالجملة- ولكن أقصى ما رأيناه خلال السنوات السبع المنصرمات هو تصريحات تهدئة من الحكومة.. وصيحات استنكاراً من القوى السياسية.. وبعض المقالات والتغطيات الإعلامية التي تتلاشي بعد أسابيع.. وتستغرق ضجة التقرير شهراً – على الأكثر- ثم يُطوى ذكرهُ كطي السجل للكتب !!

وزراءنا ومتنفذينا عرفوا تلك ” الطبخة” فما عادوا يخشون في الباطل لومه لائم.. ناهيك أن وجوه هؤلاء “عريضة ” كما نقول بلهجتنا الدارجة ، لا لكونهم يأكلون اللحم العربي الدسم في ما “نمضغ” نحن اللحم الأسترالي المُليف، بل لأن حيائهم قليل وإحساسهم أقل..لذا فأنهم رغم ما يقال عن هدرهم وتجاوزاتهم وتلاعبهم بالأموال والمقدرات يتمشون مختالين كالطواويس !! فسبحان من جعل الحياء مجرد قطرة.. إن سقطت؛ سقط الإنسان للأبد ..!!!

وماذا عن النواب..؟!

خلال الدورات الماضية كم طلب استجواب قدموا لهؤلاء الوزراء؟ في الدورات السابقة اكتفى النواب بالتصريحات لإرضاءً الجماهير.. أعقبها استثمار ذكي لما ورد في التقرير لخوض مساومات مع الجهات النافذة تحت شعار ” حّـنونه من حناكم” واستغل التقرير بذلك لتبادل المصالح وتحقيق مطالب حزبية وفئوية ضيقة ما جعل الأمر يتفاقم لأن من أمن العقاب.. لا شك يسئ الأدب مراراً !

****

النقاط التي أثارها التقرير كثيرة وصادمة.. نقطتان منهما استوقفتاني بشكل خاص لخطورتهما وإغفالهما عند الحديث العام لسبب أو لآخر..
الأولى متعلقة بحركة مستفزة قامت بها وزارة المالية بالتهادن مع شركة حلبة البحرين الدولية اشترت بموجبها الأولى الأرض والمباني والموجودات الثابتة الملحقة بالحلبة مطلع يناير 2009 بمبلغ 62.5 مليون دينار، ولا شيء مستهجن لهذا الحّد فخسائر الشركة الفلكية، والرغبة اللجوجة في تغطيتها، تتطلب إجراءات راديكالية ولا شك ولكن.. أن تقوم وزارة المالية بتأجير تلك الموجودات والأصول  – ثانيةً- لحلبة البحرين مقابل دينار واحد سنوياً، ولمدة 90 سنة قادمة، فمهزلةٌ ما بعدها مهزلة..!!

لوهلةً أخلت أن الأرض اهتزت وأنا أقرأ تلك المعلومة الخجولة.. أي ضحك على الذقون هذا وأي استخفاف بالعقول !! كيف تستثمر المالية 62.5 مليون ولمدة 90 عام مقابل عائد لا يشتري هاتفاً محمولاً.. !! الله أكبر.. هل تعتقدون أن خزينة الدولة محفظة خاصة..؟ ولماذا تسخرون منا بهذه الطريقة.. ؟ قولوا أنكم أعطيتم حلبة البحرين منحة/ هدية بقيمة 62 مليون ولا داعي لهذه الالتفاتة التي تنم عن استهانة وتهريج على الشعب الغافل.. ثم تعالوا هنا.. كيف تعقد الحكومة صفقات كهذه – من أموال الشعب- دون العودة لممثلي الشعب ؟

وعلى ذكر ممثلي الشعب نتساءل.. من يحاسب هؤلاء بشأن الهدر والاستغلال الذي مارسه أعضاء المجالس البلدية والذي كُشف سترهُ بعد أن كنا نشم ريحهُ ونُكذب أنوفنا .. التقرير فضح عن قيام 449 عضواً بلدياً بالسفر على نفقة المجالس لحضور ندوات ومؤتمرات ودورات تدريبية ليست لأغلبها صلة باختصاصات العضو البلدي (!!!).. كما أشار التقرير لأن ثلاثة أعضاء من المجلس البلدي للمحرق درسوا دبلوماً في مصر كلف 3.420 دينار لكل عضو، على نفقة المجلس، ولمدة أسبوعين.. !

بل وكان عدد من البلديين، ممثلي الشعب وحماةُ أمواله، يتقاضون مخصصات مرتين.. ويسافرون على الدرجة الأولى ويستلمون مخصصات تفوق بنسبة 50% تعويضات السفر اليومية ولماذا ؟ للذهاب لـ” زيارات استطلاعية” بمبادرة منهم، دون وجود برامح عمل أو دعوة من تلك الدول .. أي أنها كانت ” بالعربي” إجازات مدفوعة الثمن على ظهر الدولة.. !! وإن كنا نطالب بمحاكمة واستجواب المسئولين فمن يحاكم هؤلاء الذين خانوا الأمانة ومصوا دماء الشعب الذي حملهم فوق أكتافه..؟ الشعب المسحول حتى العظم من الظلم الذي يطاله من كل صوب وحدب !!

أننا بحاجة لموقف وطني وأخلاقي صادق تتبناه الجمعيات السياسية التي أوصلت هؤلاء للكراسي وعليها اليوم أن تحقق معهم وتجرسهم وتفصلهم أيضاً ليكونوا عبره لسواهم.. وبالمثل فعلى القيادة أن تعلق المشانق لمن تلوثت حساباته بمال الشعب أو تصرف وكأنه فوق القانون أو أن خزينة الدولة هي حسابه البنكي..

سمو رئيس الوزراء – حفظه الله- وعد، ونحن لسنا بطماعين ولكننا نريد كبش فداء.. سمين هذه المرة.. يبثُ عقابهُ الرعب في من يخاف خسارة الكرسي أكثر مما يخاف الله.. نريد أن نشعر بأن لأموالنا حرمة.. وان القانون يحمي الشعب وإن كان مغفلاً أو غافلاً أو منشغلا بالمسرحيات والصراعات الطائفية عن حقوقه الحقيقيه ..
ولا تشكوا في أن لهذا الحديث.. بقية
 
هامش ضروري :

لا يكتمل هذا المقال إلا بتوجيه تحية لديوان الرقابة المالية، بدءاً بحسن الجلاهمة رأس الهرم وامتداداً للمدققين والمستشارين والأخصائيين ووصولاً للكتبة والسكرتارية أيضاً.. فككاتبة تستهدف مواطن الفساد أملك فكرة – أكثر من كافية- عن الضغوط والتهديدات والمغريات والتعقيدات التي يتعرض لها هؤلاء، وهي ضغوطٌ تطال الحياة الشخصية بالمناسبة، فالعلاقات الاجتماعية في البحرين شديدة التشابك والامتداد وبالتالي كثيراً ما تمس الأطروحات أقرباء وانسباء وأصدقاء ولكن من يشتري مرضاة الله ويرتهن لأمر الضمير ويعقد عينيه على الوطن يتحامل على نفسه.. فحري بنا كشعب أن نُجل هؤلاء ونُثمن عملهم وحرفيتهم وجديتهم فلهم منا كل شكر واحترام..
 
موقع لميس 5 يناير 2011
 

اقرأ المزيد

نقض الأقوال المتداولة


مرة دعا أحد علماء الاجتماع الفرنسيين إلى اشتقاق «فن مقاومة الأقوال المتداولة». كان هذا العالم يعالج قضية البداهة أو المسلمة التي تتسرب إلينا بشكل سلس، مخملي، ناعم فنقبلها طواعية دون التمعن في حقيقة ما إذا كانت صائبة أو لا.

غالباً ما يجري الجدل أو النقاش حول عناوين كبيرة، ويجري إغفال أن البداهة إنما تظهر في أمور يومية، بسيطة. ولفرط بداهتها فإننا غالبا لا نتوقف أمامها ولا نتفحصها، بل إننا غالباً ما ننطلق في مناقشاتنا وحواراتنا التي تصل أبعد حدود الاختلاف منطلقين من التسليم بهذه البديهيات، فيكون من الطبيعي أن نتعصب لأفكار خاطئة دون أن نتنبه إلى أنها مبنية على قواعد هشة أو أفكار خاطئة.

شاعر أجنبي عاش في القرن الماضي دعا إلى أن يتعلم كل فرد فن تأسيس بلاغته الخاصة، ورأى في ذلك نوعاً من أعمال «السلامة العامة» يتطلب مقاومة الأقوال الشائعة، محرضاً قارئه على قول ما يريد قوله هو: «تكلم أنت بدلاً من أن تتكلم بلسانك «تتكلمك» كلمات مستعارة مشحونة بالمعنى الاجتماعي»، الذي يكتسب سطوته من كونه عاماً، كونه بديهياً.

والخروج عن البداهة هو بالضرورة، أو هو في شكل من أشكاله على الأقل، خروج عن الإجماع، عن التوافق. التوافق ليس بالضرورة أمراً طيباً وحسناً، لأن كل منعطفات التاريخ الكبرى إنما انطلقت من فكرة كسر هذا التوافق والخروج عليه.

نحن ننشأ على البداهة، منذ الطفولة نكتسب القناعات العامة، ثم نندمج في مؤسسات المجتمع بدءاً من المدرسة مروراً بالخلايا الاجتماعية الأخرى. ومع الوقت نتعود على التفكير مثل الآخرين، نفكر بأفكارهم، وقد لا نكتشف أبداً أننا لم نطور لأنفسنا «بلاغتنا الخاصة»، نعني بها تفكيرنا المستقل المبني على مشاهداتنا ومعايناتنا عن الحياة، ونكتشف أيضاً أن المسافة الضرورية بيننا كأفراد وبين المجتمع تكاد تكون معدومة أو غائبة. «الأنا» تذوب في المجموع وتفقد سيماءها الخاصة.

هذا لا يعني في المطلق أن الأقوال المتداولة، أو البديهيات كلها خاطئة، ولكنه يعني تحديداً أنه في قلب هذا النسيج المحكم الحياكة من البديهيات ثمة الكثير من العناصر التي تسوق كما لو كانت أمراً مفروغاً منه، دون الأخذ بالاعتبار أن الزمن نفسه وسيرورة الحياة، تقذف بالكثير من الأحكام من دائرة القيمة المطلقة، من أحكام القيمة النهائية، إلى مدار الشك، حين تفقد شرعيتها التي كانت لها في زمنٍ سابق.

في المسرح ثمة مصطلح يعرفه الدارسون هو «التبعيد البريختي» نسبة إلى المسرحي الألماني بريخت حين يتعين إقامة مسافة بين الممثل والدور، وبين المتفرج والاندماج، ويبدو أننا في حاجة إلى مصطلح مشابه في المجتمع، يضمن للفرد مثل هذه المسافة بينه وبين الآخرين، تحقق له فضاءه الخاص الذي يمكنه من وضع كل بداهة موضع المساءلة وإعادة النظر، عله يكتشف أن ليس كل البديهيات هي بديهيات.
 
 

اقرأ المزيد

تقرير ديوان الرقابة.. ها نحن عدنا!


لا استطيع أن افهم حقيقة الصدمة التي أحدثها التقرير الأخير الذي رفعه ديوان الرقابة المالية والإدارية، ضمن سلسلة تقارير اعتاد الديوان إصدارها في مثل هذا الوقت منذ العام 2003 حتى الآن، الكثير ممن التقيتهم أو ممن أفصحوا عن رأيهم عبر وسائل الاعلام اعتبروا التقرير حدثا صادما وكأنه يحدث للمرة الاولى، متناسين ان التقرير هو السابع ضمن سلسلة تقارير تميزت بالحرفية وغزارة المادة سنة بعد أخرى، حيث حرص القائمون على الديوان على التوسع في مجال عمل الرقابة على الوزارات والهيئات والشركات التابعة للحكومة، وانهم كانوا يتحرون الدقة والحرفية فيما يقدمون من تقارير وبحسب ما تتيحه ظروف عملهم وملابساتها التي لا تخفى على أحد، على الرغم من خلو التقريرين الأخيرين تحديدا من بعض القضايا الكبرى التي لم تتم ملامستها لا من قريب ولا من بعيد رغم أن بعضها معروض على المحاكم داخل البحرين وخارجها، وكان أجدى لو تطرق التقرير للتعاطي معها من منطلق رقابي بحت خاصة وان تلك القضايا كما يعلم الجميع لها تداعيات مالية خطيرة مازالت قائمة على شركات وجهات حكومية معروفة، واجد ان مسؤولية الديوان لا تنحصر فقط في عرض التجاوزات وإنما في المطالبة بتقديم من يتلاعبون بالمال العام للمحاكم ولجان التحقيق ومتابعة ما أنجز من إصلاح فيها.

باعتقادي أن الصدمة التي أحدثها التقرير لدى الناس والشارع بشكل عام، هي صدمة مؤقتة وستزول قريبا، حيث يعوّل بعض المسؤولين في الدولة ونواب الشعب على قصر ذاكرة الناس في هذا البلد وتراكم القضايا فوق بعضها دون حلول جدية، وهي انما تحدث بسبب فترة الانقطاع الطويلة التي لم يلامس فيها مجلس النواب تلك التقارير بالصورة المطلوبة، فقط نذكر أن آخر ثلاثة تقارير لديوان الرقابة حبست عنوة في ادراج اللجنة المالية والاقتصادية السابقة حتى تفضل علينا المجلس وتداعى لمناقشة تلك التقارير الثلاثة بكل ما حملته من فساد وتجاوزات وتعد على المال العام وخرق فاضح للقوانين في جلسة سريعة وخاطفة من بين آخر جلساته قبيل انتهاء الفصل التشريعي المنقضي كتوطئة لإبراء الذمة قبيل الانتخابات التشريعية الأخيرة، وكأن المجلس بجميع كتله كان يؤدي واجبا ثقيلا بكل أسف، حيث لم نسمع حينها عن أي نوع من المساءلة أو لجان التحقيق حيث لم يسعف الوقت كتل الفصل التشريعي المنقضي وهم الذين استغرقوا الكثير من وقت المجلس في مناكفات بائسة انستهم أولويات الناس والبلد، واكتفى المجلس حينها برفع توصياته الى الحكومة وكفى الله المومنين شر القتال!

بنظرة سريعة على التقرير الأخير نستطيع ان نقول ان معنى تكرار المخالفات ذاتها في أكثر من وزارة وجهة حكومية هو خير دليل على ما ذهبنا اليه من إهمال في الجانب الرقابي، على الرغم من ان المجلس السابق شكل ما مجموعه 12 لجنة تحقيق وأضاع الكثير من الوقت في ملفات معظمها لا تعني الناس ولا الاقتصاد ولا التنمية، وحتى تلك التي جاءت على جانب كبير من الأهمية كلجنة التحقيق في أملاك الدولة نرى ان المجلس اكتفى فيها برفع توصياته الى الحكومة فقط، على امل العودة اليه مجددا.

الرد الرسمي المعتاد تجاه نتائج التقرير وما عرضه حول الأموال والثروات والجهود والأراضي والممتلكات والفساد المستشري يجيء عادة على نمط واحد لا يتغير لدراسة نتائج التقرير لوقف التطاول على المال العام! بعدها لا نجد شيئاً مع ان الأمر واضح أمام الجهة الرسمية فقط نحتاج الى مساءلة مباشرة لكل من فضح التقرير ممارساتهم وتقديم من تثبت عليهم تلك التجاوزات الى المحاكم وعلى قاعدة المتهم بريء حتى تثبت إدانته! ولأن الأمر هكذا فإننا لا نجد تطورا ولو محدودا في أداء تلك الجهات الرسمية من وزارات وهيئات حكومية، بل نجد تكرارا واصرارا على المضي في تلك التجاوزات عاما بعد آخر وكأن ذلك تجسيد للمثل القائل «المال السائب».

كل تلك الأرقام المفزعة والتجاوزات الفاضحة والحقائق الصادمة حول التعدي على المال العام، وثقت في تقرير رفعت منه نسخ ثلاث الى جلالة الملك والى سمو رئيس الوزراء والى مجلس النواب وقرأه الناس عبر ملاحق أفردت لها صحافتنا المحلية مساحات واسعة، كما اننا لا نحتاج لان يعبر نوابنا الأفاضل عن طلب اجتماعات طارئة وهم الذين لم يجدوا في كل ما جاء به التقرير مهماً للمناقشة ولو من باب الاعتراض على هكذا وضع مخيف تجاه المال العام، وهم الذين لم يجدوا في برنامج عمل الحكومة الذي رفع لهم الاسبوع الماضي ولا في الموازنة العامة التي رفعت لهم منذ أيام، لم يجدوا فيها مادة تستدعي اجتماع مجلسهم مما اضطرهم آسفين لإلغاء جلسة هذا الأسبوع بحجة ان اللجان لم تعمل بعد، بالرغم من أن المادة من اللائحة الداخلية تعطيهم لو أرادوا حق مناقشة مستعجلة لموضوع ما بطلب كتابي مسبب من خمسة أعضاء تسجيلا للموقف السياسي المطلوب ومراعاة لمشاعر الناس الذين أوصلوهم الى حيث هم الآن نوابا للشعب ومؤتمنين للدفاع عن قضاياه وما أكثرها، وهي قضية لا يجب أبدا ان تنتظر اجتماع اللجان في أهم مؤسسة في هذا البلد!

اقرأ المزيد

لكل بلدٍ خرابه الخاص


ما يجري في دولة الكويت الشقيقة محير وغريب لكنه ليس غامضاً، أو استثنائياً مطلقاً.
ليست هناك مؤامرةٌ محبوكة كلية، لكن هناك أطرافاً تستثمر التناقضات العربية وتجعل بعض الدول العربية في حالاتٍ من الذوبان المفككِ السياسي العاجز عن الفعلِ النهضوي التوحيدي.

في الكويت ثمة قوى تتكرسُ في المجلس المنتخب عاجزةً عن تشكيل سياسة ديمقراطية نضالية وطنية عصرية توحيدية للشعب، ولا تجد في سبيل تجديد ذاتها في المؤسسة المنتخبة والمجتمع سوى استثمار ما هو سطحي سواءً بدغدغةِ عواطف الشعب ومصالحه المباشرة بإزالة فوائد ديونه الاستهلاكية، ولو ضحت في سبيل ذلك بالنظام الاقتصادي بمجمله، أو بمصارعة الحكم بشكل طفولي عبر عقودٍ وتعطيل مؤسسته الدستورية وإيجاد معارك جانبية مفتعلة فقط لأنها لا تملك ثقافةً عصرية ديمقراطية.

إن تعطيلَ المؤسسات الدستورية حلاً أو بمعارك وقيام حرب أعصاب سياسية أثخنتْ المجتمعَ بالجراح خلال عقود هو تعبيرٌ عن مراهقةٍ مزمنة، نظراً لعدم قدرة القوى الاجتماعية على تكوين ثقافة ديمقراطية تنويرية حديثة، واستمرار المذهبية السياسية المحافظة في الهيمنة على العقول السياسية الكويتية.

بعد ثراء تجاري طويل وتكون فئات وسطى واسعة لم تقدرْ الكويتُ على إنتاجِ طبقةٍ وسطى حرةٍ ديمقراطيةٍ علمانية، فالفوائض تتجه لتوسيع حضورِ الرعاةِ الصحراويين في المجتمع، وهو أمرٌ جرى لضرب اليسار(المسكين) دائماً، ونتائجه الوخيمة انه لا يمكن عودة الرعاةِ لمضاربِهم بعد انتفاخِ أوداجهم السياسية بالمال النفطي.

إن ثقافةَ الصحراءِ المُجذرةِ من قبل المال الزيتي تكرستْ أكثر بعد الغزو، وتوجهتْ للغيبياتِ والحدةِ المذهبية وحدث انهيارٌ عقلاني في بنيةِ الكويتِ الثقافية الفكرية، فوجدتْ نفسَها خلال سنوات أنها في طريق مسدود، بعد أن كانت تنمو باتجاه عقلاني ديمقراطي وطني وفي بنيةٍ متماسكة اجتماعية وجاء الغزو وخلخلها، فلم تستعدْ تلك اللحظة ودخلتْ في ردودِ أفعالٍ حادةٍ ضد الحداثة القومية العربية واليسار، حيث لم تر من صيغها سوى البعث الغازي الإجرامي، كما استمر الضخُ المالي وتصعيد فئات الكسل الاجتماعي، ووجدتْ الجماعاتُ الطائفيةُ المحافظة زمنَها السعيد الحافل بإنتاجِ كلِ أدوات الخرافة والتسطيح الشعبي، فراحتْ تدغدغُ كلَ ما هو متخلف لدى الناس، عاجزة عن إنتاج برنامج ديمقراطي تحويلي، متصيدة أخطاء خاصة مضخمة إياها حتى سدت بها عين الشمس.

لا تريد هذه الجماعات إعادة الكويت لسكة الحداثة والاقتصاد الحر المتطور والعقلانية السياسية بكل أدواتها المعاصرة وأن تترك التجارة بالدين، وهي التجارة السطحية التي لا تملك غيرها، محولة ذلك لأزمةٍ وطنية بلا أي أبعاد تحولية حقيقية.

كانت الكويتُ واعدةً ولاتزالُ بكلِ أمطارِ الحداثةِ فهي التي أسستْ السينما عبر(بس يا بحر) وهي التي نشرتْ المسرح الساخر ونافست فيه قمم الدول العربية، وجعلتْ من الفكر مادةً يوميةً منشورةً على الأرصفةِ لكل العمال، وهي التي نشرت الصناعات الأولى، ولكن الغولَ الطائفي دخلها، وافترسَ وعيها، وصار الكسلَ الاجتماعي غولاً آخر وغدت الملايين موجهة للبرك والخدم والملابس والطاولات المتخمة بالمأكولات وللسفريات المجنونة، ولم تُنتجْ من هذه الملايين ثورةٌ صناعية أو سينمائية، أو مسرحية، وقد تحولتْ أصغرُ بلدان شرق آسيا بخضراواتِها وماعزِها ودجاجِها إلى دولٍ صناعية كبرى، ولكن الكويت ظلتْ بدويةً منافحةً عن معارك داحس والغبراء، تنامُ في الشتاء وتسافرُ في الصيف، ولم يقلْ الناسُ فيها بس يا خرافة بس يا طائفية بس يا معارك جانبية فارغة!

ليست الكويت في هذا وحيدةً فالتعطيلُ السياسي والتأزيم يمضيان في بلدان عربية عديدة، وكل بلد له غوله الخاص وأشكال تجلياته (السعيدة)، فالجماعاتُ الطائفيةُ السياسية العسكرية المغامرة بمصير الشعب اللبناني تجمدُ الحكومةَ في لبنان، وتخطف سوريا من عالم الحداثة الديمقراطية العلمانية وتسلمها للمجهول الطائفي، وتحول العراقَ لفسيفساء طائفية وتشق فلسطين إلى جناحين ذابلين متهاويين يحصلُ شبحُهما على اعتراف دولي بوجوده وهو يختفي عن الأنظار غائصاً تحت ركام الفساد، ويحرقُ هذا الغولُ بل الغيلانُ اليمنَ كلها من الجنوب حتى الشمال، وتجعل هذه الغيلان خريطة السودان نارية مشتعلة، كل يوم يُختطف إقليم حتى يتبخر البلد في ملكوت العسكر الذي لا يشبع من الخراب.

أخبار الخليج 5 يناير 2011

اقرأ المزيد