المنشور

عقدة «سبوتنِك»


الكثيرون يعرفون المقصود بـ «سبوتنِك» في العنوان أعلاه، ولكن لا ضير في التذكير بأن «سبوتنك» هو اسم المركبة الفضائية التي طاف بها السوفيتي يوري غاغارين، أول رائد فضاء في العالم، حول الكرة الأرضية.

كانت تلك مفاجأة غير متوقعة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، التي أذهلها أن منافسها العنيد في الحرب الباردة، أي الاتحاد السوفيتي، تمكن من تحقيق الاختراق المذكور.

جرت دراسات معمقة في الولايات المتحدة الأمريكية يومها لمعرفة السبب في ذلك، وتطلب ذلك مراجعة شاملة للكثير من الخطط والبرامج، وفي مقدمتها اعادة النظر في نظام التعليم الأمريكي، في خلاصة قناعة تشكلت لديهم بتفوق نظم التعليم لدى الغريم، وهي مراجعة أدت الى نهضة شاملة في برامج التعليم في المدارس الأمريكية.

لكن أمريكا لم تشفِ حتى اليوم من عقدة «سبوتنك»، رغم أن الاتحاد السوفيتي بات في عداد الراحلين، ويقول احد كبار العاملين في الفريق التعليمي للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان: «ياالهي!.. كم أنا مصعوق عندما يرن في أذني صدى إسم سبوتنك مرة أخرى».

مناسبة هذا القول هو الحديث المتكرر عن تراجع مستوى التعليم في الولايات المتحدة، الذي أكده مؤخراً اعلان نتائج ما يعرف بـ «برنامج التقييم الطلابي الدولي»، الذي تم بموجبه تقييم مستوى الطلاب من سن خمسة عشر عاماً فما فوق في خمسة وستين دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مواد الرياضيات والعلوم والقراءة.

وتحدثتْ محللة سياسية أمريكية اسمها ماري سانشيز في مقالٍ نشرتْ إحدى الصحف الخليجية ترجمة له عن الصدمة الناجمة من كون الولايات المتحدة جاءت في المركز الرابع العشرين من القائمة، لتُصنف في عداد الدول المتوسطة من بين دول المنظمة المذكورة، رغم ما لأمريكا من جبروت عسكري واقتصادي واعلامي على مستوى العالم كله.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما بدوره لم يجد بداً من تذكر عقدة «سبوتنك»، وهو يتحدث عن هذه النتيجة، حين قال في كلمة أخيرة له: «بعد مرور ما يقرب من خمسين عاماً هاهو جيلنا يواجه لحظة «سبوتنك الخاصة به».

المحللة الأمريكية المشار اليها تحدثت في مقالها عن ان مستوى الطلاب الأمريكان البيض ومن ذوي الأصول الآسيوية أفضل من أداء الطلاب من أصول افريقية أو اسبانية، ولكنها رغم ذلك تؤكد أن انخفاض مستوى أداء التلاميذ الأمريكان ليس مشكلة عرقية، وانما هو في الأساس مشكلة طبقية.

وهي تشرح ذلك بالقول ان المدارس المتميزة ذات المصروفات الباهظة التي يقتصر القبول فيها على أبناء الطبقات الميسورة مادياً غالبا ما يكون اداء طلابها افضل، فيما تفتقر الى الامكانيات المدارس التي تقع في المناطق الفقيرة وتستوعب ابناء الطبقات التي تعاني من العسر في المعيشة، وينخفض مستوى المعلمين فيها.

بعيداً عن أمريكا علينا القول أن «طبقية» التعليم هي علة انخفاض مستواه العام في مختلف المجتمعات حين ينقسم التعليم الى تعليم خاص يستوعب أبناء المقتدرين وتتوفر فيه امكانيات تأهيل أفضل، وبين تعليم حكومي تعاني فصوله من التكدس ومدارسه من قلة الامكانيات والمرافق يستوعب الفقراء.

فنحصل في النتيجة على تعليم جيد للأقلية المقتدرة وتعليم متردي المستوى لأبناء الأغلبية الساحقة.
 
 

اقرأ المزيد

حيـرة عمالية


مع تبدل المنظومة العالمية وتكشف طبيعتها الموضوعية فإن الحركات المؤدلجة تخسر الكثير من الوقت في وقت التحولات العاصف.

إن شعارات مثل “تسقط الرأسمالية” في العالم الثالث ولنبن الاشتراكية ربما لا تزال تدورُ في ذهنِ بعض النقابيين واليساريين، خاصةً في حالات جمود الطبقة الحاكمة وتحجر نهجها الاقتصادي وتوسع الفقر والبطالة فإننا يمكن أن نصادف مثل هذه الشعارات وتظهر ردود أفعال لدى بعض الفئات المغبونة.

وسوف تكون الشعارات المعاكسة مثل لنسهم في تطور الرأسمالية أو لنقمْ بتصحيحِ الرأسمالية، مثار بلبلة في هذه الأوساط.

إن رؤية هذه الأوساط جامدة للحراك التاريخي الذي جرى في القرن العشرين السابق، حيث اتضحت العملية المركبة المعقدة لتطور الرأسمالية العالمية، وانتقلتْ أحزابٌ اشتراكية في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية للحكمِ أو للمشاركةِ في الحكومات، من أجل أن تجعل القطاعات العامة أكثر شفافية، ومن أجل تقليص هيمنتها على الاقتصاد والحياة السياسية والاجتماعية والإعلامية، وكذلك من أجل أن يتوسعَ حضورُ القطاعات الخاصة في الاقتصاد والمسئولية السياسية الوطنية وتصححَ بعضَ جوانب ذاتيتها الحادة.

أصبحت قضايا الحد من البطالة والفقر والمشاركة في الثورة الصناعية والثورة التقنية، وتكوين الرأسماليات التي تحقق القفزات الاقتصادية الكبرى على الطريقة الصينية والكورية الجنوبية والفيتنامية، من مطامح قادة اليسار والنقابات.

إن الحد من الاستغلال الجامح ومجابهة عدم التفكير في أوضاع الطبقات العاملة ومخاطر العولمة ونقل العمالة الأجنبية ومقاومة تفشي الأوبئة وتصعيد حضور النساء في العمل والنقابات والحكم، ونقل الثورة التكنولوجية والتعاونية للأرياف، وغيرها من قضايا غدتْ محوريةً في تطور الرأسمالية بمستوى تطوراتها الراهنة، كل هذه القضايا والأفكار تغدو أكثر صعوبةً وأوسع تحدياً في حياة المجتمعات العربية الإسلامية المنغلقة العائدة للوراء والمتجهة للتفتت وتذويب نفسها في عالم يقفز نحو التكتلات الكبيرة.

فإذا كانت القيادات النقابية واليسارية العربية لا تقدح زناد فكرها بعمليات تجديد خلاقة فهي تشاركُ بشكلٍ صامتٍ في تدهور الحال العربي، ولا تجد نفسها إلا مع قوى التفتيت.

لكن الأمور أعقد من ذلك وأخطر، فقد رأينا الكويكبين الرأسمالي الغربي والاشتراكي القومي الشرقي يصطدمان ويكونان أرضاً جديدة، لكن العملية القادمة هي التصادم الداخلي لهذين الكويكبين داخل كل بلد، أي تشكيل رأسمالية صرفة في البلدان الشرقية، وتبدل موقعي الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة، ليظهر مزيجٌ منهما حسب ظروف ومستوى كل بلد.
 
أخبار الخليج 1 يناير 2011

اقرأ المزيد