المنشور

الواقعية السياسية هي المخرج الوحيد للأزمة ! عيسى سـيار

على رغم تأثيرات الربيع العربي الأكيدة في اندلاع حراك فبراير، إلا أنه يخطئ من يقول بأن ما حصل في 14 فبراير/ شباط 2011 في البحرين هو وليد اللحظة أو الصدفة، وإنما هو نتاج أو تداعيات لمشروع إصلاح سياسي تم تدشينه من قبل عاهل البلاد العام 2000، والذي هو ربما مقبول شعبياً آنذاك في إطاره العام وأقصد هنا ميثاق العمل الوطني، ولكن أثارت تطبيقاته ومخرجاته ومازالت الكثير من الاختلافات والخلافات بين مكونات الشعب البحريني، بشأن ما إذا كان هذا المشروع الإصلاحي في مستوى نضالات وتضحيات وطموحات الشعب البحريني عبر المنعطفات التاريخية، هذا الشعب الذي كتب تاريخه النضالي بحروف من نور.
 
قد يرى البعض أن ما حصل في فبراير وما أعقبه من أحداث هو أمر مؤسف وحراك ضد الوطن! بينما يرى فريق آخر بأن الحركة الاحتجاجية هي فعل حركي يعبر عن مطالب وطموحات شعبية مستحقة. وهنا لن ندخل في هذا النوع من الاختلافات والمماحكات السياسية ولكن علينا أن نقول جميعاً شكراً لتلك الحركة الاحتجاجية التي جعلت المجتمع البحريني بكل أطيافه ومكوناته ينخرط في العملية السياسية ويتعرف على حقوقه السياسية وواجباته الوطنية. وحتى الشارع السني الذي كان مغيّباً أو غائباً عن الساحة السياسية لأكثر من ثلاثة عقود، أصبحت له مطالب ويعيش حالياً في تجاذبات وتقاطعات سياسية غير مسبوقة في تاريخه، وهذا في تقديري دليل صحة وعافية للمجتمع.
 
إن الخلافات بين الفرقاء السياسيين في البحرين يمكنني توصيفها على أنها مخاض سياسي اجتماعي يمر به أي مجتمع عند أي منعطف أو استحقاق تاريخي. وبمقاييس علم الاجتماع السياسي، فإن التغييرات أو التحولات السياسية أو الاجتماعية أمور يجب أن لا نخشاها، فإذا الشعب أو جزء من الشعب انتفض أو طالب فهذا دليل على أن هناك خللاً ما أو ظلماً ما في مكان يتوجب إصلاحه، والمهم أن نقرر كمجتمع ما هو حجم الإصلاح المطلوب؟ ومتى نصلحه؟ وكيف نصلحه؟ وإذا كنا نفهم بأن العملية الديمقراطية على أنها لعبة ولها قواعدها فأعتقد أن من أهم قواعدها هو فن الممكن، أي الواقعية السياسية، مع أهمية النظر إلى بعد مهم جداً يجب أن يضعه الفرقاء السياسيون نصب أعينهم، وهو أن الوطن والمواطن يجب أن يكون هو الرابح من وراء هذه اللعبة وليست المصالح المذهبية أو الطائفية أو الفئوية الضيقة لهذه الفئة أو تلك.
 
إذن ومن هذا المنطلق، فإن البحرين قادرة على الخروج من هذا النفق المظلم إذا ما توفرت إرادة التغيير والثقة بالآخر والنوايا الحسنة بين الفرقاء السياسيين. ولا أعتقد بأن يقبل أي وطني شريف في هذا الوطن أن هذا الحراك أو المخاض الذي عصف بالمجتمع البحريني لأكثر من عام يذهب أدراج الرياح دون أن يكون هناك تغيير حقيقي وجوهري في الدستور البحريني، وكذلك في ثقافة الشراكة السياسية الفعلية بين الحاكم والشعب، وذلك لتأمين الاستقرار المجتمعي واستدامة العملية الديمقراطية. أي أن الشعب البحريني يجب أن لا يخرج بخفي حنين.
 
وعلينا أن نعلم جميعاً أن الإصلاح السياسي والتنمية السياسية المستدامة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التوافق الوطني والواقعية السياسية، حيث إن وضع البحرين السياسي والاجتماعي يتسم بالكثير من التعقيد مقارنة بأوضاع بعض الدول العربية التي اجتاحتها رياح الربيع العربي، وتكمن الواقعية في فتح حوار صريح وشفاف بين الفرقاء السياسيين يتناول كل الأمور الخلافية وذلك في إطار ومناخ ناضج سياسياً يقوم على ما يلي:
1. الواقعية السياسية (البراغماتية) وعلى قاعدة «ما لا يؤخذ كله لا يترك جله»، أي أن الحوار العقيم والتشدد غير المبرر والمناكفة السياسية وإقصاء الآخر كلها أمور لا تساعد المجتمع البحريني إطلاقاً على الخروج من النفق المظلم. فالمطلوب حوار سياسي واقعي مع فهم كامل لقواعد اللعبة السياسية. ويجب أن يخرج منه الوطن ولا غير الوطن رابحاً كما أسلفنا القول.
 
2. التوافق على إحداث التعديلات الدستورية المطلوبة والتي تمنح الشعب مزيداً من السلطات والصلاحيات في الرقابة والتشريع وتشكيل الحكومة، وغيرها وهذا ليس محل خلاف في تقديري بين قوى المعارضة والتيار السياسي السني، وإنّما الاختلاف بين الفريقين يكمن في التفاصيل والتطبيق والفترة الزمنية. وهذه المسائل لا يمكن علاجها عن بعد أو بالريموت كنترول أو الشروط المسبقة، وإنما من خلال فتح حوار صريح وشفاف بين التنظيمات السياسية أولاً. وعندما تتوافق عليها ترفعها للقيادة السياسية والتي في تقديري ستتجاوب معها إذا كانت صادرة عن مختلف القوى الوطنية في البحرين.
 
3. أن يكون النظام السياسي أكثر تفهماً لاستحقاقات المرحلة المقبلة من العملية السياسية، وأن يستفيد من الأخطاء الناتجة عن البطء في تطبيق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ذلك البطء الذي اعترفت به القيادة السياسية هو وغيره من أسباب، كانتشار الفساد والتعيينات في المناصب القيادية حسب الولاءات للشخوص وليس للوطن، والتدخل في الانتخابات وخصوصاً في الدوائر السنية، وعدم وجود معالجة جذرية للمشكلة الإسكانية… إلخ، كل ذلك أوصل المجتمع البحريني إلى الأزمة التي يعيشها الآن.
 
إن الاتصالات الأخيرة التي تمت بين الديوان الملكي والقوى السياسية، هو أمر مرحب به، ولكنه لا يرقى إلى المستوى المطلوب، فالمطلوب هو حوار حقيقي شفاف وواقعي وفي أقرب الآجال. وحل الأزمة التي تعيشها البحرين ليس مستحيلاً إذا توافرت الإرادة السياسية والثقة بين الفرقاء السياسيين. صحيح أن هناك تجمعات وشخصيات يعرفها القاصي والداني تعمل ليل نهار وتسابق الزمن من أجل بقاء الوضع في البحرين على ما هو عليه، لأنها هي الفئة الوحيدة المستفيدة من استمرار الأزمة، وكذلك بالطبع من يقف وراءها ويدعمها ويموّلها من المتنفذين.
 ولكن يمكنني القول بأن أغلبية الشعب البحريني بمكونيه السني والشيعي يرغب بل أصبح يطالب بأن يصل الفرقاء السياسيين إلى حل توافقي يرفع من قدر وشأن وكرامة الشعب البحريني، فالمواطن البحريني ليس أقل منزلة من جيرانه أو غيرهم، أما خفافيش الظلام من الوصوليين فستعصف بهم قريباً رياح الربيع العربي العاتية… فمن يرفع الشراع؟
 
الكاتب: عيسى سيار

صحيفة الوسط البحرينية – 29 فبراير 2012م
 

اقرأ المزيد

التوحـد عنـد المحنـة


لم أكن في البحرين في السنة التي وقعت فيها كارثة الطائرة، في رحلة «طيران الخليج» العائدة من القاهرة، حين مات في ومضة عين العشرات من مواطني البحرين ممن كانوا على متن تلك الرحلة المشؤومة، لكن ما سمعته وقرأته عما أظهره أهل البحرين من تآزر وتوحد غدا أمثولة للطبع السوي لدى الناس على هذه الأرض، التي استوعبت دائماً ما فوقها من تنوع وتعدد، وجعلت منه نسيجاً إنسانيا واحداً، يعبر عن نفسه لا في لحظات المحنة وحدها، وإنما في تفاصيل الحياة اليومية أيضاً في إيقاعها العادي والمألوف.
 
أتذكر هذا الآن والبحرين تعيش محنة ذوي الشابات الست اللواتي قضين في حادث مفجع، وهن جميعهن في عمر الزهور، وتشاء الظروف أن يحدث هذا في اللحظة المحتقنة سياسياً واجتماعياً التي نعيشها، ليضعنا ذلك أمام اختبار فطرتنا السوية في العلاقة مع محنة إنسانية مؤلمة.
 
وقد قرأت على مواقع التواصل الاجتماعي بعض التعبيرات غير اللائقة التي لا يمكن أن تعبر عن حس إنساني سليم في العلاقة مع حُرمة الموت وآلام الناس وأحزانهم، في لحظة يفترض فيها أن يتكثف لدى المرء كل ما في داخله من مشاعر وأحاسيس نبيلة تجاه محنة غيره من البشر، خاصة إذا كانوا يقاسمونه العيش المشترك والانتماء إلى وطن واحد، هو للجميع.
 
لذلك لن نتوقف عند هذه التعبيرات المَرضية ليقيننا أنها لا تعكس الروح الأصيلة والمعدن النبيل لأبناء وبنات هذا الوطن، وإنما نتوقف أمام تعبيرات الحزن والمواساة الصادقة التي قرأناها وسمعناها من الأفراد الذين ينتمون لكافة مكونات هذا المجتمع، الذين أظهروا برهافة أحاسيسهم وصدقها أن شعب البحرين جسم واحد تتداعى سائر أطرافه بالألم حين يُصيب طرف فيه مكروه.
 
والحق أن مجتمعنا كان أمام هذا الاختبار الصعب طوال الأزمة التي مررنا بها ومازلنا نجر ذيولها حتى هذه الساعة، حين يتعين الفصل بين ما هو سياسي أو خلافي وما هو إنساني بحت، فبوسع الناس أن يختلفوا ما شاء لهم أن يختلفوا حول مسألة أو مسائل، ولكن في غمرة هذا الاختلاف عليهم ألا ينسوا ولو للحظة أن المعاناة الإنسانية لأي فرد أو أسرة أو جماعة من الجماعات هي عبء أخلاقي للمجتمع كله، عليه أن يظهر تعاطفه معها، وأن يتجرد من الحساب السياسي أو الفئوي الضيق، لأنه، في بعض حالاته، يعيدنا إلى ما هو غريزي، سابق للأنسنة التي بلغها البشر، حين يجد تعبيراته في مشاعر غير صحية من قبيل التشفي والانتقام.
 
ونحن نعبر عن أسانا الشديد لرحيل الفتيات الست في هذا الحادث المؤلم، الذي آلمنا جميعاً، فإننا لا نتوجه بمشاعر المواساة والتعزية لذويهن فقط،,إنما لأنفسنا أيضاً، أعني لكل بحريني وبحرينية، الذين أظهروا في غالبيتهم الساحقة صدق تعاطفهم، وامتعضوا، في غالبيتهم الساحقة أيضاً، من بعض التعبيرات المسيئة التي يدركون بسوية فطرتهم أنها لا تعبر عن الوجدان الجمعي لهذا الشعب، الذي يملك من الطاقات والخبرات ما يجعله قادراً ليس على التوحد في لحظة المحنة الإنسانية، وإنما يؤهله لأن يدفع بوطنه على أن يجتاز المحنة الأكبر.

اقرأ المزيد

إشـــــارات الوهـــــــن


هذه المرة أستأذنكم في أن أضع تحت نظركم بمزيد من السرعة ومزيد من الإيجاز ومن دون الوقوع في فخ التبسيط والاختزال، ما يمكن ان يعد مجموعة إشارات أو افكار أرجو ان تكون جديرة بالتأمل، احسب ان لها بالنهاية خلاصة اتركها لكم.
 
– السياسة هي طرق ادارة الصراعات وقيل بأنها فن الممكن.. وقيل بأنها المبادئ والقيم التي تثبت مشروع الدولة، والمدخل لحكم القانون ومفهوم واقعي للعدالة. وقيل بانها فن المداهنة والمراوغة، وقيل بانها فن يقرب ما يبدو بعيدا عن الفهم ويحّول ما يبدو مستحيلا الى ممكن، وقيل بان السياسة كمفهوم وكممارسة تعني الانفتاح ومواجهة التحديات بمنطق سليم وعمل دؤوب.. والسياسة هي التي لا تحبس الخيارات بل تدعها تتكاثر وتتكاثر ولا تدع بابا واحدا مغلقا. وهي ايضا تعني انتاج حلول وافكار ووضع المعاني الكبيرة التي تضيء اكثر مما تضلل، تصدق أكثر مما تكذب، تحدد المسار أكثر مما تشتت، والسؤال الجوهري، هل ما يمارسه السياسيون في بلادنا هو سياسة؟!
 
– نلاحظ مبالغة البعض في إسباغ وصف الاصلاح على كل شأن.. وهذا أمر لا اعتراض عليه البتة. ولكن أن يكون ذلك مجرد وسيلة للتحصين من المؤاخذات والانتقادات و” تصعيب” التعرض لمسؤول، او مشروع، او برنامج، او سياسات او اجراءات، وإلا ظهرت وكأنك تهاجم الاصلاح وتعرقل مسيرته، حتى وان كانت محاولات اصلاحية وهمية وغير صادقة، او مجرد بهرجة اعلامية، فذلك يعني ان هناك اطرافا عديمة المسؤولية والامانة، وما يمارسونه ما هو الا نوع من التضليل والاحتيال..!!
 
– أسوأ الامور حين نرى باطلا يعطل الحق بقوته، وحق لا يجد من يحميه، وفساد لا يجد من يردعه، وفاسد يرفع لواء الاصلاح، ومسؤول بلا فكر ولا كفاءة ولا ابداع، ووزير لا يعمل الا بتوجهيات، ونائب بدلا من ان يكون متحدثا باسم الشعب نراه وكأنه مجرد موظف علاقات عامة في جهاز حكومي.
 
– ألم ندرك بأن من بين أسوأ ما اصبحنا نعاني منه هو ان يتحول اللامعقول الى معقول، وان من بين اخطر ما يواجهنا ان نعتاد على كل هذا الذي يجري وكأنه شيء عادي..!
 
– البحرين ليست بحاجة الى من يخلق الازمات، وليست بحاجة الى التشكيك في وطنية اي طرف، وليست بحاجة الى من يقسم الوطن، وليست بحاجة الى من يثير البلبلة بحق او بباطل، وليست بحاجة الى من يطالبون بالشيء وضده في آن واحد، وليست بحاجة الى مسؤولين وسياسيين ونشطاء ورجال دين ومن في حكمهم من الاستعراضين الذين يريدون ان نعود الى أسوأ مما كنا من ضياع وفلتان وصراعات، هي بحاجة قبل كل شيء ان يشعر الجميع في هذا البلد بخطورة هذا العبث الحاصل الآن ووجوب ان يتوقف اليوم قبل الغد.
 
– كثر من الناس نراهم هذه الايام يتحدثون باسم الشعب.. ويفكرون بالنيابة عن الشعب، ويطرحون ما يعن لهم من رؤى ومطالب باسم الشعب، في الوقت الذي هم ليسوا اهل ثقة من الشعب..!! أليست هذه معضلة. وأية معضلة..!!
 
– كأنه مكتوب علينا ان لم نجد مشكلة تشغلنا وتلهينا، نختلق فورا مشكلة تلو مشكلة حتى نختلف ونتشتت، وكأن كل المشكلات الحقيقية التي نعاني منها انتهت ولم تعد عندنا مشكلة..!!
 
– لا معنى للحديث عن الاصلاح اذا لم نحارب الفساد.. واذا لم نتخذ موقفا حاسما ورادعا وثابتا من العناوين الرئيسية في قضية الفساد.. سنظل نناور ونضيع الوقت، وسنبقى في مكاننا نراوح..!!
 
– سؤال: ألم يأخذ بعضكم الغيظ ذات لحظة وراح يصب نقمته على ما يراه أمامه من مظاهر فساد وتمنى في قرارة نفسه لو انه كان صاحب قرار ولو ليوم واحد ليضرب بيد من حديد على ايدي الفاسدين، سؤال في منتهى البراءة..!
 
– نخطئ خطأ اذا ظننا ان الاصلاح المنشود يقتصر على الحكومة واجهزتها، صحيح ان الاصلاح في هذه الحالة مطلوب وملح وجوهري ولابد منه، ولكن الصحيح ايضا ان مؤسسات مجتمعنا المدني وجمعياتنا السياسية والنقابية والمهنية والاجتماعية والخيرية في حاجة الى اصلاح هي الاخرى.. وهذا هو الآخر امر مطلوب وملح وجوهري ولابد منه، كثير من هذه المؤسسات لم تمتد اليها يد الاصلاح والتغيير والتطوير، وكثر من القابضين على زمام امورها من نشأتها حتى الآن يطالبون بالاصلاح وضخ دماء جديدة في دماء العمل العام وفي الادارة الحكومية وينسون انفسهم..!! اين ارادة الاصلاح الحقيقية.. الله اعلم.
 
– المسؤولون انواع.. نوع لا حول له ولا قوة مجرد واجهة، وجوده وعدم وجوده سيان، ونوع تشعر امامه باننا نعيش في مأساة ويجعلك تؤمن بمقولة «عالجوا الاسباب تعالجون النتائج»..!، ونوع يشعرك بان ليس هناك اروع ولا اجمل مما نحن فيه، ونوع وجودهم في موقع مسؤولية مشكلة في حد ذاته، ونوع يشعرك بانك امام نموذج من النماذج الصارخة لحالة الانفصام بين القول والفعل، ونوع يثبت لك ان هناك صعودا لمناصب بلا معايير وان قبضتهم على المنصب اغتيالا للمقاييس واعلاء للتفضيلات، ونوع من المسؤولين يعتقدون انهم أهل لاي منصب، ونوع تراه كأنه يدير معركة غامضة ذات هدف غامض، ونوع يحب «الشو» والبهرجة الاعلامية، ونوع يفرض عليك الاقتناع بضرورة المسارعة في التغيير والاصلاح الاداري، ونوع من المسؤولين تراهم وقد تنازلوا عن صياغة المستقبل وكبلوا امكانات الفعل الحقيقي وجعلوا المنصب مطية، ونوع من المسؤولين يظهرون لنا بانه ليس بمقدورهم العمل والتحرك والطرح والقرار ولا فعل اي شيء الا بتوجيهات. وكأنهم بلا فكر ولا ابداع ولا ارادة ولا احساس بالمسؤولية، ونوع من المسؤولين ليس عليك الا ان تحترمهم وتقدرهم. بوجه عام الحديث عن نوعية المسؤولين يبقى استعراضا لأحد عناصر مشهد الحياة في بلدنا.
 

اقرأ المزيد

الترفيه أم التسطيح؟


أذكر دراسة للباحث فيكتور سحاب عن البرامج الترفيهية على شبكات التلفاز، غايتها تفنيد القول الذي يقرن الترفيه بالتهريج والابتذال على نحو ما هو سائد في إعلامنا العربي اليوم، ويشير إلى أن المادة الترفيهية يمكن أن تكون في الآن ذاته مادة تربوية أو تثقيفية، إذا وُجد الإعلاميون القادرون على تحقيق هذه المعادلة الخلاقة، ولكن ترفيه التهريج والابتذال السائد الآن ليست غايته الترفيه عن الناس وتسليتهم، وإنما تسطيح عقولهم، واستنساخ نماذج هائلة من البشر لا تفكر إلا في السطحي والعابر، فاقدة لأدوات التحليل لمعرفة ما يدور حولها.
 
يقول الدارسون إنه حسب أكثر المعايير تساهلاً فإن غالبية الأمريكيين تعاني من جهل بالسياسة وبسير القضايا الوطنية، وقد أدى ذلك إلى قيام مناقشات حامية بين باحثي وسائل الاتصال حول أسباب هذا الجهل.
 
كان الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون قد دعا مواطنيه إلى ضرورة الاهتمام بمتابعة الأحداث السياسية في العالم لمعرفة ما يدور فيه، والتعرف إلى الدور الذي تلعبه بلادهم في مجرى هذه الأحداث. والاعتقاد السائد لدى المحللين السياسيين والإعلاميين على حدٍ سواء هو أن العامل المباشر وراء تدني الثقافة السياسية للمواطنين، يرجع إلى اعتمادهم على التلفاز بوصفه وسيلة معرفة، وينظر هؤلاء المواطنون إلى المعلومات التي تقدمها النشرات الإخبارية المتلفزة كمعلومات تافهة نظراً لاعتمادها على الفذلكات الكلامية والوسائل البصرية.
 
مجموعة من الكتاب الأمريكيين أصدروا كتاباً عن السياسة الأمريكية في ما يوصف بـ”عصر التلفزيون”، أفردوا فيه فصلاً بكامله لتحليل التأثيرات المركبة للتلفزيون في المواطن الأمريكي، فلاحظوا أن بين أخطر عوامل التأثير مسألة ترتيب أولويات الأحداث، ذلك أن بوسع التلفاز أن يجعل من قضية دولية ثانوية موضوعاً أساسياً، وأن يهمش قضية جوهرية أو حتى يتجاهلها، بل يمكن لهذا الإعلام أن يجعل من قضية داخلية صرفة ليست ذات مساس بالشأن العام موضوعاً عاماً وحيوياً وأساسياً، وأن يشد انتباه الجمهور إلى هذه القضية، ويصرف نظره بالتالي، قاصداً ذلك أو غير قاصد، عن القضايا الدولية الأهم. كلما زاد المشاهد بعداً عن الشؤون العامة زاد تأثير التلفاز في عملية ترتيب أولويات الأحداث عنده.
 
وإلى مسألة ترتيب الأولويات هناك قضية تحديد المسؤولية عن القضايا السياسية، فطبيعة التغطية الحديثة التي يعتمدها التلفاز جديرة بأن تجعل المسؤول مبهماً أو غامضاً أو غير محدد، لذا يظل المسؤولون في حماية من غضب الجمهور أو لومه وانتقاده، على خلاف التغطية الموضوعية التي تسمح بتقصي جذور أي قضية تعرض وتقدم في سياق متكامل يردها إلى جذورها ويكشف عن عناصرها المختلفة.
 
يمكن أن يضاف إلى ذلك أيضاً أن كثافة المادة الترفيهية وبرامج التسلية، تسهم في التفريغ المقصود للاهتمامات العامة ليس على مستوى أمريكا وحدها أو الغرب فحسب، وإنما أيضاً على النطاقات العالمية، بما فيها نطاقنا العربي، ليس لأن التسلية بحد ذاتها غير محمودة، وإنما لأنها تقدم بكثافة تجعلها تغطي الفضاءات التي تسمح باهتمامات أخرى، مما يجعل من التسلية وسيلة وغاية في آن، وسيلة لصرف الأنظار عن اهتمامات أخرى سواها، وغاية لأن يقبع المتلقي في دائرة التسلية ذاتها ولا يبارحها.

اقرأ المزيد

لو كان الإعلام الرسميُّ حياديّاً ! – خليل بوهــزاع


لا يستطيع أحد إنكار الحالة الطائفية التي وصلت لها البحرين منذ انطلاق الاحداث في 14 فبراير/ شباط العام الماضي والمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية.
وإذا كان البعض يحمل المعارضة مسئولية ما تعرض له الشارع البحريني من انقسام طائفي حاد، لم يضرب المجتمع التقليدي فقط، بل طال حتى بعض القوى السياسية «التقدمية» التي تخندق قادتها وكوادرها خلف المتاريس الطائفية، ضاربين بعرض الحائط جدلية الفكر والديالكتيك في تحليلهم للموقف السياسي، إلا أن الإعلام الرسمي في حقيقة الأمر هو من شق المجتمع على أساس طائفي بدلاً من سياسي يمكن احتواؤه.

حين اتخذ حراك 14 فبراير دوار اللؤلؤة مركزاً لاعتصامه، سواء الاعتصام الأول أو الثاني، لم يلعب الإعلام الرسمي دوراً معززاً للوحدة الوطنية، وتسليط الضوء على أن الحراك، مع اختلاف أسقفه، لا يعدو كونه صراعاً سياسياً، بل للأسف مارس ومن خلال بعض الموتورين دوراً في تأجيج النزعات الطائفية بين المواطنين، وتوزيع صكوك الوطنية على الهواء مباشرة، فيما استبعد أولئك ممن يملكون حساً وطنياً راقياً في أوج الاحداث مشجعاً إياه على طرحه الداعي إلى حصر الحراك في إطاره السياسي والتأكيد على الوحدة الوطنية.

ولم يسلم من حملات المحاكمات والتصفية على أسس مذهبية وطائفية حتى أولئك القريبون من السلطة، والمتبوئون مناصب عليا في الحكومة ومؤسساتها، فأصبحت البرامج التلفزيونية تخوّن هذا الطرف وتمنح صكوك الوطنية والشرف لذاك الطرف، وتحدّد من يكون على رأس هذه المؤسسة أو تلك، فضلاً عن جملة الأكاذيب التي بُثت على هذا الجهاز الحساس.

وقد خلصت لجنة تقصي الحقائق التي شكلها جلالة الملك في تقريرها إلى أن البرامج التي أذيعت بعد 14 فبراير على التلفزيون والإذاعة الرسمية «تضمن كثيرا من هذه المواد لغة مهينة وتغطية تحريضية للأحداث، وقد يكون بعضها انطوى على التشهير»، وتضيف أن تلفزيون البحرين أساء استخدام هذا المنبر الإعلامي، وشارك في سلوك ربما يكون قد انطوى على التشهير.

وأكدت اللجنة وجود «اتجاه في وسائل الإعلام البحرينية يقوم على تلويث سمعة المحتجين»، مشيرةً الى ان «من الجلي أن وسائل الإعلام البحرينية كانت منحازة إلى حكومة البحرين (…) كما تسيطر الدولة على خدمة البث الإعلامي. فاستمرار التقاعس في إعطاء جماعات المعارضة مجالاً كافياً في وسائل الإعلام الوطنية ينذر بمزيد من مخاطر الانقسام السياسي والعرقي في البحرين».

والتساؤل هنا، هل سيصل المجتمع إلى ما وصل إليه، لو أن تلفزيون البحرين قام بتنظيم ندوة على التلفزيون، ودعا إليها جميع أقطاب العمل السياسي في البحرين، بغض النظر عن مطالبهم، وأدارت الحوار شخصية قادرة على مجاراة جميع الأطراف في أطروحاتهم السياسية، ومواجهة الحجة السياسية بمثلها؟
هل سيصل الحال إلى ما وصل إليه لو كان الإعلام الرسمي حاثاً على الوحدة الوطنية وعدم استهداف مكون رئيسي في المجتمع في عقيدته ووجوده وفي بعض الحالات في سمعتهم الشخصية؟

إن الإصلاح الجذري للمؤسسة الإعلامية الرسمية، وإمدادها بكوادر إعلامية على درجة عالية من الوعي والحس الوطني والمتمتعة بالمسئولية، والعمل الجاد لوضع خطة إعلامية لا تقوم على تسويف القضايا، جميعها لا تقل أهمية عن جملة الإصلاحات السياسية المطلوبة، بل قد تأتي في أولويات الجهات التي يجب إصلاحها لتدارك ما يمكن تداركه .


 
الكاتب: خليل بوهــزاع
كاتب بحريني في صحيفة الوسط البحرينية
27 فبراير 2012م

اقرأ المزيد

متى يُغلق ملف المفصولين ؟


حتى اللحظة هناك تضارب كبير بين الأرقام التي تُعلنها كل من وزارة العمل من جهة، والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين من جهة أخرى حول عدد العمال والموظفين الذين لم يعودوا إلى أعمالهم، بعد فصلهم منها، ويقوم الأستاذ علي صالح الصالح رئيس اللجنة الوطنية المعنية بمتابعة تنفيذ توصيات تقرير لجنة بسيوني بجهود كبيرة، بينها دعوته للقاءات مشتركة بين ممثلين عن وزارة العمل وديوان الخدمة المدنية وبين الاتحاد النقابي للوقوف على الحقيقة.
 
ان أعداداً كبيرة من المفصولين في القطاعين الحكومي والخاص قد عادوا إلى أعمالهم بالفعل، ولكن هناك أعداداً غير قليلة لم تعد، وبعض من عادوا واجهوا مشاكل أخرى بينها أنهم لم يعودوا إلى وظائفهم السابقة، ووجد بعضهم نفسه في مواقع لا تتلاءم مع تخصصهم وكفاءتهم وخبراتهم، فيما لم تصرف حتى اللحظة رواتب بعض من عادوا إلى أعمالهم.
 
وملف المفصولين يبدو في ظاهره أبسط ملف شملته توصيات لجنة بسيوني كون الأمر يتمحور في قضية فصل غير قانوني يجب أن تسوى فوراً بإعادة المفصولين إلى أعمالهم، ومفيد التذكير هنا بأن عاهل البلاد قد وجه بذلك حتى قبل صدور التقرير المذكور، لكن ما زالت جهات حكومية وفي الشركات الكبرى تعيق التنفيذ الصحيح لتلك التوصية والتوجيهات.
 
قلنا أن هذا الملف يبدو في ظاهره أبسط ملف شملته التوصيات، ولكنه من أكثرها أهمية وإلحاحا كونه يتصل بأرزاق الناس وبكرامتهم، فلا يجوز، من وجهة نظر إنسانية، أن يظل هذا العدد الكبير من الناس بدون رواتب على مدى عدة شهور، وهم الذين عليهم إعالة ذويهم وأطفالهم، كما لا يصح أن يجد بعض أصحاب الكفاءات من الأطباء وسواهم أنفسهم وقد أحيلوا إلى أعمال أبعد ما تكون عن تخصصاتهم، والمؤمل أن يقوم وزير الصحة الجديد بتسوية هذا الملف كأول مهمة يضطلع بها بعد تسلمه الوزارة.
 
إن المُهل التي سبق إعلانها لتسوية هذا الملف قد مرت، ودون التقليل من أهمية ما تحقق على هذا الصعيد، فان هذا الملف لم يغلق، وما تزال مسافات تفصلنا عن المعالجة المتوخاة له، ومع تقديرنا لجهود وزير العمل الذي يبذل الكثير من وقته في سبيل تسوية الأمر، ونحن نعلم حجم الصعاب التي يواجهها، لكن التطلع الآن ليس إلى ضرب أجل جديد لإغلاق الملف على ما دأبت عليه الوزارة، وإنما إظهار المزيد من الصرامة في انجاز ذلك فعلياً، لأنه بدون التسوية العادلة لملف المفصولين وسواه من الملفات ذات الصلة بالمعاناة الإنسانية والمعيشية سيكون من المتعذر فتح باب المصالحة الوطنية التي هي الهدف النهائي للتسوية التي نريدها جميعاً للوضع الصعب القائم.
 
كما أن مثل هذه التسوية ستكون عاملاً إيجابياً في التمهيد لأي حوار بين الفرقاء المعنيين هدفه تجاوز المحنة، واستعادة الجو الطبيعي للبلد، وهذا يتطلب مغادرة الذهنية التي سادت خلال الفترة الماضية من التمترس في أسلوب معالجة الأمور، والانتقال إلى المنهج الذي رسمت معالمه توصيات تقرير لجنة التقصي، والتي بدون التنفيذ الشامل والمتكامل لها لن نستطيع مغادرة الجو الراهن الذي ليس من مصلحة البحرين وشعبها استمراره.
 

اقرأ المزيد

أوضاع طيران الخليج !


عل اثر الخسائر التي تكبدتها طيران الخليج في العام المنصرم شكَّل مجلس النواب لجنة مؤقتة لدراسة اوضاع الشركة من حيث مستوى ادائها العام وابرز خططها التطويرية للمرحلة القادمة، ومن مهمات اللجنة ايضاً دراسة طلب متوقع من الحكومة لدعم الشركة بـ180 إلى 250 مليون دينار بشكل عاجل، ومن جانب آخر اكدت ان أي دعم مادي ومعنوي قادم للشركة سيكون مشروطاً بإصلاحات جذرية واجراءات تصحيحية تقدمها الشركة كخطوة أولى.
 
وأكدت أيضاً على أهمية وضرورة استثمار العمالة الوطنية والمحافظة عليها وعدم التفريط بأي فرد منها، وفي الوقت ذاته شددت على ان يكون مجلس النواب شريكاً فاعلاً واساسياً في كافة القرارات التي تتخذها الشركة والقائمون عليها وبالتالي لن تسمح بتمرير أي قرار دون الرجوع أو التشاور مع اللجنة.
 
في حين، وافق مجلس الشورى مؤخراً على المرسوم بقانون رقم (39) لسنة 2010 بفتح اعتماد اضافي في الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2010 والاقتراض لتغطية هذا الاعتماد وذلك بضخ 400 مليون دينار في الشركة كي تتمكن حسب ما اشار الرئيس التنفيذي في تصريح له من تحقيق الاستراتيجية الجديدة التي تهدف إلى استدامة الشركة وانتقالها إلى الربحية خلال الاربع السنوات القادمة.
 
على أية حال، كل هذه الجهود ضرورية للنهوض بالشركة خاصة في ظل المنافسة الشديدة من الشركات الاقليمية الأخرى التي تتمتع بدعم مادي من حكومات دولها.
 
أما إذا ما امعنا النظر في المسببات التي قادت الشركة إلى كل هذه الخسائر فانه من غير الصحيح ان نلقي اللوم فقط على الإدارة الحالية وانما ايضاً على الادارات السابقة التي شهدتها الشركة طيلة السنوات الماضية ومن هنا: ما الذي فعلته تلك الإدارات؟ وهل كانت موفقة في إداراتها؟ اين يكمن الخلل؟ وإذا افترضنا هناك ازمة في إداراتها أو أي تلاعب أو تجاوزات مالية حدثت وقتذاك.. فلماذا سكتنا عنها طيلة كل هذه السنوات؟! ولمصلحة من هذا السكوت؟! كل هذه الاسئلة ينبغي طرحها لتحديد المسؤولية حتى لا تتحمل الإدارة الحالية تبعات ما حدث وان كانت هي الأخرى معنية بوضع الحلول لتحقيق الربحية بمعدلات عالية.
 
وإذا شئنا ان نبحث في جذور المشكلة فعلينا ان نبحث عنها بعيداً عن الحلول الارتجالية، وان نلامس الاسباب الحقيقية، ولا يمكن في كل الأحوال ان تعود هذه الأسباب فقط إلى الأحداث المؤسفة التي اثرت على حركة السفر من وإلى البحرين في بداية 2011 اي نتيجة الوضع الأمني أو للاغلاق المؤقت لخطوط طيران الخليج من وإلى إيران والعراق ولبنان وهي تمثل ما نسبته 25 في المئة من ايرادات الشركة، وكذلك ارتفاع اسعار الوقود، بالاضافة إلى الشركات الخاصة الجديدة التي تعتمد استراتيجية الاسعار المخفضة مقابل الخدمات المحدودة.
 
وإذا كانت طيران الخليج حققت ارتفاعاً في العائدات في سنة 2010 خفض الخسائر التشغيلية نسبياً وحسن من مستوى الخدمة للمسافرين.. فلماذا لم تحافظ الشركة على هذا المستوى؟ وهل تراجعها يرجع فقط للاسباب السابقة الذكر؟ أم ان هناك اسباباً اخرى يجب ان تطرح على بساط البحث ويجب ان تعالج حتى نتجنب ما هو سلبي يعتق شركتنا الوطنية.
 
وإذا كان كما يقول وزير المالية ان الهدف من الاقتراض وقف الخسائر والوصول إلى نقطة التعادل ومن ثم إلى الربحية وتأمين مستقبل الشركة بما فيه خدمة استراتيجية للاقتصاد الوطني وحماية مصالح العاملين اهم الحلول في المرحلة الحالية فسؤالنا هنا: كم سنة تحتاجها الشركة للخروج من دائرة الخسائر إلى دائرة الربحية؟ وإذا لم تحقق ذلك على المدى القريب.. فكم من القروض تحتاجها الشركة؟
 
على العموم وبقدر ما تحتاج ناقلتنا الوطنية إلى مضاعفة الدعم الحكومي تحتاج أيضاً إلى اعادة النظر ربما في السياسة التشغيلية أو الإدارية أو في كليهما معاً، وهذا يعني وفق ما صرحت به اللجنة البرلمانية ان تتبنى اصلاحات جذرية واجراءات تصحيحية دون ان يؤثر ذلك على نسبة البحرنة.
 
 
الأيام  25 فبراير 2012

اقرأ المزيد

تعدد الهويات: نعمة أم نقمة ؟


الحديث عن تعدد الهويات وتنوعها في مجتمعات الخليج العربي، بما فيها مجتمعنا البحريني، ليس جديداً، ولكن من شأن الاستقطابات الاجتماعية والسياسية التي تفاقمت طوال الشهور الماضية أن تسلط الضوء مجدداً على هذا التنوع، لا برغبة تمجيده أو تعظيم أهميته، وسيلة لحجب أو طمس المشتركات بين أصحاب هذه الهويات، وهذه غاية الكثيرين اليوم، وإنما برغبة فهمه، من أجل تحويل هذا المعطى الموضوعي الى عامل إيجابي، وليس من أجل استثماره في توسيع شقة الخلاف وتعميق الفُرقة.
 
سبق لنا منذ عدة سنوات، أن توقفنا هنا أمام بحث للدكتور علي أسعد وطفة عن «نسق الانتماء الاجتماعي وأولوياته في المجتمع الكويتي المعاصر: مقاربة سوسيولوجية في جدول الانتماءات الاجتماعية واتجاهاتها»، الذي وجدته بحثاً مُهماً من زاوية تتخطى الكويت كمجتمع وبلد، فرأينا في منهجه وخلاصاته ما يعين على فهم التحولات في مفهوم الانتماء والهوية في المجتمعات الخليجية خاصة وفي المجتمعات العربية عامة.
 
يلاحظ الباحث أن دراسته بينت وجود فروق دالة إحصائياً للانتماء الديني من الذكور، وإن الذكور أكثر حماسة للقبيلة والوطن من الإناث، وأن أبناء محافظات بعينها (الجهراء والأحمدي) بدوا أكثر حماسة للقبيلة من أبناء محافظات أخرى (حولي والعاصمة)، ولإجراء المزيد من التشخيصات المشابهة عن واقع الحال في المجتمعات الخليجية الأخرى يتعين إجراء دراسات ميدانية كتلك التي قام بها الدكتور وطفة.
 
لكن ما هو جوهري في الأمر وجود هويات، أو فلنقل انتماءات توخياً للدقة، متعددة للفرد الواحد وبالتالي للفئات الاجتماعية المختلفة، وفي حال كهذه يتعين «على السياسيين العمل على دمج هذه الانتماءات المتنوعة من أجل الوصول إلى هوية مشتركة تمثل مصالح الجماعة بانتماءاتها المختلفة»، وهذا ما وجدنا تجليات بالغة له في نتيجة تداعيات الأزمة التي تعيشها البحرين اليوم، ذلك أن الهوية المشتركة لا تعني إزالة الانتماءات الفرعية أو الجانبية، لأنها في ظروف مجتمعاتنا اليوم انتماءات ذات طبيعة ثقافية راسخة في طبقات الوجدان بحيث يستحيل إزالتها بقرار أو برغبة.
 
والأمر ناشئ، من بين عوامل أخرى، إلى حقيقة تعايش بنى اجتماعية مختلفة أو متنوعة في المجتمع الواحد، ينتسب بعضها إلى مراحل تاريخية سابقة، وقد تضعف بعض هذه البنى أو تتآكل صلابتها في الواقع، لكن تأثيرها، بوصفها مكونات ثقافية، يظل وطيداً وقوياً وفعالاً في الأذهان، وبالتالي فإنها قادرة على الاستمرار في تقديم هوياتها الثقافية الفرعية متحاشية الانصهار في بوتقة واحدة داخل المجتمع.
 
في البحث المشار اليه ينبهنا الباحث إلى رأي للأستاذ قيس النوري يؤكد فيه على أهمية الديمقراطية في مجتمع التعددية، وعلى قدرتها الكبيرة في تحقيق التواصل والتكامل بنيوياً ووظيفياً، فالمجتمعات التي تتنوع تكويناتها الاجتماعية تقتضي ديمقراطية ناضجة يمكنها أن تعني بالتعدد الثقافي وما يقترن به من تنوعات اجتماعية وفكرية.
 
وهذا يفسر لنا ولو إلى حد معين انتعاش الانتماءات الفرعية أو الجانبية خاصة في فترات الأزمات والاحتقانات الاجتماعية وطغيانها على حالة الانتماء للدولة، فيما مهمة الدولة أن توسع قاعدتها الاجتماعية ونطاق تمثيلها لتغطي مساحة بمساحة المجتمع كله، بحيث لا تعود أي فئة أو مجموعة مسكونة بالشعور بأنها خارج هذا التمثيل.
 
حرر في 26 فبراير 2012

اقرأ المزيد

حوار المشاركة والتوافق والمساواة


لم يعد سراً أن هناك تحركاً يجري – وإن بصمت وهدوء – من أجل إطلاق جولة جديدة من الحوار بين الحكم والقوى السياسية في البلاد، وأن بعض الاتصالات المحدودة والإشارات الصادرة من هذا الطرف أو ذاك توحي بما لا يقبل الشك أن جميع الأطراف المعنية قد توصلت إلى قناعة بعدم جدوى أو قبول استمرار الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الخانقة إلى ما لا نهاية؛ وأن الحملات الأمنية مهما بلغت قسوتها لن تفلح في كسر إرادة الناس المتطلعين إلى الإصلاح والتغيير. لذا بات من الضروري فتح أفق جديد أمام الحلول السياسية والدستورية من خلال إعادة ربط حبل الحوار الذي انقطع بشأن هذه القضايا، وبما يساعد على انتشال البلد من أزمته المستعصية والوصول به إلى بر الأمان. 
  
وإذا ما قُدّر لهذا التحرك الجديد أن ينجح كما نأمل ونتمنى، فسنكون أمام فرصة تاريخية جديدة لا يجب تفويتها أو التفريط فيها، خصوصاً إذا ما تأكد أن قاعدة انطلاقها ستكون باتجاه بناء تجربة ديمقراطية حقيقية ترمي إلى شراكة متساوية وعادلة للجميع، بعيداً عن أية محاولات للتسويف أو شراء الوقت أو المراهنة على بعض التغيرات أو التطورات الإقليمية من هنا أو هناك، لتعديل ميزان القوى في البلاد. فالمعادلة التي يجب أن تحكم كل الأطراف بما فيها الدولة، هي معادلة وطنية خالصة دون التعويل على أية تطورات خارجية. 
  
نقول ذلك ونحن ندرك حجم استفحال الأزمة الراهنة التي وصلت إلى حد لم يعد في مقدور أي طرف تحمل المزيد من نتائجها السلبية وتداعياتها المدمرة للبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما نعرف حدة الخصومة السياسية والاجتماعية بين الفرقاء كافة والتي هدمت معها مع الأسف بعض أسس التعايش وبعض الجوانب الإنسانية والأخلاقية التي طالما كانت مصدر تميز وفخر المجتمع البحريني. 
  
وقد تحتاج هذه التحركات الجديدة بعض الوقت، كما قد تحتاج بعض الصبر والتروي لبلورة أو صياغة أسس وآليات ناجحة للحوار المزمع عقده، وستكون دونه عدة خطوات ومخططات لابد من اجتيازها،
أولاً: سيكون هناك مسألة اختبار النوايا والمقاصد،
وثانياً: مطلوب الوقوف على مدى جدية وصدقية هذا التحرك وأبعاده ومداه، خصوصاً بالنسبة إلى سقف الإصلاحات المتوقعة أو المأمولة.
وثالثاً: سيكون من الضروري إعادة بناء جسور الثقة التي تصدّعت وتهدّمت بين هذه الأطراف منذ أحداث العام الماضي، مع كل ما رافقها من إغراق البلد في حالة الانقسام والتمزق الطائفي والسياسي، بفعل سطوة الطائفية السياسية، التي أصبح صوتها أكثر حضوراً وضجيجاً، وأكثر تأثيراً في الساحة الوطنية، وبفعل ما خلفته بعض تلك الإجراءات والقرارات التعسفية التي صادرت حرية الناس واعتدت على أرواحهم وممتلكاتهم، وقامت بمعاقبتهم بصورة جماعية وقطع أرزاقهم دون وجه حق. 
  
 واستطراداً يمكن القول إنه مهما بلغت قتامة الوضع، ومهما كانت قوة اليأس والإحباط المتسرب إلى النفوس، يبقى الأمل موجوداً ومعقوداً على الحوار والتوافق على أسسه وآلياته، وعلى النتائج المتوقعة منه. ودعونا قبل التطرق إلى هذه الأسس التي نعتقد بضرورة اعتمادها في جولة الحوار المقبلة، أن نشير إلى بعض الملاحظات التي تصب في مجرى تقوية فرص نجاح الحوار الذي ينبغي أن يكون هدف الجميع، في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة التي يمر بها بلدنا. 
  
الملاحظة الأولى: نطالب فيها الدولة بأن لا تكتفي كما حصل في المرة السابقة (حوار التوافق الوطني) بالجوانب الاحتفالية والإعلامية وحدها في تعاطيها مع هذه الفرصة الجديدة التي تخاطب الخارج فقط ولا تقدّم أية إنجازات واقعية وحقيقية في الداخل، لأنها تركز على الشكل وتتجاهل النتائج والمضامين الرئيسية لهذا الحوار. ففي المرة الأولى كشفت الحصيلة النهائية لمؤتمر الحوار طبيعة الخلل في هذه المسألة والتي كانت وراء تواضع النتائج وفشلها بالتالي في تغيير الواقع القائم أو الانتقال به إلى وضع أفضل، لأن هذه النتائج وببساطة لم تكن تعبّر عن رؤى وإرادة قوى التغيير الديمقراطي وجماهيرها التي قادت الحراك الشعبي في البلاد، وطالبت بإجراء إصلاحات جوهرية وحقيقية. 
 
ولتفادي أي خلل من هذا النوع في هذه المرة، يجب أن يكون برنامج العمل مقتصراً على الموضوعات السياسية دون غيرها، وبعيداًً عن أي صخب إعلامي، وأن تكون القوى المشاركة هي القوى السياسية المعنية دون إقصاء أو استبعاد لأحد منها. 
 
الملاحظة الثانية: نطالب فيها جميع الأطراف المشاركة في الحوار التي عليها أن تنطلق من رغبة صادقة واستعداد جاد لبحث كل الملفات السياسية والدستورية التي تراكمت منذ عقود، وكانت وراء تفجر الأزمة الأخيرة في البلاد. وأن تعي هذه الأطراف بمختلف مشاربها وتوجهاتها السياسية، أن ما حصل ويحصل في البحرين هو صراع سياسي ليس له علاقة بالانتماءات الدينية أو المذهبية، أي أنه صراع بين قوى تطالب وتعمل على تجديد الواقع من خلال معالجة الأوضاع الخاطئة وغير الديمقراطية بكل عناوينها وإفرازاتها السلبية، من تهميش وقمع واستئثار بالسلطة والثروة، وتمييز طائفي وسياسي؛ وبين قوى لا تريد أي تغيير يخدم العدالة والمساواة، ويقود إلى الديمقراطية ويحقق مبدأ التداول السلمي للسلطة. لذلك لا ترى هذه القوى أية غضاضة في قمع أو إجهاض مطالب التغيير السلمي، ولا تمانع في المغالاة في استخدام القوة الأمنية أو اللجوء إلى الحسم الأمني للقضايا المطلبية العادلة. 
 
الملاحظة الثالثة: نخاطب بها كل الأطراف دون استثناء، التي يجب أن تقر دون مكابرة أو إنكار، بأن ما يجري في البلاد، منذ 14 فبراير العام الماضي هو جزء من «مخاض» التحركات والثورات العربية الساعية إلى الإصلاح والتغيير، ونطالبها بأن لا تكون أسيرة للقلق أو الخوف المصطنع من طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمر بها البلد حالياً، مهما صاحبها من صعوباتٍ أو تضحيات، فهذه طبيعة المراحل الانتقالية التي عادةً ما تتأرجح بين الفوضى والاستقرار، بين الأمل والتشاؤم، وبين الأرباح والخسائر. 
  
ويبقى المهم في كل هذا، توفر الإرادة السياسية الصادقة لدى الحكم أولاً وعند جميع القوى والأطراف المعنية لمغادرة هذه المرحلة بأسرع وقت ممكن، وبأقل الأضرار، للوصول إلى حياة سياسية مستقرة ومنتظمة، تطوّر وتجدّد ذاتها مع الوقت، دون أية هزات أو مضاعفات سياسية أو اجتماعية كما حصل في الأزمة الأخيرة. وليس هناك من طريق يمكن أن يوصلنا إلى هذه الغاية سوى طريق الحوار الجاد، الذي يمثل بحق أفضل وأقصر الطرق – إذا ما خلصت النوايا – لإقامة نظام سياسي ديمقراطي ودستوري تتوافر فيه قيم المساواة والعدالة، وتتحقق من خلاله مبادئ المواطنة الدستورية التي تعني مشاركة الجميع في السلطة والثروة والأمن. 
  
 سنتوقف عند هذه الملاحظات، على أن نعود في المقالة القادمة لنتناول الأسس والمبادئ التي يمكن – وفق اعتقادنا – أن تشكّل إطاراً موضوعياً وعملياً لأي حوار وطني جاد وناجح 
 

صحيفة الوسط البحرينية – 21 فبراير 2012م 


 


من أجل حوار وطني مثمر
 
في المقال السابق حاولنا من خلال بعض الأفكار والملاحظات العامة رسم خط سير للحوار كما نتصوره، ولأن معادلة هذا الحوار لا يمكن أن تكتمل بطرف واحد، سنحاول في هذا المقال التطرق بشكل مختصر ودون الاستغراق في التفاصيل إلى أهم الأسس والمبادئ التي نجزم بأنها تمثل الطرف الثاني، والأهم في المعادلة التي يمكن أن تكون بمثابة خريطة طريق للمتحاورين لضمان بلوغ الغاية الحقيقية للحوار، سواءً اتخذ هذا الأخير الصورة العلنية أو تم بعيداً عن الأضواء. 
  
فيما يتعلق بالأسس هناك أولاً القاعدة التي سينطلق منها المتحاورون. والتي يحب أن تكون قاعدة وطنية وليست دينية أو مذهبية، وهو ما يستوجب رفض أسلوب المحاصصة الطائفية، كونه يتعارض مع مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية التي تتصدر مطالبنا الإصلاحية. وهذا يعني أن الأطراف والقوى المعنية ستشارك وفق انتماءاتها الوطنية والسياسية وليس المذهبية، كما يريد البعض منها. لذلك عليها أن تقدم تصوراتها ومقترحاتها للحلول السياسية المتعلقة بشأن مستقبل الحياة السياسية وفق هذا المنظور الوطني. 
  
ثانياً: مطلوب من الدولة تهيئة أجواء الحوار وخلق الأرضية المناسبة والمساعدة على لمّ الشمل، وإعادة بناء جسور الثقة التي تصدعت بين المكونات السياسية والمجتمعية ذاتها من جهة وبين هذه الأخيرة والسلطة السياسية من جهة ثانية. وعلى صلة بهذه المسألة المهمة، فإن الدولة مطالبة بالتقيد بالأطر القانونية والإنسانية في تعاملها مع قضية المعتقلين السياسيين والمفصولين من وظائفهم في القطاعين العام والخاص.
 
وثالثاً: مطلوب من جميع القوى المنضوية والمتصدية للحوار الالتزام بقيم التسامح والابتعاد عن لغة التحريض والتمادي في وضع الشروط التعجيزية التي يراد منها إفشال عملية الحوار قبل أن تبدأ. لذلك على هذه القوى أن تثبت حسن نواياها بنزع «رايات» التعصب الطائفي ومغادرة عقلية الثأر والانتقام التي ميزت خطابها وسلوكها طوال فترة الأزمة، والتي كانت تستهدف بعض مكونات وفئات المجتمع والقوى السياسية المعارضة بشكل فاق كل تصور وتجاوز كل منطق. 
  
رابعاً: وأخيراً ضرورة أن تقر القوى المشاركة اعتماد مبدأ الحلول التوافقية، أي الحلول القائمة على «بنيات وطنية» داخلية وآليات دستورية، تعتمد مبدأ الشعب مصدر السلطات، الذي يعطي الشعب حق تطوير نظامه السياسي وفق ما جاء به ميثاق العمل الوطني الذي توافق عليه شعب البحرين والقيادة السياسية. كما أن هذا المبدأ يستوجب أخذ موافقة الشعب في كل القضايا المصيرية التي تتعلق بحاضره ومستقبله، سواءً تم ذلك بالصيغة الانتخابية المباشرة، أو بصيغة الاستفتاء العام. 
  
فالتمسك هنا بالمسألة التوافقية، تعني القبول بمبدأ التسويات والتنازلات المتبادلة، وهذه قضية أساسية تكتسب في الظروف الراهنة أهمية خاصة، نظراً لعمق الخلافات بين قوى المجتمع السياسية والاجتماعية، في ظل مجتمع ممزق ويفتقر إلى وعي التعامل مع أصول السياسة وقواعدها المتعارف عليها، إلى جانب طغيان أجواء من الاحتقان الطائفي والتوتر المذهبي داخلياً وإقليمياً. ولكل هذه الأسباب نحن ندعو جميع القوى إلى اعتماد آلية التوافق والتراضي، باعتبارها إحدى الآليات العملية والمشروعة في مقاربة الخلافات وحل المنازعات، والوصول إلى حلول وتسويات دون إبخاس حق أحد أو الانتقاص من دوره المفترض في إدارة شئون البلاد على كل المستويات. 
  
هذا ما يتعلق بالأسس، أما المبادئ العامة، التي تشكل جوهر أي حل قادم للمعضلات السياسية والدستورية التي تعاني منها البلاد، فتتلخص أولاً في التعديلات الدستورية التي يجب إدخالها على دستور 2002، والتي لا يجب أن تتوقف عند الحدود الشكلية والمتواضعة التي خرج بها مؤتمر الحوار الوطني السابق، وقامت الحكومة قبل أيام بتقديمها إلى مجلس النواب لإقرارها، وتم تأجيل مناقشتها مدة شهر لإفساح المجال لتطويرها وفق تصريحات بعض الجهات الرسمية وعدد من النواب. وعلى ما يبدو أن قرار التأجيل هو قرار حكومي بالأساس، وجاء على خلفية ما يجري التحضير له من جولات حوار قادم مع القوى السياسية المعارضة التي رفضت تلك التعديلات الشكلية، لأنها لا تستجيب لمبدأ المملكة الدستورية التي نص عليها ميثاق العمل الوطني خصوصاً في مسألتي صلاحيات البرلمان المنتخب والحكومة التي تمثل إرادة المواطنين. 
  
وهذه النقطة تقودنا إلى المسألة الأخرى التي ينبغي التوافق بشأنها وهي انتخاب مجلس النواب بالصيغة التي تجعله ينفرد بكل الصلاحيات التشريعية والرقابية، وما يتبع ذلك من ضرورة وجود نظام انتخابي عادل يساوي بين أصوات المواطنين ويعتمد وجود دوائر انتخابية تتصف بالعدالة والتوازن وتسمح بتمثيل كل فئات ومكونات الشعب في البرلمان. باختصار، يجب فتح الباب أمام حياة انتخابية حقيقية، أما القضية الأخرى التي ينبغي التوافق عليها نظراً لأهميتها وحجم الخلاف الجاري حولها، هي قضية الحكومة التي تمثل إرادة الشعب والتي يجب أن تحوز على ثقة البرلمان وتخضع لمحاسبته ورقابته أيضاً، على مستوى الوزراء وعلى مستوى برنامج العمل السياسي المقدم من جانبها. 
  
ان هذه المبادئ التي أشرنا إليها بشكل عام هي في الواقع المبادئ نفسها التي تضمنتها مبادرة سمو ولي العهد بنقاطها السبع المعروفة، التي قبلتها القوى السياسية المعارضة في حينها ورحّبت بها، وليس كما يشاع أو يروج له بأنها قد رفضتها. 
 
وأخيراً لابد من الإشارة إلى مجموعة أخرى من المبادئ العامة التي ينبغي استحضارها والاهتمام بها أيضاً، كخطوات مكملة لسد أية ثغرة محتملة في الحياة السياسية والاجتماعية المقبلة، بعضها يتعلق بتطوير المستوى المعاشي للمواطنين في كل المجالات، وأخرى تهتم بمبدأ المواطنة الدستورية التي تجعل المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس المذهب أو العرق أو الجنس. وكذلك المحافظة على التوازن السكاني والهوية الوطنية للبحرين من خلال إعادة النظر في سياسات التجنيس والحد من العمالة الوافدة والتأكيد على مبدأ الانتماء العربي للبحرين وتعزيز علاقاتها القومية كونها جزءاً من منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربي. 
 
إن التوافق على هذه القضايا يضمن إقامة نظام ديمقراطي تعددي يصون حقوق كل مكونات وأطياف المجتمع دون تهميش أو إقصاء، ويضمن كذلك وحدة شعبنا وسيادة وأمن وطننا 
 

صحيفة الوسط البحرينية – 24 فبراير 2012م
 

اقرأ المزيد

افتراضات مفتوحـة


من يقرأ الساحة السياسية في البحرين في الوقت الراهن بعقل منفتح لا يمكنه أن يرى غير أربعة احتمالات للخروج من الأزمة التي استمرت لعام كامل ويمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية إن لم يتم التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف.
 
الاحتمال الأول هو أن يبقى الوضع على ما هو عليه دون تغيير ما يعني المزيد من الخسائر في الأرواح وسقوط المزيد من الجرحى وتأزم الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي واستمرار الحديث عن البحرين كبؤرة متأزمة ما يبعد الاستثمارات الأجنبية والمحلية عن التفكير في البحرين كمحطة يمكن الوثوق بإمكانية طرح المزيد من الأموال فيها على المدى المتوسط على أقل تقدير.
 
الاحتمال الثاني هو أن تطرح الحكومة حزمة من الإصلاحات السياسية بشكل منفرد دون التشاور مع الأطراف المعنية كأمر واقع يفترض أن يقبل بها الجميع، وهو ما حاولت فعله من خلال حوار التوافق الوطني الذي غلب فيه طرف موالٍ للحكومة على بقية الأطراف ولم يفضِ إلى ما أُريد منه ولم يقنع أحدٌ بجديته غير قوى الموالاة، حيث انسحبت القوى المعارضة منه بعد أن رأت أنه لا جدوى من الاستمرار فيه، بدليل أنه لم يتم التوافق على أي مقترحات تقدمت بها المعارضة.
 
أما الاحتمال الثالث فهو دعوة الحكومة لحوار وطني آخر وبالروح والتوجه نفسهما الذي تم به الحوار الأول بحيث يغلب رأي على الآخر من خلال اختيار أطراف الحوار لكي يفضي إلى حلول تم الاتفاق عليها بشكل مسبق وهو احتمال تمت تجربته ولم يفضِ إلى شيء.
 
الاحتمال الرابع هو المصالحة الوطنية ودخول الحكومة مع المعارضة الوطنية دون إضافات مصطنعة لا تضيف بقدر ما تصنع عراقيل بحيث يتم تحييد هذه الإضافات الطارئة بعد أن لعبت الدور المرسوم لها وقدمت ما يفترض منها تقديمه.
 
من يقرأ الساحة السياسية بواقع لا يمكن له إلا النظر إلى الاحتمال الرابع كمخرج للأزمة البحرينية، إن كان يرى ما يحدث الآن هو أزمة أما من يرى بأن ما يحصل هو نتيجة إملاءات خارجية ويبني برنامجه السياسي على هذا الأساس فعليه أن يعيد حساباته وأن يضع له الخطة (ب)، فهناك حديث عن أن الحكومة تتحاور الآن مع قوى المعارضة بعيداً عن أي طرف آخر فماذا سيكون موقف هذا الطرف بعد أن يتم التوصل إلى حلول لم تأخذها في الحسبان؟
 
يجب على الجميع أن يفهم بأن لدى الحكم مصالحه ولدى المعارضة مطالب حقيقية وأن التوصل لحل يرضي الطرفين ليس بالمستحيل.
 
في الأيام القليلة الماضية خرجت تصريحات ومعلومات عن أن الحكومة بدأت بمفاوضات مع القوى المعارضة وتم الاجتماع مع جمعية الوفاق والقوى الديمقراطية كل على حدة للخروج من الأزمة وبما يضمن المزيد من الحريات والديمقراطية والتعديلات الدستورية المطلوبة بما يعطي دفعة جديدة للمشروع الإصلاحي، نتمنى ذلك لخير البحرين ولخير شعب البحرين.
 

صحيفة الوسط البحرينية – 21 فبراير 2012م
 

اقرأ المزيد