المنشور

السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة


كثيرة كانت مواطن الضعف والتهالك التي اعترت لثلاثين عاماً ونيف الأداء المصري العام الشامل لكل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المصرية، والناتج بالضرورة من إدارة كلية بائسة ركنت واستكانت للمصادر الريعية (دخل قناة السويس، وإيرادات الغاز، وإلى حد ما إيرادات النفط، وإيرادات السياحة، وإيرادات التحويلات المالية للعاملين المصريين في الخارج، وأخيراً وليس آخراً المعونات والمساعدات الخارجية لا سيما المعونات والمساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية السنوية) .
 
نعم السياسة الخارجية باعتبارها فضاءً للعلاقات الدولية متاحاً للدول الأعضاء كافة في الأسرة الدولية لتنشط فيه وتسخر إمكاناته وفرصه الهائلة لتعظيم مكاسبها الوطنية، هي بهذا المعنى ليست قطاعاً اقتصادياً كبقية القطاعات التي تسهم في الفائض الاقتصادي بإجمالي القيم المضافة التي تنتجها والتي يمكن قياسها كمياً، ولكن من تناط بهم مهمة ومسؤولية تسلم وحمل حقيبتها يملكون، إذا ما كانوا حاذقين وماهرين في توظيف كل ما تحوزه بلادهم من طاقات وإمكانات وطنية وما تتمتع به من أفضليات في علاقاتها الإقليمية والدولية .
 
وغني عن القول، والحال هذه، أن أي مراقب للسياسة الخارجية المصرية على مدى السنوات الأخيرة، لابد أن يكون قد لاحظ تدهوراً متصلاً لمواقع مصر وتمثيل مصالح مصر في غير موقع من المواقع المتصلة بصميم مصالحها الوطنية لعل أبرزها الخسارة المائية الاستراتيجية الناجمة عن قيام دول منبع نهر النيل بإنشاء اتفاقية جديدة لإعادة اقتسام مياه النيل على حساب دول المصب وتحديداً مصر والسودان، وكذلك الخسارة الجيوسياسية الناتجة من انفصال جنوب السودان عن الوطن السوداني، فضلاً عن خسارة العمق الإفريقي قبالة تزايد الوجود والنفوذ “الإسرائيلي” في عديد بلدان القارة السمراء .
 
طبعاً من غير المنطقي ومن غير المنصف تعليق هذه الخسائر وغيرها على أداة السياسة الخارجية المصرية وحدها، ذلك أن المسألة أوسع نطاقاً من مجرد ضعف وسوء استخدام هذه الأداة الفعالة، المسألة تتصل بلا شك “بالسيستم” كله الذي كان يفترض فيه أن يكون محور حركة الدولة المصرية الدائبة على الصعد المحلية والإقليمية والدولية بحثاً عن كل ما من شأنه صيانة وتعزيز وتعظيم مصالحها .
 
الآن هذا “السيستم” في مصر يخضع لعملية إعادة هيكلة رئيسية في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها مصر بعد نجاح ثورتها في إحداث التغيير المأمول في بنية النظام ككل .
 
وفي هذا بالتحديد ما ينهض سبباً للتعويل عليه في إعادة الدينامية لأداة السياسة المصرية الخارجية إلى سابق حراكها الوطني والقومي المعهود . فلقد أرسلت الخارجية المصرية التي أصبح يحمل حقيبتها الآن فريق جديد يقوده نبيل العربي، عدة إشارات تفيد بأن تغيراً جدياً آخذاً في التبلور والحدوث في توجهات السياسة الخارجية المصرية ينطلق من مصالح مصر الوطنية والقومية، وهو نهج يتسم، حتى الآن، بالحيوية والجدية، يشهد على ذلك التوجه المصري السريع نحو السودان الشقيق لإعادة إحياء الروابط المتينة والبالغة الأهمية للبلدين العربيين الشقيقين من خلال الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء المصري الجديد عصام شرف للسودان لمدة يومين (27 و28 مارس/ آذار 2011)، تم خلالها التوقيع على 9 اتفاقيات ومذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية للتعاون بين البلدين، بما في ذلك اتفاقية إطارية لعودة بعثة جامعة القاهرة فرع الخرطوم وبروتوكول التعاون الفني في مجالات تنمية وإدارة الموارد المائية في إطار استراتيجي يعزز مصالح البلدين الجارين، إضافة إلى بعض الخطوات والمواقف الأخرى من القضية الفلسطينية وغيرها التي تنبئ بوجود نزعة استقلالية وطنية وقومية في السياسة الخارجية المصرية الجديدة يتوقع تبلورها وتمظهرها قريباً على أكثر من صعيد .
 
في هذا السياق، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن النظر بإيجابية إلى إثارة وزير الخارجية المصري نبيل العربي في اللقاء الذي جمعه في القاهرة يوم الخميس 24 مارس/آذار الماضي مع المدعي العام للمحكمة الجنائية  الدولية لويس أوكامبو مسألة امتداد اختصاص هذه المحكمة للتحقيق في الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال “الإسرائيلي” في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتفعيل دور المحكمة في ضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، إضافة إلى تأكيد وزير الخارجية المصري أهمية مواصلة الضغط على “إسرائيل” للانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي والعمل على إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق  الأوسط .
 
في هذه الظروف العصيبة والعاصفة التي تمر بها بلدان المنطقة العربية، فإن أملاً، مهما كان ضعيفاً، يظل معقوداً على مصر التي وإن كانت ظروف مرحلتها الانتقالية تزحم أجندة أولوياتها، في أن تستعيد الإمساك بزمام المبادرة في المنطقة العربية، بما يخفف من وطأة الاستقطابات المختلفة والحادة التي تطبع الحياة وعلاقات القوى العربية، توطئة لوضع حد لها، ويضع البلدان العربية من جديد على سكة الانشغال التنموي المنطلق من صميم مصالحنا الوطنية والقومية .

اقرأ المزيد

حراكُ المذاهبِ والثورات


تلوحُ في أفق بعض الثوراتِ العربية المُنجزة أو التي في طريقها للإنجاز أو المُجهَّضة تغلغل بعض المذهبيات السنية المحافظة للسيطرة على مفاتيح هذه الدول خلافاً لأنصافِ دولٍ(علمانية) تحديثية سابقة.

أدتْ سياساتُ الحكومات العربية في ضرب الاتجاهات الديمقراطية أو تحجيمها إلى بقاء السطح الجماهيري من الوعي عرضةً لغسلِ أدمغةٍ مكثفٍ من قبل هذه الجماعات.

وقامت كل سياسات الحكومات على تصعيد رأسماليات حكومية فاسدة ممتدة للمصارف والشركات وغالباً ما سُلم التعليمُ والحياة(الثقافية) لهؤلاء الدينيين المنبثقين من هذه الجماعات ذات الفهم المحافظ للإسلام، الذي يعيد للتداول أسس الحياة القديمة غير الصالحة للاستمرار.

أي أننا أمام حقبة من ولايات الفقيه السنية هذه المرة، وهي التي تبرزُ بسلام وهدوء و(تسامح) وتنمو في أقمطة سريرية غربية، لا تفقهُ من الدين وتركيبِ الواقع المعقد شيئاً عميقاً، وتجاري حركة الشعوب العفوية غير قادرة على بث خطابات تنويرية علمانية في أعماقها، بل تتراقصُ على حبالِ الحركاتِ المذهبية السياسية ودغدغة غرائزها، وتتنامى أنشطتها حسب موارد الثروة ومدى اتساع الأسواق والصفقات التجارية المعقودة.

في مصر تنمو طبقة جديدة من كبار الضباط وقياديي الاخوان لوراثة النظام السابق، وتُبعدُ قوى الشباب، وأبرزتْ معركةُ التصديقِ على التعديلاتِ الدستورية هذا القطب السياسي – الديني الصاعد.

إن جذورَ الضباط الكبار الاجتماعية تأتي من الأسر الكبيرة الغنية ومن القوى التي دعمتْ نظامَ استبداد الضباط الأحرار والتي استفادت من البيروقراطية الحكومية الفاسدة عبر العقود، وهي التي تخاف من التحولات الجذرية وتحرر الفلاحين من التخلف ومن هيمنة الإقطاع الزراعي جذر تخلف مصر الريفي الاجتماعي.

وكان الاخوان دائماً عبر كتبِ مرشديهم وخطاباتهم ورؤاهم مؤيدين هذا الإقطاع الزراعي، وسوف يرغبون في ورثة نفوذ قوى الحزب الوطني في المؤسسات العامة والخاصة، وسيَهدئون جزءاً من الشارع العمالي الفقير المطالب بالمزيد من التغيير، كما سيغدون بهذا سنداً للمجلس العسكري وللقوى التي سوف تصعد نحو الطبقة الجديدة غير الواضحة المعالم الآن، ولكنها في سبيلها لترتيب صفوفها ووراثة الحزب الوطني، مع إضفاءِ تغييراتٍ جديدة كتطوير حكم القانون، ونشر ديمقراطية نسبية، لكن الصراعات الاجتماعية الأساسية لن تُحل، وسوف تُهاجم الملكيةُ العامةُ التي أوجدتها ثورة يوليو، وتعلو المُلكيات الخاصة لوسائل الإنتاج بدرجة كبيرة، وهذه كلها تتطلبُ شعارات وأفكاراً مذهبية سياسية – دينية، تحفظ لقوى الاستغلال الصاعدة مظلةً من التضامن الاجتماعي الزائف، بدأت من خطبة الشيخ يوسف القرضاوي في الميدان، وحدث بعد ذلك تصاعد سرقة الثورة من قبل الإدارات المختلفة، لكن إصرار المتظاهرين وانتشار عمليات التغيير في مختلف المؤسسات وقيام تظاهرة مليونية متحدية هذه السرقة، وضعتْ علامات استفهام على صراع القوى الاجتماعية السياسية في المرحلة القادمة.

في تونس حيث اليسار والقوى الديمقراطية التحديثية ذات نفوذ أقوى من مصر فشلت عملية استغلال الشارع لتحريف قضايا الجماهير المطلبية والمعيشية نحو قضايا الحجاب والخمور وغيرها.

إن القوى الدينية تجد نفسها بلا برامج عميقة تتطلبها الشعوب وتتعلق بقضيةِ القطاع العام المسروق ومسائل الأجور والتفاوتات الطبقية الرهيبة المتصاعدة، وحل العلاقات بين القطاعين العام والخاص وإمكانية ظهور مسئولين يعقدون علاقات متناسبة بينهما لا تدمر تراكمات التنمية والتحرر العربي، وكذلك يجذرون مسائل الديمقراطية في الحياة الاجتماعية التي تبدو تونس كذلك تتقدمُ فيها على مصر، ومن المعروف أن البلدين يتنافسان في نقلِ تجارب التغيير خلال هذه الأشهر الحاسمة من الثورة الديمقراطية الأكثر عمقاً من ثورات الانقلابات العسكرية السابقة.

ولكن القوى الدينية تريدُ نفوذاً بأي شكل، فتركزُ في وعي الحلال والحرام الذي مكانه المحاكم والقانون لا مشروع الثورات الداخلة في صميم الإنتاج والمعاش، وهي تستفيدُ من جذورِها ومن بقاءِ العلاقات الإقطاعية في الريف وفي السلطةِ والعائلة، فتستثمرُها وتحولها إلى مقاعد في البرلمان والمؤسسات السياسية وتجمد التطورَ وتؤسس طبقةً إقطاعية جديدة ذات شكل رأسمالي.

وقد ظهرت قوائم لدى بعض القوى الغربية لمقاتلين ليبيين اشتركوا مع إرهابيي العراق وخاصة من المنطقة الشرقية، وهم الآن ربما يوجدون في ليبيا، فلا شك أن حديث الحكومة الليبية عن القاعدة ليس كله كذباً. وسوف يلعب هؤلاء وغيرهم أدواراً خطرة في التطور السياسي القادم، مع وضوح البساطة السطحية لأفكار الحكومة الانتقالية، وغموض الدور الغربي.

وسوريا هي في العتبات الأولى لمرحلة التغيير ونرى ذاتَ الخطوط العريضة في تونس من دون أن يوجد فيها تجذرٌ عميقٌ لليسار والعمال كما في تونس ولا حضور الشباب التحديثي الديمقراطي كما في مصر، ولهذا فإن رحلتها طويلة وصعبة.
 
أخبار الخليج 5 أبريل 2011

اقرأ المزيد

هل انتهت مغامرة القذافي؟


في الثاني عشر من سبتمبر/ أيلول من عام 2003 اتخذ مجلس الأمن الدولي قراراً قضى برفع العقوبات الدولية التي فرضها على ليبيا والتي استمرت لمدة أحد عشر عاماً بعد أن كان المجلس قد فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على ليبيا (قرار مجلس الأمن رقم 748 المؤرخ في 31 مارس 1992) إثر اتهامها بالمسؤولية عن تفجير طائرة ركاب أمريكية تابعة لشركة “بان أمريكان” أثناء تحليقها فوق قرية لوكيربي الاسكتلندية بتاريخ 12 ديسمبر 1988 . وكان الاتهام قد وُجه لشخصين من المخابرات الليبية هما الأمين خليفة فحيمة وعبدالباسط المقرحي، إلا أن القذافي رفض تسليم المتهمين إلى الولايات المتحدة (بلد منشأ شركة الطيران المالكة للطائرة المنكوبة ومعظم ركابها) أو بريطانيا (بلد سقوط الطائرة)، وأصر على محاكمتهما في ليبيا قبل أن يعود ويوافق عام 2000 على تسليمهما إلى محكمة هولندية شُكلت لهذا الغرض كجهة تحكيمية ثالثة محايدة اتفق عليها بين ليبيا والولايات المتحدة وبريطانيا، حيث برأت المحكمة ساحة المتهم فحيمة لعدم كفاية الأدلة وتناسقها، بينما دانت المقرحي بالضلوع في جريمة التفجير وحكمت عليه بقضاء 27 سنة في سجون اسكتلندا . وفي العام الماضي تم الإفراج عنه في صفقة مريبة بين بريطانيا ونظام القذافي حصلت بمقتضاها شركة “بريتش بتروليوم” على حقوق الاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز في القواطع البحرية الليبية الساحلية مقابل استخدام الشركة نفوذها على الحكومة البريطانية والأخيرة القضاء الاسكتلندي للقيام بإطلاق سراح المقرحي بدواعي إنسانية قيل إنها مرتبطة بإصابته بالسرطان وإنه لن يعيش أكثر من شهرين .

وكما هو معروف فإن موافقة مجلس الأمن الدولي بأغلبية 13 صوتاً على رفع العقوبات المفروضة على ليبيا جاءت بعد أن قام نظام القذافي بدفع تعويضات إلى عائلات ضحايا طائرة لوكيربي (270 شخصاً) بلغت قيمتها 2،7 مليار دولار، فيما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت وكذلك فعلت فرنسا التي أصرت على أن يستكمل نظام القذافي دفع بقية مبلغ التعويضات لعائلات ضحايا الطائرة المدنية الفرنسية “يو .بي .ايه” التي اتهم نظام القذافي بتفجيرها فوق النيجر في عام 1989 (أعلن الزعيم الليبي معمر القذافي في الذكرى 34 للانقلاب الذي أوصله إلى السلطة أن ليبيا توصلت لاتفاق مع فرنسا على تعويضات لذوي ضحايا إسقاط الطائرة الفرنسية بعد أن دانت محكمة فرنسية ستة ليبيين غيابياً بالمسؤولية عن التفجير الذي راح ضحيته 170 شخصاً) .

اليوم ولم تكد تمضي 8 سنوات على رفع العقوبات الدولية التي كانت فرضت عليها، عادت ليبيا من جديد لتقع تحت طائلة عقوبات مجلس الأمن الدولي بقرار يتجاوز هذه المرة العقوبات الاقتصادية إلى شن العمليات الحربية الجوية ضد كافة منشآتها العسكرية وشبه العسكرية، بل وحتى بنيتها الأساسية، من شبكة اتصالات وطرق وجسور ومرافق حيوية أخرى .

طوال الأربعين عاماً الماضية لم تعرف ليبيا استقراراً سياسياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً متصلاً، فلم تكد تفيق من “صدمة” انعطافية حادة في الأحداث إلا وكانت على موعد جديد مع “بدعة” اهتزازية جديدة، وذلك في تداع عجيب وغريب الأطوار لتحولات الأحداث التي يحركها ويبادر إلى اتخاذها والآمر بإنفاذها قائد الثورة العقيد معمر القذافي . من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما خرج به في شهر إبريل/ نيسان 1973 في خطابه بمدينة زوارة من دعوة الليبيين (أو الجماهير الليبية حسب العقيد)، للسيطرة على السلطة وتقويض ما تراه غير صحيح، وأن تخلق وضعاً شعبياً جديداً ضمن ما أسماه الثورة الشعبية التي يجب أن تقوم “بتعطيل وإلغاء كل القوانين المعمول بها حتى الساعة (ساعة إلقاء خطابه)، وتطهير البلاد من المرضى سياسياً الذين يتآمرون على القضية الثورية وعلى الشعب وعلى التحول الثوري، وإعلان الثورة الإدارية، وتسليح الشعب، وأن الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب” .

وما أن انتهى العقيد من خطابه في ذلك اليوم حتى أمر بحرق الكتب الأجنبية والآلات الموسيقية في ساحات المدن الليبية على مرأى ومسمع من العالم، كما أمر بإلغاء مهنة المحاماة . . إلخ، من البدع الغريبة التي وجدت طريقها في ما بعد إلى الكتاب الذي وضعه لهذا الغرض وأسماه “الكتاب الأخضر”، والذي عدّه طريقاً ثالثاً بين الاشتراكية والرأسمالية .

هذا ليس كل شيء، فالعقيد الذي يصدر أوامره بشنق الليبيين المعارضين في رمضان هو نفسه مَنْ يخرج عليهم مستنكراً قيام “الليبيين بشنق بعضهم بعضاً في رمضان” .

وهو مَنْ كان أعلن وأمر في عام 1986 بإعطاء مبلغ 10 آلاف دولار لكل أسرة ليبية قبل أن يعود ليهدد الليبيين برفع الدولة مسؤوليتها عن خدمات الصحة والتعليم والخدمات الأخرى .

ومن الطبيعي أن يكون لهذه الفذلكات الرعناء أثمان باهظة ترقى إلى مستوى الكوارث الوطنية، وذلك على النحو الذي رأيناه في التعويضات المالية الضخمة التي دفعها نظام القذافي من أموال الشعب الليبي لذوي ضحايا طائرة بان أمريكان التي ناهزت الثلاثة مليارات دولار، بخلاف التعويضات التي دفعها النظام الليبي لعلائلات ضحايا الطائرة الفرنسية التي اتهم نظام القذافي بتفجيرها فوق النيجر في عام 1989 .

أما الخسائر التي ألحقتها سياسات العقيد بالاقتصاد الليبي وبالمواطن الليبي من جراء الحصار الدولي الذي فرض على ليبيا، والذي امتد لأحد عشر عاماً، فإنها أكبر بكثير من كل التقديرات المتواضعة للأرقام الصماء التي لا تستطيع قياس الفرص التنموية الضائعة التي ترتبت على ذلكم الحصار .

ولأن الكوارث تجر الكوارث، فقد كان من شبه المحتم أن يكون مآل مغامرة القذافي في الاستيلاء على السلطة والتفرد بها لأكثر من 40 عاماً مآلاً كارثياً بكل معنى الكلمة . فالبلاد الليبية اليوم ممزقة بين حرب أهلية على الأرض وتدخلات دولية بالجملة .

ومع ذلك، وكي تكتمل فصول المغامرة المأساوية فإن القذافي مازال مصرّاً على أن الشعب الليبي يحبه ويموت فيه! وإزاء هذا المشهد الحزين لا يملك المرء سوى القول يا لعبودية السلطة! ونعم صدق مَنْ قال “ومن الحب ما قتل” .

 

حرر في 1 ابريل 2011

اقرأ المزيد

الأهم … ما بعد استقالة الحكومة


بغض النظر عن الأخبار المتواترة والإشاعات المتضاربة حول استقالة الحكومة فإنّ التشكيلة الحكومية الراهنة أصبحت بحكم الراحلة، بعد الانقسام المكشوف في صفوف الوزراء الشيوخ ورئيسهم، وبعد النقلة الدراماتيكية لبعض نواب الموالاة، الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها نوابا مستجوبين، وبعد أن ارتفعت الأصوات المطالبة برحيل هذه التشكيلة الحكومية من بين النواب المقربين منها قبل المعارضين لها… ومن ثَمَّ فإنّ الجانب الأهم الذي يفترض التوقّف أمامه هو ما يمكن أن تتجه نحو الأمور بعد هذه الاستقالة المستحقة وليس الانشغال في موعد إعلان خبر الاستقالة أو تأخره أو تأخيره.

إنّ النتيجة المباشرة لاستقالة الحكومة تبدأ بسقوط الاستجوابات الثلاثة الموجّهة إلى الشيوخ الثلاثة، وبالتالي فإنّ قبول الاستقالة وإعادة التكليف والتشكيل الحكومي مع عودة الشيوخ الثلاثة المستجوبين من دون تغيير في الوضع الحكومي بدءا من الرئاسة سيُفهم على أنّه “ملعوب سياسي” لإسقاط الاستجوابات، وفي هذه الحالة ليس هناك ما يمنع النواب المستجوبين أو الملوحين باستجوابات أخرى من تكرار تقديم الاستجوابات الحالية أو استجوابات مشابهة إلى الشيوخ الثلاثة ورئيسهم العائد، فالردّ الطبيعي على “الملعوب” هو “ملعوب” آخر لا يعبأ بالاعتبارات الدستورية واللائحية الشكلية القائلة بانقطاع المسؤولية السياسية لرئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء بعد الاستقالة وتشكيل حكومة جديدة… لنعود مجددا إلى المربع رقم واحد الذي يتوهم البعض أنّه سيغادره بعد الاستقالة.

وغير هذا، فسيبرز السؤال بعد الاستقالة: مَنْ هو الرئيس الجديد؟… ومع أنّ تكليف رئيس مجلس الوزراء هو حقّ دستوري لصاحب السمو الأمير بعد إجراء المشاورات الدستورية، إلا أنّه من حقّ الأمة ومن حقّ نوابها اتخاذ موقف عدم التعاون مع هذا الرئيس المكلّف والتعبير عن الاستياء منه… وفي الغالب فإنّ عودة الرئيس الحالي لتشكيل الحكومة السابعة بعد الفشل الصارخ لتشكيلاته الست المتعاقبة سيخلق حالة إحباط ويولّد مشاعر خيبة أمل ليس في صفوف النواب والتيارات السياسية فحسب، وإنما على المستوى الشعبي عموما، قد يصعب تقدير تداعياتها وعواقبها، بحيث قد تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه من احتقان في الشارع قبل المجلس خلال شهري ديسمبر ويناير الماضيين، أو ربما على نحو أشد
وغير ذلك فإنّ تكليف الرئيس ذاته سيواجه مصاعب ليست هينة عند تشكيل الحكومة الجديدة، التي قد يطول الأمد قبل أن تتشكّل، ستشل البلد لأسابيع طويلة.

وبافتراض تجاوز مشكلة التشكيل الحكومي الجديد فإنّ هذا التشكيل السابع لن يختلف كثيرا عن التشكيل السادس وما سبق من تشكيلات اللهم إلا في تغيير بعض الأسماء وتبدّل بعض الوجوه واختلاف توزيع الحقائب الوزارية، ولن يكون هناك تغيير في النهج ولا تبدّلا في السياسات، ما يعني إعادة إنتاج الوضع البائس الحالي.

ومن هنا، فإنّه ما لم يترتب على استقالة الحكومة تشكيل حكومة جديدة برئاسة جديدة تتبنى نهجا جديدا مختلفا فإنّ الكويت ستواصل الدوران المرهق في هذه الدائرة المفرغة التي نقلتها من أزمة إلى أزمة، ومن عثرة إلى أخرى، ومن تخبّط إلى تخبّط أسوأ، ومن تراجع إلى تراجعات… إلى أن ييسر اللّه للكويت وللكويتيين مخرجا.
 
جريدة عالم اليوم
30 مارس 2011

اقرأ المزيد