المنشور

الكويت..نتائج انتخابات أكثر استعصاءً


هل أزفت لحظة استحقاق التغيير في دولة الكويت؟

نعم هو كذلك، فان الذي لاشك فيه ان ارهاصات الحراك الشعبي الكويتي الذي انطلق تزامنا مع الحراك الشبابي العربي الذي ذاعت شهرته فيما بعد باسم الربيع العربي، والذي تصاعدت موجته وصولا الى حالة استعصائه المعروفة والذي أُريد للانتخابات البرلمانية التي أُجريت فيها مؤخرا، ان تكون جسرا لعبور حالة الشحن والتأزم السياسي التي سيطرت على الكويت طوال العام الماضي ومطلع العام الجديد – كلها ارهاصات لمؤشرات التغيير الاستحقاقي المنتظر.

فليست الكويت، ولا أية دولة خليجية أو عربية، استثناءً من ذلك الحراك الشعبي العارم، الشبابي في جوهره. فجميع بلادنا العربية ليست محصنة ضد “فيروس” ربيع الشباب العربي، وما عليكم سوى القاء نظرة فاحصة على الحراك الهائل والجسور لشبكات التواصل الاجتماعي، الذي لا يقتصر على دولة دون سواها، حتى تتيقنوا بأن ما كان قبل مطلع عام 2011 لن يكون بعده.

ولعل التغيير في هيكلية صناعة القرار السيادي في دولة الكويت والذي استدعاه الحراك الشعبي المتصاعد توازيا مع انتشار رائحة آفة الفساد التي ازكمت الانوف، سوف يراوح حول مطلب المعارضة بتفعيل وتجسيد المادة السادسة من الدستور الكويتي التي تنص على أن “نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر للسلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور”.. فالمعارضة الكويتية ترى انه قد حان الوقت – بالنسبة لها على الأقل – لتجاوز الهيكيلية السياسية لما بعد الاستقلال في صناعة القرار الكلي، بما يعني تطلعها للمشاركة الفعلية والمباشرة في هرم سلطة صناعة القرار. وهي تستهدف على ما هو واضح، منصب رئاسة الوزراء، وذلك برسم الهجمات الشرسة المنظمة والمنسقة التي رتبتها المعارضة على مدى العام المنصرم والتي تناوب عليها نواب المعارضة في البرلمان الكويتي والاعلام بأنواعه المختلفة، الى ان توجت حملة احتجاجاتها بسحب رئيس الوزراء من ذروة دورة التجاذبات بينها وبين الحكومة وحل مجلس الأمة والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة نجحت على اثرها في الفوز بغالبية مقاعد المجلس.

ولكن وبرغم ما تعتقده المعارضة من أنها أصبحت بعد النجاح الواضح الذي حققته في الانتخابات الاخيرة، في موقف أقوى مما كانت عليه قبل حل البرلمان مما يضعها في موقف تفاوضي مريح لحصد ما تطمح اليه من مكاسب ومغانم، فان ميزان القوى بين الطرفين، وان بدا مائلا بصورة واضحة لصالحها، لن يمكنها على الأرجح من الحصول على مبتغاها وهو رئاسة  الوزراء، بل وحتى منصب النائب الأول لرئيس الوزراء الذي يمكن أن يصبح موضع مساومات، لا يبدو ان الحكومة مستعدة، في الوقت الراهن على الأقل، وحسبما هو ظاهر، للتنازل عنه لصالح المعارضة، ولكنها مستعدة على الأرجح لاعطاء المعارضة نيابة مجلس الوزراء (وليس النائب الأول)، وهو منصب كان متاحا لها في السابق على أية حال.

انما الحديث عن المعارضة الكويتية يستدعي بحد ذاته جدلا تشخيصيا متفاوتا حول ماهية وبنية وتوجهات المكونات التي تنتظمها. فنحن أمام هجين عجيب في عدم تجانسه وعدم تماسكه الداخلي، من حيث تشكله من “خلطات” ذات مرجعيات متضادة بعضها سلفي وبعضها الآخر اخواني، وبعضها قومي وآخر ليبرالي، ليس بينها جامع سوى كسر احتكار السلطة المسئول واقعا وبما لا يدع مجالا للشك عن تغول الفساد ووصوله الى مستويات مخيفة وتسلله الى كافة مناحي الحياة الاقتصادية والادارية بما في ذلك السلطة التشريعية نفسها وعدد غير محصور من أعضائها الذين ذهبت شهرتهم وذاع صيتهم تحت مسمى “النواب القبيضة”.

وتدقيقا للقول ورفعا لأي لبس، نبادر الى الايضاح بأن هذا الائتلاف الواسع غير المتجانس الذي يطلق عليه مجازا توصيف المعارضة، وان ابتغى محاكاة ثورات التغيير التي أطلق شرارتها الشباب العربي الغاضب، الا أن أفقه في التغيير يبقى محدودا للغاية، بحدود الاطار العريض لمطلب مكافحة الفساد. وبهذا المعنى فان من غير الموضوعي اعتباره ائتلافا للتغيير التقدمي الماثل في جوهر محتوى المطالب الشبابية للتغيير الوطني. بل ربما كان العكس صحيحا، من حيث ان بعض مكونات ذلكم الائتلاف لا ينتمي للربيع العربي بأي شكل من الأشكال بقدر انتمائه للخريف العربي الذي “نظمته” واشنطن بسرعة فائقة باعتباره ردا ارتداديا عنيفا ضد متواليات الربيع العربي.

وبذا نحسب ان نتائج الانتخابات الكويتية جاءت لتشكل استعصاءً جديدا للأزمة السياسية الكويتية أكثر منه تنفيسا لها. بيد ان الذي يبعث على التفاؤل في مخاضات الحراك الكويتي، وبضمنه   النتائج المستعصية اياها للانتخابات الكويتية، هو ان رئاسة مجلس الأمة قد رجعت أخيرا الى القطب النيابي المخضرم رئيس المجلس سابقا وزعيم التكتل الشعبي المُعارض المعروف أحمد السعدون، الذي ستكمن مصلحته في استمرار عمل المجلس الجديد وعدم حله كي لا يخسر الرئاسة مرة أخرى. وهذا ينطبق بنفس القدر على نواب الائتلاف المعارض الذين قَيَّضت ظروف المرحلة لكثير منهم الوصول للسلطة التشريعية، وهي ظروف لا تتكرر دائما، ما يعني ان من مصلحتهم عدم التأزيم والتوجه لانتخابات برلمانية جديدة غير مضمون نجاحهم فيها. وأخيرا وليس آخرا هناك التشكيلة الحكومية القوية التي أعلنها رئيس الوزراء المكلف لمقابلة وموازنة قوة المعارضة البرلمانية.

بهذا المعنى فان المحصلة – غير النهائية بطبيعة الحال – لجولة الصراع الجديدة التي اندلعت في دولة الكويت الشقيقة على مدى العام المنصرم ومطلع هذا العام، تكون قد “انتهت” الى ما يسمى في التحليل المالي الاقتصادي بـ “نقطة التعادل”  (Break-even point)، أي ان نتيجته لم تسفر في واقع الحال عن غالب أو مغلوب. وهنا بالذات يكمن استعصاء نتيجة الانتخابات الأخيرة التي عُوَّل عليها كثيرا لحلحلة هذا المأزق التنموي السياسي الاداري الكلي المستعصي منذ ما بعد التحرير.

اقرأ المزيد

البشر كحقل للتجارب


لمعرفة إلى أي مدى يمكن فيه توظيف ما تدعى بالعلوم الانسانية في هندسة الأذهان وتكييفها لقبول الأمر الواقع في مجتمع من المجتمعات تحسن العودة إلى تجارب المجتمعات المتطورة في الغرب، التي بلغت فيها مناهج ومقررات تدريس هذه العلوم مدى متطوراً بالمقارنة مع الحال في بلداننا النامية، فحين اندلعت حركة الشبيبة والطلبة في فرنسا والبلدان الأوروبية الأخرى في الستينات الماضية، كانت نظم التعليم الجامعي والتعليم العام أحد مواضع انتقاد هذه الشبيبة، وأحد بواعث التحرك الطلابي المتمرد على الواقع، بما في ذلك على النظام التعليمي الصارم.
 
يومذاك كتب روجيه غارودي كتابه «البديل» الذي كان بمثابة دليل للشباب والطلبة في تحركاتهم، والذي رصد فيه الظواهر المستجدة التي أفرزت هذه الظاهرة الجديدة، وفيه شخّص حقيقة ان المعرفة التي تقدم للشبيبة تخفي الواقع بدلاً من ان تكشفه. وفي حينه، أيضاً، جرى التركيز على ان «العلوم الانسانية» أي تلك المعنية بدراسة المجتمع والانسان تعد حالا نموذجية لدراسة مدى التزييف الذي تتعرض له المعرفة.
 
يذكر التاريخ أن طلاب علم الاجتماع في جامعة امستردام نظموا محاضرة بعنوان «هل ينبغي ان يكون علم الاجتماع علماً انسانياً؟!» خلصوا فيها إلى ان علم الاجتماع وكذلك الاقتصاد السياسي وعلم النفس ليست علوما انسانية اذا ما أخذت بعين الاعتبار الطريقة التي تدرّس بها على وجه العموم في الجامعات، وإنما هي محض توابع فقيرة لعلوم الطبيعة، فعلماء الاجتماع وعلماء النفس ينظرون بوجه عام الى الكائنات الانسانية نظرتهم الى مستعمرة من الجرذان في محاولتهم تحديد سلوكها وقياسه، كل ما هنالك ان درجة أعلى من التركيب أو التعقيد تبرز على مستوى المجتمعات الانسانية أو الأفراد، وعليه فإن العلوم المسماة بـ «الانسانية» تستخدم نفس منهج علوم الطبيعة، ولها بوجه خاص غرضها نفسه: ً«التحكم بالظاهرات التي هي هنا بشر»! على ان ما طرحته الشبيبة في عام 1968 لم يبدأ بتحركها يومذاك ولم ينته عندها، انه أمر سابق له بكثير وأمر لاحق له، وما زال قائما حتى اليوم وسيستمر في المستقبل كذلك.
 
وهناك مذكرة تعود للستينات حول هذا الموضوع لو قرأها المرء اليوم لظن انها كتبت البارحة، حين تذهب الى ان علم الاجتماع المطبق على الدعاية هو تقنية تحكم وتكييف، والى ان الخطط التي اعدها وزير دفاع الولايات المتحدة يومذاك، روبرت ماكنمارا، لمكافحة ثوار امريكا اللاتينية تحت اسم «مشروع كاملوت» قدمت للجمهور على انها «برنامج دراسات سوسيولوجية» حتى علم النفس نفسه لم ينجُ من هذه التهمة حين جرى التساؤل عما إذا كانت وظيفة المشتغلين فيه تتجاوز التعاطي معه بوصفه أداة تكيف مع نظام استلابي في ذاته.
 
وليست المصادفة وحدها ما يفسر ان حركات التمرد الطلابي تلك قد انطلقت من كليات علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة، فحجم النفاق في المناهج التربوية فيها يبدو فاضحاً ومحرضاً على الاحتجاج، حين تصطدم بتطلعات الأجيال الجديدة نحو منظومات قيم وأفكار جديدة اكثر اتساقا وصدقية، من تلك السائدة التي ترمي الى تكريس واقع فاسد وتأبيده، أو إطالة عمره ما أمكن.
 
23 فبراير 2012

اقرأ المزيد

تعديلات دستورية تجاوزها الزمن


ما يمكن تأكيده في هذه المرحلة بالذات هو أن التعديلات الدستورية المنظورة أمام مجلس النواب والتي أفردت لها جلسة استثنائية أمس الخميس لمناقشتها، لن تسهم بأي شكل من الأشكال في خروج البحرين من المأزق السياسي، فهذه التعديلات « البسيطة » لا تلبي ولو القدر القليل من المطالبات الشعبية فيما يخص صلاحيات مجلس النواب المنتخب.
 
كتلة الوفاق البرلمانية كانت قد تقدّمت بتعديلاتٍ مماثلةٍ في مايو/ أيار من العام 2008. تلك التعديلات تضمنت «تقليص عدد أعضاء مجلس الشورى إلى نصف عدد الأعضاء المنتخبين، وتعطي رئاسة المجلس الوطني لرئيس المجلس المنتخب، بالإضافة إلى وضع القرار النهائي بشأن التشريع في يد مجلس النواب وليس مجلس الشورى»، ولكن للأسف فإن هذه التعديلات التي وصفتها الكتلة في ذلك الحين بتعديلات “جزئية “، تم رفضها من قبل مجلس النواب في العام الماضي بعد انسحاب كتلة الوفاق من المجلس.
 
ومثلما تم رفض التعديلات التي تقدّمت بها كتلة الوفاق، تم أيضاً رفض جميع المقترحات التي تقدمت بها جمعيات التيار الديمقراطي الثلاث (جمعية العمل الوطني الديمقراطي «وعد»، جمعية المنبر التقدمي الديمقراطي، وجمعية التجمع القومي الديمقراطي) خلال ملتقى الحوار الوطني.
 
في جلسة الأمس تم تأجيل مناقشة التعديلات الدستورية التي خرج بها «حوار التوافق الوطني» لمدة شهر كامل، وإرجاعها إلى لجنة الشئون التشريعية والقانونية من أجل مزيدٍ من الدراسة تباينت آراء النواب حول هذه التعديلات، فمنهم من رأى بأن «منع الخمور في البحرين هي أهم من التعديلات الدستورية»! ومنهم من وافق على المبادئ العامة لهذه التعديلات، ونائبان فقط من أصل 40 نائباً رفضوها، ورأوا بأنها تعديلات شكلية وطالبا بصلاحياتٍ أكبر للمجلس.
 
ما يبدو من خلال مناقشات النواب لهذه التعديلات أن أكثرهم لا يدركون ما هو حاصلٌ في الشارع، أو لا يريدون أن يدركوا ذلك! فالمجلس اكتفى بما قدمته الحكومة من تعديلات ولم تبادر أية كتلة أو مجموعة من النواب بتقديم تعديلات أوسع، وذلك «يبين مدى عدم قدرة مجلس النواب على إجراء أي تعديل دستوري ما لم تكن الحكومة مصدره» كما قال أحد خبراء القانون الدستوري في البحرين.
 
من المفترض أن يكون المجلس النيابي سيّد نفسه، وأن يعبّر بصدقٍ عن تطلعات المواطنين، وأن يكون مصدراً لتطوير التشريعات بما يلبي طموحات الناس في مجتمع ديمقراطي حقيقي، وأن يساهم بشكل فاعل في التنمية السياسية والاجتماعية، لا أن يكون عائقاً لكل ذلك، ينفذ ما يملى عليه، فمثل هذه التعديلات قد تجاوزتها الحالة السياسية في البحرين ولم تعد مقبولةً، فبعد هذا المخاض العسير لن يقبل الناس بأقل من مجلس تشريعي منتخب بكامل الصلاحيات، ودوائر انتخابية عادلة تحقق التوازن الاجتماعي والانتخابي في البحرين
 

صحيفة الوسط البحرينية – 17 فبراير 2012م

اقرأ المزيد

التضاد المصطنع بين الحرية والهوية في العالم العربي


عندما أشعل محمد البوعزيزي النار في نفسه في رمزية بالغة العظم والدلالة اختزلت كل أكوام القهر والاستغلال والاستعباد المتراكمة لدى غالبية طبقات وفئات المجتمعات في عالمنا العربي، وهي الشرارة التي أفضت، كما صار معلوما، الى ثورة شعبية عارمة اطاحت النظام البوليسي الحديدي في تونس، قبل ان تنسج ذات الفئات والطبقات المغبونة والمهمشة في المجتمع المصري على منوالها وتطيح الرئيس المخلوع حسني مبارك – عندما حدث كل ذلك ومن ثم توالت تداعيات هذين الحدثين الكبيرين على امتداد الساحات العربية، لم يكن يدور بخلد الكثيرين المتتبعين لشئون المنطقة العربية، ومنهم على وجه الخصوص النخب السياسية والثقافية، ان يصطدم التغيير المنشود والمنتظر منذ نيف وخمسين عاما باشكالية التضاد المصطنع موضوعيا وذاتيا بين الحرية والهوية .. ومتى؟ .. في “الحصة التجريبية” الأولى من المرحلة الانتقالية التي لم تكد نفسها قد بدأت بعد!
 
لقد بدا الجميع وهم ينشدون التغيير وينتظرونه بفارغ الصبر، متفقين على نيل الحرية التي حُرموا منها طوال نصف القرن الماضي باعتبارها مفتاح الحلول لمشاكل مجتمعاتهم، فاذا بهم يجدون أنفسهم أمام من يوقفهم ويصدمهم بوضع الحرية قبالة الهوية وتقديم الأخيرة على الأولى، ما أفسح في المجال لفتح الباب على مصراعيه أمام حدوث ما يشبه الانفجار الانشطاري للهويات الكلية وتفريعاتها.
 
ولكأنما بعض القوى الاجتماعية، المؤدلجة والمسيسة بالضرورة، سواء بخلفيات وواجهات دينية أو وضعية، فجأة اكتشفت ان “هويتها” صارت مهددة من جانب الحرية التي فُك أسرها بعد “اعتقال غير محدد المدة”، حتى أضحى الجميع متوجسا وخائفا على “هويته”، أكانت عرقية أو دينية أو طائفية أو مذهبية أو…أو… وذلك في ظل عدم وضوح الرؤية وعدم التيقن فيما ستؤول اليه النقلات والتحولات الفجائية والداهمة من نتائج وتبدلات غير واضحة المعالم بعد، فطفق الفرقاء جميعا يرتدّون تباعا باتجاه “هوياتهم” ويتخندقون خلفها ويفزعون ليس اكتفاءً بالدفاع عنها وحسب، وانما بشن الهجمات الضارية على الهويات الأخرى التي أصبحت “فجأة” خطرة ومهدِّدة “للهوية الأم” أو لأيٍ من تفريعاتها المُنشأة تواترا عبر الزمن! 
   
فهل هنالك بالفعل تضاد بين الهوية الحرية؟
 
نظريا فان الحرية يُفترض ان تفتح وتوفرمناخات مواتية لكل الهويات بلا استثناء لأن تعبر عن ذواتها، بما يشمل ذلك مصالحها وتطللعاتها التي ظلت حبيسة “حالة الأمر الواقع” (Status-quo). وبهذا المعنى يبدو التضاد الناشب حاليا بين دعاة الحرية ودعاة الهوية، مفتعلا الى حد ما، من الناحية الموضوعية على الأقل، خصوصا بين الحرية وبين الثقافة العربية الاسلامية التي تحاول أطراف على جانبيهما النفخ فيه وتعظيمه وتهويله بطريقة تشي بأن ألأطراف الفزعة من الحرية قد تلبستها “حالة الأمر الواقع” فتآلفت معها حتى صارت تخشى مما تعتبره تيها مجهولا رغم تيقنها (وليس ايمانها على ما يبدو) بحتمية سطوع فجر الحرية. 
 
ولكن من الناحية العملية فان تفريع الكليات، من القضية الكبرى وهي هنا الحرية الى قضية فرعية مثل الهوية في الحالة التي نحن بصددها، ليس بدعةً أو أمرا مستهجنا على أية حال، بقدر ما هو شكل من أشكال التمظهرات الاشكالية لمحنة التغيير في مجتمعات عربية تنوء بأحمال ثقيلة من الموروثات المتفاوتة المفاعيل والتأثير.
 
فهل يعد هذا مدعاة للتشاؤم حسبما تذهب نظرة عدد غير قليل من المتشائمين الذين جزعوا على ما يبدو من الصعود اللافت والفجائي لقوى التشدد والأصولية المستفيدة من المناخات الجديدة التي أشاعتها موجة التحولات الكبرى التي تجتاح العالم العربي والتي تتصدر بالمناسبة الواقفين في طابور اثارة فزاعة الحرية ووضعها في خصام وتضاد مع الهوية؟
 
واستطرادا، لربما قرأنا أيضا في ثنايا نظرات بعض ذلكم البعض المتشائم اعتقادا مضمرا بأن الحركات الاصولية المتشددة سوف تهيمن على المشهد السياسي في العالم العربي لبضعة عقود قادمة قبل ان تعود المجتمعات العربية للاستفاقة ثانيةً وتحزم أمرها وتحسم خيارها نحو بناء دولة مدنية معاصرة قوامها القانون والنظام واحترام الآخر المختلف.
 
وهو منظور مغري كما ترون اذا ما أخذنا بعين الاعتبار المخرجات الأولى التي تطالعنا بها المشاهد الانتقالية الجارية على الأرض في بلدان التغيرات الكبرى، خصوصا مصر وتونس، والتي توفر صورة، ولو مجتزأة، للملامح الأولى للمجتمع العربي ما بعد الانتقالي. 
  
  ومع ذلك، ورغم جدية مثل هذا المنطق، الا انه يظل قاصرا عن الاحاطة بكامل عناصر “النموذج” السياسي-الاقتصادي-الثقافي قيد التشكل والتبلور، على الاقل في الساحات العربية التي تعتبر مركز الثقل الاساسي لحركة التمدين والتحديث في عالمنا العربي.
 
ويكمن قصور ذلكم المنظور المتشائم بالنسبة لآفاق التحولات الكبرى الحادثة اليوم في الاقليم العربي، في توقفه عند “الصديد” الذي عادة ما يخرج في أعقاب فقء القرحة وعدم تمعنه وتفحصه لمغزى وأبعاد الحراك السياسي والثقافي النوعي وغير المسبوق الذي تمور به الساحة السياسية والثقافية في مصر على سبيل المثال، والذي ينبىء – بموازاة المنظور التشاؤمي سالف الذكر – بولادة جديدة لمصر وما أدراك ما مصر، من حيث هي مركز الثقل الحضاري العربي! 

 
26/08/2011

اقرأ المزيد

الديمقراطية في بلد مسلم


ثمة نقاش دائر، ليس جديداً في الحقيقة، فلقد بدأت تجلياته منذ سنوات، ولكنه إكتسب زخماً إضافياً في ضوء التحولات والأحداث الجارية في بلدان عربية مختلفة، يتصل بمدى قابلية العالمين العربي والاسلامي للتحول الديمقراطي، دون أن تتهدد كيانات الدول القائمة الآن، ومع أن هذا النقاش إنطلق، في الأصل، من التحديات الناجمة عن عملية الدمقرطة التي يراد تعميمها في البلدان العربية والاسلامية وسط تعقيدات جمة ناجمة عن طبيعة التضاريس الاجتماعية والسياسية، في هذه البلدان، وقد دفع ذلك إلى صدارة الحديث العلاقة بين الاسلام والديمقراطية، وبشكل خاص ما مدى قدرة القوى الاسلامية التي دفعت وتدفع بها مخرجات الانتخابات إلى صدارة المشهد في الالتزام بالاليات الديمقراطية لتداول السلطة، بعد أن تتمكن هذه القوى منها.
 
ما هو جوهري في الأمر ضرورة التأكيد على ان لا تناقض بين ان يكون بلد من البلدان دينه الاسلام، وينتسب إلى العالم الاسلامي وبين الديمقراطية، وأنه بوسع البلدان التي تضم هذه الكتلة الضخمة من السكان المسلمين ان تبني الديمقراطية من دون أن يكون التزامها بالاسلام عائقاً في وجه ذلك كما تروج بعض الأوساط السياسية والأكاديمية التي تحرك حملة دعائية نشطة مفادها ان المسلمين، كتكوين ثقافي وتاريخي، غير صالحين لتقبل الفكرة الديمقراطية، وبالتالي بناء مجتمعات قائمة على أسس الدولة الحديثة بما تتضمنه من سن دساتير متقدمة تنص على الفصل الحقيقي بين السلطات وإطلاق الحريات العامة وضمان التعددية السياسية والفكرية.
 
في البدء التبس النقاش الدائر حول هذه المسألة بالموقف من المشاريع الخارجية المطروحة على المنطقة، ومن ضمنها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تقترحه الادارة الأمريكية السابقة، التي لم تخفِ ميلها لممارسة ضغوط شتى على حكومات البلدان العربية والاسلامية من أجل قبول هذا المشرع وسط أشكال من الرفض والمقاومة أبدتها العديد من هذه الحكومات، بما فيها تلك المصنفة تقليدياً بأنها حكومات صديقة وحتى حليفة للغرب وللولايات المتحدة بصورة خاصة تحت عنوان رفض التدخلات والاملاءات الخارجية، كما تجلى ذلك في موقف مصر في عهد حسني مبارك مثلاً، بالقول إن الاصلاح يأتي من الداخل ولا يفرض من الخارج.
 
غير أن هذا النقاش يجب ألا يحجب الفكرة الأساسية في الأمر وهي ان الحاجة إلى الديمقراطية في العالمين العربي والاسلامي حاجة ملحة، ولا يجوز التذرع بأي حجة لرفضها، ومع الاقرار بأن بواعث الدول الكبرى لدمقرطة المنطقة تتصل بمصالحها هي، حيث تصمم خطاباً أيديولوجياً للدفاع عن هذه المصالح يتخذ من الديمقراطية عنواناً له.
 
 الديمقراطية تظل حاجة وطنية خاصة بكل بلد من بلدان المنطقة، وانه يتعين في هذا السبيل بناء أدوات الديمقراطية وفي أساسها تبرز مهمة بناء مؤسسات المجتمع المدني بوصفها ركيزة من ركائز التحول نحو الديمقراطية لأن ذلك يساعد على ايجاد القاعدة الاجتماعية المنظمة المعنية بالدفاع عن هذه الديمقراطية وحمايتها وتهيئة سبل تطورها، لأنه لا ديمقراطية في غياب القوى الديمقراطية المؤمنة بها كخيار والمستعدة للذود عنها بوجه الكوابح الكثيرة والمتمثلة أساساً في القوى الاجتماعية المتنفذة التي اعتادت إدارة الأمور بعيداً عن فكرة دولة القانون والمؤسسات. 

 
22 فبراير 2012

اقرأ المزيد

في محنة عبور “الانتقالية”


في محنة الانتقال أو العبور التي تجتازها المجتمعات العربية، بدرجات متفاوتة الحدة، حسبما تمليه ظروف حالة كل مجتمع عربي على حدة، من الكساد والركود إلى الصحوة والنهوض والفاعلية، تختلط وتصطدم بشدة التشكيلات أو “الخلطات”، إن شئتم، غير المتناسقة، من البنى الاقتصادية التي لا تعبر أشكالها بالضرورة عن محتواها، والبنى الاجتماعية بفوارقها الطبقية الصارخة، والبنى الثقافية التي لابد وأن تكون مخرجاتها متولدة بالضرورة من “بيئات” البنى الاقتصادية والاجتماعية إياها.
 
وفي محصلة إفرازات ذلكم الخليط غير المتجانس لتلك التشكيلات البنيوية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تبرز بصورة ضاجة التضادات الحادة بين الوعي بالقناعات، بصرف النظر عن الخلفيات الايديولوجية أو المناقبية المؤسسة عليها، وبين الإيمان بها، وأخيرا ممارستها.
 
والملاحظ بصورة لافتة أن الأمر ليس قصرا على عوام الناس وإنما يشمل أيضا الأوساط النخبوية المثقفة التي أخذتها أقدار الانعطافات التاريخية الجارية على نحو درامي إلى حيث يقع مستقرها الماضوي الأخير الذي كانت غادرته يوما على أمل أن يكون ذلك بلا رجعة مكسورة ومعطوبة.
 
فلقد بدا الافتراق صارخا بين خطابات ودعوات التسامح والتآخي، بمختلف منطلقاتها ومرجعياتها الايديولوجية، والادعاءات الجوفاء باحترام الآخر، وبين الفعل الحي المُمَارَس على الأرض، حيث ظهر ضيق الصدور على حقيقته، فلجأ قسم كبير من العامة وقسم أكبر من الخاصة، لأساليب النيل من الآخر المختلف والتشكيك في نواياه ومحاكمة ضمائره، بل ووصمه بشتى صنوف النعوت والأوصاف التسقيطية بهدف الحط من شأنه وقدره.
 
يستوي في ذلك العامة والخاصة (أي النخبة) كما أسلفنا، بل إن الافتراق بين خطاب النخبة التنظيري العليائي لمعشر المثقفين عن بيئاتهم التي طالما اعتقدوا أنهم ينتمون إليها ويعبرون عن آلامها وآمالها، كان أصرح وأكثر بؤسا، حيث ذهبت دعاوى ومزاعم احترام الآخر أدراج الرياح.
 
ماذا يعني هذا؟ 
  
  انه يعني في التحليل السوسيو-اقتصادي الصارم أن موروث الثقافة المحافظة بكل أثقالها لازال حاضرا بقوة في اللاوعي الفردي والجمعي، وانه لا يفوت الفرصة حين تتاح له للتعبير عن مكنوناته باجتياح كافة التنميطات المكتنزة للمنظومات المعرفية إنما غير المؤسسة شرطيا بتكامل مكوناتها الثلاثة الأساسية: الوعي بها، والإيمان بها، وممارستها (بما يُقرَن القول بالفعل).
 
وهو يعني أيضا أن حزمة المصالح، الفردية والكلية، تبقى المرجع الأساس الذي يحكم حركة الناس، العامة منهم والنخب، في تحديد مواقفهم من اتجاهات التغيير، وهو ما يعد أمرا مفهوما ومعتادا على أية حال!
 
ولما كانت المجتمعات العربية عبارة عن فسيفساء دينية ومذهبية وطائفية واثنية وقبلية وعشائرية، فان الحضور الطاغي لهذا المتغير الثابت، وهو هنا، في الحالة الانعطافية التي نحن بصددها تحديدا، لن يساعد بالتأكيد على تهيئة الأرضية لإنشاء إجماع وطني على شكل ومحتوى وسقف التغييرات المنشودة شعبيا، خصوصا مع “الانسحاب” الفجائي والغريب للعقلاء ولعقلانيين بعد ان علا صوت المناكفين و”الفزعويين” بإطلاق قاذوفاتهم غير البنَّاءة، المحاكية في الشكل، والمحتوى للأسف الشديد، لتلك الهجائيات التي كانت إحدى أدوات إدارة الصراعات بين القبائل العربية قبل ما يناهز الألفي عام.
 
من هنا فان الاستعصاء الذي يميز المراحل الانتقالية التي تجتازها اليوم مجتمعاتنا العربية ، هو استعصاء عضوي لا يمكن فصله عن التشويه التي يعتري الهياكل الاقتصادية العربية وضعف اتجاهات الأنسنة قبالة سطوة النزعات الماضوية.
 
حرر في 19/08/2011
 

اقرأ المزيد

نحـنُ والغــرب


منذ سنوات خلتْ شاركتُ في مؤتمر بالقاهرة كان عنوانه: «عالم عربي أفضل.. أمر ممكن»، وتحت هذا العنوان بحث ممثلو هيئات اجتماعية ومدنية من بلدان عربية مختلفة إمكانية تأسيس منتدى اجتماعي عربي، على غرار المنتديات الإقليمية والهيئات الأهلية والمدنية التي تشارك في الاجتماعات والأنشطة العالمية الواسعة المناهضة للعولمة، من طراز ذلك الملتقى العالمي الواسع الذي عقد في «بومبي» الهندية قبل شهور من عقد ذلك اللقاء.
 
يومها أريد لهذا المنتدى العربي أن يعبر عن رأي الحركة الشعبية العربية التي ترى في ما بات يوصف بـ” المظاهر المتوحشة ” للعولمة ولليبرالية الجديدة استمراراً لسياسات الهيمنة الاستعمارية التقليدية في صور جديدة تبدو في بعض جوانبها إعادة إنتاج لأساليب الاستعمار التقليدي في الهيمنة على ثروات البلدان الأخرى وإفقار شعوبها، وإدارة العالم من مركز واحد، خاصة بعد انهيار نظام القطبية الثنائية وتفرد الولايات المتحدة بالسيطرة على العالم، وهو الأساس الذي منه ينطلق الغرب اليوم في الكثير من سياساته، ونحن في العالم العربي، بالذات، كنا ومازلنا شهوداً على ذلك من خلال الذي يجري في أكثر من بلد عربي.
 
كان هذا اللقاء في وقت بدا فيه الأفق مسدوداً بوجه إمكانية أي تغيير وشيك في أي بلد عربي، وخاصة في البلد الذي استضافت عاصمته هذا اللقاء، أي مصر، ولم يكن بوسع أحد أن يتنبأ بحجم التغييرات التي أتت بها موجة ما بات يعرف بالربيع العربي، وبوسع المرء، اليوم، أن يعود بذاكرته إلى هذا اللقاء، أو إلى لقاءات ومناقشات وسجالات مشابهة في تلك الفترة، ليعيد صياغة السؤال، على ضوء المستجدات التي عشناها، حتى يصبح بالشكل التالي: «هل أصبح العالم العربي اليوم أفضل مما كان عليه»؟
 
نحسب أن سؤالاً كهذا لا يتحمل جواباً متسرعاً، ويتطلب نقاشاً متعمقاً، لأنه لا يجب أن ينطلق فقط من واقع اللحظة الراهنة التي نعيشها حالياً، وإنما من الآفاق المنتظرة، على الأقل في الأفقين القريب والمتوسط، للمآلات التي يمكن للعالم العربي أن يسير فيها. لكن ما هو جدير بالعناية في هذا السياق هو أن إرادة التغيير الداخلي في كل بلد، تلازمت في عالمنا العربي وعلى مدار حقبة زمنية طويلة، بمقارعة الهيمنة الغربية على مقدرات بلداننا وشعوبنا، فلم نكن نرى افقأ للتغيير يتم برعاية خارجية، استعمارية أو إمبريالية، وإنما يجب أن يكون على التضاد معها.
 
إنهاء الاستبداد في العالم العربي مطلب مشروع وعادل ومستحق، ولكن ما هو جدير بالنقاش، كيف للغرب الذي رعى هذا الاستبداد طوال عقود أن يكون هو من يركب موجة الدعوة إلى إسقاطه، وليس بوسع أحد أن يطيق طاغية مستبد من طراز القذافي، لا خَلقاً ولا خُلقاً، لكن أن يكون” الناتو” بالذات هو من يهندس إسقاطه وإحلال البديل محله، أمر جدير بالتوقف أمامه، وما يصح على القذافي يصح على حالات أخرى مشابهة، حين نجد أن الغرب بات طرفاً أساسياً في ترتيب أوضاع البلدان التي شهدت التغييرات، وتقرير مصيرها اللاحق عبر نسج شبكة تحالفات جديدة مع القوى التي صعدت أو صُعِدت، وكشفت عن براغماتية، أين منها براغماتية ميكافيللي.
 
 
حرر في 21 فبراير 2012

اقرأ المزيد

دور الإعلام في الحوار الوطني


كثر الحديث واللغط السياسي بشأن البدء التمهيدي لحوار جاد وشامل ينتشل المجتمع مما مر فيه من (تأزيم سياسي)، أثّر بشكل كبير على المواطن أمنيا ومجتمعيا ونفسيا، وتعدت هذه التأثيرات حتى شملت قطاعا كبيرا ومهما وهو القطاع المالي والتجاري.
 
يتصدر ملف الحوار جميع المجالس والنقاشات والأحاديث الجانبية، على الرغم من وجود بعض المزايدات من هنا وهناك، إلا ان صوت العقل هو الذي يرجح كفة الحوار، فالحوار ومنذ بدء الخلائق هو المنطلق الاساس في تنظيم العلاقات المختلفة بين المختلفين والمتنافرين، والنصوص تدلل على اعتماد هذا المبدأ الناجح.
 
وفي ظل وجود قنوات اعلامية ومساحات من التعبير خصوصا على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي الذي من الصعب ان تضبطها، يتطلب من الاعلام اليومي سواء المرئي أو المقروء ان يمارس دوره الوطني في نشر الوعي، بما يسهم في ترقية المفردات التي يستخدمها اولئك (المغردون)، والتي سيكون له بالغ الاثر في حال ترقيتها ارتقاء للخطاب السياسي وحتى الثقافي بشكل عام.
 
وللأسف فقد نتج عن ما حدث من أحداث وتطورات سياسية خلال العام الماضي انفلاتة غير مسبوقة على مستوى الاعلام بشتى وسائله، سواء من خلال التضخيم او التشويه او غيرها من الأساليب وهذه الانفلاتة ليس معني لها الاعلام الرسمي بل حتى اعلام الجمعيات السياسية والاعلام الاهلي.
 
اليوم ونحن على اعتاب مرحلة جديدة يتطلب من الاعلام ومن صحافتنا الموقرة ان تكون لها بصماتها الواضحة خلال المرحلة الوطنية الجديدة المقبلين عليها، من حيث مناقشة واضحة وصريحة مع المختلفين في الرأي حتى يتسنى للمجتمع معرفة الآخرين بعد القطيعة البينة التي عاشتها مكونات المجتمع نتيجة للوضع السياسي القائم.
 
ان الاعلام قادر على تغيير المزاج العام، وهذه القدرة الموجودة عند الاعلام لا تمتلكها حتى السلطات الرئيسية سواء التنفيذية او التشريعة، فالسلطة الرابعة هي القادرة على التأثير في الرأي العام، وبالتالي على وسائل الاعلام ان تسهم في تمثيل المجتمع تمثيلا حقيقيا يتم من خلاله تسليط الضوء على مختلف القضايا محل الجدل ومناقشتها مع كافة الاطراف المعنية.
 
ان الاعلاميين مطالبون من المجتمع ان يضعوهم في الصورة لما يجري، في ظل المخاضات التي يعيشها وضعنا الراهن. ان الاعلام المستنير غير المؤدلج وغير الطائفي عليه ان يتحمل مسؤوليته في الانفتاح والتوعية وتقديم رؤية واقعية ووضع تصور في التعاطي الاعلامي مع المرحلة الجديدة، دون ردات فعل وقتية قد تكلف الكثير في المستقبل.
 
 
الأيام   21 فبراير 2012

اقرأ المزيد

التأثير المفسد للسلوك الريعي


أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أمس الأحد (19 فبراير/ شباط 2012) في القاهرة تقرير تحدّيات التنمية في الدول العربية للعام 2011، موضحاً بأن الديمقراطية ضرورية ولكن الفشل في معالجة تحدّيات العدالة الاجتماعية يُعرّض التقدم العربي نحو التحوُّل الديمقراطي لخطر الإحباط. التقرير أشار إلى أنّ القضايا الاقتصادية لعبت دوراً محوريّاً في الانتفاضات العربية، ولكن عوامل عدة أثرت سلباً على العلاقة بين المجتمع والدولة في البلدان العربية.
 
التقرير أشار أيضاً إلى أنّ مسار التنمية الذي انتهجته المنطقة العربية لم ينجح في تحويل ثروتها الطبيعية إلى مكاسب مستدامة لتحسين مستوى رفاهية الإنسان العربي، وسبب ذلك «التأثير المفسد للسلوك الريعي على اختيار مسارات التنمية وعلاقات الحوكمة… فلقد أضعفت سياسات الولاء للدولة – التي مورست في المنطقة على مدى عقود – آليات المساءلة المتبادلة التي تحكم العلاقات الحرجة بين الدولة والمواطن، كما أفقدت آليات المحاسبة والضبط اللازمة لتنظيم العلاقة بين دوائر الاقتصاد والسياسة قوّتها».
 
«السلوك الريعي» يرتبط بالدولة «الريعية»، وهي تلك الدولة التي تستمد معظم أو جزءاً كبيراً من إيراداتها من مصدر خاص، مثل النفط، أو مساعدات من العالم الخارجي. وعلى هذا الأساس فإنّ الدولة الريعية تؤسس علاقاتها مع المواطنين على أساس توزيع الريع مقابل الولاء. وهذا يعني، أنّ الدخل المتوفّر من الريع لا يستخدم من أجل تكوين اقتصاد قويّ منتج ومعتمد على الكفاءات والمهارات والمعرفة، وإنما من أجل تكوين طبقة موالية تغضُّ الطرف عن عدم وجود ديمقراطية وذلك مقابل الاستمرار في حصول هذه الطبقة على حصتها من الريع. وفي الوقت ذاته، تلجأ الدولة الريعية إلى إنفاق نسبة عالية من موازنة الحكومة على القطاع الأمني، وذلك لدفع الأخطار التي تترتب عن انتشار حالة عدم الرضا لدى قطاعات من المجتمع لا ترضى بهذه المعادلة.
 
تقرير الأمم المتحدة أمس تحدّث عن «السلوك الريعي» الذي أفسد قدرة الدولة على مواجهة تحدّيات التنمية، ولاسيما أنّ مثل هذا السلوك يمنع الحكومات من الاستجابة لمطالب شعوبها في تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية السياسية، وهو ما رأينا شواهد عليه في انتفاضات الربيع العربي في العام 2011
 

صحيفة الوسط البحرينية – 20 فبراير 2012م

اقرأ المزيد

الحوار الوطني وليس الفئوي


نأمل أن تكون هناك علاقة بين قرار مجلس النواب الأخير بإعادة التعديلات الدستورية إلى اللجنة التشريعية في المجلس من أجل مزيد من الدراسة، والمعلومات المتداولة عن اتصالات جرت وتجري بين ممثلين عن القوى السياسية وبعض الجهات في الدولة، تمهيداً لجولة حوار منتظر لبلوغ توافقات حول عدد من الإصلاحات السياسية، التي لابد أن تشمل تعديلات دستورية تتجاوز، في سقفها، تلك التي حولتها الحكومة إلى مجلس النواب.
 
وفي الفترة الأخيرة يزداد عدد القوى والفعاليات التي ترى ضرورة الحاجة إلى حوار وطني حول القضايا التي تعني الجميع في هذا الوطن، من أجل التغلب على معوقات وكوابح البناء الديمقراطي  والعيش المشترك والشراكة السياسية بين الدولة والمجتمع،   وتأمين الاستقرار والأمن.
 
وهذا يؤكد القناعة التي تحدثنا حولها مراراً، بأن الحوار يجب أن يكتسب الطابع الوطني، ويشمل جميع القوى الحية في المجتمع، وألا ينحو المنحى الفئوي أو التسويات ذات الطابع الطائفي، التي ستقع بالضرورة في محظور المحاصصة الطائفية، عندما يغيب عنها البعد الوطني الشامل الذي يأخذ بعين الاعتبار ما في البحرين من تعددية اجتماعية وتنوع ثقافي وفكري، لا يصح معه تسييد رأي واحد أو إرادة مجموعة واحدة.   
 
 وفي هذا المجال لا يصح تجاهل دور القوى والتنظيمات السياسية والشخصيات الوطنية البعيدة عن الانحيازات الفئوية ، والتي تعبر،  بصدقٍ  وأصالة،  عن الوحدة الوطنية الحقيقية بتعبيرها عن مقادير مختلفة من التنوع السياسي والاجتماعي في البلد ،  كما أنها تغطي مساحة يُعتد بها من التمثيل المجتمعي من خلال دورها في بناء المجتمع المدني على أسسٍ عصرية، وتوفرها على طاقات وكفاءات في المجالات المختلفة، وهذا ما يتطلب أن تكون مكونات أي حوار منشود والمشاركين فيه ما يعكس بانوراما المجتمع البحريني، اجتماعيا وسياسياً، وضمن هذه المكونات من
يُشكل رافعة جدية للوحدة الوطنية.
 
إن أوجه الانقسام الناجمة عن الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد لا تعكس حقيقة الاستقطاب السياسي الموضوعي ولا المصالح الحقيقية لأطراف العمل السياسي، وهو في تقديرنا انقسام طارئ، لا يمكن له أن يستمر إلى ما لانهاية، فهو لا يخدم إلا مصالح قوى طارئة، استثمرت وتستثمر الأزمة في أهداف أبعد ما تكون عن مصالح الوطن، وبالتالي يجب ألا تذهب أية تسوية محتملة نحو تكريسه وتعزيزه، بل وترسيخ آليات إعادة إنتاجه وبالتالي استمراريته، لأن ذلك سيكون تنويعاً على الأزمة ذاتها، ونقلها من صورة إلى صورة أخرى، بدلاً من معالجة جذورها الجوهرية، بالمضي في طريق الإصلاح وتطويره، لا التراجع عنه، وبعدم الانجرار إلى قولبة الموضوع في متقابلات شيعية – سنية.
 
البحرين بحاجة إلى حوار سياسي وطني، لا إلى حوار فئوي، وعلى الدولة أن تكون طرفاً في هذا الحوار الذي يجب أن يشمل نقاشاً معمقاً حول القضايا الرئيسية التي تعني المجتمع البحريني في مرحلة تطوره الراهنة وفي المدى المستقبلي أيضاً، للوصول إلى توافق سياسي قابل للبقاء، يستفيد من عِبر الأزمة الحالية، ويخرج بنا من المناخ المأزوم سياسياً وأمنياً، ويعيد للبلد عافيتها المفتقدة.

اقرأ المزيد