المنشور

شقاء الوعي


إلى جان بول سارتر تنسب المقولة الشهيرة في تعريف المثقف بأنه الشخص الذي يقوم بمهامٍ لم يكلفه بها أحد. لم يكن سارتر يسخر، بل كان أميل إلى الشفقة على هذه الفئة المبتلاة من البشر، التي وصفها بأنها “الضمير الشقي”.
 
 أما كيف يكون المثقف ضميراً شقياً، فذاك ما نجد جواباً له قاله، قبل سارتر، الروائي الشهير ديستوفسكي في كتابه “ملاحظات من العالم السفلي”، حين سعى للتفريق بين نمطين من البشر: نمط يتأمل ونمط يفعل.
 
 يقول ديستوفسكي: “أقسم يا سادة أن شدة الوعي مرض، ومن يستطيع أن يفخر بمرضه؟ هل تعرفون، يا سادة، ربما أعتبر نفسي إنساناً ذكياً فقط لأنني لم أتمكن طيلة حياتي أن أبدأ أو أكمل أي شيء”.
 
يمكن للوعي أن يتحول الى مشكلة حقيقية، ويعوذ المرء بنفسه أن يمجد الجهل، ولكن الجهل يبدو في لحظة من لحظاته، بل إنه غالباً، ما يتحول الى نعمة بالنسبة لصاحبه. الإنسان الجاهل، أو الجاهل بالأمور إن أردنا تعبيراً أكثر تهذيباً، هو شخص قنوع راضٍ دائماً عما حوله، إنه بالأحرى لا يشغل باله بالبحث أو التنقيب أو التساؤل أو التحري، كل ما هو معطى هو حق بالنسبة له غير قابل للجدل أو النقاش، أما الإنسان المصاب بلوثة الوعي فإنه إنسان حائر، قلق، يطحنه التمزق بين وعيه وبين ما يراه أو يعيشه. “إن الوعي الزائد يمكن أن يكون عدواً يتربص في الأعماق، الوعي يمكن أن يكون عذاباً وجحيماً أرضياَ” هكذا تقول إحدى الكاتبات.
 
يحدث ذلك لأن الوعي بالأشياء يخلق حرقة، فهو مبني على رغبة تصد دائم في البحث عن الأفضل والأحسن والأجمل والإنسان الواعي له نظرة أبعد وأشمل، تتخطى المعاش وتتطلع نحو البعيد. نظرة تفحص تحلل وتقارن وتنقد وتقترح البديل، لكن الوعي منبوذ دائماً شأنه شأن كل القيم والقضايا الجميلة.
 
 وللواعين دائماً حاسة نقدية إزاء الظواهر والقضايا. إنهم يمتلكون تلك المقدرة المدهشة في النفاذ الى عمق الأشياء، إلى جوهرها، ولديهم الجرأة والشجاعة على الإمساك بالجمر ضريبة بحثهم عن الحق وعن الحقيقة، وهم اذ يلقون بأنفسهم في خضم المجهول، فذاك لأنهم لا يقيمون كبير وزن لما عليهم أن يتحملوه لقاء انسجامهم مع ذواتهم، في مواجهة الزائف والهش والمبتذل والسوقي والتافه والسطحي والاستعراضي.
 
 إبن خلدون، وهو يسعى لتصنيف المثقفين (العلماء بلغته ولغة عصره) في “المقدمة”، وضعهم في خانة الخاصة لا العامة، لكنه ذهب المذهب نفسه حول شقاء المثقف، فقال: “اشتهر بين الناس أن الكامل في المعرفة محروم من الحظ، وأنه قد حوسب بما رزق من المعرفة، واقتطع له ذلك من الحظ”.
 
وفي كتابه ” تكوين العقل العربي”، خصَّ محمد عابد الجابري هذه الفئة بفصل كامل عنْوَنهُ ب”الأعرابي صانع العالم العربي”، قال فيه:”مع تزايد الإقبال على الأعرابي والتنافس عليه والاجتهاد في استرضائه أخذ يكتسب وعياً بأهمية وقيمة نطقه، وأصبح يشعر أنه يملك شيئاً قابلاً لأن يُطلب له الثمن”، ويحدثنا التاريخ عن أعراب رحلوا إلى البصرة أو إلى الكوفة للإقامة فيها كرواة للغة وباعة للكلام.
 
 هؤلاء الباعة لم ينقرضوا، مثلهم يوجد الكثيرون حتى اليوم.
 

اقرأ المزيد

خاطرة إلى الحبيبة في عيد ميلادها


المد الهائج بالموج الملتف على وجهك، وفي فمك المطرز بعبارات وطنية، يحتوينا بشوق نحو ميلادك المعطر بعطر الرفاق الأوائل، مد يصعد بنا جنة الدنيا، نشوة النصر.

وحين يأتي جزرك حبيبتي، ثاقبا نحو مد عال، مطرزا بحروف أممية  يحتوينا نحو فجر جديد، نبتسم للحياة،  لفكرك المنير،  لشعر سعيد، لصلابة هاشم.
 
لك العذر سيدتي أن يكون كفاحك ما بين مد وجزر، فالمد والجزر يحرك الحياة، ومن مد البحر صار الموج موسيقى، ومن جزر البحر صار لأبي صيدا، ومن البحر كله صار للناس غذاء ومصيفة.
 
آه من موج البحر مات على جدار المالكية، وعند سواحل الحد، يعيش يتيما من فقراء الناس في جزر الأمواج، وفي مسقط راسي تخبو فرحة أطفاله في العيد في رمي الضحية ، إذ صار البحر تجاريا للاستثمار .

لكن مد الناس، وجزر الناس ظل يموج بالموج، وجزرك ومدك حبيبتي ( جتوب )، يحدده قلبك المثقل بهم الناس الحالم بوطن حر وشعب سعيد  .
سبعة وخمسون عاما ومازلنا نحبك أيتها الأوكسجين.

اقرأ المزيد

حـمـايـــــة المــال العــــــام !


بمجرد ان تقرأ او تسمع عن تصريحات نيابية تلعلع بعد كل جلسة برلمانية خاصة اذا ما كانت هذه التصريحات لها علاقة بالفساد المالي والمساءلة والمحاسبة تصاب بإحباط شديد؛ لان مثل هذه التصريحات التي اعتدنا على سماعها منذ بداية الفصل التشريعي الأول إلى الآن لم تحرك ساكنا، وبعبارة أخرى وبالعربي الفصيح لم تمضِ في طريق التنفيذ والتطبيق.

 هكذا تقول لنا التجربة كسلطة منتخبة تمثل الارادة الشعبية ولا ننتقص من هذا النائب أو ذاك وانما كل ما نريده ان تعمل هذه السلطة في إطار مهماتها الرقابية والتشريعية، ولن يتأتى ذلك بالتهديد والتصريحات التي لا تفيد ولا تنفع أو كما يقول اهل الخليج «لا تودي ولا تييب» وانما بالأفعال لا بالأقوال تلك هي المسؤولية البرلمانية.

هذا الكلام اشرنا اليه واشار له غيرنا أكثر من مرة وما يعنينا هنا كل التصريحات التي «تردح» ليلا نهارا بمحاسبة المتلاعبين بالمال العام، والحديث هنا يجرنا الى نداء وجهه النائب عادل العسومي – الذي نكن له التقدير لرئيس مجلس المناقصات ووزير المالية وفحوى هذا النداء «التدقيق على تصرفات وقرارات بعض الوزراء الذين اصبحوا يقدمون مصلحتهم الشخصية على مصلحة الوطن ويتحايلون على القانون لمكاسب شخصية في المناقصات والمصروفات ما يكلف ميزانية الدولة ملايين الدنانير، وأكد ايضا « بأن مجلس النواب يرصد باستمرار هذه التجاوزات الصارخة، وفي مقابل ذلك اشار النائب كما نشر في احدى الصحف المحلية بان اطلاق هذا النداء يأتي احتراما للوزارات المعنية التي هي محل ثقة مجلس النواب ورغبة في ايقاف التجاوزات قبل ان تتفاقم، مضيفا بان مجلس النواب يتدرج في استخدام الادوات البرلمانية عند حدوث تجاوزات وعندما تتفاقم المشكلة نضطر للتشديد في المحاسبة حفاظا على المال العام ومصلحة الدولة العليا، وأكد ايضا بان مجلس النواب سيستخدم الادوات الدستورية والقانونية لمحاسبة المتلاعبين!!).
 
ومع اهمية كل ذلك نقولها وبالفم المليان نصاب بخيبة امل كلما نسمع عن محاسبة المفسدين ومع ذلك نشد على ايدي النواب خاصة اذا ما كانت مساءلة المتسببين في هدر المال العام تتبعها محاسبة لا تعرف الاستثناءات، اساسها ينطلق من مبدأ الشفافية واحترام القانون، وفي ذات الوقت نقول لأصحاب السعادة: ان التشريعات لا تسن من اجل ان تظل محفوظة في الادراج بل انها توضع لتطبق، وبالتالي لا ندري الى الان لماذا لم يحاسب اي متلاعب بالمال العام!! في حين ان الكل يعلم علم اليقين ان مثل هذه التجاوزات موجودة في اغلب الهيئات الحكومية، والشاهد على ذلك تقارير ديوان الرقابة المالية، وفي هذه الحالة لماذا ومنذ ثماني سنوات وهذه التقارير تصدر سنة تلو الاخرى والى الان رغم تحديدها لمواطن الخلل بشكل واضح وجلي لم يتخذ البرلمان موقفا واضحا في تطبيق المحاسبة على تلك الجهات المخالفة!! وهذا يعني اما كل شيء عندنا يسير وفق القانون أي «كل شيء تمام» أو التقصير في تطبيق القانون!!
 
على اية حال لا نريد ان نوزع الاتهامات على النواب او نصدر احكاما سلبية مطلقة بحق ممثلي الشعب وانما كما اشرنا سلفا لماذا كل هذه التهديدات والتصريحات في حين اننا والى هذا الوقت لم نستجوب ونحاسب مسؤولا له علاقة بهدر المال العام؟! ومن هنا، فان التصريحات النارية بالمحاسبة لا قيمة لها ما لم نكن قادرين على تفعيلها.
 
ومن المؤلم في الامر ان المتسببين في هدر المال العام يسرحون ويمرحون وان كانت هناك رقابة الا ان المحاسبة ما تزال قاصرة!!
 
مرة اخرى، اذا ما اردنا ونحن نتناول قضية التلاعب بالمال العام باعتبارها فسادا ماليا من مهام النواب استخدام الادوات البرلمانية عند حدوث مثل هذه التجاوزات فان اهتمام العسومي او غيره من النواب باستخدام الادوات الدستورية والقانون لمحاسبة المتلاعبين بالمال العام نأمل ولحماية هذا المال ان يدخل حيز التنفيذ، هذا ما أكد عليه المشروع الاصلاحي، ومع ذلك فقد كانت مبادرة النائب المذكور أعلاه خطوة ايجابية لعلها تفتح طريق المحاسبة.
الأيام 18 فبراير 2012
 

اقرأ المزيد

الاعتبارات الدستورية المنسية !


 على الرغم من عدم اكتمال الطابع الديمقراطي البرلماني لنظامنا الدستوري، خصوصا في ظل غياب التنظيم الحزبي للحياة السياسية وانعدام آلية التداول الديمقراطي للسلطة التنفيذية، إلا أنّ هناك اعتبارات دستورية مهمة لابد من مراعاتها عند تشكيل الحكومة وفي أسلوب عملها… غير أنّه، مع الأسف، فقد جرى تجاهل هذه الاعتبارات لسنوات طويلة وفي معظم التشكيلات الحكومية المتعاقبة ما يوجب التذكير وإعادة التذكير بها.
 
وأول هذه الاعتبارات، ما أوجبته المادة 57 من الدستور في شأن تشكيل الحكومة في بداية كل فصل تشريعي جديد لمجلس الأمة؛ وما تمّ توضيحه في المذكرة التفسيرية من أنّ “تجديد الانتخاب معناه التعرّف على الجديد من رأي الأمة، وهذا الجديد لا يصل إلى الحكومة إلا بإعادة تشكل الوزارة وفقا لاتجاهات وعناصر المجلس الجديد”، بل تضيف المذكرة التفسيرية للدستور أنّ “أمير البلاد يراعي عند إعادة تشكيل الوزارة في هذه الحالة الأوضاع الجديدة في المجلس النيابي وما يقتضيه الصالح العام من تعديل في تشكيل الوزارة أو تغيير في توزيع المناصب الوزارية بين أعضائها”… وبالتأكيد فقد أفرزت الانتخابات الأخيرة نتائج ذات دلالة وعبّرت عن توجهات جديدة لدى الناخبين لابد من مراعاتها عند تشكيل الحكومة الجديدة، أما تجاهلها فسينعكس سلبا بالضرورة على العلاقة بين المجلس والحكومة.
 
أما ثاني الاعتبارات الدستورية في تشكيل الحكومات، فهو ما جاء في المذكرة التفسيرية للدستور في تصويرها العام لنظام الحكم من أنّه قد “اقتضت ظروف الملاءمة، ومراعاة واقع الكويت كذلك، ألا يُؤخذ على نحو مطلق بالقاعدة البرلمانية التي توجب أن يختار الوزراء من بين أعضاء البرلمان، ومن ثَمَّ تمنع تعيين وزراء من خارج البرلمان، وهي قاعدة ترد عليها استثناءات متفاوتة في بعض الدساتير البرلمانية. لهذا لم يشترط الدستور أن يكون الوزراء أو “نصفهم على الأقل” من أعضاء مجلس الأمة، تاركا الأمر لتقدير رئيس الدولة في ظل التقاليد البرلمانية التي توجب أن يكون الوزراء قدر المستطاع من أعضاء مجلس الأمة”… ولعلّ هذا التوجيه الدستوري في شأن التقاليد البرلمانية بأن يكون الوزراء قدر المستطاع من أعضاء مجلس الأمة لم يُراع إلا في التشكيل الحكومي اللاحق لانتخابات مجلس الأمة في الفصل التشريعي السابع بعد التحرير وعودة العمل بالدستور في العام 1992، الذي ضم حينذاك ستة من الوزراء النواب، ثم تقلص عددهم إلى أربعة في تعديل الوزاري الذي أجري في العام 1994، وبعدها تمت العودة إلى أسلوب “الوزير المحلل”، بالاكتفاء بتوزير أحد النواب، بحيث أصبحت قاعدة التوزير من بين النواب استثناء؛ وأصبح الاستثناء بالتوزير من خارج المجلس قاعدة!
 
والاعتبار الدستوري الثالث، أنّ رئيس مجلس الوزراء ليس رئيسا للوزراء، مثلما هي الحال في بعض البلدان، وإنما هو رئيس لكيان دستوري قائم بذاته هو مجلس الوزراء  الذي يضمّه مع زملائه الوزراء جميعا… وقد حدد الدستور صلاحيات رئيس مجلس الوزراء في ترشيح أسماء أعضاء الوزارة، وكون الرئيس إلى جانب الوزراء مسؤولين بالتضامن أمام الأمير عن السياسة العامة للدولة، إلى جانب ما أوردته المادة 127 من الدستور بأن “يتولى رئيس مجلس الوزراء رئاسة جلسات المجلس، والإشراف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة”، وأخيرا ما قررته المادة 128 من أنّه عند تساوي الأصوات داخل مجلس الوزراء، وليس في أي حالة، يُرجّح الجانب الذي فيه الرئيس… ولكن التجربة الملموسة تظهر أنّ سلطات رئيس مجلس الوزراء في الكويت أصبحت تتخطى بكثير ما كان قد رسمه الدستور لها من حدود، فقد أصبح رئيسا لمرؤوسين!
 
والسؤال الآن، ترى هل ستراعى هذه الاعتبارات الدستورية التي طالما تمّ تجاهلها في التشكيل الحكومي الجديد؟ أم أنّها أصبحت مع مرور الوقت نسيا منسيا؟!
 
عالم اليوم
14 فبراير 2012

اقرأ المزيد

إعادة تشييد ذاتنا الوطنية


حين التبصر في أمر كتابة تاريخ بلداننا العربية، خاصة منها تلك التي شهدت تبدلات في أنظمتها السياسية عبر ثورات أو انقلابات وما إليهما، سنجد أن كتابة هذا التاريخ تعاني من معضلة حقيقية.
 
فمازال هذا التاريخ يقدم بصورة انتقائية أو أحادية، تتسق مع ما يمكن تسميته الرواية الرسمية، وهي رواية لا تتطابق، بالضرورة، مع الحقيقة التاريخية، وإن تقاطعت معها في بعض الأوجه، كما أنها لا تتسق مع التحولات الكثيرة الجارية في بلداننا ومن حولنا، وبالتالي فنحن لسنا إزاء تاريخ واحد، وإنما إزاء عدة تواريخ، ولسنا نعني هنا تعدد التواريخ بتعدد الوقائع، وانما تعدد القراءات التاريخية للواقعة نفسها، وهو تعدد قد يبلغ حد طمس الواقعة ذاتها من قبل بعض من يكتبون التاريخ.
 
التاريخ ليس ملكاً لحزب أو جهة من الجهات أو سلطة من السلطات، وإنما هو حق مشاع للجميع، وبالتالي فان هذا التاريخ يحتمل، لا بل يجب أن يحتمل، المقاربات المختلفة، المتعددة، التي حتى لو لم تغطِ الحقيقة كاملةً، فانها تجعلنا في منطقة أقرب إليها، بالقياس إلى ما لو اعتمدنا قراءة واحدة، هي القراءة الرسمية.
 
نحن، معشر العرب، في حاجة إلى نظرة جديدة في التعاطي مع هذا الجانب، تتسع لتشمل مختلف المراحل والوقائع التي باتت تاريخاً، مع التوقف عند المساهمات المتعددة لمختلف القوى في صنع هذا التاريخ، الذي هو معطى جماعي، وليس حيزاً ضيقاً خاصاً بفئة من الفئات أو فرد من الأفراد.
 
ويتطلب هذا الاعتراف بالتاريخ بوصفه الرافعة أو القاطرة التي أخذتنا إلى الراهن، لذا يبدو منطقياً أن نطالب بأن نرى مقررات التاريخ في مناهجنا الدراسية وقد صيغت بروح أخرى وبرؤية أكثر شمولية وموضوعية، وأن يصار إلى تعريف الأجيال الجديدة بالتاريخ الذي صنعه أسلافهم والذي في نتاجه تشكلت صورة بلداننا اليوم.
 
معضلة الأحادية الفكرية والثقافية والسياسية التي يجري فرضها قسراً على الأفراد والمجتمعات تجد لها تجليات صارخة أيضاً في التعاطي مع التاريخ وكتابته، حيث يجرى إقصاء صفحات أو جوانب منه، لصالح تسييد نظرة بعينها.
 
في اللغة الروسية تعبير جميل على صلة بالأمر، يصف الصفحات المقصاة من التاريخ بـ «البقع البيضاء»، أي تلك التي بحاجة لمن يملأها بالقول، عن حقيقة ما جرى في المراحل التاريخية التي ترمز لها هذه البقع، التي جرى التواطؤ على السكوت عنها.
 
نحن في أمس الحاجة إلى جهود كبيرة في كتابة تاريخنا، بشكل يليق بكل ما في هذا التاريخ من ثراء وغنى بالوقائع والدروس لبلوغ ما يمكن وصفه بإعادة تشييد ذاتنا الوطنية الجماعية، وهذا التشييد يتطلب الاعتراف بالتنوع الذي يسم مجتمعاتنا، ليس فقط بهدف التصالح مع هذا التاريخ، وإنما بهدف التصالح مع الذات الجماعية، خاصة في المجتمعات التي شهدت أو تشهد انقساما على نفسها، كما هو حالنا الآن في البحرين، فمثل هذا التصالح ضروري لبلوغ ما هو أهم، أي المصالحة الوطنية، فما أسهل المكابرة والتحصن في خندق يواجه خندقاً آخر، ولكن هذا الطريق السهل هو طريق الخراب، بينما يؤدي الطريق الآخر، الصعب، إلى باب النجاة.
 

اقرأ المزيد

القضية السورية


لم يحدث في تاريخ المنطقة العربية الحديث أن حظيت قضية بمثل هذا الاهتمام والتكالب والتداعي والمتابعة وتخصيص الموارد، كما تحظى به اليوم القضية السورية التي تحولت الى هدف مركزي في كل التحركات السياسية والدبلوماسية والعسكرتارية للقوى الاقليمية والدولية.

حتى قضية الغزو العراقي لدولة الكويت الشقيقة في الثاني من اغسطس 1990، وبرغم القاء الولايات المتحدة الامريكية بكل ثقلها في “معركة” التخلص من نظام صدام حسين، الا أن اهتمام الجامعة العربية بهذه القضية (قضية الغزو العراقي)، على أهميتها العظمى، لم يكن بنفس المستوى من الحماس والدأب والمثابرة والمتابعة الماراثونية الحثيثة الذي تلقاه اليوم “القضية” السورية!

بل وحتى القضية الفلسطينية لم تحظ، وهي في أوج الاحتضان والرعاية العربية التامة لها، بكل هذا الاهتمام والجهد الاستثنائي المكرس تماما والمسنود بمختلف أدوات القوة والدعم والاسناد الذي تحظى به القضية السورية. فلم تكن القضية الفلسطينية لتحظى بأكثر من اجتماعات موسمية تقتصر على القمم “البيانية” الرتيبة والاجتماعات الاستثنائية التي تُعقد اكراها بعد اضطرار الاعلام الحكومي العربي لمجاراة الشارع العربي على استحياء في التعبير الشكلي والجزئي عن امتعاضه واستيائه من الموقف الرسمي العربي المتفرج!

فلقد تم تكريس مؤسسات الجامعة العربية ووقت وجهد طاقمها لمتابعة “القضية” السورية أولا بأول وبسرعة غير عادية، ووضعت مستويات صناعة القرار فيها في حالة انعقاد شبه دائمة وتم اتخاذ المواقف والقرارات “المناسبة” بصورة درامية مدهشة!

الهدف من كل هذه الجهود والتحركات المواظبة والمثابرة، المنسقة اقليميا ودوليا على نحو بديع ومبهر، أصبح واضحا وضوح الشمس بعد أن صار معلنا من دون أية مواربة وعلى رؤوس الأشهاد.. وهو اسقاط النظام السوري واحلال نظام آخر بديل متفق عليه سلفا.

الرئيس الامريكي باراك أوباما صار لا يفوت فرصة الا وشدد فيها على ما أسماه “حتمية سقوط النظام السوري”. وعلى منواله ينسج الرئيس الفرنسي نيكولا سركوزي ووزير خارجيته ألان جوبيه اللذان يبدو انهما فرَّغا وزارة خارجية بلديهما للتركيز على انجاز هذا الهدف. وكذلك يفعل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ووزير خارجيته وليم هيج. وكانت الجامعة العربية قد قفزت بدورها الى هذا الاستهداف العلني والصريح بمطالبتها الرئيس السوري بالتنحي عن السلطة.
المطلوب اذن هو رأس النظام والنظام نفسه وليس الديمقراطية وتحرر الشعب السوري. ومن أجل هذا الهدف، أصبح واضحا ان دماءا سورية غزيرة سوف تسفك وعشرات آلاف الانفس ستزهق وأضعاف أضعافهم سوف يصابون ويشردون وأمهات سوف تثكل وأبناء سيُيَتّمون.

انهم يريدون اعادة سوريا الى العصر الحجري كما قال جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا ابان رئاسة جورج بوش الأب يوم أن التقى طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي آنذاك في أحد فنادق جنيف عشية شن الحرب على العراق في 16 يناير/كانون ثاني 1991. الرئيس أوباما أصبح يكررها دائما “ان سقوط النظام السوري حتمي”! أي اننا مصممون على اسقاطه بأي ثمن.

وكله من أجل عيونك يا اسرائيل التي جندت كل أوراق أوليغارشيتها اليهودية عبر العالم من أجل التخلص من النظام الذي سبب لها صداعا كبيرا بتحالفاته الاستراتيجية ودعمه ورعايته لكافة القوى المقاومة لاسرائيل. وهي فرصة لطالما انتظرتها ولن تفوت الفرصة لاستغلالها.

والحال انه وبسبب هذا الاندفاع المحموم والتعجل من أجل انجاز “المهمة” وتحقيق هدفها المنشود، فلقد تم الزج بثورة الشعب السوري التي بدأت سلمية راحت دوائر مساحتها تتسع رويدا رويدا من جمعة الى جمعة مع انخراط مدن ومناطق وفئات مجتمعية جديدة مترددة فيها، تم الزج بها في العسكرة وتوريطها في متاهات ذات السناريو الليبي على أمل خفره بقرار دولى من مجلس الأمن الدولي، من دون حساب لأية معوقات يمكن أن تعترض طريق هذا السناريو المرسوم أو بالأحرى المنسوخ بالتمام والكمال دون “ابداع”، من السناريو الليبي الذي نجح معدوه ومخرجوه ومنفذوه في تحقيق هدفهم بالتخلص من حكم عائلة القذافي، ولكن الذي بدأت أيضا مفاعيله الكارثية تطل برأسها على مستقبل الاستقرار ووحدة التراب الليبي. لقد ارتكب بعض المعارضين السوريين المقيمين في الخارج أخطاءً فادحة بتهافتهم ودفعهم المتحمس والمتعجل لخيار عسكرة الثورة، فكان لابد وأن تفقد الثورة السورية الكثير من أوراقها، وكان لابد وأن ينتهي بها هذا المآل الى الحرب الأهلية التي يختلط فيها الحابل بالنابل.

وأما التحالف الدولي لاسقاط النظام السوري بزعامة الولايات المتحدة، فسوف يضطر بعد اخفاقه في اضفاء شرعية التدويل على القضية السورية بعد الفيتو الصيني الروسي المزدوج (للمرة الثانية) فسينتقل من الخطة “أ” الى الخطة “ب”، من اسقاط النظام عبر الحرب العلنية الى محاولة اسقاطه بواسطة الحرب السرية، وان تعذر فسيتم العمل على ارهاقه واضعافه وشل حركته بهدف اخراجه من حالة التأهب والاستعداد الدائمين للمجابهة مع اسرائيل وحلفائها الى حالة الانشغال الأهلي الداخلي الخالص وبضمنها بطبيعة الحال الاقتتال طويل الأمد الذي سيحيل سوريا الى حالة جزائرية (أو عراقية) يرفض فيها حزب البعث العقائدي، كما رفضت جبهة التحرير الوطني الجزائرية، الاستسلام لعناصر التمرد المسلح، فيتحول الأمر الى حرب عصابات مسلحة تشنها ميليشيات تتمتع بدعم اقليمي ودولي، سيستنزف خلالها الطرفان نفسيهما ويرهقان بعضهما بعضا الى أن يتحول التمرد المسلح الى جيوب ما سيُصَعِّب  عليه مهمة الحفاظ على الكيان بسبب صعوبة توفر المأوى التضاريسي المناسب كما في الحالة الجزائرية.

اسرائيل طبعا سيغضبها التحول الغربي من الخطة “أ” الى الخطة “ب” وستثور ثائرتها وتحتج على هذا الطرف أو ذاك ولكن من دون طائل، فما باليد حيلة في ظل تمسك الصين وروسيا بموقفيهما الذي ينطلق في واقع الحال من تحصين نفسيهما أكثر منه حماية النظام السوري، من حيث أن “روشتة” “الخريف العربي” يمكن نقلها للتربة الصينية والتربة الروسية، كما أفصح عن ذلك مؤخرا بصورة صريحة لا لبس فيها القطب الجمهوري البارز ومنافس الرئيس أوباما في انتخابات الرئاسة الامريكية السابقة جون ماكين خلال تواجده في مدينة بنغازي الليبية.

اقرأ المزيد

نجاحاتهم وإخفاقاتنا



لماذا تتقدم الهند اقتصادياً وتكنولوجياً دون أن تتخلى عن خصائصها الثقافية والروحية، وثمة سؤال آخر لا يقل أهمية، طالما نحن بصدد الاستشهاد بالهند بالذات، يتمحور حول قدرة هذا البلد، المستعمرة البريطانية السابقة، شأنها شأن الكثير من بلداننا العربية على أن يقيم نظاماً ديمقراطياً ممتداً منذ الاستقلال حتى اليوم، وينجح في اختبارات الديمقراطية المتكررة، دون أن تخرج عن مسارها في مطلق الأحوال، ونخفق نحنا في أول اختبار للديمقراطية؟

 

لماذا تنجح التنمية والديمقراطية بتلازم ملفت هناك، وتخفق التنمية والديمقراطية على الصعيد العربي في تلازم ملفت أيضاً؟ سؤال كان موضع سجال كثير من المفكرين والباحثين العرب، بينهم على سبيل المثال الدكتور سمير أمين، الباحث الاقتصادي المرموق، الذي حاول تقديم قراءة غير أوروبية، ولنقل غير نمطية لتاريخنا، بغية التعرف على جذور العجز العربي المزمن، حين لاحظ أن فتوحات الاسكندر الأكبر أنشأت فصلاً جديداً في تاريخ منطقتنا، ويقصد بذلك المنطقة التي تشمل الشرق الأوسط الذي أصبح فيما بعد عربياً إسلامياً، والغرب الذي صار مسيحياً، فأنهت الانعزال لمختلف شعوب العصر القديم، ومن هنا تكونت منظومة مجتمعات خراجية (من مفردة الخراج) تشترك في أهم سماتها الاجتماعية والثقافية.

 

إلا أن القفزة الكيفية أو النوعية التي انطلق منها النظام الرأسمالي لم تحدث على شواطئ البحر الأبيض المتوسط التي كانت تمثل المركز الحضاري العالمي، بل على عكس ذلك هجرت القوى الدافعة في هذا الاتجاه هذه المنطقة لتستوطن في المناطق الطرفية سابقاً في شمال غرب أوروبا على شواطئ المحيط، مما أدى الى انتقال المركز الى هناك، وتهميش المركز المتوسطي القديم.

 

هذا الإلحاح على تحديد جذور التطور التاريخي يشكل جسراً لفهم طابع تراثنا التاريخي وأسباب تخلفنا، ومن ثم غلبة الغرب علينا، فذلك الفهم من أهم العناصر المطلوبة للنهضة وإنماء قدرة فكرية صحيحة على المستوى الذي نحن في حاجة إليه من أجل رسم بديل فعال للممارسات الراهنة التي ورطتنا في مأزق تاريخي لم نخرج منه بعد.

 

يراهن سمير أمين كثيراً على الدور الذي يمكن أن تلعبه «الانتلجنسيا» كفئة اجتماعية حاملة لمشروع النهضة والتغيير في البلدان التي كانت تسمى «عالماً ثالثاً».

 

ومن أجل الدقة فإنه يعطي تعريفاً محدداً لما يقصده بالمثقف، الذي هو حسب تقديره من يشترك في إنتاج المشروع المجتمعي في مجال معين من مجالات احتياجات إقامة هذا المشروع، ويشير الى أن مجالات هذا الإنتاج متنوعة ومتعددة لتشمل، فيما تشمل، طرح نظم القيم وأهم الأفكار والتصورات المنسجمة مع هذا المشروع.

 

يخلص الباحث إلى ما يمكن أن يساعد في الإجابة على السؤال الذي افتتحنا به هذا الحديث ونحن ندعو للمقارنة بين النموذج الهندي والنماذج العربية، حين يؤكد على أنه من واجب الانتلجنسيا، الفئة الاجتماعية التي يعوّل عليها أن تكون قاطعة في رفض النظرة أو المشروع العالمي الذي يدعو لتجانس الإنسانية من خلال تعميم النمط الغربي، والتخلص من الخصوصيات الثقافية باعتبارها مسؤولة عن تخلف هذه الشعوب، حسب أصحاب هذا المشروع، ليصل الى أهمية التأكيد على هذه الخصوصيات واحترامها، منطلقاً لمشروع التحديث.



 

اقرأ المزيد

ذاكــرة وطنيــة

     في ظل الأحداث التي مرت بها البحرين منذ 14 فبراير 2011 وما نتج عنها من تداعيات ونتائج الانقسام الطائفي الواسع الذي لم يشهده مجتمعنا البحريني طوال تاريخه تعود بنا الذاكرة الوطنية إلى ( بندر ) ، و( بندر) هذا القاطن في الرفاع الشرقي سني المذهب ، كان ينتقل من موطنه إلى قرية باربار مدربا متطوعا لكرة القدم في نادي القرية  غير إننا لم نشعر أو نفكر قط أنه على غير مذهبنا ، وتعود بنا الذاكرة أيضا ونحن في هذا الانقسام إلى مقاعد الدراسة ، في مدرسة المنامة  الثانوية ، كنا نجلس في كرسي واحد مع عادل الزايد ، وعلي بوحجي ، وغيرهما من الطائفة السنية الكريمة اللذين شاركونا في تحركات الطلبة و في وضع أكياس الأرز المبللة بالماء في إخماد مسيلات الدموع الزاحفة داخل المدرسة ،  ولم نشعر أنهم على غير مذهبنا ، وتعود بنا الذاكرة والطائفية تطال وتؤثر حتى في من تعلم الأممية ، إلى دراجة أبو باسل النارية ، وأبا باسل هذا كان بارباريا من أوائل من تشرب الأممية ، كان يطير بدراجته يحمل بها منشورا أصدرته ( جتوب ) ، ينقله إلي أحياء سنية تدعو للوحدة الوطنية . 

    فهل يعود إلينا ( بندر ) رسولا مدربا يمقت الطائفية ،  ويعود ( عادل الزايد ) إلى مدرستنا حاملا حبه القديم ، يطلب العدل ، ونعود إلى بيته العتيق الكائن في ( الحورة ) نسمع منه موج البحر من النافدة ، نفتش معا عن ( عبيد الجبار ) في مكتبة النادي العربي ، ويعود ( علي بوحجي ) بأشرطة من أغان كنا نتبادلها ونعود  إليه بأغنية حديثة للأطفال تشدو ( أيوه بكتب للعالم رسالة ، السلام والعدل فكرة مش محالة ) ، ويعيد أبا باسل دراجته النارية من متحف أسمه ( لا للطائفية ) . ويغني أغنية أممية قديمة ( لا تسألني عن عنواني أنا بيتي في كل مكان في الحد وفي المقشع، في الرفاع وفي جنوسان (  ؟؟؟ 

     وتعود بنا الذاكرة الوطنية ونحن نشهد الأزمة السياسية إلى رؤية المرحوم المناضل ( أحمد الذوادي )  أحد قادة النضال الوطني في البحرين ضد الاستعمار وفي مرحلة النضال من أجل التحول الديمقراطي ، للعمل السياسي ، هذه الرؤية التي تجمع بين صلابة الموقف والتشخيص السليم للأحداث التي مرت بها البحرين في ظل حياته وبين قراءة الواقع قراءة متأنية واتخاذ الموقف منه. ففي مقال له نشرته صحيفة الأيام بتاريخ 27 نوفمبر 2004 بعنوان ( التعامل مع المتغيرات في الواقع السياسي.. فن!! ) ، يتساءل أبو قيس في هذا المقال (هل يتطلب التعامل مع الواقع السياسي بما يستجد عليه من متغيرات ومستجدات سواء ايجابية كانت أم سلبية فنا؟ ) ويجيب ( اجل، لأن الفن هو أسلوب راق وشفاف يحمل في طياته مراعاة الأبعاد المختلفة والمتعددة للمسألة موضوع المعالجة، ويسلط عليها الأضواء الكاشفة ليرى المتعامل معها، دقائقها مثلما يترأى للناظر ظاهرها وكبير تفاصيلها، ومثلما هو بالنسبة للعمل الروائي والقصصي والنقدي والسينمائي والمسرحي والرسم والنحت وغيرها من الفنون، فإنه كذلك بالنسبة للعمل السياسي، زد على ذلك يتمتع العمل السياسي ببعض الخصائص اللصيقة به مثل المواجهة المباشرة والآنية أحيانا، وما يلجأ إليه بعض أطرافه أو جميعهم لأسلوب المناورة والمداورة وتغيير المواقع والمواقف في هذا المنحنى أو ذاك. )
 
     ويواصل الذوادي إجابته بصفته أحد اللذين خبرتهم الحياة والتجربة الغنية في العمل السياسي الطويل بقوله ( وفي العمل السياسي نرى تحالفات تختفي وتظهر اخرى، ويظهر بعضها لمواجهة تحالف آخر أو لغرض آني، تنتهي بمجرد تحقق هذا الغرض، وقد يحف ببعضها سوء النية ويفتقر بعض آخر إلى الصدقية والمصداقية. ويعتبر ذلك من طبيعة الأشياء إذا سار ضمن اللعبة السياسية وفي أجواء الاستقرار وضمن الحراك السياسي الذي تقتضيه العملية السياسية في المجتمع حيث أن كل طرف مسئول عن حساباته وتقديراته وعن صحة قراره أو خطئه، ويتحمل نتائج خسارته.) .
 
     هكذا فهم ومارس أحمد الذوادي العمل السياسي وهو ( الوطني المخلص الذي فقدته البحرين حسب تعبير الدكتور محمد الانصاري ) ، وهكذا رحل وهو محكوم بالأمل بواقع أفضل فيقول في مقاله سالف البيان  ( ومع ذلك فقد لا يتحقق ما تصبو إليه القوى السياسة لأسباب مختلفة، وعندها لن يكون ذلك نهاية المطاف، ولا يعني أن أشياء ايجابية لم تتحقق، ذلك ان النشاط السياسي والقانوني ونشر وتعميق الوعي بهما أمور ايجابية لا يستهان بها. وما تعجز القوى السياسية عن تحقيقه هذه المرة أو هذا العام، فقد تحقق ذلك في مرة أخرى أو عام قادم.. ذلك مرهون بحسن تخطيطها ومثابرتها واستمرارها في حشد الطاقات والجهود في هذا الاتجاه وتوظيفها فن التعاون مع المتغيرات وموازين القوى. ) .
 
فهل لنا أن نستعيد هذه الرؤية نحو مصالحة حقيقية عادلة منصفة تخرج البحرين من أزمتها السياسية ؟.
 

اقرأ المزيد

الإصلاحات المطلوبة ليست فقط في الإجراءات


نشرت أمس صحيفة «ديلي تليغراف» البريطانية مقالاً احتوى على أفكار مستشار وزارة الداخلية البحرينية الجديد، جون ييتس، والذي كان يشغل منصب مساعد المفوض السابق لشرطة العاصمة البريطانية… ومع احترامي للسيد ييتس إلا أن استراتيجيته تعتمد الجوانب الإجرائية البحتة وتغفل الجوانب السياسية للمشكلة في البحرين. ففي الوقت الذي قارن عدد الجرائم بين لندن والبحرين، أغفل مقارنة كيف تتكون شرطة لندن من كل مكونات المجتمع البريطاني، بعكس وضعنا البحريني غير المتوازن الذي يتسبب في كثير من المشكلات.
 
المشكلة ليست في توسيع قدرات الأجهزة، وليست في اعتماد إجراءات واستراتيجيات لمحاصرة متظاهرين في مكان واحد ثم استخدام وسائل لتفريقهم، كما أن المشكلة ليست لها علاقة بمكافحة جرائم سرقة؛ لأن الوضع – وكما أشار ييتس – مختلف وشعب البحرين ليس معروفاً عنه الجرائم التي تنتشر في أماكن أخرى بالعالم.
 
وفي الوقت الذي لا أشك في قدرات ييتس – من الناحية الفنية – في مواجهة أحداث شغب وغيرها، إلا أن المؤسف أن التوصيات التي تطرق إليها تقرير لجنة تقصّي الحقائق بعيدة كل البعد عن استراتيجية ييتس. فمثلاً، جاء في توصية تقرير تقصّي الحقائق (رقم 1722 هـ) «توصي اللجنة بأن تُقيم الحكومة بصورة عاجلة، وأن تطبق بشكل قويّ، برنامجاً لاستيعاب أفراد من الطوائف كافة في قوى الأمن».
 
والمؤسف حقاً أن الحكومة تحدثت عن 500 شخص «من كل الطوائف» سيتم توظيفهم في شرطة المجتمع، وهو نوع من أفراد الشرطة أقرب منه إلى العاملين في النصائح الاجتماعية، هذا في الوقت الذي تخلو قوات الأمن على جميع المستويات من تمثيل معقول لمكونات المجتمع البحريني، وهذا أمر تختص به البحرين، ولربما تكون الوحيدة أو من الدول القلائل جدّاً (شخصياً لا أعرف أي دولة أخرى) في القرن الحادي والعشرين ممن تتعامل بهذه السياسة الغريبة… وأكثر استغراباً أن نائب مفوض شرطة سابق في لندن لا يتطرق ولو بكلمة واحدة لهذا الجانب، ولاسيما أن لجنة تقصّي الحقائق التي عرضت تقريرها في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 أمام القيادة السياسية وأمام العالم قد أشارت إلى هذا الموضوع.
 
اليوم يوافق 14 فبراير/ شباط، وهو يوم لذكريات وطنية جامعة (قبل 11 سنة عند التصويت على ميثاق العمل الوطني)، وهو أيضاً يوم لأحداث مريرة جدّاً بدأت العام الماضي في هذا اليوم، ونحن ندعو إلى فتح صفحة جديدة قائمة على إجراء إصلاحات سياسية حقيقية، وعدم الاعتماد فقط على إصلاح الإجراءات الفنية التي لا تنظر الى الجانب البشري في المعادلة
 

صحيفة الوسط البحرينية – 14 فبراير 2012م

اقرأ المزيد

ترسانة جديدة من القوانين والإجراءات


في العام 2002 قامت السلطة التنفيذية بإصدار أكثر من خمسين قانوناً بسرعة فائقة، وذلك قبيل عقد أول انتخابات نيابية. الكثير من تلك القوانين استهدفت تكبيل الحريات بشكل خانق. السلطة التنفيذية كانت تقوم بدور السلطة التشريعية من أغسطس/ آب 1975 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2002، واستشعرت أن الوقت قد يفوتها وقد يأتي برلمان لا يقبل بإصدار قوانين تتسق مع رغبتها، وعليها فقد زادت الألم الواقع على كاهل من يطالب بالحريات العامة وكثّرت من القوانين التي مازلنا نرزح تحت وطأتها ووطأة القوانين الأخرى التي صدرت في حقبة أمن الدولة.
 
وحاليّاً، نشهد حملة استباقية مماثلة، إذ إن عجلة التقنين على قدم وساق لتكبيل المزيد من الحريات، ومن خلال ما رأيناه في السنوات الماضية فإن تعديل أيّ قانون يصدر يحتاج إلى جهود إستثنائية، ما لم تكن السلطة هي التي تودُّ ذلك.
 
تكثير القوانين المكبلة ينطلق من مفاهيم خاطئة… فمن جانب ينظر البعض إلى ما مررنا به ونمر به حالياً سببه قلة القوانين والإجراءات، وبالتالي يقوم بزيادتها. وهذه النظرة خاطئة؛ لأن القوانين المكبلة في البحرين كثيرة جدّاً، وجميعها تنطلق من الشك في المواطن وتبحث عن أسرع السبل لتجريمه، وهي السبب في تأزيم الوضع.
 
النظرة خاطئة أيضاً؛ لأن المصائب التي حلت بنا سببها انما كانت نتيجة للإحباط والسأم، وهذا ساعد على نشر شعبية المعارضة، ولاسيما أننا نعيش في عالم صغير يستطيع كل شخص يسعى لنيل كرامته أن يقارن ما يحصل في بلاده مع ما يحصل في جميع البلدان التي تحترم حقوق الإنسان وتعترف بمكانة المواطن المحورية في العملية السياسية.
 
النظرة خاطئة أيضاً؛ لأن مراجعة ما جرى يوضح أن السلطات والأجهزة القائمة على الشك بالمواطن لا تحتاج إلى قانون للقيام بأيِّ عمل تقوم به، كما أنه لا يحدّها من القيام بأيِّ عمل قانون من القوانين، مهما كان ضيّقاً أو واسعاً. وقد قرأنا كيف يتم تبرير كل شيء، وحتى تقرير لجنة تقصّي الحقائق لم يعد حجة ثابتة على الجهات الرسمية، إذ يتم تخريج النصوص بأيِّ شكل يساهم في إبقاء الأمور على ما هي عليه.
 
استذكرت 2002؛ لأن تلك الفترة كانت غامضة حول ما سيحصل قبيل انفصال السلطة التشريعية عن التنفيذية، ونحن نمر بمرحلة غامضة، وهناك من يعد العدة لأسوأ الاحتمالات في الفترة المقبلة وذلك عبر التمترس بمزيد من الإجراءات والقوانين وهو قد لا يعي بأن كل هذه الممارسات لا تنفع، ولو كانت تنفع لما حدث لنا ما حدث في 2011
 

صحيفة الوسط البحرينية – 13 فبراير 2012م

اقرأ المزيد