المنشور

عودة بسيوني إلى البحرين


رئيس اللجنة البحرينية المستقلة لتقصّي الحقائق محمود شريف بسيوني عاد إلى البحرين مع مطلع هذا الشهر (فبراير/ شباط 2012)… وهذه المرة جاء لإعداد تقرير بشأن تنفيذ السلطات للتوصيات التي أوردها تقرير تقصّي الحقائق الذي صدر في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011.
 
وحالياً، فإن كثيراً من المسئولين يوحون لمن يتتبع تصريحاتهم بأنهم نفّذوا كل التوصيات، بل ربما أكثر مما ذكر في التقرير. هذا في الوقت الذي تقول المعارضة والجهات الحقوقية إن الحكومة لم تنفذ التوصيات، وإن الجزء الذي تم تنفيذه كان قاصراً، بل إنه يؤسس لتجاوزات أخرى. ولعلَّ أوضح ما يتم الحديث عنه هو عودة كل المفصولين، والواقع أنه لم يَعُدْ جميع المفصولين، وأن العدد المتبقي ليس صغيراً، وأكثر الذين عادوا تم إذلالهم، وأن تغييرات إدارية اتُّخذت – ومازالت تُتَّخذ – وجميعها تهدف إلى نزع الصلاحيات التنفيذية من فئة من المجتمع، وإبعادهم عن مواقع القرار.
 
الخطورة فيما يجري حالياً هي أن السلطات تخلق مشكلة من نوع آخر، فهي تزرع بذور مشكلات ستتحول إلى مصائب في وقت غير بعيد، وذلك لأن المواطن لم يعد مواطناً، وإنما يجب تصنيفه بحسب انتمائه المذهبي، والموضوع الآن أصبح على المكشوف ومن دون لفّ أو دوران. فتجريد مدير بلدية المنطقة الشمالية عبدالكريم حسن من صلاحياته، مثلاً، ليست حالة منفردة، وإنما هي أنموذج لظاهرة ليست إنسانية. والمصيبة أن هذه الوزارة أو تلك قد تقول لبسيوني إنها أرجعت مفصولين، ولكنها لا تقول له إنها جرَّدت من أرادت تجريده (من الذين عادوا أو حتى الذين لم يُفصلوا العام الماضي) من كل الصلاحيات من دون أيِّ سبب مقبول قانونياً، أو أخلاقياً.
 
بسيوني ربما عاش ويعيش التحدي والاختبار الأكبر والأكثر تعقيداً طوال سيرته المهنية والأكاديمية على الإطلاق، فهو تورّط في كتابة تقرير كان الأكثر خطورة على مهنته؛ لأن جميع أعين العالم انصبّت عليه… وهو الآن يعود ليفحص بنفسه ماذا تم تنفيذه. ولكننا نعرف أن بسيوني ليست بيده «عصاة موسى»، وهو ليس مدعوماً بمعجزة إلهية، كما أنه ليس مدعوماً بأساطيل وجيوش لتنفيذ توصياته. إنه بشر وله حدوده، ولدينا في البحرين من هو أكثر قدرة منه بمئات المرات على كيفية التخلص والتملص من أية التزامات.
 
إنني من الذين يقفون مع إرادة الإصلاح، ونودُّ أن تعود بلادنا إلى وضعها الطبيعي، ونأمل أن توفر لنا فرصة تواجد شخص يثق به جلالة الملك في تحريك المياه الراكدة من خلال تثبيت الحقائق، والتقدم إلى الأمام
 

صحيفة الوسط البحرينية – 04 فبراير 2012م
 

اقرأ المزيد

ربيع حمَلة الورد… خريف الحديد


للورد حكاية أخرى. حكاية في مواجهة الحديد والدخان والغاز والرصاص. في مواجهة العراء والأسوار والأسيجة. في مواجهة الضغائن والتصحّر في الحس والمشاعر. في مواجهة الذهاب عميقاً إلى كل ما يسيء إلى التنفس ورفاهية العين برؤيته (الورد).
 
كل الفصول لا تحب الربيع؛ لأنه متعدّد في تشكّله وروحه. واحة للعين مثلما هو واحة للنفس والروح. الفصول الأخرى إما متجهّمة (الشتاء)؛ أو متوترة ومستفزة (الصيف)؛ أو مستسلمة للشيخوخة والهرم ولو بشكل مؤقت (الخريف).
 
كل الورود التي رفعت في الربيع العربي استقبلت بالدخان والرصاص والهراوات والركلات وشتائم طالت الدّين والعرض. لا دين للحذاء الذي يركل محتجاً. لا دين للرصاصة التي تهتك حرمة الحق في الاحتجاج وحرمة هتك الحياة نفسها. كل الورود استقبلت بالدم؛ أو كان الموت يختبئ لها من سطح مبنى بتأهّب قناص؛ أو حاملة جند في الطريق إلى وضع حد لاستفزاز الورود وحامليها.
 
ثم إنه لماذا لا تزدهر عندنا تجارة الورود إلا في الأحزان، والاحتجاجات في زمن ضالع في الخيبة وتراكم الارتدادات؟ فالورود على الأضرحة أكثر منها في صالاتنا وغرف نومنا وما يسعفنا به الوقت من مجاملات أو حتى نفاق لا تخلو منه الحياة، ولن تخلو!
 
كل استبداد في الدنيا اعتاد أو توقع أن يواجه المحتجين على ممارساته بالحديد والنار قبالة حديد ونار؛ لكن المستفز في هذه المرحلة أن المحتجين ابتكروا أداة مغايرة في مواجهة شهوة القتل. كان الأمر مستفزاً ويدعو إلى السخرية والاستغراب في الوقت نفسه. مستفزاً من حيث إهانة آلة القمع المقابلة. ويبعث على السخرية لأن الإنسان نفسه في وعي البطش لا يمكن أن يصمد أمام آلته فكيف بوردة؟ ومستغرباً أن يتمترس أولئك الغاضبون المحتجون بوردة في مواجهة آلة الخسف تلك.
 
الربيع العربي الذي لن يلتفت إلى خريفه بعد اليوم، والوردة التي تصدّرت الميادين على أكف مناضليها والأحرار، تلك التي حملها الفقراء والمعدمون وأبناء الطبقة الوسطى؛ وحتى أولئك الذين يمتلكون ثروات طائلة أخذتهم لزمن بعيداً عن قضايا ومعاناة شعوبهم، لتلتفت في صحوة ضمير إلى تاريخ طويل من المعاناة والمصادرة؛ ستظل الأيقونة المستفزة الساخرة من كل وهم القوة والصلف وسكْرة الحديد. أيقونة تريد للحياة أن تسود في طمأنينتها واستقرارها ليمتد كل ذلك إلى حيوات الناس وتفاصيلها بإشاعة الحقوق فيما العين في الوقت نفسه على الواجبات؛ إذ لا واجب يمكن أن تطالب به جهة في ظل مصادرة وتغييب للحقوق.
 
الذين تستفزهم الورود في اللحظات الفاصلة المرتبطة بالحقوق أدمنوا لغة ورؤية والتماس مع الحديد كرد لا يفقهون سواه. والذين تخرجهم الورود عن طورهم كائنات من حديد. كائنات ألفت الورد في الأمكنة الفسيحة في ضيق فضاء الناس وألفتها في المسيج من الأمكنة التي يتحصنون فيها، في عزلة شرسة لا ترى البشر إلا محض فضول وقلة خلق في وجودها ومشاركتها الحيز نفسه، ولو بعيداً عن أسوارها.
 
ولم تألف تلك الكائنات في الوقت نفسه أن ترى الورد خارج أسوارها مرفوعاً بهتافات حقوق وليس هتافات مكرمات وهبات. والذين يستغربون من وردة في احتجاج أدمنوا وعي أن الاحتجاجات والهبّات لا تكون إلا بما يحمي ظهرها ويسنده، والوردة دون ذلك بكثير في وعي نمطي كذاك.
 
كأنك برفع الوردة احتجاجاً في مواجهة آلة الخسف تستخف بكل تلك المنظومة من الاحتواء والحصار والمصادرة. ذلك أمر لا يمكن أن يمر مرور الكرام. تلك تهمة أخرى.
 
كم أثبتت الوردة وهي في أيد من حديد وعزائم من فولاذ أنها قادرة على تغيير خرائط مصائر وتغيير تأبيد واقع واستمرار استحواذ واستيلاء؟ كم أثبتت الأيدي والصدور العارية التي خرجت من دائرة خوفها ويأسها إلى رحابة الأمل وتحدي الصلف أنها قادرة على فعل التغيير، وقادرة على إعادة النظر في معادلات ظلت – وهما – عصية على الخلخلة والتغيير؟ كم أثبت الحراك العربي بربيعه الاستثنائي وأداة مواجهته الرهيفة (الوردة) أن التغيير يمكن له أن يتم من دون سيارات مفخخة (كما في فقه بعض العقائد) ومن دون اغتيالات ومن دون استهداف مصالح عامة أو خاصة، فقط بفعل الاحتجاج الحر والحضاري المستوعب والمسئول والواعي لشروط المرحلة وحساسية اللحظة.
 
يمكن للذين يمسكون بالوردة من دون أن ترتعش أيديهم وبإرادات واثقة أن يعيدوا إلى الحياة اعتبارها وأن يعيدوا صوغ النظر والتعامل والتعاطي معها، منذ صرخة الولادة الأولى إلى تاريخ طويل من هيمنة آلة القمع والمصادرة. آلة مصادرة الحق في الحياة.
 
والمنتفعون من خلل الحياة بتسيّد المصادرة لكل حق، يرون في الوردة وحمَلتها خناجر ورصاصاً، وبما أنهم لا يمثلون الحياة في بعدها الخلاق والبريء لا معنى لرؤيتهم فالحياة بوعيها وإدراكها ترى الأمر خلاف ذلك
 

صحيفة الوسط البحرينية – 04 فبراير 2012م
 

اقرأ المزيد

هل تشكل شركة طيران الخليج تهديداً للاقتصاد الوطني؟ – عيسى سيار


بعد مرور ما يقارب ستة عقود على تأسيس طيران الخليج أصبحت هذه الشركة بمثابة حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة، التي يتناقلها الأبناء والآباء عن الأجداد! فالشركة المصابة بمرض عضال مزمن اسمه سوء الإدارة والفساد عافاكم الله، غير قادرة على الوقوف على عجلاتها والتحليق عالياً بالرغم من تقديم حكومة البحرين لهذه الشركة كل أنواع الدعم والإسعافات الأولية والأساسية والرعاية والحماية، إلا أن الشركة مازالت جسماً سقيماً مقطع الأوصال غير قادر على الحركة، أو بمثابة طفل خديج غير قادر على النمو. بل أصبحت الشركة عالة على الاقتصاد الوطني.
 
إن ما دعاني للكتابة عن طيران الخليج هو قرار مجلس الوزراء في 2012/1/21 بإعادة هيكلة الشركة وما تبع ذلك القرار من رمي الحكومة لطيران الخليج في ملعب النواب، وقيام رئيس مجلس النواب بتشكيل لجنة برلمانية مؤقتة لدراسة أوضاع الشركة. ولكن لنقف قليلاً هنا ونتساءل: كم عدد اللجان الداخلية والخارجية والشركات الاستشارية التي شكلت لدراسة أوضاع الشركة؟ وكم من المال والجهد والوقت بذل؟ وأين نتائج تقارير تلك اللجان والدراسات بشأن تطوير الشركة وتصحيح مسارها؟ كما أننا لا نعلم كم عدد التنفيذيين الذين تم تغييرهم، منذ أن استكملت البحرين الشركة العام 2007 حتى أصبحت الشركة حالها حال منتخبات الكرة في دول الخليج في تغيير المدربين.
 
أعتقد جازماً بأن الحكومة أصبحت في وضع لا يحسد عليه في إدارتها لملف طيران الخليج، وقررت كما قلنا نقل الشركة إلى ملعب مجلس النواب. هذا المجلس الذي دائماً ما تكون تحركاته على هيئة ردود أفعال، حيث لا يملك قط أي استراتيجيات للاقتصاد الوطني، فهو يتحرك عندما «يقع الفاس في الراس». وهنا نود أن نشير إلى تقرير لجنة التحقيق التي شكلها مجلس النواب السابق في العام 2010 برئاسة النائب عبدالحليم مراد، والتي اكتشفت من النتائج والحقائق عن الفساد الإداري والمالي في طيران الخليج ما يشيب له رأس الوليد. تلك اللجنة البرلمانية التي تشكلت على خلفية قرار مجلس التنمية الاقتصادية العام 2010 والذي بموجبه قام بتحويل ملف إدارة الشركة إلى الحكومة بعد ثلاث سنوات من شراء البحرين الشركة بالكامل في العام 2007، وبعد أن قام مجلس التنمية بتغيير ثلاثة رؤساء تنفيذيين مع تغيير متسارع وغير مسبوق في أعضاء مجلس الإدارة.
 
إن طيران الخليج ليست شركةً متعثرةً فحسب، بل أصبحت بمثابة مصاص للدماء الذي يسحب الملايين من الاقتصاد الوطني، ما يؤثر سلباً بالطبع على مشاريع التنمية في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والخدمات الاجتماعية الأخرى. وعلى نواب الشعب أن لا يبلعوا الطعم الآن! ويؤسفني القول بأنه لا توجد لدي أرقام محددة عمّا تم ضخه من أموال في جسم هذه الشركة المترنحة منذ العام 2007 ولكنه في الحد الأدنى ليس أقل من 800 مليون دينار بحريني! حيث تم توفير المبلغ من خلال الاقتراض الداخلي أو الخارجي، أو من خلال التمويل الحكومي المباشر، ولكن مع الأسف ذهبت تلك المبالغ هباءً منثوراً، فالشركة تخسر يومياً وحسب تقرير لجنة التحقيق البرلمانية السابقة ما يقارب من ثلاثة أرباع مليون دولار يومياً! كما إن القائمين على الشركة اعترفوا مؤخراً بأن الشركة أصبحت تخسر يومياً أكثر من المبلغ الذي ذكرناه وعليك أيها المواطن أن تدفع الفواتير!
 
إن تشكيل اللجنة البرلمانية المؤقتة من قبل مجلس النواب ما هو إلا التفافٌ من قبل المجلس على فشل السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية الذريع في علاج أزمة الشركة على مدار السنوات الأربع الماضية، وهو تخريجةٌ أرادت أن تحصل عليها الحكومة من نواب الشعب حتى تشركهم في تحمل مسئولية الفشل الاستراتيجي الذي تعاني منه الشركة منذ ما يقارب العقود الثلاثة الماضية ويبدو لي أنهم بلعوا الطعم، حيث أوصت اللجنة المؤقتة التي شكلها المجلس مؤخراً وبشكل غير مدروس، وبناءً على طلب الحكومة يضخّ ما يقارب من 250 مليون دينار لجسم الشركة حتى تتمكن من الحركة. وهنا نتساءل وبمشروعية إلى متى سيتم ضخ الملايين في جسم طيران الخليج؟ ولماذا معظم شركات الطيران في دول الخليج والتي تأسست معظمها خلال العقد الماضي، أي بعد طيران الخليج تنمو وتتطور وتحقق الربحية إلا طيران الخليج؟
 
إنني ومن خلال متابعتي لمسيرة طيران الخليج ومن خلال نتائج الدراسة التي أعددتها عن الشركة العام 1997 عن أسباب الفشل الاستراتيجي الذي تعاني منه طيران الخليج، أعتقد جازماً بأن الشركة تعاني من سوء في الإدارة حيث إنها تدار بعقلية بعيدة عن المهنية. نعم الشركة تحتاج إلى قرارات سياسية لتطويرها ولكن يجب أن لا تدار بعقلية قائمة على المحسوبية والمحاصصة السياسية.
 
إذن ما هو المطلوب؟ يحتاج ذلك إلى وقفة أخرى.
 
عيسى سيار

صحيفة الوسط البحرينية –  01 فبراير 2012م 
  
 




هل من سبيل لإنقاذ طيران الخليج؟
 

 
لقد انتهينا في المقال السابق إلى التساؤل عمّا هو المطلوب لإنقاذ شركة طيران الخليج؟ ونود هنا أن نرسل رسالةً إلى الإخوة نواب الشعب، مفادها أن الحل لا يمكن أن يكون من خلال قرارات متعجلة تتمثل في ضخ الملايين إلى جسم الشركة المريض، أو تعيين رئيس تنفيذي بحريني، أو أن يشارك مجلس النواب في تعيين أعضاء مجلس الإدارة! إن الشركة بحاجةٍ إلى فريق بحريني مهني مختص ومستقل يشكله مجلس النواب ولا بأس أن يطعم بالأجانب حسب الحاجة لوضع دراسة مستقلة مهنية عن واقع ومستقبل الشركة، ويتوجب على السلطة التنفيذية الالتزام بتطبيق نتائج الدراسة المقترحة، أما القرارات الترقيعية والمسكنات فلن تصلح من أحوال الشركة، بل يجب أن تكون هناك خطة استراتيجية من خلال إطار زمني محدد. وهنا السؤال: ما هو الطريق لإنقاذ هذه الشركة الدائمة التعثر؟
 
لقد أعددنا دراسةً في العام 1997 عن أسباب الفشل الاستراتيجي الذي تعاني منه طيران الخليج، وقد توصلت الدراسة إلى أن هذا الفشل الاستراتيجي هو فشل تراكمي وليس وليد اليوم، وهو فشلٌ ظل يلازمها على مدار ثلاثة العقود الماضية، حيث كانت ومازالت الشركة تدار بعقلية سياسية بعيدة عن المهنية والاحترافية، حيث يسيطر على إدارتها التقاطعات والتجاذبات وتضارب المصالح. وعلى رغم تحولها منذ العام 2007 إلى ملكية حكومة البحرين بالكامل، إلا إنها مازالت تدار بالعقلية نفسها والمنهجية السابقة. لذا ومن منطلق نتائج الدراسة التي قمنا بإعدادها نقترح على السلطتين التنفيذية والتشريعية ما يلي:
 
أولاً: تشكيل فريق عمل مهني وليس سياسياً كما هو حاصل في اللجنة التي شكلها مجلس النواب غير المتخصصة وذات طابع سياسي، ويقوم هذا الفريق بإعداد خارطة طريق لإعادة بناء RE- Engineering طيران الخليج وليس إعادة هيكلتها RE-Structuring كما طرحته السلطة التنفيذية، وذلك من خلال وضع خطة مدتها سنتان يتم خلالها إعادة طيران الخليج إلى الكفاءة والفاعلية والتنافسية وبالتالي الربحية. ويجب عدم الخلط بين عملية إعادة البناء وإعادة الهيكلة، فالشركة تحتاج كما ذكرت إلى إعادة بناء من الصفر، كما فعلت شركة بتلكو قبل سنوات.
 
ثانياً: أن نبتعد عن تكرار أخطاء الماضي التي تم اتباعها في إعادة هيكلة الشركة والتي كانت عبارةً عن ترقيعات ومسكنات وقتية في إطار حسابات سياسية بحيث تبتعد عملية إعادة بناء الشركة عن إرضاء السياسيين ومن لفّ لفّهم، فالهدف من عملية إعادة البناء هو أن يتم إدارة الشركة بفلسفة وعقلية اقتصادية تجارية تحول الشركة إلى شركة ناجحة من خلال الحصول على أكبر قيمة من الحصة السوقية عن طريق تلبية احتياجات وتوقعات الزبائن للحصول على رضاهم وبالتالي ضمان استمرار ولائهم.
 
ثالثاً: يجب أن تكون عملية إعادة البناء كفوءة لإعادة التقييم الجذري للعمليات من أجل التوصل إلى تطوير حقيقي في مقاييس الأداء، وهي الكفاءة والجودة والخدمة والتميز والدقة في الإنجاز.
 
رابعاً: يتم الاستفادة من تجربة شركة بتلكو عندما نفذت قبل عدة سنوات، عملية إعادة بناء جدية وناجحة لعملياتها وذلك لمواجهة تداعيات كسر الاحتكار في قطاع الاتصالات.
 
خامساً: أن ترتكز عملية إعادة بناء طيران الخليج على العناصر التالية:
 
-   أن تكون هناك مرجعية واحدة فقط لفريق العمل، فتعدد المرجعيات من شأنه أن يفشل العملية.
-   أن تكون للمرجعية سلطات واسعة ولها القدرة على المرونة في العمل وسرعة اتخاذ القرار لدعم الفريق.
- أن لا توكل أي مهام إلى الإدارة التنفيذية الحالية للشركة في إطار عمل فريق العمل المتوقع إجراؤها، ويقتصر دور إدارة الشركة على توفير    ما يسهل عمل فريق العمل.
-    أن يكون فريق العمل مزيجاً من الخبرات الخارجية والخبرات الوطنية المشهورة بكفاءتها ونزاهتها ومهنيتها وبقيادة بحرينية.
-    أن يبتعد فريق العمل كل البعد عن الأفكار والآراء المتخذة سلفاً وكذلك الآراء والمناكفات السياسية.
-    تقديم كل أنواع الدعم لفريق العمل دون التدخل في تقنيات ووسائل عمله.
 
وإن كانت لنا كلمة أخيرة لابد من قولها: نطالب الحكومة باعتبارها المسئولة حالياً عن طيران الخليج بأن تضع في الاعتبار مسألة جوهرية ألا وهي أن عملية البناء المقترحة، عملية مهنية متخصصة بامتياز وهي بحاجة إلى قرار سياسي جريء وسريع ومحسوب بدقة متناهية، ويضع في الحساب المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية المتسارعة، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية العالمية التي مازالت تداعياتها مستمرة على الاقتصادات الوطنية في دول كثيرة. ويضاف إلى ذلك الأزمة السياسية الداخلية التي تعاني منها مملكة البحرين منذ فبراير/ شباط الماضي. فمن يرفع الشراع؟
 
الكاتب : عيسى سيار

صحيفة الوسط البحرينية – 02 فبراير 2012م
 

اقرأ المزيد

التعديلات الدستورية والمصالحة الوطنية



تقديم :
 
 منذ الإعلان عن تقرير لجنة تقصي الحقائق كثر الحديث عن المصالحة الوطنية في البحرين  إذ اعتبرته فعاليات عديدة ومختلفة بأنه يفتح مصالحة وطنية بين كافة الأطراف ، بل انه ينقل البحرين إلى مرحلة جديدة ، وفى 9 يناير 2012 أطلق مجلس الشورى ما سمي “بوثيقة المصالحة الوطنية” كبادرة أولى حسبما أعلن عنها بهدف تصفية النفوس من اجل تعزيز الوحدة والمحبة والوئام بين أبناء الوطن من اجل البحرين وتخطى تداعيات الأزمة المريرة التي مررنا بها غير أن هذه الوثيقة لم نرى منها سوى توقيعات التأييد لها من أعضاء مجلس الشورى ، وحاولنا التعرف على ما احتوت عليه من نصوص ومبادئ من خلال الصحافة أو من خلال الموقع الالكتروني لمجلس الشورى الذي انطلقت منه ، إلا انه يبدو إنها مازالت سرية طي الكتمان ، ووثيقة تصدر هكذا منعدمة الشفافية لا يمكن لها أن تحقق مصالحة حقيقية في مملكة البحرين.
 
   غير إننا نعتقد جازمين أن للمصالحة الوطنية أن أريد لها أن تكون حقيقية ، فاعلة ومنتجة لها أسس لا تقوم إلا بها وهي متعددة وفي الطليعة منها الرجوع لمسببات الأزمة  ومعالجتها  كأساس أول للمصالحة الوطنية ، ولا شك أن  من ابرز مسببات الأزمة السياسية في البحرين هو إصدار دستور 2002، ليس على خلاف التعهدات التي صدرت قبل التصويت على ميثاق العمل الوطني من كبار المسئولين في الحكم فحسب بل على خلاف ما نص عليه الميثاق نفسه ، و ظلت القوى السياسية المعارضة طوال عشر سنوات من عمر المشروع الإصلاحي تطالب بإعادة الاعتبار لما نص عليه ميثاق العمل الوطني استشرافات المستقبل ، وإعادة النظر في الاختصاص التشريعي على نحو يجعل من المجلس المنتحب وحده المختص بالعملية التشريعية.
 
التعديلات الدستورية لا تساهم في الخروج الأزمة :
 
 هل جاءت التعديلات الدستورية في مستوى تجعل منها أساسا لمصالحة وطنية ، تساهم في الخروج من الأزمة السياسية ؟ نسارع في الإجابة ( بلا ) رغم ما احتوته هذه التعديلات من بعض الايجابيات ، ذلك أن هذه التعديلات جاءت بناء على ما توصل إليه حوار التوافق الوطني في المحور السياسي المتعلق بموضوع صلاحيات المجلسين الشورى والنواب وقلنا حينها  ( فإنها لا تؤدي إلى الخروج من الأزمة السياسية ولا تجعل من التمثيل التشريعي فعالا ) ، ولا تصل إلى مستوى المبدأ الأول من المبادئ السبع التي وردت في مبادرة ولي العهد وهو ( مجلس نواب كامل الصلاحيات ) .
    وإذا كنا في المنبر التقدمي ننطلق في تحديد الموقف من هذه التعديلات من وثيقة الإصلاح الدستوري التي أصدرها عام 2007، والتي أكد فيها من ضمن ما أكد عليه على ضرورة حصر التشريع في المجلس النيابي المنتخب، وهو ما تؤكد عليه كل القوى السياسية المعارضة في البحرين فإن قراءتنا للتعديلات الدستورية هي كما يلي :
 
1-    أن مشروع التعديلات الدستورية بما أشتمل عليه من تعديل للمادة (52) بحيث يتم تعيين أعضاء مجلس الشورى، بأمر ملكي يحدد فيه الطريقة والإجراءات والضوابط التي تحكم عملية اختيار الأعضاء أو تعديل للمادة (53) بما نصت عليه من اشتراط جديد في عضو مجلس الشورى  هو مضى خمس سنوات على الأقل على نيله الجنسية البحرينية، وأن يكون غير حامل لجنسية دولة أخرى من غير الدول الأعضاء بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، أوللمادة67 الفقرة (د) من الدستور بحيث ينفرد مجلس النواب بالتصويت على مسألة عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء من دون مشاركة من مجلس الشورى، أو للمادة 86 ، بحيث أصبح رئيس مجلس النواب بدلاً من رئيس مجلس الشورى هو المختص بإحالة مشروعات القوانين التي تتم الموافقة عليها من المجلسين إلى رئيس مجلس الوزراء لاتخاذ إجراءات إصدارها، هي تعديلات لا تمس ما نص عليه الدستور من اختصاص تشريعي لمجلس الشورى وهو جوهر المشكلة الدستورية .
 
ونشير هنا إلى أن مجلس النواب في الفصل التشريعي الماضي تقدم باقتراح بتعديلات دستورية تضمن تعديل المواد (83) و(86) و(102) بحيث يكون رئيس مجلس النواب بدلا من رئيس مجلس الشورى هو من يحيل مشروعات القوانين لرئيس مجلس الوزراء،ويرأس اجتماعات المجلس الوطني فرفضته الحكومة وبررت ذلك بأنها تتعلق بنظام المجلسين الذي حظر الدستور تعديله بموجب المادة (120/ج) من الدستور .
 
2-    رغم أن الاقتراح برغبة هو أضعف وسائل الرقابة البرلمانية فأن التعديل الدستوري المتعلق به بتحديد مدة زمنية هي ستة أشهر لرد الحكومة على الاقتراحات برغبة حسب المادة (68/ أ) جاء ملتبسا لأن ظاهره يحدد هذه المدة فقط عند تعذر الحكومة على  الأخذ بهذه الرغبات، في وقت كان يجب أن تكون هذه المدة تشمل حالتي الأخذ بالرغبات أو عدم الأخذ بها، ، وأن استحداث التعديل في  ذات المادة البند ب وسيلة جديدة من وسائل الرقابة، وهو طرح موضوع عام للمناقشة لاستيضاح سياسة الحكومة في شأنه هي وسيلة جديدة بحسب التعديل لكنها وسيلة قديمة كان دستور 1973 قد نص عليها. .
وتجدر الإشارة هنا إلي التعديلات الدستورية التي تقدم بها مجلس النواب في الفصل التشريعي الماضي قد اشتملت على تعديل لهذه المادة بوضع مدة زمنية لرد الحكومة على الاقتراحات برغبة هي ثلاثة أشهر غير أنها رفضت هذا التعديل بحجة انه ( غير سديد وغير منتج ولا مؤثر في شأنه ولا يدعو إلى قبوله بالمرة وأنه ينطوي على مصادرة للشرعية الدستورية لأنه يرجع إلى الرغبة في تعديل المادة (127) من اللائحة الداخلية).
 
3-     ويأتي في هذا الإطار أيضا ما اشترطته  المادة (57) البندان ( أ، ج ) من شروط جديدة  في عضو مجلس النواب أبرزها أن يكون حاصلا على شهادة البكالوريوس أو الليسانس من إحدى الجامعات المعترف بها أو ما يعادلها، ويبدو أن هذا التعديل سيكون هو التعديل الوحيد الذي سيعترض عليه مجلس النواب .
وكذلك بما جاءت به المادة (59) من تنظيم في حال خلو محل أحد أعضاء مجلس النواب قبل نهاية مدته، لأي سبب من الأسباب بحيث إذا خلا محل أحد أعضاء مجلس النواب قبل نهاية مدته، ، يحل محله الذي حصل على أعلى الأصوات بعده، وذلك خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إعلان المجلس هذا الخلو.فإن لم يوجد من يحل محله ينتخب بدل له خلال شهرين من تاريخ إعلان المجلس هذا الخلو، فإذا وقع الخلو خلال الأشهر الستة السابقة على انتهاء الفصل التشريعي للمجلس، ولم يكن هناك من يليه في عدد الأصوات الصحيحة، فلا يجرى انتخاب عضو بديل وفي جميع الأحوال تكون مدة العضو الجديد إلى نهاية مدة سلفه.
 
4-   .  وإذا كان هناك من إيجابية في التعديلات الدستورية بما نصت عليه المادة (67) البنود (ب، جـ، د) والمتعلقة بعدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء إذ أصبح لعشرين عضواً من أعضاء مجلس النواب التقدم به بدلا من ثلثي الأعضاء ، وأصبح إقراره لمجلس النواب وحده بدلاً من المجلس الوطني بأغلبية الثلثين ويرفع الأمر إلى الملك للبت فيه، بإعفاء رئيس مجلس الوزراء وتعيين وزارة جديدة، أو بحل مجلس النواب ، فإن هذه الإيجابية لن تتحقق في الواقع ، فإذا كانت الأغلبية العادية لمجلس النواب هي محصنه بالنظام الانتخابي  الغير عادل يصعب تحقيقها فكيف يمكن أن تتحقق في ظل هذا النظام أغلبية الثلثين لإقرار عدم أمكان التعاون مع رئيس الوزراء ؟ ، وهذه الإيجابية لا تقارن بما نصت عليه المادة 69 الفقرة الأخيرة  من دستور 1973 التي نصت على أنه إذا حل المجلس وتجددت تولية رئيس مجلس الوزراء المذكور ولكن قرر المجلس الجديد ، بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم ، عدم التعاون معه كذلك ، اعتبر معتزلا منصبه من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن ، وتشكل وزارة جديدة.. 
 
5-   أن تعديل المادة (87) المتعلقة بمشروع القانون الذي ينظم موضوعات اقتصادية أو مالية، وتطلب الحكومة نظره بصفة عاجلة، بجعل مدة البت فيه خلال خمسة وعشرين يوماً لكل من مجلسي  النواب والشورى، ثم للمجلس الوطني في حالة الاختلاف أي بمدة مجموعها خمسة وسبعين يوما، فإذا لم يتمكنوا من البت فيه  خلال هذه المدة جاز للملك إصداره بموجب مرسوم له قوة القانون وذلك بدلاً من مدة خمسة عشر يوما أي بمدة مجموعها خمسة وأربعين يوما كما ما هو منصوص عليه قبل التعديل، لا يغير من حقيقة ما أكده المنبر التقدمي في وثيقته للإصلاح الدستوري من أن هذا النص دخيل على الفقه الدستوري ولا مثيل له في دساتير الدول البرلمانية وليس من داعٍ لوجوده ويتعين إلغاءه، إذ يكفي الحكومة أن تطلب نظر هذا المشروع بصفة مستعجلة دون حاجة لمثل هذا النص، كونه يوسع من دائرة إصدار المراسيم بقوانين التي يقتصر إصدارها في حالة غيبة المجلس ولضرورة لا تحتمل التأخير.  وما أكثر المراسيم بقوانين التي صدرت خلال أجازات المجلس دون أن يتوافر فيها شرط الضرورة والاستعجال ، ولعلكم تذكرون انه من على هذه المنصة ناقشنا ثلاثة مراسيم بقوانين صدرت في 14 نوفمبر 2010  ونحن على عتبة افتتاح الفصل التشريعي الثالث للمجلس الوطني دون أن يتوافر لها ركن الضرورة اللازم لإصدارها ، الأول مرسوم بقانون لسنة 2010 بشأن تعديل بعض أحكام قانون ديوان الرقابة المالية والثاني مرسوم بقانون لسنة 2010 بتعديل بعض أحكام قانون الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة والمؤسسات الخاصة والثالث مرسوم بقانون لسنة 2010 بتعديل بعض أحكام القانون رقم (11) لسنة 1975 بشأن جوازات السفر. بل يتم الاستمرار في إصدار مثل هذه المراسيم كمرسوم بقانون تعديل قانون النقابات   يوم 9 أكتوبر 2011م، وهو ذات اليوم الذي افتتح فيه دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثالث لمجلسي الشورى والنواب.
 
6-   كما يلاحظ انه على الرغم من ايجابية  ما نصت عليه المادة (92) البند (أ) من تعديل بالنص على تحديد مدة ستة أشهر على الأكثر للحكومة لتحيل خلالها الاقتراح بقانون بعد وضعه في صيغة مشروع قانون إلي مجلس النواب، فأن المنبر التقدمي يؤكد ما سبق وأن أكده في وثيقة الإصلاح الدستوري بأن صياغة الاقتراح بقانون يتعين أن تكون من اختصاص البرلمان وله أن يستعين في هذه الصياغة بالخبراء دون تدخل من الحكومة أو إحالته إليها. 
وكان مجلس النواب في اقتراحه بتعديل الدستور في الفصل التشريعي الماضي أشتمل على تعديل هذه المادة بتحديد مدة لا تجاوز خمسة أشهر لإحالة الحكومة مشروع تعديل الدستور أو القانون إلى السلطة التشريعية ، وبررت الحكومة رفض هذا التعديل بأنه ( يفتقر إلى الضرورة العملية المبررة له) .
 
7-    وإذا كانت التعديلات الدستورية قد أضافت جانباً ايجابياً لتعزيز الاختصاص الرقابي لمجلس النواب  على أعمال الحكومة من خلال  إضافة فقرة جديدة إلى المادة (46)، تقضي بأن يقدم رئيس مجلس الوزراء برنامج الحكومة خلال ثلاثين يوماً من أداء اليمين الدستورية إلى مجلس النواب، فإن اشتراط هذه الفقرة توافر أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب إذا أصر المجلس على رفض البرنامج للمرة الثانية، ينال من هذه الايجابية، إذ يتعذر في الواقع توافر مثل هذه الأغلبية في ظل تركيبة المجلس الراهنة بسبب يعود إلى طبيعة النظام الانتخابي الذي جرى تفصيله بمقاس لا تحقق فيه أغلبية معارضة. 
  
8- وبالمثل فان اشتراط الفقرة الثالثة الجديدة المضافة  إلى المادة (65) بوجوب موافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب لمناقشة الاستجواب داخل المجلس، يعني أن مناقشة الاستجواب في اللجان تظل قائمة في حالة عدم توافر هذه الأغلبية  وهو وضع منتقد، إذ يكفي حسبما تنص عليه هذه الفقرة بإحالة رأي اللجنة المشكلة في مدى جدية الاستجواب وسلامته الدستورية إلى المجلس للتصويت عليه دون مناقشة، ومن ثم تتم مناقشة الوزير المستجوب داخل المجلس .
 
الخلاصة :
 
 تعمدنا الإشارة إلى التعديلات الدستورية التي سبق وان تقدم بها مجلس النواب في الفصل التشريعي المنصرم وهي لا تختلف كثيرا عن التعديلات الراهنة التي طرحتها الحكومة لبيان إلى أي مدى أن مشرع الحكومة سواء كان دستوريا أو قانونيا يستطيع أن يتلاعب في نصوص الدستور بطريقة ملتوية وبالطريقة التي يريدها ، فبعد أن كانت هذه التعديلات محظورة لأنها كما تقول الحكومة ( تتعلق بنظام المجلسين الذي حظر الدستور تعديله ، وأنها جاءت على خلاف ما تقتضيه أحكام الدستور من ثبات نسبي لا تكفي له الفترة الزمنية المنقضية من عمر الدستور الحالي للمملكة ، وتتعارض مع مبدأ سمو الدستور أي علوه وسيادة أحكامه ) أصبحت هذه التعديلات الآن بقدرة قادر ممكنة ويجوز التطرق إليها. كما أردنا من هذه الإشارة بيان مدى عدم قدرة مجلس النواب على إجراء أي تعديل دستوري ما لم يكن مصدره الحكومة 

 أن هذه التعديلات ، لا تحقق ما ندعو إليه من إصلاح دستوري ناجز يحقق الفصل بين السلطات، ويؤدي إلى مجلس تشريعي كامل الصلاحية، ولا يعادل حجم التضحيات التي قُدمت في سبيله.  ولا تحقق مصالحة حقيقية   ولا تعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب ، وليس هناك من اصدق تعبير لهذه الإرادة سوى الاحتكام إلى الاستفتاء الشعبي . 



 
( الورقة قدمت في الندوة المشتركة لجمعيات التيار الديمقراطي – مقر جمعية  وعد – 1 فبراير 2012 )

 

اقرأ المزيد

الدولة المدنية بعد صعود الاسلام السياسي للسلطة


كيف ستتعامل القوى الليبرالية والقوى الحداثية المؤسِّسة للدولة المدنية المعاصرة في العالم العربي في أعقاب الصعود التاريخي لقوى الاسلام السياسي الى السلطة في عدد من البلدان العربية، وأرجحية تكرار ذات السناريو في عدد آخر منها هذا العام مع اقتراب استحقاق النسخة الثانية من ربيع الشباب العربي الغاضب، المتزامنة مع توالي التصدعات في جدران النظم التقليدية الشائخة التي هي نفسها من فرض التغيير بسبب خصامها العنيد مع التجديد والمواكبة؟

لاشك ان الصدمة كانت شديدة على القوى الحداثية العربية تلك التي أحدثها الصعود الجماعي اللافت والمتزامن لقوى الاسلام السياسي، لاسيما القوى المحسوبة على حركة الاخوان المسلمين، الى السلطة.. في ليبيا وتونس والمغرب ومصر وربما قريبا في اليمن ولكأن الحبل صار على الجرار وعلق به!

شدة الصدمة ليست ناجمة عن عدم توقع ذلك “الحصاد المر” للحراك الشعبي الواسع النطاق، فلم تكن تمخضات الحدث العربي الكبير مستغربة على أية حال بقدر ما كانت تندرج ضمن حدود الترجيحات التي تكاد تكون حتمية الوقوع.

الصدمة، على ما نحسب، ناتجة عن فجائية ونطاق التحول من الدولة شبه المدنية الى “بشائر” واستهلالات الدولة المأخوذة بالنزعة الثيوقراطية. فلأول مرة ربما في تاريخ الدولة العربية المعاصرة (نعني بالمعاصرة “Contemporary era”، المرحلة التي شهدت اضمحلال اسلوب الانتاج الاقطاعي ونشوء وتطور اسلوب الانتاج الرأسمالي وعلاقات السوق بين المنتجين ومستثمري المانيفاكتورة، وهي الشكل الجنيني للصناعة الرأسمالية المُمَكنَنة، وبين المنتجين ومستثمري الأراضي الزراعية وحصادها، وبدء الاندماج في السوق الرأسمالي العالمي، وذلك اعتبارا من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي) – لأول مرة يشعر الوسط المديني والتحديثي وطلائعه ونخبه المعبرة عن مصالحه وأمزجته وأنماط معيشته وثقافته بالمجمل، ان كل مكتسبات عصر “الرينيسانس” (النهضة) العربي، أضحت تحت “رحمة” أجندات “التغيير” لدى حركات الاسلام السياسي التي حملتها احتجاجات “الربيع العربي” الى السلطة.

فالى أي حد يمكن أخذ مثل هذه الهواجس على محمل الجد؟

الى حد كبير، هذا مما لاشك فيه. فكما هو معروف فان لدى حركات الاسلام السياسي، سواءً الاخوان المسلمين الذين أصبحوا بين عشية وضحاها على رأس السلطة في تونس والمغرب وعما قريب في مصر وفي اليمن، أو السلفيين الذين حلوا ثانيا بعد الاخوان في الفوز بعدد مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات التي أُجريت جولاتها الثلاث مؤخرا – لديها أجنداتها الخاصة بها، غير تلك البرامج الانتخابية التي سوّقت بها نفسها انتخابيا، وهي أجندات أفصح عن شذرات بعضها، بعض رموزها في تصريحات متفرقة.

ومع ذلك يتعين على قوى الدولة المدنية في العالم العربي، أن تحترم ارادة الناس الذين اختاروا التصويت لمرشحي هذه الجماعات، فهم الذين سيحكمون على أدائهم ويقررون سحب الثقة منهم اذا ما اكتشفوا الفارق بين وعودهم وأدائهم على الأرض.

وغنيٌ عن القول أن قوى الاسلام السياسي توفرت لها الأسباب الكافية لصعودها الى سدة الحكم في البلدان العربية التي أُجريت فيها لأول مرة انتخابات حرة ونزيهة، وهي أسباب على القوى المدنية التمعن فيها وأخذ العبرة منها. من هذه الأسباب ما يلي:

1- ان جزءا كبيرا وهاما من الكوادر التنظيمية لقوى الاسلام السياسي هم نشطاء محترفون، فيما كوادر التنظيمات الليبرالية والمدنية عموما، في معظمهم نشطاء هواة غير متفرغين، وانما هم يعولون على “سرقة” جزء من الوقت المتبقي لهم (Spare time) بعد عناء ساعات العمل وقضاء الحاجات المنزلية والاسرية الضرورية. وهم لذلك مشدودون لأعمالهم ومصالحهم أكثر من انشدادهم لواجباتهم النضالية. وهم بهذا معرضون للتذبذب لدن حدوث أي انعطاف مفاجىء في الأحداث، فيميلون في بعض الأحايين، والحال هذه، الى ترجيح جانب مصالحهم.

2-  تتوفر قوى الاسلام السياسي على دعم مالي هائل في الداخل والخارج، على عكس القوى المدنية، وهو ما مكَّن الأولى من الاستحواذ على أفئدة وعقول البسطاء بـ “مكرماتها الخيرية”.

3-  لقد عرفت قوى الاسلام السياسي كيف تستثمر الفرصة التاريخة التي أتاحتها لها ثورات الشباب العربي الجسور فقطفت ثمارها وحققت حلمها، مع الاستدراك هاهنا بأن هذا صار ممكنا بفضل مساعدة ومواكبة ترتيبات خاصة أقليمية ودولية ضمن ما يسمى بـ “جراند بلان” (Grand Plan) المراد بموجبه تغيير المنطقة شكلا ومضمونا. فالولايات المتحد وحلفاؤها الاوروبيون الذين لم يتوانوا في انشاء تنظيم “القاعدة” (باعتراف وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون)  ودعم الحركات الاصولية والتعاون مع طالبان عندما كانت في السلطة، والتي اشترت سكوت الغرب على جرائمها بموافقتها على الصفقة الامريكية لنقل امدادات الغاز من عشق أباد (عاصمة تركمانستان) الى باكستان عبر الأراضي الأفغانية، ومنها الى أسواق الاستهلاك الاوروبية (أطراف الصفقة كانوا زلماي خليل زاد الامريكي من اصل أفغاني الذي صار سفيرا لأمريكا في العراق ثم في الامم المتحدة، والرئيس الأفغاني الحالي حامد كرزاي، وشركة يونوكال الامريكية) – لن يعدموا الوسيلة ولا تبريراتها الأخلاقية للتعاقد مع كائن من كان اذا ما توفرت فيه “شروط كفالة” مصالحها.

واذا كانت قوى الاسلام السياسي قد حصلت على الفرصة التاريخية التي انتظرتها طويلا واقتنصتها أخيرا على طريقتها الخاصة، فان هذه الانعطافة الحادة في شكل ومضمون السلطة الحاكمة في العالم العربي، توفر بنفس القدر فرصة تاريخية مواتية لاعادة اصطفاف وقيام تيار ليبرالي ومدني عريض سوف تبلوره في الامد القريب وتنتظم فيه تدريجيا الشرائح الاجتماعية الواسعة المرتبطة مصلحيا ومزاجيا بالدولة المدنية.لاشك ان التحدي كبير جدا بالنسبة لمستقبل ومصير الدولة المدنية والمجتمع المدني، مؤسسات ونمط حياة، في العالم العربي، وهو ما يتطلب كثيرا من الجدية والاحترافية من جانب القوى الاجتماعية المرتبطة بهذه الدولة، دفاعا عن منجزاتها وقيمها الحداثية المتكرسة والمتراكمة عبر عقود من العمل الشاق والمضني

اقرأ المزيد

خطاب الحوار وخطاب التأزيم


كلما انطلقتْ دعوة أو جرى حيث عن حوار محتمل قوبل بترحاب، وهذا أمر طبيعي يتسق مع سوية الأشياء ومع الفطرة السليمة التي ترى في الحوار وسيلة لتقريب وجهات النظر ومد الجسور وبلوغ التسويات الممكنة، لكن هذا الترحاب في ظروفنا الراهنة مليء بشحنة من الحذر والقلق، لأن ولوج أي حوار يقتضي توفر أمرين، أولهما هو وجود الرغبة الصادقة المخلصة لمن سيتحاورون في أن يأخذوا بهذا الحوار إلى نتائج مثمرة، والأمر الثاني وهو وثيق الصلة بالأول يتمثل في تهيئة سبل نجاح هذا الحوار.
 
وفي مقدمة ذلك أن نتفق على أننا بحاجة إلى حوار وطني جدي حول القضايا التي تعني الجميع في هذا الوطن من أجل تجاوز الوضع المحتقن والتغلب على معوقات وكوابح البناء الديمقراطي والعيش المشترك والشراكة السياسية الفاعلة بين الدولة والمجتمع، وتأمين الاستقرار والأمن على أرضية تنبذ العنف في كافة صوره، وترسي الاحتكام لأساليب العمل السلمي الديمقراطي بما يعيد للبلد عافيتها المفتقدة، ويصلح من وضعها على كل صعيد.
 
في البلد اليوم خطابان: واحد للحوار وآخر للتأزيم، ولخطاب الحوار مريدون ودعاة في مختلف مكونات المجتمع، ممن يدركون أن مصلحة البلد هي في الخروج من محنتها الممتدة منذ نحو عام، والتغلب على الجراح التي أُثخن بها المجتمع، والذهاب إلى المستقبل بالاستفادة من التجربة المريرة التي مرت بها البلاد، والتي وقعت كل الأطراف فيها وبدون استثناء في أخطاء شخَّصها بموضوعية وحيادية تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق، وهو مرجع موثوق لو أن كل الأطراف عملت بروحه بإخلاص وصدق لعجلنا من خروج البلد من الأزمة.
 
وبمقابل دعاة الحوار هناك دعاة التأزيم وهم موجودون في كافة الأطراف أيضاً، بين منتفعين من استمرار الأزمة، لأنها وضعتهم في مواقع لم تكن لهم وليسوا أهلاً لها، وبين من يريدون دفع البلاد نحو الهاوية جرياً وراء مشاريع مغامرة، دون التبصر في العواقب وفي حجم الخسائر والتضحيات التي وقعت وستقع والدماء التي سالت وندعو الله مخلصين ألا تسيل سواها بعد اليوم.
 
وتجارة دعاة التأزيم هي التخوين، فكل من يختلف معهم في الرأي والموقف هو خائن، وكان نصيب قوى التيار الوطني الديمقراطي من هذا التخوين كبير، فأسهل وأقصر طريق للهروب من المساهمة المخلصة في رسم خريطة طريق خروج البلد من محنتها هو التمترس في موقع وصم الجميع وبدون استثناء باتباع ولاية الفقيه، وأكثر من ذلك بعدم الوطنية على نحو ما تمادى أحدهم مؤخراً ممن تقلبوا بين الماركسية والماوية والماركوزية،  ليرسو على لا شيء.
 
 الفاقد للجرأة في أن يطالب بالإصلاح وانتقاد الفساد يجد ضالته لستر عجزه في كيل الهجوم على القوى الوطنية المناضلة البعيدة عن المنحى الطائفي، والتي تعبرعن الوحدة الوطنية الحقيقية من خلال وجود أعضائها ومناصريها في كافة فئات المجتمع.
 
المسألة الطائفية لا يمكن أن تعالج بأدوات طائفية وإنما بأدوات نافية ومتجاوزة لها، فما أسهل أن يجري التخندق في  صفٍ معين، ومن هناك توصم الآخرين بالخيانة وعدم الوطنية.   والتحدي الماثل أمام كل من يريد خيراً للبحرين هو أن يخرج من طائفته ليدخل في الوطن.
 

اقرأ المزيد

الحوار ثم الحوار


لم ننقطع يوما عن الدعوة الى حوار مثمر، يتم وضع كافة الملفات العالقة على طاولته، للخروج من حالة المراوحة، ليس فقط بعد احداث 14 فبراير، بل حتى ما قبل ذلك وبكثير.
 
 ايماننا عميق وغير متزلزل بأن الحوار المثمر والجاد هو الحل الاسلم لأي منعطفات سياسية، فضلا عن انه القادر على ايجاد الصيغة المناسبة للتعاطي مع المستجدات السياسية او الاجتماعية. الحوار هو اساس لأي عقيدة او فكر سياسي او ديني، «قل تعالوا الى كلمة سواء»، فهذا تأصيل لهذا المنهج في التعاطي.
 
البعد السياسي والمستجدات التي يعيشها واقعنا العربي من جهة، والاقليمي من جهة اخرى تحتاج الى هذا البعد الواضح، لتجاوز المستجدات بأقل كلفة من الخسائر البشرية او المعنوية والنفسية كذلك.
 
وقد جاء في اللغة العربية بشان الحوار، بانه من حاور يحاور محاورة، وقد ورد أن الحوار يعني تراجع الكلام، كما ورد في لسان العرب، والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة. وعليه، فإن البعد الحواري والبدء في الحوار يتطلب مراجعة شاملة للخطاب السياسي المتبع، وهنا المعني بهذا الكلام جميع الاطراف، فقد شهدنا انفلاتاً في التوصيفات ساقها بعض المغردين في شبكات التواصل الاجتماعي، او بعض المؤسسات الاعلامية، او البيانات السياسية للجمعيات والتجمعات السياسية.
 
وإذا ما نظرنا للمنطق، فإننا نحتاج الى ان نوجه دعوة الى كل هذه التجمعات والكيانات المؤثرة في العمل السياسي، بعقد ورش عمل ومؤتمرات داخلية لاتباعها ومناصريها لتقييم أفعالها وخطاباتها، وحسنا فعلت جمعية المنبر التقدمي حين اقدمت على خطوة اولية بمراجعة ما حدث، وان كان عليها الان ان تعيد ترتيب صفوفها والعودة الى نشاطها وحراكها السياسي، وان تطلب الامر بعض المكاشفات والمصارحات، ففي السياسة لا زعل، ليس هناك شخوص بل هناك مواقف، ويحق لمن يمتعض من امر صدر ان يناقشه ويتحاور مع القائمين عليه.
 
كل ما يتعلق بالسياسة يتطلب الحوار، سواء على المستوى الداخلي للتنظيمات السياسية، او على مستوى الوطن بشكل عام. ونعيدها ونكررها الحوار ثم الحوار، ومن غير المنطق ان ينادي احد بغير هذا لحل اي ازمة كانت.. لنعود الى الرشد الوطني من اجل الوطن كل الوطن. 

 
الأيام   2 فبراير 2012
 

اقرأ المزيد

اللا معنى ..جرحــنا الأكــبر….


رب ضارة نافعة ذلك اللغط الذي كان قد أثير على خلفية الخطاب المرفوع إلى عاهل البلاد من رئيس اللجنة الوطنية المعنية بتنفيذ توصيات لجنة تقصي الحقائق علي الصالح، الذي ضمنه التماسا بإعفائه من رئاسة اللجنة، فبصرف النظر عما آل إليه تاليا هذا الخطاب من عدول عن الاستقالة نزولا عند رغبة جلالة الملك، إلا انه يبقى لهذا الخطاب على الأقل ايجابية بل اثنتان، يكفينا ان نتلقاها عند حدها الأدنى.
 
 بالنسبة للأولى فان الايجابية تكمن في تذكيرنا بالشوائب التي تراكمت وتنوعت في واقعنا الراهن والتي جلها تدور حول ما يفرق ويشكك ويشوه، ويخوّن ويطأفن ويبث السموم الحاقدة، ويطلق الهواجس والمخاوف والضغائن التي لا هم للبعض إلا أن تتوسع في بسط نفوذها بالجملة والتجزئة لتثير ما لا يسر الخاطر ولا يصلح ذات البيّن ويجعل الانسان اذا لم يكن اعمى بصر فأعمى بصيرة.
 
نحسب تلك ايجابية لاسيما اذا كان التذكير يشعرنا بالحاجة الملحة والقصوى الى تبني حسابات ادق من التي لا تحتاج الى كثير من العناء ولا الى شرح يطول لتأكيد بان أوانها قد آن اليوم قبل الغد لعلنا نخفف من المآسي التي أصبحنا نتوجع منها. ونوقف التعبئة الخاطئة نحو مزيد من التصعيد والتأزيم التي تكرسها أطراف من هذا الجانب او ذاك لبلوغ أقصى درجات التعقيد والنوازع الانتقامية الفالتة من أي عقال ومن ثم الى بؤس مستدام يعطل دورة الحياة السياسية والاقتصادية والانمائية.
 
 اما الايجابية الثانية فهي تضعنا امام مشهد مسكوت عنه يصنف في خانة السوء الذي نعانيه الآن، ومنه ما يعبر عن المزايدة في مسألة الوطنية والتلذذ في القيام بممارسات تدخل في اطار المقاصد المشكوك في براءتها من كيدية ومناكفة ورمى السهام الغادرة نحو شخصيات وطنية والطعن في مواقفها وعطائها وتاريخها، تماما كما حدث لكثيرين ليس فقط ممن لا يمكن الا ان يحظوا بكل الاحترام والتقدير، بل اضافة الى ذلك الاساءة الى كل مسعى او بادرة وعرقلة كل خطوة يراد منها تجاوز كمائن التقاطع وحالة الانشطار، وتخوين من باتوا يتململون ويجاهرون بالامتعاض الشديد مما يرونه ويعيشونه يوميا من ضرب في منظومة القيم والثوابت والعلاقات والمعاملات والتعاملات والمواقف وكل ما يجعل حياتنا اكثر قتامة.
 
المهم.. والبالغ الاهمية ان ننتبه بان ثمة اطرافا لها مصلحة اكيدة في استمرار هذا الذي يجري، فهناك من لا يكون له شأن ولا يكون له اعتبار ولا رصيد معتبر الا في مثل هذه المناخات الراهنة والاوقات العصيبة، وان الاصوات التي علت ولا تزال ومارست اللمز والتشكيك والنيل من الشخصيات التي يشهد لها القاصي والداني الاخلاص ونظافة اليد ورفضها لعبثية عموم المشهد الراهن، وشطحت في الردح المبرمج، وأطلقت الاتهامات من كل حدب وصوب وفق إيقاعات صارت معروفة ومتوقعة، وكان من ضمن ما سعت اليه الإساءة الى الآخر، والرفض بقبول الرأي الآخر، والتخوين والتشكيك في الآخر ومقاطعة الآخر، وعملت على كل ما يضفي على المشهد كل عناصر الترقب والتوتر والقلق، هي ذاتها الأصوات التي في كل وقت تسارع الى قرع طبول التأزيم وابتداع العراقيل وتريد لنا ان نستسلم لخطابات التقاطع والتخاصم وجعلنا عاجزين عن رأب الصدوع، وخلق صورة منفرة للآخر، وهي ذاتها التي تصول وتجول تتحدى وتمانع وتشن الحملات لإعاقة وعرقلة كل خطوة وكل بادرة امل لوقف استمرار ما يؤذي البلد والناس واسترداد العافية، ولهذا نجد من باتوا يتبنون مشروع اطلاق وثيقة المصالحة الوطنية، ومشروع عقد لقاء وطني، ومعهم الذين أدركوا بان اللامعنى هو الجرح الاكبر والاقسى الباسط حضوره في المشهد وبادروا الى تبني تشكيلات انطلقت من ايمان بان الجوامع والمشتركات بين البحرينيين الذين باتوا منهكين بفعل ما جرى او يجري، هؤلاء هي اكثر بكثير مما يفرق، باتوا مستهدفين بصورة او اخرى، ولكن احسب ان هؤلاء مدركون بان مساعيهم هذه لن تمر بسلام من قبل تجار الفتنة من خطباء ووعاظ ورجال دين وسياسيين وانتهازيين وطارئين على المشهد، الذين لا يريدون ان يكون هناك شيء في الأفق سوى ما يفرز الشك والريبة. ويغيب الاجماع حول اي قضية وطنية، وجعل المشروع الوطني المشترك حلما بعيد المنال. او عرضة لمناقصات ومزايدات تخلو من البراءة.
 
علينا ان نفتح عيوننا جيدا وان نتنبه ونحذر من هؤلاء الذين لا يهمهم تجاوز الحالة الراهنة بل تكريسها لتبقى المناكفات والخصومات والمرارات، وهؤلاء اليوم يملكون قوة خارقة في ضخ الازمات واعادة انتاجها بطريقة اكثر ضراوة وفضاضة وفجاجة، وثمة حقيقة من السداد التذكير بها وهي ان من بين هؤلاء من يرفعون شعارات حق يراد بها باطل، شعارات تتحدث عن المصالحة الوطنية، والنسيج الوطني، والسلم الاهلي، والوحدة الوطنية، والامن الاجتماعي فيماهم واقعا يطعنون ويضربون كل تلك المعاني في الصميم، بل نجدهم يؤججون ويزجون الناس في مغبة معارك لا تخدم احدا وكأن كل واحد منهم «نيرون» يقف متفرجا على احراق البلد.
 
ذلك من بين اخطر ما ينبغي التنبه اليه والحذر منه، ويستدعي اليقظة والاستعداد من جانب من ليسوا في وارد السير بقدم الى ميدان الفتنة، فهو ميدان اصحابه ومن في معيتهم ومعهم مصطادو الفرص ايا تكن سيظلون في الشكل والجوهر يمارسون التحريض والتجييش وجعل كل مشكلة مشروع ازمة، وكل شأن وطني شأنا طائفيا. وكأن لم تعد لدينا مشتركات بيننا وثوابت نتفق عليها، ونحتشد للدفاع عنها.
 
اما الذين يتبنون مشروع مصالحة وطنية فينبغي تنبيههم بأننا لا نريد مؤتمر مصالحة وطنية يقال فيه كل شيء ولا يؤدي الى اي شيئ. ولا يؤدي الى حراك يبشر بحل ومغادرة هذا الفخ. وسيكون من الخطأ الفادح ان يظل بيننا من يتوهم انه يمكن ان تكون أمورنا وأحوال بلادنا على ما يرام حتى في الحدود الدنيا، اذا بقي هناك من هو منشغل بصناعة الخطر..!!، وسيكون الخطأ الأفدح على الإطلاق اذا بقى رجال الدين من الطائفتين ومن له مكانة او تأثير في محيطه او طائفته اما صامتا ومتفرجا او مستسلما للوضع الذي دخل في طور العبث، او مشاركا في توسيع مساحة هذا العبث، الذي بالنهاية سيوقع الجميع في حبائل الشيطان ولهؤلاء تحديدا نقول: اتعظوا واكترثوا لحال البلد ولا تعفوا أنفسكم من اي مسؤولية لهذه العتمة القاتمة التي تخيم على رؤوس الجميع.
 
الأيام   2 فبراير 2012
 

اقرأ المزيد

النموذج التركي لن يُصبح عربياً


هناك حُمى تجتاح الكثير من الأوساط السياسية وحتى الأكاديمية والفكرية العربية اسمها الحمى التركية، تذكرنا بالولع الذي اجتاح القوى اليسارية العربية في عقود سابقة بالنموذج السوفيتي تارة أو الصيني تارة أخرى، قبل أن نفيق جميعاً على حقيقة أن النموذج المبتغى قد سقط، فانهار النظام السوفيتي، فيما توغل الصين في اقتصاد السوق، مخترعة لنفسها رأسمالية خاصة بها لتوائم بها خصائص تطورها الثقافي والروحي، وبالطبع الاقتصادي، حتى وإن احتفظ الحزب الذي لا يزال اسمه شيوعياً، بمفاصل السلطة والقرار.
 
شكل حزب الحرية والعدالة في مصر بعد ما حققه من تقدم في الانتخابات لجنة، يلاحظ أن عضويتها اقتصرت على كوادر الحزب من المشتغلين بالشأن الاقتصادي، ولم يشركوا فيها أحد من خارج الجماعة، رغم ما تعج به مصر من عقول اقتصادية نيرة مشهود لها بالكفاءة، وكان الهدف من اللجنة دراسة نماذج النمو الاقتصادي في بعض البلدان أهمها تركيا وماليزيا، وليس في هذا ما يدعو لاعتراض، بل أنه أمر حميد أن تتم الاستفادة من خبرات البلدان الأخرى، لرؤية إلى أي مدى يمكن الاستفادة من إيجابياتها وتفادي سلبياتها.
 
لكن ما نحن بصدده لا يدور عن مثل هذه الدراسة للتجارب الجديرة بالدراسة في أي مجتمع كان، وإنما بهذا الترويج المبالغ فيه للنموذج التركي، كما لو كان فيه الحل السحري لمشاكلنا التي عجزنا عن حلها، ليس فقط لأن المنادين بهذا الاستنساخ يغفلون عن حقيقة أن في أساس الاندفاع التركي نحو المنطقة العربية تكمن أسباب أخرى معقدة، بينها الحلم باستعادة المجد العثماني الغابر في البلدان العربية، والصراع الجيوبوليتيكي مع طموحات النظام الإيراني لمد نفوذه إلى بلدان المنطقة، فضلاً عن الرغبة التي لا يمكن لتركيا أن تخفيها في التعويض عن فشلها في الاندماج أوروبياً، بإخفاقها حتى اللحظة من دخول السوق الأوروبية المشتركة، من خلال الالتفات نحو الشرق العربي الذي تعتقده ساحة نفوذ ممكنة بفعل التعقيدات الكثيرة الراهنة.
 
تعميم النموذج التركي في البلدان التي شهدت تغييرات، مثل تونس ومصر، أو التي بات في حكم المؤكد أن تشهد تغييرات مثل سوريا، أمر غير ممكن، وفي الدعوة لمحاكاة النموذج التركي عودة إلى استنساخ تجربة نشأت وتطورت في سياقات ثقافية وسياسية أخرى، وإسقاطها على بيئات عربية مختلفة، لم تجتز التحولات التي شهدتها تركيا قبل أن يصل الإسلاميون الجدد إلى الحكم فيها، وفي مقدمة ذلك التراث العلماني الذي أرسى قواعده أتاتورك، والذي لم يعد بوسع أحد التنكر له.
 
ومن دلائل ذلك أن الإسلاميين الأتراك كيفوا خطابهم السياسي والانتخابي على هذا الأساس حين أكدوا احترامهم والتزامهم بالطابع العلماني للدولة، وهو طابع لم يتحقق في أي بلد عربي آخر، رغم ما قد تشكله الحالة التونسية من استثناء في نطاق معين، وهذا ما كان راشد الغنوشي واعياً له، حين قال عشية انتخابات المجلس التأسيسي في تونس أن حركة النهضة التي يتزعمها ستأخذ بعين الاعتبار الطابع التعددي للمجتمع التونسي، لكن تظل المسافة بين القول والفعل شاسعة، حتى نختبر ذلك في الممارسة الفعلية.
 

اقرأ المزيد