المنشور

الحريات الأكاديمية


في بحثه «الحريات الأكاديمية – المفهوم والإشكالية النظرية» تحدث د. محمد نور فرحات عن مفهوم الحريات الأكاديمية، معتبراً ان هذا المفهوم حديث النشأة إذا قورن بالمفاهيم المستقرة في مجال حقوق الإنسان، ومع ذلك يؤكد ان هذا المفهوم لا يقتصر على الحقوق (حرية الرأي والعقيدة والتعبير والاجتماع والحق في التعليم)، بل يشمل حقوقاً اخرى ألصق بالمؤسسات الأكاديمية، مثل الحق في استقلال المؤسسات الأكاديمية وواجب الأكاديميين في البحث والتعليم.
 
ان مفهوم الحريات الأكاديمية كما يقول يثير عدداً من الإشكاليات النظرية والتطبيقية اللصيقة به، والتي لا يثيرها البحث في أي من الحقوق التقليدية على انفراد: مثل العلاقة بين الحريات الاكاديمية ومبدأ حظر النشاط السياسي داخل مؤسسات التعليم العالي، خصوصاً اذا تعلّق الأمر بالعلوم السياسية ومثل القيود التي تفرض على الحريات الاكاديمية، سواء كانت هذه القيود ذات طابع قانوني او اقتصادي او فلسفي او علمي. يرى الباحث ان الحريات الاكاديمية احتلت مكانتها في الأدبيات العالمية لحقوق الانسان بعد تزايد اعتداءات السلطات الحاكمة على استقلالية مؤسسات التعليم الجامعي والحريات التعليمية والبحثية للأكاديميين العاملين فيها، خاصة في مجتمعات العالم الثالث.
 
وضّح «فرحات» كيف أسفر الوعي العالمي بالحريات الاكاديمية وضرورة تأمينها على وجه فعّال عن صدور إعلانات أربعة عن مؤتمرات، وإن كانت غير رسمية فإنها أسهمت في تحديد ثابث ومستقر لمفهوم الحريات الاكاديمية وأبعادها وحدودها وما تفرضه هذه الحريات من واجبات على العاملين في الحقل الاكاديمي، ومع ذلك يقول لا نزال ننتظر المشرّع الدولي ليصوغ لهذه الحريات أداتها الإلزامية المتمثلة في اتفاقية دولية لحقوق الحريات الاكاديمية.
وأوضح ايضاً الاشكاليات النظرية التي يثيرها موضوع الحريات الاكاديمية من بينها مفهوم هذه الحريات وصلتها بحقوق الانسان الاخرى والمتمتعين بالحريات الاكاديمية، والثانية هي واجب الاكاديميين في التعليم والحدود التي تفصل بين هذا الواجب وبين مباشرة النشاط السياسي والاخيرة القيود على الحريات الاكاديمية.
 
وعند الوقوف على هذه الاشكاليات شرح الباحث كيفية تجنّبها لضمان الحفاظ على الحريات الاكاديمية وفقاً لما هو متفق عليه في تلك المؤتمرات. وفي هذا المجال يقول: «ان الحريات الاكاديمية تتضمن حقاً للاكاديميين يتعلق ببحوثهم في اختيار الموضوع واستخدام النهج والتحليل النظري ونشر نتائج البحث سواء بشكل مقروء أو مسموع، وهذه الحقوق يتمتع بها العلماء والباحثون بصفة فردية وجماعية». ويضيف «ان احد الشروط الرئيسية للحرية البحثية بالمعنى السابق، هو تأمين استقلال الجامعات ضد التدخلات والمزاعم الخارجية سواء من جانب الدولة أو الشركات الخاصة أو المؤسسات الدينية أو غيرها من صور التدخل التي يمكن ان تؤثر على النشاط البحثي».
 
وبشيء من الإيجاز تطرق الباحث الى الواجب الاكاديمي والواجب في التعليم، من حيث العطاء العلمي وشيوع الابداع في المناخ الاكاديمي، وكذلك من حيث الالتزام بالقيود القانونية والاخلاقية عند ممارسة الحريات الاكاديمية. وبالاضافة الى ذلك، تطرق ايضاً الى هذه القيود ذاتية كانت ام موضوعية، وإلى مضمون الحريات الاكاديمية ابرزها حق اعضاء المجتمع الاكاديمي في تأمين واحترام حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في مواثيق حقوق الانسان العالمية. وكذلك الحق في تكافؤ الفرص في الالتحاق بالمجتمع الاكاديمي على اساس من القدرة والكفاءة وحدهما، وحرية الباحثين في إجراء بحوثهم واختيار مناهجها ونشر نتائجها دون تدخل من احد مع التزامهم بالمبادئ العامة والاخلاقية للبحث العلمي أو حق الاكاديميين في التجمع وإنشاء نقابات وأندية.. واستقلال مؤسسات التعليم العالي يستلزم شيوع المناخ الديمقراطي داخل هذه المؤسسات.
أما عن الحريات الاكاديمية في الجامعات العربية فيقول: «وطبيعي أنه يصدق على الحريات الاكاديمية في بلدان العالم العربي ما يصدق في حالة الحريات العامة وأوضاع حقوق الانسان فيها، فليس لنا ان نتوقع احتراماً لحريات الاكاديميين في مجتمعات لا يأمن فيها مواطنوها على حقوقهم وحرياتهم الانسانية والعكس صحيح». ويقول أيضاً: «فمن الملاحظ في التاريخ العربي الحديث ان الابداع الاكاديمي والازدهار العلمي والثقافي يسودان في الاوقات التي يسود فيها مناخ من التسامح الليبرالي واحترام حقوق الانسان، وأن الانحطاط والتدهور الاكاديمي والثقافي يصبح ظاهرة ملحوظة في اوقات الاستبداد والطغيان وقهر حقوق الانسان.. ولأن احترام حقوق الانسان لم تتأصل جذوره بعد في عدد من المجتمعات العربية فمن المنطقي ان يفتقد مفهوم الحريات الاكاديمية في هذه المجتمعات».
ومن جملة ما تحدث عنه في هذا البحث الهيمنة الرسمية وحرية الفكر والابداع في الجامعات العربية. موضحاً ان هذه الهيمنة وفي غياب الحرية داخل الجامعات وضعت قيوداً تجاه حرية التعبير والطموح، وكذلك تحدث عن ازدواجية الثقافة وأثرها السلبي في التربية على حقوق الانسان. وهنا اشار الى التعارض بين الرؤية الدينية والرؤية الدولية لحقوق الانسان في مجال التعليم الديني، الذي يعتمد على النقل دون العقل، وعلى الترديد دون التجديد. 
 



صحيفة الأيام 9 ديسمبر 2011
 
 
 

اقرأ المزيد

ماذا وراء الحماس الأميركي لفصل الجنوب السوداني عن شماله؟


ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال، واختراق جدران إسراره المنيعة والمحصنة بأقوى وأحدث تكنولوجيا الخداع والتضليل والأكاذيب الأميركية، غير أن مثل هذه المعضلات، وإن صعبت يجب ألا تثنينا أو تقعدنا عن محاولات المضي بإرادة لا تعرف الانهزام، لبلوغ هدفنا بالكشف عن ماهية الأمور التي تبيتها أميركا وتخفيها وراء ما كانت تبديه من حماسٍ لاهث وسعي حثيث، بلغ حد التلويح برشوة عمر البشير لتسهيل فصل الجنوب السوداني عن شماله.
 
إلا أن بلوغ مثل هذه الغاية، يتطلب بحثاً دقيقاً ومراقبة مركزة لمتناثرات الأحداث التي سيثيرها البحث لتخرج من مكامنها في بطون التاريخ، وتعود من جديد لتفاعلاتها وتكاملها مع بعضها بعضاً وما عسى أن تنجلي عنها تلك التفاعلات من أمور، نكون لحظتها قد اقتربنا معها من الحدث اقتراباً لا يكاد يفصلنا عن جزيئاته المكونة لمخطط فصل الجنوب السوداني، واستخلاص ما يكمن بين دهاليزها من أمور تخص فصل الجنوب السوداني. وستبرز أمامنا حتماً معالم صورة تدل دلالة واضحة على أن مخطط فصل الجنوب السوداني عن شماله هو مخطط مشترك، وهدف متفق عليه بين أميركا وعمر البشير. وعلى رغم هذا الاتفاق تبقى أن هناك مفارقة يتميز من خلالها ما يفيد بأن لكل من الطرفين شغله الشاغل، وأن كلا منهما «يبكي على ليلاه». وتتأكد هذه النتيجة المرعبة، المتعلقة بانغماس البشير بكليته في مؤامرة فصل الجنوب، من تصريحه نفسه، وهو تصريح لا يمكن لأحد تفسيره إلا أنه استجابة واضحة المعالم، لطلب أميركا منه بألا يعرقل انفصال الجنوب، إذ أكد استجابته للطلب الأميركي وموافقته عليه، وإلا ما معنى قوله مستبقاً الأحداث: «إنه سيكون أول من يعترف بحكومة الجنوب، إذا قرر الجنوبيون الانفصال»؟
ولم يقف البشير عند هذا الحد لتأكيد انغماسه في المخطط الأميركي لفصل الجنوب، وتجزيء السودان، بل إنه مضى إلى أبعد من ذلك. بعد أن أضاف إلى تصريحه السابق، وعندئذ – عند قيام حكومة الجنوب – من حق حكومة الجنوب أن تعترف بـ «إسرائيل»، وتقيم معها أي نوع من العلاقات، مثل علاقات عسكرية تؤسس لـ «إسرائيل» إنشاء قواعد عسكرية على أراضي الجنوب، تهيئ لها تنفيذ ما تطلقه من تأشيرات عن إعادة احتلال سيناء، وتنفيذ أمور أخرى تجيش في نفس «إسرائيل» وتشكل حيزاً من مخططاتها. وهنا يحضرنا سؤال ملح ومهم نكمل به صورة البشير.
 
لماذا لم يخطر على فكر البشير وهو يتحدث عن انفصال الجنوب وإقامة حكومتها، غير إقامة علاقات مع «إسرائيل» وليس مع الشمال، أو مع مصر، أو مع دول الجوار الأخرى؟ وماذا عسى المتابع لتطورات الأحداث في السودان أن يستخلص من كلام البشير وتلميحه بإقامة حكومة الجنوب علاقات مع «إسرائيل»، ورد «إسرائيل» السريع المرحب بهذه العلاقات وإبداء استعدادها لمساعدة الجنوبيين بأي نوع من المساعدة، غير تأكيد ما ذهبنا إليه من انغماس البشير في الترتيبات الأميركية لفصل الجنوب. ونضيف إلى ما تقدم أن البشير على علم مسبق ودراية بأن الفصل سيتم لصالح «إسرائيل».
ولتأكيد هذه النتيجة نطرح فرضية أخرى بشأن فصل الجنوب السوداني، وهي أنها عملية مكملة لغزو العراق وفصل شماله الكردستاني عن بقية العراق وجنوبه، فذلك الفصل وإقامة دولة كردستانية إنما يحقق حلم «إسرائيل» بأن يكون لها موطئ قدم قريب من الخليج، وهذا أمر يتماشى مع ما صرح به جنرالات «إسرائيل» بعد العدوان على بيروت العام 1982 «بأن الخليج قد أصبح مفتوحاً أمامنا بعد حرب لبنان».
 
إن فصل الجنوب السوداني ما هو إلا عملية مكملة لغزو العراق وخصوصاً فيما يرتبط بفصل الشمال الكردستاني عن بقية العراق، ومع إقامة موطئ قدم لـ «إسرائيل» في شمال العراق وجنوب السودان، يحقق لقادة «إسرائيل» حلم (إسرائيل) الكبرى من الفرات إلى النيل»
 

صحيفة الوسط البحرينية – 02 ديسمبر 2011م
 

اقرأ المزيد

الخطر على الاقتصاد العالمي من أوروبا هذه المرة


أصبح الاقتصاد العالمي برمته رهينة الأوضاع المالية الهشة في بلدان الاتحاد الأوروبي، وبلدان منطقة اليورو منها على نحو خاص . ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مراقبة حركة أسواق المال العالمية، فهي تبدأ تداولاتها اليومية على وقع آخر أنباء اليورو ومصير خطة الإنقاذ الثانية لليونان ووضع المصارف والمؤسسات المالية الأوروبية المتورطة حتى النخاع في ديون مشكوك في تحصيلها من معظم البلدان الأعضاء في منطقة اليورو .
 
وعلى ذلك فإن الموضوع الرئيسي المطروح على أجندات الاجتماعات واللقاءات الدولية، هو الأزمة المالية الأوروبية، فبعد القمة الأوروبية التي كرّست لإنقاذ اليونان من السقوط جاء الدور على قمة العشرين . . وهكذا وكأن العالم أصبح اليوم على موعد، تقترب لحظته وتبتعد، من أزمة مالية عالمية عاصفة وقودها هذه المرة الأزمة المالية/الاقتصادية الأوروبية المركبة، وكبش فداها اليونان، بعد أن كانت الأزمة المالية/الاقتصادية الأمريكية وقود الأزمة المالية/الاقتصادية العالمية عام 2008 وفتيلها مصرف ليمان براذرز .
 
ليست أسواق المال العالمية فقط هي التي صارت تعمل مثل الترمومتر لقياس حالة التذبذبات الحادة والقلق والريبة من الأداء الهزيل للاقتصادات التي كانت يوماً قائدة حركة ومحفزة نمو الاقتصاد العالمي . فأصحاب الأموال بمختلف أنواعهم، مستثمرين مباشرين وغير مباشرين ومضاربين، هم أيضاً في حيرة من أمرهم تتجلى في قراراتهم الفجائية التي تمليها ظروف تداعيات الأزمة في المراكز الرأسمالية .
 
ففي ضوء أنباء اليورو المهدد من أكثر من مصدر ضعيف في منطقة اليورو، يقرر المستثمرون الابتعاد عنه والتحول إلى الدور الأمريكي وسط توقعات بأن ينحدر سعر صرف اليورو ليعادل سعر صرف الدولار .
 
وذلك إما بسبب اضطرار البنك المركزي الأوروبي لطباعة مزيد من اليورو بصورة مفرطة، أو أن يقوم بتبني سياسة نقدية “مرنة”، إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وذلك لإنشاء صندوق إنقاذ يمكنه شراء السندات الحكومية للدول المأزومة مالياً في منطقة اليورو . والتحول للدولار هنا ليس اختياراً وإنما اضطرار .
 
المسألة جدا خطرة، وخطرها لن يقتصر على إقليم اقتصادي بعينه من دون سواه – الاتحاد الأوروبي كما هو مفترض- وإنما سيطال حتى البلدان التي تتمتع بموارد جيدة لاستيعاب صدمة الأزمة المالية المتجددة إن وقعت، بدليل أنه حتى الاقتصادات الصاعدة شهدت في الأسبوع الأخير من سبتمبر/ أيلول الماضي موجة نزوح للمستثمرين من أسواقها قُدِّرت بنحو 6 مليار دولار نفذتها خلال خمسة أيام صناديق أسهم الاستثمار وصناديق الدخول الثابتة، وهو ما لم يحدث منذ عام 2004 .
 
كما تراجعت أسعار صرف عملات أكبر 25 سوقاً صاعداً مقابل الدولار خلال الشهر نفسه، حيث انخفض الريال البرازيلي بنسبة 14،3%، و”رائد” جنوب إفريقيا بنسبة 13،1%، والروبل الروسي بنسبة 10،6% .
 
روان وليامز، رئيس أساقفة كانتربري، كتب مقالاً في “الفاينانشال تايمز” البريطانية في عددها الصادر 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 حمل عنواناً موحياً “لقد حان الوقت لتغيير الألوهية المزيفة لرأس المال المالي الكبير”، وذلك تعليقاً على المعتصمين أمام كاتدرائية سانت بول ضمن موجة الاحتجاجات التي تشهدها بريطانيا (والعديد من عواصم الغرب) ضد تغول رأس المال المالي ورأس المال البنكي، وضد السياسات الاقتصادية الحكومية المفصلة لخدمة رأس المال على حساب الأغلبية العظمى من الشعب .
 
يقول وليامز في مقالته إن أعداداً غفيرة من الشعب ضاقت ذرعاً بالمؤسسة المالية ولامسؤوليتها وعودتها لوتيرة عملها المعتادة وكأن شيئاً لم يكن، حيث عادت مكافآت تنفيذييها للدوران حتى عاد المجتمع برمته من جديد لدفع أخطاء ولامسؤولية أصحاب ومديري البنوك ومحافظ الصناديق المالية .
 
المقال عبارة عن بيان رسمي لكاتدرائية كانتربري أراد منه كبير أساقفتها أن يدافع عن موقف هذه الكنيسة المحسوبة على الرومان الكاثوليك في إنجلترا وعن صمتها إزاء الاحتجاجات الاجتماعية ضد جشع الرأسمالية . وهو إذ يؤكد تفهم الكنيسة الكاثوليكية الإنجليزية لغضب وسخط المحتجين، فإنه يستند إلى وثيقة أصدرها المجلس البابوي للعدالة والسلام بمقر البابوية في الفاتيكان أواخر الشهر الماضي، تحت عنوان: “نحو إصلاح الأنظمة المالية والنقدية العالمية في إطار سلطة عالمية شعبية”، وقد احتوت هذه الوثيقة على ثلاثة مقترحات أساسية بهذا الخصوص .
 
وتشمل المقترحات أنه يجب فصل العمليات البنكية الاعتيادية الروتينية عن أعمال المضاربة البنكية، فمن غير المعقول ولا المقبول إقحام أموال الصيرفة الجزئية بما فيها أموال الأفراد وودائع مدخراتهم في عمليات مضاربة عالية المخاطرة . كما يجب إعادة رسملة البنوك بمساعدة المال العام على أن تقوم في المقابل بالمساعدة على إنهاض الاقتصاد الحقيقي .
 
وتتضمن المقترحات فرض ضريبة مقدارها 0،05% على العمليات المصرفية والمالية تشمل عمليات الاتجار في الأسهم والسندات والعملات ومشتقاتها، بحيث توجه الأموال المجمعة من هذا المصدر للاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، محلياً وعالمياً .
 
وهكذا وإلى أن تنجح أوروبا في لملمة صفوفها خصوصاً الدول السبع عشرة الأعضاء في منطقة اليورو (Euro Zone) والتي تشكّل دعامة الاتحاد الأوروبي ببلدانه السبعة والعشرين، وتعيد الإمساك بمفاتيح قواعدها الاقتصادية، وتتوافق على الإجراءات المنسقة لتفادي الانزلاق بعيداً في هاوية الأزمة المالية والاقتصادية، فإنها ستبقى تشكّل، إلى حين، تهديداً بالغ الخطورة للمنظومة الاقتصادية العالمية .



3 ديسمبر 2011
 

اقرأ المزيد

لسنا استثناءً من التاريخ


التجارب الناجحة خلال العقود الماضية لانتقال الدول من الحالة الاستبدادية إلى الحالة الديمقراطية تنقسم إلى نوعين بشكل أساسي، إذ نرى في شرق آسيا (تايوان وكوريا الجنوبية مثلاً) أن الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد المالي وانتهاج مسار تنمية مستدامة أدى إلى نشوء طبقة متوسطة قوية قامت بإحداث إصلاح سياسي ليتواكب مع المنجزات الاقتصادية.
 
نهج آخر تمثل بوضوح فيما حدث في أميركا اللاتينية، إذ إن الإصلاح السياسي هناك بدأ قبل الإصلاح الاقتصادي، وسرعان ما تحركت عجلة الاقتصاد هناك لتواكب التطور السياسي. وهذا يشير إلى الانتقال للديمقراطية، فإنما هو نهج متكامل، قد يبدأ اقتصادياً وينتهي سياسياً، وقد يكون العكس، وذلك لأن التفاعل بين التغيير السياسي والإصلاحات والأداء الاقتصادي يأتي ضمن إطار موحد لضمان نجاح المرحلة الانتقالية من حالة «الدولة الاستبدادية» إلى حالة «الدولة الديمقراطية».
 
في كل التجارب الإنسانية، يبرز الإصلاح السياسي باعتباره العامل الأكثر أهمية من ناحية السرعة والشمولية مقارنة بمسار الإصلاح الاقتصادي. الدول العربية كانت تطرح بأن حكامها وشعوبها مستثنون من تاريخ الأمم، وأن حالتهم الخاصة تعني أن الديمقراطية موضوع لا يخصهم، وأن شعوبهم لا يمكنها أن تكون ديمقراطية. وهذا الطرح الرسمي العربي كان يتوافق مع الطرح الرسمي الإسرائيلي، الذي كان يقول بأن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وأن دول العالم المتقدم لا يمكنها أن تستغني عنها وتعوضها بنظم متخلفة.
 
جاء الربيع العربي ليبدد الأطروحات الرسمية غير الصحيحة… ففي تونس، مثلاً، نرى أن هذه الدولة العربية حققت إنجازاً ملحوظاً في خلق طبقة متوسطة (ربما أن 80 في المئة من التونسيين متشابهون في المستوى التعليمي والصحي والسكني)، وهذه الطبقة كانت ممنوعة من السياسة، وكان رئيس المخابرات السابق زين العابدين بن علي قد حول نفسه إلى رئيس مستبد مدى الحياة، إلا أن الشعب التونسي أراد الحياة واختار الكرامة فاستجاب له القدر، وتمكن الشعب التونسي من تبديد نظرية الاستثناء العربية.
 
ولكن داخل فكرة الاستثناء العربي، هناك فكرة أخرى تقول بأن الخليج العربي مستثنى بصورة مضاعفة من حركة التاريخ، وأنه من المستحيل أن ترغب شعوب الخليج في ديمقراطية لا تتناسب مع العادات والتقاليد، وأنه من المستحيل أن تطمح شعوب الخليج في أن تكون مثل شعوب شرق آسيا أو أميركا اللاتينية. وتطرح هذه الفكرة عوامل إضافية لا تتوافر للدول العربية الأخرى، وهي اعتماد هذه الدول على النفط، وأن عائدات الذهب الأسود بإمكانها إسكات (أو شراء) العالم وإسكات (أو شراء) الشعوب الخليجية الصغيرة نسبياً في عددها والتي تعتمد على عمالة رخيصة مستوردة من الخارج لتسيير شئونها اليومية. ويضيف أصحاب هذه الفكرة أن دول الخليج تخضع لتقسيم صارم على مستوى الدولة والمجتمع لاعتبارات قبلية وطائفية لا علاقة لها بتطور الإنسانية في عالم السياسة والاقتصاد، وعليه فإنه يتوجب اعتماد هذه الاستثنائية في كتب العلوم السياسية، بصفتها قدراً محتوماً على الخليج.
 
إننا من الذين يؤمنون بعالمية ووحدة الفطرة الإنسانية، وأن هذه الفطرة السليمة تنزع نحو العيش بكرامة والتنعم بحرية التعبير من دون إيذاء أو إهانة، وأن هذه الفطرة الإنسانية ترفض كل أنواع الأساطير التي تتحدث عن استثناءات عن النوع البشري، فنحن جزء لا يتجزأ من التجارب الإنسانية، ونحن لسنا استثناءً من التاريخ
 

صحيفة الوسط البحرينية – 05 ديسمبر 2011م
 

اقرأ المزيد

ماذا نتوقع من اللجنة الوطنية؟


«هذا الفريق يجب أن يكون ممثلاً حقيقيّاً لمكونات الوطن وأن يكون متوازناً لأبعد الحدود، يجيد اللعب النظيف حتى لا ينال (الكارت) الأحمر قبل دخوله أرضية الملعب. العهدة على الراوي، فقد نال البعض (الكارت) الأحمر قبل دخوله، لأنه حقيقة غير مؤهل للعب النظيف».
 
كانت تلك فقرة جاءت في مقالي السابق قبل إعلان أسماء اللجنة الوطنية التي أعلن تشكيلها تنفيذاً لتوصيات السيد بسيوني، وجاءت تعليقاً على الأسماء المتداولة بشكل غير رسمي لعضوية اللجنة. جاء التشكيل بمواصفات ليست بمستوى الطموح لدى الكثيرين، وخصوصاً أن الحمل المنوط بها ثقيل. نحتاج إلى من يكون بمستوى هذا الحمل الذي بسببه تتكسر أضلعنا وأضلع الوطن.
 
كان الله في عون أعضاء اللجنة، فمع شديد احترامنا لأعضائها، إلا أن هناك أسباباً تجعلنا نعتقد بأن البعض من أعضائها هي عناصر قدراتها خارج ثقل المهمة موضوع التكليف، كما أن البعض من أعضائها لم نعرف عنه أنه كان على تماس مع عناصر المهمة.
 
كنا نأمل من الدولة التي تُصر على العمل المؤسساتي أن تكون قد أعطت اعتباراً للجمعيات السياسية التي هي طرف المعادلة الأساسي في الأزمة التي مرَّ بها الوطن وهي مستمرة ونعيش ذيولها الخطيرة، واللجنة المشكلة هي المعنية بمتابعة تنفيذ التوصيات التي جاء بها السيد بسيوني لمعالجة ذيول تلك الأزمة. بحسب علمنا أن الدعوات التي وجهت إلى بعض الأشخاص لعضوية اللجنة تم الاتصال بهم كأشخاص وإن كانوا منتمين إلى جمعيات حقوقية أو سياسية. العمل المؤسساتي يجب أن يُعطى اعتباراً عند توجيه مثل هذه الدعوات لعضوية مثل هذه اللجنة المعنية بمهمات خطيرة، ذلك بحسب المعلومات المتداولة لم يتم. فهل تم توجيه الدعوة بخطاب رسمي إلى المنبر الديمقراطي التقدمي وجمعية الوفاق التي دعي اثنان من أعضائها القياديين ولم يستجيبا للدعوة.
 
من حق أي جمعية أن تقول إنه لم يتم توجيه دعوة إليها. من حق الجمعية ان تُحدد من يمثلها في مثل هذه اللجنة. الدعوة ليست لتناول وجبة عشاء حتى يتم الاتصال بأشخاص ومن ثم يُقال إن الجمعية الفلانية تمت دعوتها ولم تستجب. كما أنه مع شديد احترامنا وتقديرنا لجميع أعضائها، ذلك لا يعني القبول والتسليم بالبعض ممن وصل إلى عضوية مجلس النواب في غفلة من الوقت لإحجام آخرين يصعب منازعتهم لو عادوا وخاضوا الانتخابات التكميلية لن يتمكن أحد ممن وصل من الوصول، هذا لا يعني التقليل من شأنهم، لكن الحقيقة تقول إن صاحب الشأن اختار أن يكون خارج هذه الساحة.
نأمل ألا يكون عمل اللجنة شبيهاً بعمل مؤتمر حوار التوافق الوطني، نأمل مع كل التحفظات المسبقة التي يحملها الكثيرون على هذه اللجنة ومنهم المعنيون الحقيقيون بالأزمة القائمة، أن يأتي عملها بما يخيب ظننا وظن المتحفظين عليها. نعتقد أنها لن تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي أُكُلها، فالثمار ناضجة، فإما أن تُقتطف في أوانها وإلا فإنها ستفسد ولن تصلح للأكل. في وقت قصير من عملها سيتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض، بل نعتقد أن هذا الخيط سيتبين من أول اجتماع لها.
 
هناك ملفات لا تحتاج إلى وقت طويل للتقرير فيها وهي ملفات لا تستحمل التأخير.بحسب علمنا أن بعض أعضاء اللجنة هم من المفصولين من أعمالهم، بل قيل إن أحدهم (العهدة على الراوي) تم توقيفه عن عمله قبل تعيينه في اللجنة بيوم أو يومين إن لم يكن بعد تعيينه؛ فإذا لم تستطع اللجنة في الحال بالدفع في تنفيذ تعليمات جلالة الملك بإعادة المفصولين إلى أعمالهم من دون تسويف أو تأخير، فإن الثقة ستضعف فيها وفي نتائج أعمالها.
 
هناك ملفات وتوصيات ربما لا تحتاج إلى عمل اللجنة، وكان من المتوقع أن تبدأ السلطة في فتح تلك الملفات وتنفيذ التوصيات بشأنها من دون انتظار لتشكيل اللجنة، التي يجب أن تتفرغ للملفات والتوصيات الصعبة التي تحتاج إلى وقت لبحث أفضل السبل لتنفيذ ما يتعلق بها.
نأمل أن يخيب ظننا وظن المتشائمين.
 
نحتاج فعلاً إلى الخروج من التشاؤم الذي هو سيد الموقف 



 
صحيفة الوسط البحرينية – 06 ديسمبر 2011م
 

اقرأ المزيد

المرحلة الحالية والمرونة المطلوبة


للخروج من الأزمة الحالية سواء ما يتصل منها بالمشكل السياسي ومطالبات الإصلاح، أو بحالة الانشقاق الطائفي بين مكونات المجتمع، لابد من إبداء المرونة من جميع الأطراف.

إن حالة الجمود السياسي التي عاشتها البحرين خلال فترة انتظار صدور تقرير لجنة تقصي الحقائق، دفعت البحرين للمزيد من التأزم، وليس من صالح الجميع أن تستمر هذه الحالة إلى ما لا نهاية. فلا الاقتصاد البحريني قادر على الصمود في ظل مثل هذه الأوضاع، ولا الحالة الاجتماعية القابلة للانفجار في أي لحظة تسمح بذلك.
سمعنا بالأمس عن وساطة تُبذل في سبيل إقناع جمعية الوفاق للقبول بالاشتراك في اللجنة الوطنية لمتابعة تنفيذ توصيات لجنة تقصي الحقائق، وأن الجمعية ستدرس إمكانية الاشتراك في اللجنة في حال توجيه دعوة رسمية لها، وما نتمناه هو أن تصل الجمعية إلى قناعةٍ بأهمية وجود أعضاء يمثلونها في اللجنة المشكّلة، وذلك ما سيحسب لها بدلاً من أن يحسب عليها.

تقرير تقصي الحقائق يمكن أن يشكل فرصةً سانحةً لتصحيح بعض الأوضاع دون الحاجة لتشكيل لجان أو فرق عمل، وخصوصاً ما يتصل بتنفيذ التوصيات المتعلقة بتعويض عائلات الضحايا الذين سقطوا خلال الأحداث أو من كانوا ضمن ضحايا التعذيب، وإرجاع المفصولين إلى أعمالهم، ومساءلة المسئولين الحكوميين الذين ارتكبوا أعمالاً مخالفةً للقانون، أو تسبّبوا بإهمالهم في حالات القتل والتعذيب وسوء معاملة المدنيين واتخاذ إجراءات قانونية وتأديبية ضدهم. وذلك ما يقع ضمن مسئولية الحكومة والتي يجب أن تسارع في تنفيذ هذه التوصيات بهدف تهدئة النفوس وإظهار أن هناك نيةً حقيقيةً للإصلاح.

من جانب آخر يجب أن لا تقف القوى الموالية في وجه هذه الخطوات، وإنما يجب عليها الدفع في هذا الاتجاه واتخاذ خطوات عملية في سبيل إعادة اللحمة الوطنية.
على الجميع الآن مسئولية وطنية هي إعادة الثقة بين مكونات الشعب البحريني، فأية مكتسبات سياسية يمكن أن تُحقق، لن تساوي الكثير في حالة وجود مجتمع منقسم على نفسه، لا يشعر المواطن فيه بالأمن أو الاستقرار، وتحارب فيه كل طائفة الطائفة الأخرى. ومن الواضح تماماً أن الدولة بجميع مكوّناتها، سواءً الرسمية منها أو الأهلية، ليس لديها برنامج أو خطة عمل تنهي حالة الاحتقان الطائفي
 

صحيفة الوسط البحرينية – 02 ديسمبر 2011م
 

اقرأ المزيد

تفعيل التوصيات يدشّن مرحلة جديدة في البحرين


في شهر يونيو الماضي شُكلت وبأمر ملكي اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق الخطوة الشجاعة غير المسبوقة في العالم العربي. واليوم وبعد ان توصل تقرير اللجنة الى نتائج وتوصيات حظيت بترحيب كبير داخل وخارج البحرين فإن تشكيل اللجنة الوطنية المعنية بتوصيات تقرير لجنة تقصي الحقائق جاء تأكيداً لا لبس فيه على اصرار البحرين في تجاوز ازمتها، وبالتالي فإن تفعيل تلك التوصيات سيدشّن مرحلة جديدة في تاريخها السياسي المعاصر.
واذا كانت هناك حقائق مهمة توصّل إليها التقرير يضع الجميع في اطار المسؤولية فإن ما جاء من تأكيدات في كلمة جلالة الملك اثناء تسلّمه تقرير اللجنة يعد انطلاقه في طيّ صفحة كانت أكثر ألماً ووجعاً في حياة شعب البحرين. ومن اهم تلك التأكيدت («ان تقرير اللجنة يمنح البحرين فرصة تاريخية للتعامل مع اهم المسائل وأشدّها إلحاحاً». فالمسؤولون الذين لم يتقدموا بواجباتهم سيكونون عرضة للمحاسبة والاستبدال، وفوق هذا كله سنضع وننفذ الاصلاحات التي سترضي كافة اطياف مجتمعنا، وهذا هو الطريق الوحيد لتحقيق التوافق الوطني ومعالجة الشروخ التي صابت مجتمعنا». وفي مقابل ذلك اكبر.. ان البحرين عاقدة العزم على ضمان عدم تكرار الاحداث المؤلمة التي مر بها وطننا العزيز، وسنتعلم منها الدروس والعبر بما يعيننا ويحفزنا للتغيير والتطوير الايجابي)..
 
إذن فالخروج من الازمة بنجاح يتطلب تطوير العملية الاصلاحية على اساس الانفتاح الواسع على قضاء الحقوق والديمقراطية، وبالتأكيد ان هذا الانفتاح سوف يدفع عجلة التطوير والتحديث نحو البناء الديمقراطي المنشود. ولا شك ان خيار العدالة والانصاف والمصالحة الوطنية هو الخيار الاهم في هذا المرحلة التاريخية التي امتازت بها البحرين عن غيرها من الدول، وأن المراجعة لما حدث في البحرين يجعلها اكثر إشراقةً وتوهّجاً في سماء تسوية الازمات الداخلية.
لقد قيل وكتب الكثير عن اهمية التقرير وتحديداً عن توصيات اللجنة المستقلة التي بالتأكيد يتوقف نجاحها على مشاركة الجميع في تفعيلها، وبعبارة اخرى سيظل الحديث عن هذه التوصيات ناقصاً ما لم تفعّل هذه التوصيات على ارض الواقع.
هناك من يتحفظ على التوصيات فهذا من حقه، ولكن ان ترفض هذه التوصيات جملة وتفصيلاً لاعتبارها منحازة لطرف دون آخر فهذه مصيبة؛ لأن وبإيجاز شديد التوصيات تعد انتصاراً للبحرين، وبالتالي كيف تتعامل مع تلك التوصيات بحكمة ووعي سياسي يدرك مخاطر الاحكام المطلقة والسريعة، ويدرك كذلك كيف نتجنّب ضياع الفرص التاريخية هذه هي روح المسؤولية، وهذا هو مبدأ الحفاظ على المصالح الوطنية دون إهدار لمثل هذه الفرص. وعلى هذا الأساس فمراجعة أنفسنا مراجعة مسؤولة مستمدة من صوت العقل ومن التحليل العلمي الدقيق للواقع السياسي المحلي والإقليمي، هذا هو المطلوب الآن. ويذكرنا هذا بما حدث لمبادرة ولي العهد التي تطالب بها اليوم بعد ان تم رفضها في وقت كانت البحرين في أمس الحاجة لها، اي في وقت كانت الحلول الأمنية والتطرف والعنف والقتل وسقوط الضحايا ضاعف من الازمة، في حين كانت المبادرة التي اطلقها سمو ولي العهد تفتح الباب واسعاً نحو انفراج سياسي يساعد على تجاوز الازمة والخروج منها وفقاً لمبادئ الحوار الوطني التي تضمنتها مبادرة سموه.
لقد كشف تقرير اللجنة عن تجاوزات واضحة، وليس هنالك ما هو اكثر ألماً من تلك الانتهاكات، التي تتمثل في التعذيب لانتزاع الاعترافات والتعامل بقسوة مع المعتقلين السياسيين، والفصل التعسفي من الوظائف والمؤسسات التعليمية والعنف والتخريب، والاعتداء على رجال الامن والاضرار بالمصالح العامة والخاصة ونشر الخوف والذعر والهلع بين المواطنين والمقيمين، وإثارة الفتن الطائفية. كل ذلك أسهم في تأزيم الوضع السياسي في البلاد.
على أية حال لسنا هنا بصدد ذكر ما جاء في تقرير اللجنة الا ان ما يتبقى الحديث عنه هو ان تفعيل توصيات التقرير نأمل ان يكون الخطوة الأولى على طريق بناء الثقة المتبادلة في جو من المحبة والتسامح.. خطوة باتجاه البناء وتعزيز المسيرة الإصلاحية والوطنية لاعتبارها اهم أولويات المرحلة. أما الخطوة الأخرى والمهمة ايضاً ان تتفاعل القوى السياسية المعارضة مع نتائج التقرير لما له من أهمية قصوى في إعادة بناء البيت البحريني على قاعدة الوفاق الوطني والتماسك الاجتماعي والمصالحة وتمتين اللحمة الوطنية.
 
 
صحيفة الأيام 3 ديسمبر 2011

اقرأ المزيد

أمم متحدة في ثوب عصبة الأمم

ليس بالأمر الجديد أو الغريب أن تستخدم القوى العظمى في العالم، ونخص منها بالذكر الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، منظمة الامم المتحدة، لتمرير سياساتها وتنفيذ أجنداتها وأهدافها. فلقد كان هذا هو حال الامم المتحدة منذ تأسيسها على أيدي القوى الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية سنة 1945 (الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا تحديدا)، حيث اختصت نفسها في المنظمة الأم العالمية، الجديدة آنذاك، بميزات حصرية أهمها وأبرزها تمتعها حصرا من بين سائر الدول الأعضاء في المنظمة بالعضوية الدائمة في مجلس الامن الدولي الذي يعتبر أعلى سلطة سياسية وتنفيذية وتشريعية في العالم، وحقها، الحصري أيضا، في استخدام حق النقض “الفيتو” ضد أي قرار لا يروق لها.

ولكن ما نشهده هذه الايام من استخدام مفرط وفاضح للامم المتحدة، خصوصا سلطتها الأعلى مجلس الامن الدولي وبعض المؤسسات المفتاحية التابعة للمنظمة مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية والاخرى الناظمة لحركة النظام الدولي، وخاصة المحكمة الجنائية الدولية، فضلا عن التقارير الموجهة سياسيا (المسيسة) التي يرفعها، عند الطلب، أمين عام الامم المتحدة بان كي مون إلى مجلس الأمن، ومعنونة تحديدا الى مندوبي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في المجلس، وذلك لتحقيق غايات الضغط والابتزاز السياسي – ما نشهده غير مسبوق.

لقد أصبح اللعب على المكشوف، فالوضع الدولي المختل هو في غير صالح القوى الكبرى التقليدية الممسكة بناصية القرار والحراك الدولي، خصوصا على الصعيدين الاقتصادي والمالي، وهاجس اقتراب ما يعرف في تاريخ الامم والشعوب بعصر الاضمحلال، قد اضطر على ما يبدو هذه القوى وتحديدا الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لاستخدام نفوذها على الكوري الجنوبي بان كي مون أمين عام الامم المتحدة والياباني يوكيا أمانو مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية والأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، لدفعهم للتخلي عن حياديتهم وتكثيف وتثقيل توظيفهم للمؤسسات الدولية التي يديرونها في خدمة أجندات سياسية للحلف الثلاثي الامريكي/البريطاني/الفرنسي الهاجم بقوة على المنطقة العربية التي تعتبر مصدر الطاقة الاحفورية الرئيسي في العالم وأحد أكثر الاقاليم الاقتصادية في العالم حيازةً للاحتياطيات النقدية.

الأمم المتحدة هي منظمة عالمية مهمتها الحفاظ على الأمن والسلم العالميين، وأمينها العام يُفترض أن يوازن بين مصالح القوى القابضة على والمسيٍّرة لمجلس الامن الدولي وبين مصالح الغالبية الساحقة من الدول الاعضاء في المنظمة التي اختصها مؤسسو المنظمة الكبار بالجمعية العامة التي لا تعدو أن تكون “هايدبارك” منزوع الصلاحيات، مخصص لتسجيل وتفريغ المواقف وحسب.

أما الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تأسست في عام 1957 فهي وان كانت مستقلة شكلا الا انها في المضمون تعتبر أحد أذرع الدول الثلاث الاعضاء في مجلس الامن (أمريكا، بريطانيا وفرنسا) لممارسة الابتزاز والضغط، فهي تعمل في الواقع تحت اشراف الامم المتحدة منذ قيامها كمنظمة مقرها فيينا تُعنى بتشجيع الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والحد من التسلح النووي.

وأما المحكمة الجنائية الدولية التي أُنشئت حديثا نسبيا (في عام 2002) كأول محكمة معنية بمحاكمة الافراد المتهمين بجرائم الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء، فانها وان كانت، كما ورد في ميثاقها، هيئة مستقلة عن الامم المتحدة، الا ان استقلالها يقتصر فقط على التمويل والتوظيف، ذلك ان اتفاقا أُبرم بين المحكمة والامم المتحدة يحكم طريقة تعاطيهما مع بعضهما تتيح لثلاثي مجلس الامن النفاذ الى توجهات المحكمة واختياراتها، الانتقائية، في قبول الدعاوى وتحريكها زمنيا حسبما تقتضيه توجهات سياساتها الخارجية الجارية والاستراتيحية.

بهذا المعنى يمكن القول ان هنالك افراط واضح ومكثف في توظيف استغلال المؤسسات الدولية الحاكمة من جانب القوى الغربية الكبرى، وتخصيصا الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، والذي يعيد الى الاذهان ذلكم السقوط المريع لعصبة الامم (المنظمة الدولية ما قبل انشاء الامم المتحدة) في قبضة القوى الاستعمارية الغربية التقليدية التي حولتها الى اداة لشن الحروب وتبريرها. جدير بالذكر ان عصبة الأمم (League of Nations) التي اتخذت من جنيف مقرا لها كانت قد تأسست عقب مؤتمر باريس للسلام عام 1919 الذي انهى الحرب العالمية الاولى التي دمرت انحاء كثيرة من أوروبا والعالم. وهي أول منظمة دولية هدفت للحفاظ على السلام العالمي، وكان أقصى عدد من الدول الاعضاء قد وصلت اليه هو 58 دولة لم تكن الولايات المتحدة الامريكية من بينها حيث رفضت الانضمام اليها. واعتمدت على القوة العسكرية للدول العظمى لفرض قراراتها والعقوبات الاقصادية على الدول التي تستهدفها. وظهر عجز وانهيار العصبة بعد ان بدأت دول المحور (وهي الدول التي شكلت تحالفا عسكريا في الحرب العالمية الثانية وهي المانيا النازية بقيادة ادولف هتلر وايطاليا الفاشية بقيادة بينيتو موسوليني ثم انضمت الى التحالف اليابان وبعد ذلك دول اخرى مثل النمسا ورومانيا وبلغاريا والمجر) تستهزىء بقراراتها. في عام 1943 وافقت قوات الحلفاء (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا) عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية في مؤتمر طهران على انشاء هيئة جديدة لتحل محل عصبة الامم هي الامم المتحدة.

فهل يعيد التاريخ نفسه من جديد ويتعمق الانقسام الحاصل حاليا داخل مؤسسات النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية بين الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من جهة ثانية، ليتوزع العالم بعد ذلك بين “المعسكرين” المتضادين، فتضيق بهما وبخلافاتهما المنظمة (الامم المتحدة) التي طالما استظلا بها على مدار أكثر من 60 عاما؟

هو نظام قديم على أية حال، وقد استنفد كل أغراضه، فالحياة الدولية اليوم تختلف جذريا من النواحي السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والايديولوجية والثقافية عما كانت عليه عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولعل أكبر تناقضاته استمرار تمتع 5 دول من بين كافة الدول الاعضاء في منظمة الامم المتحدة البالع عددها 192 دولة بالحق الحصري لنقض قرارات مجلس الامن.


 

اقرأ المزيد