المنشور

الحوار ومفهوم التوازن في الحقوق



استكمالاً للمقالة السابقة نجد لزاماً علينا في البداية أن نجدد القول:
إن نجاح فرصة أي حوار قادم لابد من أن ينطلق من مجموعة أسس ومنطلقات تشكل
جميعها بمثابة خريطة طريق لكل الأطراف المعنية بعملية الحوار، فعدا قضيتي
الجدية والإرادة اللتين تعكسان الرغبة في الخروج من نفق الأزمة الراهنة،
هناك طبعاً الآليات والأهداف وتحديد الأطراف المشاركة بوضوح ثم السقف
الزمني الذي يجب هو الآخر أن يكون محدداً وعدم ترك العملية دون مثل هذه
الضوابط. وبدون أفق زمني.
أحد أهم الأسس في تقديرنا هو في وطنية
الحوار، بمعنى أبعاده عن أي نزعة أو تصور يصنف المواطنين والقوى التي
تمثلهم تحت عناوين أو يافطات مذهبية أو طائفية، لأننا في حقيقة الأمر لسنا
في حالة معركة طائفة ضد أخرى، إنما في حالة صراع سياسي حتى وإن جرى إلباسه
لبوساً طائفياً، فإن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً. كما إن أي حل ينتج عن
هذا الحوار يجب أن يفضي إلى استقرار ديمقراطي واجتماعي حقيقي، وليس
استقراراً مصطنعاً يمكن أن يسقط أو ينهار عند أول هزة سياسية أو اجتماعية.
وهناك
حقيقة مهمة يجب أن تكون ماثلة في أذهان كل المتحاورين خاصة من جانب الدولة
أو السلطة السياسية، وهي ضرورة الإقرار بأن الأحداث والتطورات الكبرى التي
يشهدها أي مجتمع، وترافقها بعض النزاعات الأهلية، مهما كانت طبيعتها أو
حجمها، عادة ما تؤدي إلى إحداث تغيير جوهري في الكثير من المفاهيم والرؤى
ومن أبرزها نظرة المواطنين لطبيعة العلاقة مع الدولة. فالناس بعد أن تقدم
الكثير من التضحيات وتعاني من الظلم والإقصاء فإنها (الناس) ستحاول حتماً
نزع الصفة المتعالية لهذه الدولة/السلطة وستصرّ على تحديد سلطاتها وتحميلها
مسئولية أعمالها التي يجب أن تخضع للمحاسبة والمراقبة، لأنه من المهم أن
يشعر المواطن أن الدولة التي تحتضنه هي دولته حقاً وليست دولة آخرين يسعون
إلى إقصائه والاستحواذ على كل شيء مقابل حرمانه من أي شيء فيها. هنا سيأتي
مطلب وجود حكومة تمثل إرادة هؤلاء الناس مطلباً عادلاً وضرورياً.
مسألة
أخرى تتعلق بوعي الأطراف المشاركة في الحوار بمعنى أنه لابد أن تتوافر عند
الجميع قناعة بأهمية وضرورة الحوار، وفي كل الظروف، ومهما بلغت حدة
الخلافات بين هذه الأطراف، لأن وجود واستمرار هذا الحوار هو دون شك هو أفضل
من القطيعة التامة، لأنه بمجرد شعور الناس بجدية العملية الحوارية، وبأنها
ستسفر عن خطوات إصلاحية حقيقية تستجيب لمطالبهم العادلة، فإن ذلك سيدفع
الوطن إلى حالة من الاسترخاء السياسي والاجتماعي، وهو أمر مطلوب وضروري
لأنه يجعل هؤلاء الناس أكثر استعداداً وأكثر قابلية للتجاوب مع أية مبادرة
مطروحة في هذا الشأن، وعلينا ألا ننسى هنا عامل الثقة الذي بات معدوماً بين
جميع الأطراف السياسية والقوى المجتمعية، لذلك لابد من بعض الخطوات التي
تساعد على استحضار هذا العامل المفقود. وفي اعتقادنا أن الالتزام التام
والصادق بتنفيذ كل توصيات تقرير بسيوني سيشرع الأبواب أمام الجميع للدخول
في هذه العملية باطمئنان وقناعة تامة.
ومن أجل ضمان نجاح هذه العملية
لابد من بعض الإجراءات العملية منها على سبيل المثال لا الحصر، قراءة
أسباب الأزمة الراهنة ومجرياتها قراءة صحيحة وعادلة، وإجراء تقييم شامل
للوضع السياسي والاجتماعي في البلاد، ومن ثم البدء بتصحيح الكثير من
المعادلات والتوازنات المختلة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وأمنياً، في
هذا الوضع، لأنها هي المسئولة عن تفجر هذه الأزمة. وهذا الأمر يتطلب
اعترافاً صريحاً بوجود أزمة سياسية ودستورية حقيقية، تستدعي معالجة سريعة
عبر مبادرات وآليات سياسية، باختصار مطلوب إرجاع القضية إلى مربعها السياسي
الذي انطلقت منه، وإخراجها من الدائرة الأمنية والطائفية التي جرى إدخالها
فيها عنوة، ولأسباب لم تعد خافية أو مجهولة بعد أن لمس المواطنون نتائجها
المدمرة.
نقول ذلك، لأنه لايزال هناك من يصرّ على التعاطي مع هذه
الأزمة وتداعياتها من منطلقات طائفية، ويعتقد أن الحل يجب أن يكون طائفياً
أيضاً، وهنا مكمن الكارثة أو الهاوية التي يريد هذا البعض أخذنا إليها، أي
أن هذه الأطراف التي تنظر إلى الأزمة وكأنها قضية طائفية لا ترى بضرورة
وأهمية الحل الوطني الشامل، إنما تؤمن بالحل الفئوي الطائفي، القائم على
المحاصصة وتقاسم النفوذ وفق معادلات طائفية، الأمر الذي يعني بقاء استمرار
الاصطفاف والتخندق الطائفي المسئول أساساً عن تعقيد الأزمة وتفجرها بهذا
الشكل المقلق والمخيف، ولسنا نجهل مخاطر هذا التوجه على الوطن وعلى كيان
الدولة ووحدة شعبها. فليس من المعقول أو المقبول، أن يبقى هذا البلد رهينة
لخيارات جميعها مرة ومدمرة، أي إما القبول باستمرار هذا الفرز الطائفي
والصراع على الهوية المذهبية إلى ما لا نهاية، أو الخضوع لمنطق المحاصصة
الطائفية، كما هو حاصل في النموذج العراقي بعد الاحتلال، فنحن جميعاً نرى
ونلمس بشكل يومي وتفصيلي النتائج الكارثية لمثل هذه العملية الفاسدة، مهما
حاول البعض تجميلها ببعض المساحيق الديمقراطية.
وأخيراً نقول إنه
لابد في سياق هذه العملية أن تتوافر القناعة التامة لأهمية إفساح المجال
أمام كل الطاقات والكفاءات الوطنية للمشاركة في الحياة العامة، وصنع مستقبل
البلد، بدلاً من تدمير أو إقصاء هذه الكفاءات عبر الإصرار على الكثير من
الإجراءات والسياسات الإقصائية، ونرى أن وجود برلمان منتخب كامل الصلاحية
وتوزيع عادل للدوائر الانتخابية يقربنا من هذا الهدف المهم، وهذا يعني أن
الدولة مطالبة بإعادة صياغة وعيها وفهمها لمفهوم المواطنة الذي يجب أن
يستوعب ويدمج الجميع في بناء وقيادة الدولة سياسياً واقتصادياً وأمنياً،
وهنا لابد من خطوة شجاعة تتمثل في القطيعة المطلقة مع الماضي بكل حمولته
الثقيلة وبكل ما فيها من تمييز وتقييد للحريات وغياب العدالة والحقوق
المتساوية، ولابد من وقفة جادة عند الكثير من الشكاوى والمظالم التي
تختزنها ذاكرة الناس القديم منها والحديث، ولابد من إبداء الاستعداد لسماع
هذه المظالم والتجاوب مع أصحابها بإرادة سياسية صادقة، بعيداً عن منطق
القوة وأوهامها، وبعيداً عن النزعة الأمنية ومخاطرها.

محمود القصاب

صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد

روح دلمون – يوسف أبو لوز




ثلاثة
أيام في البحرين لا تكفي الشاعر حتى الوصول إلى قلب دلمون، حيث تشرب
القصيدة من ماء الأسطورة في بلاد يقول أهلها الطيبون إن البحرين . . بحر
مالح، وبحر عذب، وهناك في مكان ما تقع عين عذاري التي تشكل جزءاً من
الذاكرة الشعبية والثقافية عند الشعراء على وجه التحديد، هؤلاء الذين
يشتقون من الماء أسرار الشعر، ويذهبون في أسفارهم المائية إلى أقصى الحلم
وأقصى الواقع .

البحريني
طيب القلب وطيب الروح بالفطرة، له مذاق إنساني عذب، ومرة أخرى عذوبة
الماء، تلك العذوبة التي تشبه عذوبة الشعر، الفن المولود من اللغة ومن
القلب، إنه الشعر الذي يتكاثر كما يبدو القرب من البحار وضفاف الأنهار، كما
يتكاثر في الصحراء والجبال وحتى الغيوم .

ما الذي تبقى إذاً من مكان لا يولد فيه الشعر؟

يبدو
الشعر كائن كل الأماكن، ابن الإنسان وابن المكان بامتياز، إنه غناء مشغول
بالقلب وفي القلب منذ هوميروس وحتى قاسم حداد، وعلوي الهاشمي، وأمين صالح،
وعلي الشرقاوي، وغيرهم وغيرهم من سكان القصيدة في البحرين وفي كل مكان في
هذا العالم الذي لا تبرد رأسه الحامية إلا بماء الشعر .

شعراء
البحرين، ومنذ وقت مبكر، كانوا ومازالوا يقيمون معماراً متوازناً بين
القصيدة الكلاسيكية المبنية على ثقافة تراثية عريقة، وبين القصيدة المنتمية
إلى التجديد والحداثة والمعاصرة من دون أن يخسروا أي ثوابت أو مستجدات في
سياق هذا التوازن الشعري الذي امتد أثره إلى الكثير من التجارب الشعرية
العربية، خصوصاً في منطقة الخليج العربي، والجميل في هذا السياق أن الصوت
الشعري البحريني يحتفي ويتواءم بسرعة مع قرينه في المنطقة وفي الوطن العربي
برّمته .

 .
.”المحبة لا تعطي إلاّ ذاتها” يقول جبران خليل جبران المعجون أيضاً بماء
وتراب الشعر، كأن الشعر ليس فقط رسالة جمال، بل هو أيضاً رسالة سلام،
ورسالة قلب ورسالة حب ومحبة .


الغناء،
الموسيقا، الخفّة الإنسانية، الشعر، لون المسرح وضوء المسرح، المنحوتات
العجائبية الهادئة الصامتة التي تلجم صوت الصخب، الرسم بأصابع من فضة،
البحر الذي بحران، وقبل وبعد كل ذلك الإنسان الغني في روحه وفي قلبه، ثم،
الشمس الحنونة على النخيل، والنخيل الحنون على التراب . . كل ذلك قصيدة
دلمون، قصيدة الأصدقاء الذين يكتبون الشعر بأصابع يجري فيها الماء

اقرأ المزيد

شروط بناء الدول


لم تخفت أو تضعف، في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ثنائية التقليد  الحداثة التي تعد أحد عوامل الجدل فيها، سواء كان ذلك على صعيد الفكر والنظرة للحياة أو على صعيد الخيارات الاجتماعية  الثقافية، التي تشمل ضمن ما تشمل شكل الحكم والمشاركة السياسية . ونتحدث هنا عن الحداثة بوصفها حركة انفصال، فهي قطع مع الماضي، ولكن ليس بهدف نبذه وإنما لاحتوائه وإدماجه في مخاض التحديث المتجدد، فهي والحال كذلك اتصال وانفصال، والحداثة حين تصيب المجتمع التقليدي بصدمة تجعله يشهد اهتزازات وتحولات في كل مستويات نسقه الاجتماعي، إما في اتجاه التكيف معها أو في اتجاه رفضها، مُطلقة في هذه المجتمعات صراعاً عسيراً بين مقومات التقليد، ومقومات الحداثة .

وهذا الصراع ليس اختيارياً أو إرادياً، بل هو مخاض موضوعي ناتج عن مظاهر تقدم الحداثة التي تتحول إلى خيار كاسح يغزو كل الآفاق والفضاءات بمختلف الوسائل والآليات، كما أنه صراع مفتوح لأنه يُقحم هذه المجتمعات في مخاض من التحول الطويل المدى . بل إن الدولة، من حيث هي شكل حديث لتنظيم المجتمع وإدارته، كثيراً ما اصطدمت بالبنى السابقة لها التي مازالت تحتفظ بدرجة عالية من القوة والتماسك التي تجعلها فعالة ومناقضة لها، وفي بعض الحالات بديلاً ممكناً أو محتملاً عنها في المناطق التي لا تستطيع هذه الدولة من حيث هي سلطة مركزية أن تفرض نفوذها .

ولذا يتسم الانتقال من الحالة التقليدية السابقة للدولة إلى الدولة من حيث هي جهاز الإدارة الحديث بالصعوبة، ويحمل معه مظاهر مؤلمة، وقد يفرز في بعض الحالات شيئاً من ازدواجية السلطة أو تقاسمها، بحيث تبدو الدولة مضطرة للتنازل عن بعض مهامها للبنى السابقة لها، وتراعي عدم استفزازها أو استدراجها للمواجهة، وشهدنا، ونشهد نماذج لذلك في الحالة اليمنية، لكن هذه الصورة المسالمة للعلاقة قد تنهار تحت ضغط تمادي نفوذ البنى التقليدية، كالقبيلة أو العشيرة أو الطائفة، مما يؤدي إلى انهيار الدولة ذاتها، كما حدث في الصومال مثلاً .

وهذا النوع من التضاد يلفت نظرنا، من جهة أخرى، إلى مفارقة باعثة على الأسى، فالحديث على النطاق العالمي وتحت تأثيرات العولمة، يدور حول ضرورات تنشيط وتطوير وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وتزداد الدعوة للحد من سطوة نفوذ الدولة لمصلحة دور أكبر للمجتمعات الأهلية ليس في مجال الاقتصاد وحده، من خلال الحديث الدائم عن الخصخصة وتوسيع دور القطاع الخاص، وإنما كذلك في مجالات السياسة والخدمة الاجتماعية والنشاط الثقافي والفني .

لكننا ما برحنا في مرحلة نضطر فيها للمطالبة بدورٍ أكبر للدولة لضبط نزاعات المؤسسات السابقة لها، وللتأكيد على أهمية بسط نفوذ الدولة بديلاً لنفوذ هذه المؤسسات التي لم تضع خطة لتفكيك عوامل قوتها وتأثيرها، لأن هذه البنى تخترق الدولة، وتميل الدولة، بإرادتها الطوعية في حالات كثيرة، للتماثل، لا بل والتماهي مع هذه المؤسسات، فتكون الحصيلة الإخفاق مرتين: مرة في العجز عن بسط نفوذ الدولة، ومرة ثانية في جعل الدولة في بعض وجوه نشاطها امتداداً لنفوذ المؤسسات السابقة لها هروباً من استحقاقات التحديث الحقيقي، وحفاظاً على المغانم التي لا تستقيم مع شروط الدولة .

اقرأ المزيد

المحكمة الجنائية الدولية تسعى لمنع الإفلات من العقاب



يحتفل العالم بمرور 10 أعوام على تأسيس المحكمة الجنائية الدولية التي
انطلقت من خلال معاهدة روما في 1 يوليو/تموز 2002، وهذه أول محكمة دولية
«دائمة» تنطلق على أساس مفهوم محاكمات نورمبرغ، وهي أشهر المحاكمات التي
شهدها العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ أنها قامت بمحاكمة
مجرمي الحرب، والنازيين الذين سعوا إلى هلاك من يختلف عنهم من البشر،
وحرقه، وإجراء التجارب عليه.


ولقد بلغ عدد الدول الموقعة على قانون
إنشاء المحكمة 105 دول حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2007، وقد وقَّعت 41 دولة
أخرى على قانون روما، لكنها لم تصادق عليه بعد، وقد تعرضت المحكمة
لانتقادات من عدد من الدول، منها الصين والهند وأميركا وروسيا، وهي من
الدول التي تمتنع عن التوقيع على ميثاق المحكمة. وتُعتبر المحكمة الجنائية
هيئة مستقلة عن الأمم المتحدة، من حيث الموظفين والتمويل، وقد تم وضع اتفاق
بين المنظمتين، يحكم طريقة تعاطيهما مع بعضهما من الناحية القانونية.


وتكمن
أهمية وجود هذه المحكمة من أجل الحد والمنع من انتشار ثقافة الإفلات من
العقاب، التي تنتشر في حال غياب القانون وتفعليه داخل المجتمع، الذي يتحول
إلى مجموعات وعصابات تتصارع فيما بينها، لغياب من يردع، أو يعاقب من
يتجاوز.


وقد تكون محاكمات نورمبرغ مثالاً جيدا لثقافة الإفلات من
العقاب، وهي التي بدأت في 20 نوفمبر 1945، واستمرت حتى 1 أكتوبر/تشرين
الأول 1946. وعقدتها قوات الحلفاء التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية
في قصر العدل في نورمبرغ، وقيل إن من أهم أسباب ذلك أن الدمار الشامل كان
قد دمر مباني المحاكم.


محاكمات نورمبرغ عاقبت مجرمي الحرب الذين
ارتكبوا فظائع بحق الإنسانية في أوروبا، ومن بين تلك الفظائع إنشاء معسكرات
لاعتقال المدنيين في ظروف معيشية قاسية، ولم يأبه النازيون بسلامة
المعتقلين، كما قاموا بحرق من اختلف معهم، ومارسوا أبشع أنواع الانتهاكات.


بعد
محاكمات نورمبرغ لجأت الأمم المتحدة إلى إنشاء محاكم خاصة للبوسنة وراوندا
مثلا، عبر قرارات من مجلس الأمن الدولي، ولكن هذه المحاكم الخاصة تنتهي
بعد فترة، ويكون نطاق عملها محدودا. وهذا ما دفع المجتمع الدولي إلى إنشاء
أول محكمة دائمة تكون مؤهلة لمحاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة
الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجرائم الاعتداءات،
والانتهاكات الممنهجة، على أن يأتي دور المحكمة بعد أن تعجز المحاكم في
البلدان التي تحدث فيها الانتهاكات عن القيام بدورها القضائي.


كما
إن إحالة القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية يتطلب أن تكون الدول التي
تحدث فيها هذه الانتهاكات الممنهجة عضواً، بحيث أن تلك الدولة تكون قد
اعتمدت الاتفاقية عبر سلطتها التشريعية، وأصدرته كقانون محلي في الجريد
الرسمية.


أما الأسلوب الثاني لإحالة القضايا فيكون عبر قرار صادر من
مجلس الأمن الدولي، والذي يستطيع أن يكلف المحكمة الجنائية الدولية برفع
قضية ضد شخص ما، كما حدث للرئيس السوداني عمر البشير، ومعمر القذافي وابنه
سيف الإسلام.


والأسلوب الثالث الذي لم يتم تفعيله بعد، هو اقتناع
المدعي العام الدولي (المختص بالمحكمة الجنائية الدولية) بخطورة القضية،
وبالتالي يدفع بالملف إلى أعلى المستويات، لكي تتحرك الدعوى.


وهي
منظمة دولية دائمة، تسعى إلى وضع حد للثقافة العالمية المتمثلة في الإفلات
من العقوبة – وهي ثقافة قد يكون فيها تقديم شخص ما إلى العدالة لقتله شخصاً
واحداً، أسهل من تقديمه لها لقتله 100ألف شخص مثلاً-، فالمحكمة الجنائية
الدولية هي أول هيئة قضائية دولية تحظى بولاية عالمية، وبزمن غير محدد،
لمحاكمة مجرمي الحرب، ومرتكبي جرائم بحق الإنسانية، وجرائم إبادة الجنس
البشري.


من هنا لابد من نشر ثقافة المنع، والتصدي للإفلات من العقاب
في منطقتنا العربية، التي تشهده عواصمها إما تحولات سياسية، أو احتجاجات
شعبية لأوضاع مضطربة تتحدى إرادة الشارع، وتتبنى منهجية الترويع، والإرهاب،
والاغتيال بدلاً من الحلول السياسية.


والمحكمة الجنائية الدولية
وُجدت لمنع هذه الثقافة التي لا تدمر المجتمعات فقط، ولكنها تدمر الدول
وأنظمتها الداخلية، لأنها تحتمي تحت غطاء «عصابات مسلحة» لا قانون تفعِّله،
أي تبني سياسية « تكسير رأس» لصالح بقائها.


واليوم بدا العالم يتصدى
لهذه الثقافة المدمرة للمجتمعات والدول، من خلال تشجيع الدول على إجراء
الإصلاحات المناسبة لتشريعاتها ‏الوطنية، وذلك من أجل حماية الفرد، وأن
تجعل قوانينها تتماشى مع واجباتها الدولية. وعلاوة على ‏ذلك، يجب تنفيذ تلك
التشريعات المحلية، بطرق منها كالتحقيق، والمحاكمة بشكل صارم وفي ‏الوقت
المناسب عن الانتهاكات الجسيمة ضد الأفراد، وإنشاء نظم لتوفير الرعاية
للضحايا.‏ وتصبح العدالة عندها عنصراً شديد الأهمية في معالجة الضحايا
والمجتمعات المحلية وتعافيها.

ريم خليفة


صحيفة الوسط البحرينية



الأربعاء 04 يوليو 2012م

اقرأ المزيد

حتى يبقى ملف البحرين بيد البحرينيين – عيسى سيّار



رغم مرور ما يقارب السنة والنصف على الأزمة السياسية التي عصفت ولا زالت
بالمجتمع البحريني، والتي أصبحت تداعياتها واضحة للعيان على الوضع السياسي
والاقتصادي والاجتماعي في البلد، ورغم الاتصالات العلنية والسرية بين
الفرقاء السياسيين (منظومة الحكم – المعارضة – التيار السياسي السني)، ورغم
الضغوطات الخارجية والمتمثلة في الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية،
ورغم الثمن الباهظ الذي تدفعه البحرين وأهلها جرّاء استمرار الجمود السياسي
وطأفنة الشارع، ورغم .. ورغم .. إلا أن الشعب البحريني لم يرَ حتى الآن
أية بارقة أمل تلوح في الأفق لدخول الفرقاء السياسيين في حوار وطني سياسي
منتِج.


لقد بدأ الشعب البحريني يضيق ذرعاً من المواقف السلبية
للفرقاء السياسية تجاه الحوار، والتي قد تأخذ البحرين إلى انفلات أمني خطير
ستكون عواقبه وخيمة على البحرين وأهلها، وأعتقد جازماً أن الفرقاء
السياسيين بشكل عام، ومنظومة الحكم بشكل خاص، يدركون جيداً أن الجمود
السياسي في ظل مواجهات أمنية عنيفة، قد يحول مملكة البحرين إلى دولة فاشلة
سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، من وجهة نظر المجتمع الدولي.


إن
قراءتنا الواقعية للمشهد السياسي المتأزم في البحرين لا تجعلنا نتفاءل بحل
سياسي قريب، وأكثر ما نخشاه، هو أن يتم تدويل ملف البحرين السياسي، بعد أن
تم تدويل ملفها الحقوقي من خلال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
الذي عقد الشهر الماضي في جنيف، حيث ألزم البحرين باستحقاقات في مجال حقوق
الإنسان يتوجب عليها تنفيذها، وإلا اتخذت بحقها إجراءات.


إن انسداد
الأفق السياسي في البحرين، وفي إطار التجاذبات، والتقاطعات، والاستقطابات
السياسية الحادة، المحلية والإقليمية والدولية منها، قد يذهب بملف البحرين
السياسي أيضاً إلى التدويل، وهذا الأمر لا يتمناه أهل البحرين، وذلك حتى لا
يفرض علينا حلاً دولياً، كما حصل في اليمن، ويحصل الآن في سورية. لذا على
الفرقاء السياسيين، وعلى رأسهم منظومة الحكم، اغتنام الفرصة والدعوة اليوم
قبل الغد إلى حوار سياسي منتِج ومتكافئ، يفضي إلى حل شامل للأزمة، لأن
الشعب البحريني لا يريد بعد الآن،وبعد معاناته عقوداً من الزمن، حلولاً
وقتية أو ترقيعية أو شكلية، لأن زمن الترقيع ذهب مع رياح الربيع العربي،
ولأن مثل هذه الحلول ستعيد إنتاج الأزمة السياسية من جديد، وربما تكون أسوأ
من الذي يعيشها الشعب البحريني، وإذا لم يبادر النظام السياسي في البحرين
بالدعوة العاجلة إلى الحوار، فإن البديل هو التدخلات، أو الوساطات
الخارجية، وهي بالطبع خطوة ستؤدي ربما إلى تدويل ملف الأزمة السياسية في
البحرين.


لذا، ومن أجل تفادي تدويل ملف البحرين السياسي، نود أن نؤسس
على كلمة عاهل البلاد الملك حمد بن عيسى آل خليفة عندما قال في اجتماع
مجلس الوزراء الأخير «استراتيجياتنا دائماً أن يكون الحل لأي اختلاف في
وجهات النظر في المجتمع عن طريق التواصل البنّاء بين جميع أبناء الوطن،
وذلك منذ ميثاق العمل الوطني وحتى يومنا هذا، مؤكداً على أن الشأن البحريني
شأن داخلي خاص بشعب البحرين، وأن شعبنا قادر على إدارة خلافاته، والتحاور
بشأنها دون وساطات خارجية».


إن هذه الكلمات الإيجابية والصادرة عن
رأس النظام السياسي في البحرين، ينبغي أن تتبعها خطوات تنفيذية، تتمثل في
تكليف النظام السياسي شخصيات وطنية وازنة، تتمتع بالحيادية والنزاهة
الوطنية، من تقريب وجهات نظر الفرقاء السياسيين، من أجل الدخول في حوار
وطني منتِج دون شروط مسبقة. فالكثير من الدعوات التي أطلقها مسئولون
حكوميون كانت عبارة عن بالونات اختبار إعلامية!


إن الذي يمتلك حصافة
سياسية، وحساً تحليلياً واعياً، يدرك تماماً أنه عند انطلاق الحوار الوطني،
ستتلاشى المواجهات الأمنية شيئاً فشيئاً، ويتراجع الاحتقان السياسي
والمذهبي شيئاً فشيئاً، لأن الأنظار والأفئدة والعقول ستتوجه إلى طاولة
الحوار، والتي مفاتيحها بيد منظومة الحكم، والتي ستكون بمثابة طوق النجاة
الذي يخرج البحرين من عنق الأزمة السياسية، وبكلمات أخرى، نتمنى مخلصين على
عاهل البلاد، والذي يرى أن الحوار الوطني المنتِج صناعة وطنية بامتياز، أن
يوجه إلى تحويل دعوته الكريمة إلى خطوات وآليات على أرض الواقع، فالدعوات
لا تبني الأوطان، لأن الأوطان تبنى بالإرادة الوطنية والواقعية السياسية،
التي ترصد الواقع، وتتعامل معه، وتستشرف المستقبل، وذلك في ظل التجاذبات،
والتقاطعات، والاستقطابات والاستحقاقات المحلية والإقليمية والدولية، وذلك
حتى تتفادى أن يذهب ملف الأزمة السياسية في البحرين إلى التدويل.


إن
الأمل يحدو الشعب البحريني في حدوث انفراج سياسي قريب، في ظل دعوة عاهل
البلاد من جهة، وإعلان تجمع الوحدة الوطنية عن مواقفه السياسية تجاه منظومة
الحكم والمكونات السياسية الأخرى، ويضاف إلى هذا وذاك، مواقف المعارضة
الإيجابية والمرنة تجاه الحوار الوطني المنتج والمتكافئ دون شروط مسبقة،
فمن يرفع الشراع؟

عيسى سيار


صحيفة الوسط البحرينية



الأربعاء 04 يوليو 2012م

اقرأ المزيد

قوة المنطق لا منطق القوة


تتفشى في حياتنا العربية الراهنة مظاهر مختلفة من التعصب والتطرف والعنف. فإضافة إلى العنف المدمر الذي يحصد الأرواح ويسفك الدماء في العديد من دولنا، هناك العنف المبطن الذي يمارسه المجتمع على أفراده حين يتخذ أشكالاً رمزية مهذبة في الظاهر، عنيفة في الباطن. وهناك العنف الذي يمارسه الشخص على ذاته، سواء لاحظ ذلك أو لم يلاحظ، تماهياً مع ما هو سائد أو اتساق قسري معه، وبعض من درسوا ظاهرة العنف السائدة في أكثر من بلد عربي، نبهوا إلى الترابط الوثيق بين العنف السياسي والعنف الاجتماعي، لا بل والثقافي، من زاوية أن الأول ينتج في أشكاله الصارخة عن الاثنين الأخيرين، وبعضهم ذهب لتقصي جذور التفكير العنفي والممارسة العنيفة في التاريخ العربي، وبعضهم الآخر استوقفته عبارة نيتشه القائلة إن الواقع ليس إلا كميات من القوة في علاقات توتر، ليرى في هذا العنف أحد مظاهر علاقات التوتر بين كميات القوة.
 
ويذهب الدكتور فؤاد زكريا، ومثله الدكتور حسن حنفي، إلى أن التعصب يتضمن عنصرين، أولهما هو اعتقاد المرء بأن الفئة التي ينتمي إليها، سواء كانت قبيلة أو وطنا أو مذهبا فكريا أو دينيا أسمى وأرفع من بقية الفئات، أما العنصر الثاني فهو اعتقاده بأن تلك الفئات هي، بالنتيجة، أحط من تلك التي ينتمي إليها هو.
 
لذلك فإن المتعصب يميل إلى إلحاق الضرر بالغير ممن يشعر تجاههم بالحقد أو الحسد أو الاحتقار، والتعصب لهذا السبب ليس جرعة زائدة من التدين مثلا أو الانحياز لرأي، بقدر ما هو موقف سياسي وفكري مبني على تعبئة نفسية خاطئة وخطيرة، كونها لا تخاطب عقل الإنسان ووعيه، وتدفعه إلى التصادم والمواجهة مع المجتمع برمته عندما يرمى بالكفر والفسق، من الموقع الذي سماه أحد الكتاب «الاستعلاء بالإيمان» الذي يفترض أن صاحبه أكثر إيمانا من بقية الجماعة وانه على صواب، فيما الآخرون على خطأ وضلال.
 
ومن طبيعة المتعصب أن يكون غير موضوعي، فهو يعالج القضايا المعقدة بالتبسيط وبالشعار والهتاف وأحياناً الزعيق، هو لا يرى سوى وجه واحد من الدائرة أو شجرة واحدة في الغابة. إن الدعوة إلى التسامح والاعتدال ليست مجرد دعوة أخلاقية في ظرفنا الراهن. إنها واجب وضرورة على عاتق الجميع مهما تعددت تلاوينهم الفكرية، لمواجهة الهاوية التي يندفع إليها العديد من البلدان العربية، حيث تتفكك الوحدة الوطنية وتتشرذم الشعوب إلى أقوام وملل وجماعات مسلحة تنزلق بجنون إلى سراديب وأنفاق العنف المظلمة والمسدودة، ويتطلب هذا رد الاعتبار للعمل الإصلاحي التنويري الذي عرفناه في مراحل سابقة من تاريخنا، بوصف هذا العمل فضاء يتسع لحقول الفكر والتربية والمعارف والأخلاق، ونبذ التطرف والتعصب، حيث هما نفي للآخر وإيمان بالمطلق، وتعلم القدرة على التعايش مع الأفكار الأخرى ومجادلتها بالتي هي أحسن ومقارعتها بالحجة وقوة المنطق لا منطق القوة.


2 يوليو 2012

اقرأ المزيد

ماذا بعد البيان السياسي لـ «التجمع»؟


يمكن أن يكون البيان السياسي لتجمع الوحدة الوطنية والذي تم إعداده بمناسبة المؤتمر العام للجمعية الذي عقد يوم السبت الماضي، مدخلاً مهماً لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء في البحرين، وخصوصاً أن هذا البيان قد لامس العديد من القضايا، وحلل مواقف الأطراف المختلفة بشكل متوازن إلى حدٍّ ما، رغم أنه لم يتخلص من عقدة الخوف «المفتعلة لأسباب معروفة» من الآخر والحكم على النوايا.

حتى الآن يمكن أن يكون التجمع هو المهيأ أكثر من غيره لاتخاذ خطوات إيجابية في طريق المصالحة الوطنية لو خلصت النوايا، وخصوصاً بعد التجربة المرة التي مر بها والتي يمكن استشفافها بوضوح تام في ثنايا البيان.

فالتجمع أشار إلى العديد من الممارسات التي مورست ضده بهدف تحجيمه وشل إرادته في اتخاذ مواقف مستقلة، واتهم السلطة «باختطاف الذكرى الأولى لتجمع الفاتح من قبل شباب صحوة الفاتح لضرب التجمع وقيادته» ممثلة في رئيس التجمع، «والزعامة المقلقة للنظام من المكون الآخر» وبعدها اختفت تماماً ما سميت «بالصحوة الشبابية للفاتح» إلى «غفوة»، بعد ما أدت الغرض، وبقيت أداة ستستعار من قوى سياسية مثلت لها غطاء من الدعم والمساندة، كلما دعت الحاجة لذلك.

كما يعترف التجمع باستغلاله من قبل السلطة بهدف التنصل من الإصلاحات السياسية حيث يقول البيان «تم استخدام الشارع كورقة ضغط (ردع متبادل) قد تكون رسائله الموجهة للخارج أهم من الداخل، من جانب المعارضة تحقيق مكاسب بادعاءات ديمقراطية، ومن جانب النظام التنصل أو التأخير قدر الإمكان من الاستحقاقات الديمقراطية». ولكن السؤال الأهم هنا هو هل اكتشف التجمع هذا الأمر مؤخراً أم أنه كان لاعباً أساسياً في هذه اللعبة منذ البداية؟

البيان يشير أيضاً إلى خطورة خلو «الساحة من أية مبادرة سياسية جادة، يمكن أن توصل الأطراف إلى توافق وطني يخرج البلاد مما تعانيه من أزمة متمثلة في عدم الاستقرار السياسي والأمني والانقسام المجتمعي الذي أثر بدوره في الحياة الاجتماعية، بسبب الإصرار على المواقف بصورة متعنتة، من جانب المعارضة بسقف عالٍ من المطالبات غير المتوافق عليها وطنياً، ومن جانب النظام الحاكم الذي لم يبدِ استعداده لإصلاحات جوهرية فيما يتعلق بالشراكة في السلطة، ومن الجانب الآخر من المكون الوطني الذي لم يستطع بلورة موقف واضح بين هذا وذاك».

إن اتخاذ التجمع موقفاً واضحاً من جميع ما طرحه في بيانه، سيؤثر دون شك في موازين القوى على الساحة المحلية، ولكن ذلك سيتطلب الكثير من الشجاعة، وذلك ما سيحدد مستقبل التجمع، فإمّا أن يكون طرفاً أساسياً في أي مفاوضات أو حوار مقبل، أو أن يكون مجرد معارض لكل ما تطرحه المعارضة من مطالب، أو أن يستمر في لعب دوره المرسوم له من قبل ويسمح للجهات الرسمية باستغلاله مرة بعد أخرى.

صحيفة الوسط البحرينية – 03 يوليو 2012م
 
 

اقرأ المزيد

رؤية أوسع لتاريخنا الوطني


هناك حاجة لرؤية أوسع لتاريخ الوطن جديرة بأن تشكل مفصلاً رئيسياً من مفاصل النهوض بأوضاعنا، خاصة إذا ما وجدت تعبيراتها في أنشطة قوة المجتمع المدني وفي جهود العاملين في حقول الثقافة والتربية والفنون والآداب وفي المجال الأكاديمي. فللبحرين تاريخ ثقافي حافل وثري بالأعلام من رموز النهضة والتنوير والفكر الإصلاحي، وبمفردات الثقافة الوطنية التي طبعت سيماء هذا الوطن وشكلت وجدان شعبه، عبر مراحل تاريخية مختلفة، وهذه الرموز والمفردات هي ما قدم البحرين لأشقائها وللعالم بوصفها مجتمعاً ديناميكياً حياً متفاعلاً ومتفتحاً على الثقافة والأفكار المختلفة التي سرعان ما اندمجت في بنية هذا المجتمع وشكلت نسيجه الحضاري الراهن الذي يتكون من عناصر متنوعة، ولكنها جميعاً تسهم في تكريس هوية المجتمع وروحه وتوقه الديمقراطي، وبين مصادر التكوين الثقافي والفكري والإبداعي المختلفة للمثقفين والمبدعين والناشطين في حقلي العمل الاجتماعي والسياسي فإن الولاء للبحرين، وطناً وشعباً وأرضاً وتاريخاً وهُوية.

بيد أن التاريخ الثقافي في البحرين لم يكتب بعد، رغم الجهود والمثابرة التي قام بها عدد من أبرز المهتمين بالثقافة وبتاريخها في البحرين، وهي جهود غطت بعض صفحات هذا التاريخ، لكن يبقى أن المجهول أو غير المكتوب من تاريخنا الثقافي أكثر بكثير من المعلوم، ومازالت جهود كثير من المصلحين والتربويين والمناضلين الوطنيين ورجال الفكر والأدب وسواهم من بناة البحرين في صورتها الراهنة غير معروفة وغير ميسرة للأجيال الجديدة، ومازالت تسود رؤية حذرة ومترددة عند التعرض لتاريخنا ورموزه مما انعكس على الجهد البحثي المبذول، أو الذي كان أن يجب أن يبذل في هذا السياق.
 
 
ومن المتعين مغادرة هذه الرؤية لصالح رؤية أخرى شجاعة تجاه مسألة الثقافة الوطنية وتجاه تاريخ الوطن مشفوعة بموقف أكثر اتساعاً وانفتاحاً إزاء هذا التاريخ تهيئ المناخ لمضاعفة الجهود في سبيل رؤية تاريخنا بنظرة جديدة، ففي هذه الرؤية مدخل حقيقي لمعرفة أنفسنا، وإدراك العناصر التي شكلت شخصية مجتمعنا، والإمساك بإرهاصات النهضة فيه، وإعادة الاعتبار لمختلف مظاهر الكفاح من أجل الاستقلال الوطني الذي اتخذ أساليب عمل مختلفة أملتها الظروف التاريخية والسياسية في كل موقف.
 
وحَكمتنا في الماضي رؤية حذرة ومترددة عند التعرض لتاريخنا ورموزه، مما انعكس على الجهد البحثي المبذول، أو الذي كان يجب أن يبذل، في هذا السياق، وهذا يجعل من المهم بلورة رؤية أكثر اتساعاً وانفتاحاً إلى هذا التاريخ تهيئ المناخ لمضاعفة الجهود في سبيل قراءة تاريخنا، شاملاً، ومن ضمنه التاريخ الثقافي بنظرة جديدة، ففي مثل هذه القراءة مدخل حقيقي لمعرفة أنفسنا، وإدراك العناصر التي شكلت شخصية مجتمعنا، والإمساك بإرهاصات النهضة في الوطن، وكذلك بالعوامل المحفوزة للتطور فيه، وتلك التي لعبت ومازالت تلعب دور الكابح لهذا التطور. ومثل هذه القراءة لن تتيسر إلا في فضاء حرية واسع يتيح مقاربة المناطق المسكوت عنها، أو المحكومة بهواجس الحذر والتردد، التي تعيق معرفة الحقيقة، أو تحول دون رؤيتها كاملة.
 

اقرأ المزيد

« حــداثة » بيروت


من كتبوا في تاريخ الحداثة العربية رأوا أن حملة نابليون على مصر هي الصدمة التي أطلقت شرارة الوعي العربي، وآخرون عزوا الأمر إلى مشروع محمد علي باشا في تأسيس دولة قوية مستقلة عن السلطنة العثمانية ومنافسة للدول العظمى الاستعمارية. لكن الثابت أن العقل العربي بدأ بطرح إشكالية النهضة عبر ممثلها الأول رفاعة رافع الطهطاوي، العائد من بعثة عملية إلى فرنسا استمرت سبع سنوات، لينادي بنشر التعليم وفتح المدارس، وبخاصة في القرى والأرياف، ويطالب بتعليم البنات وتحرر المرأة، ووجدت أطروحاته امتداداً لها في كتابات وآراء قاسم أمين ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني واللبنانيين فرح أنطون وشبلي شميل وعبد الرحمن الكواكبي الآتي من حلب السورية، وصولاً إلى طه حسين.
 
لكن هل يمكن الحديث عن تاريخ الحداثة العربية دون الوقوف على الدور التنويري المهم الذي أدته مدينة بيروت في صنع ميراث هذه الحداثة، ليس بصفتها مطبعة العرب، حيث كان لمناخ الانفتاح وحرية النشر دوره الكبير في تعميم المؤلفات والكتب الحاملة لأفكار الحداثة، وإصدار الدوريات التي كانت رافعة للمدارس الحديثة في الشعر والنقد وفي الفكر، وإنما أيضاً لأن بيروت، ولبنان عامة، قدما للعرب وجوهاً بارزة في التجديد الثقافي والفكري والفني.
 
الباحث كمال ديب وضع مؤلفاً، يمكن وصفه بأنه بانورامي، عن «بيروت والحداثة»، وتحت عنوان فرعي لافت:»الثقافة والهوية من جبران إلى فيروز»، تتبع فيه الدور الذي أدته بيروت كمصهر مهم للحداثة العربية عامة، لا اللبنانية وحدها، لذلك فان حديثه لم يقتصر على عمالقة الإبداع في لبنان، وإنما شمل أيضا أولئك المبدعين العرب الذين عاشوا فيها، ومكنتهم بيئتها المنفتحة من تقديم أفضل ما لديهم من طاقات في صوغ المشهد الفكري والثقافي الحداثي العربي.
 
فبالإضافة إلى الأسماء اللبنانية التي جرى الحديث عنها بين دفتي الكتاب نجد أسماء هشام شرابي وادوارد سعيد ونزار قباني ومحمود درويش وأدونيس، للوقوف على ما فعلته بيروت في هؤلاء، وعلى الأثر الذي تركوه هم أنفسهم في سياقها الثقافي والإبداعي، لكن المؤلف يولي عناية خاصة لتتبع دور المبدعين اللبنانيين أنفسهم، بدءاً من تلك المقارنة الجديرة بالعناية التي يعقدها بين سيرة اللبناني المهاجر جبران خليل جبران وبين سيرة الأديب الألماني هرمان هيسه مؤلف «سدهارتا» و»الكرات الزجاجية» وسواهما، مروراً بحديثه عن ميخائيل نعيمة والتراث الشعري والموسيقي والغنائي للأخوين رحباني وفيروز، وعن شعر خليل حاوي ونهايته المفجعة منتحراً احتجاجاً على فقدان بيروت مجدها الذي كان بعد استباحتها بالميليشيات، وبعد أن صحا على الواقع المهول لاجتياحها من قوات الاحتلال «الإسرائيلي»، منتهياً بالتجربة الموسيقية والمسرحية لزياد الرحباني، وبالتجارب السينمائية اللبنانية الجديدة.
 
المؤلف لبناني يعيش ويعمل في كندا، يُعيد اكتشاف وطنه، ولكنه يفعل أكثر من ذلك، لأنه يحملنا على الاستنتاج بأن حامل الحداثة في لبنان يتمثل في مرتكزين، الأول هو البعد الوطني اللبناني الذي تصدع باستشراء الغلواء المذهبية والطائفية التي مزقت النسيج الوطني، والبعد العروبي الديمقراطي الذي تصدع هو الآخر تحت تأثير نمو التيارات المحافظة التي استهدفت الحداثة كفكرة وكنمط للمعيش. لعل الكتاب حنين لبيروت التي كانت، لعله دعوة لاستعادة دور مفتقد لها!
 

اقرأ المزيد

نهايــة بحّــار*


ترجّل الفارس النبيل والمناضل المقدام الذي أفنى حياته من أجل وطنه الكويت وقضايا أمته العربية… رجل الدولة المسؤول؛ مدير الشرطة الأول والدبلوماسي الكويتي الأول… أحد رواد القصة القصيرة في الكويت مؤسس الحركة الرياضية الكويتية… نائب الأمة الذي لم يكمل أيًّا من الفصول التشريعية الثلاثة التي فاز فيها بعضوية مجلس الأمة باستقالته مرة وجراء الانقلابين السلطويين على الدستور مرتين… الإنساني الذي أنشأ المنظمة العربية لحقوق الإنسان وفرعها الكويتي… القطب العروبي المؤسس لمركز دراسات الوحدة العربية والمؤتمر القومي العربي…
 
توقف عن الخفقان القلب الكبير قلب جاسم عبدالعزيز القطامي… جاسم عبدالعزيز القطامي هو الأخ الشقيق للشهيد محمد عبدالعزيز القطامي الذي ضرّجت دماؤه الزكية أرض “السوق الداخلي” في مارس من العام 1939 بعدما عطلت السلطة مجلس الأمة التشريعي الأول، واستشهد معه في اليوم ذاته محمد المنيس، فكانا أول شهيدين كويتيين يقدمان حياتيهما قربانا على مذبح الديمقراطية… وبعد استشهادهما بعشرين عاما في فبراير من العام 1959 ألقى جاسم خطابه التاريخي الشهير الذي صدح فيه بدعوته الجريئة بأنّه “آن الأوان لحكم شعبي ديمقراطي يكون للشعب فيه دستوره ووزراؤه”، ولقي بعد ذلك الخطاب ما لقيه من تعزير السلطة وعنتها، فتم اعتقاله وفُصِل من عمله كمدير لشركة السينما وسُحِب جواز سفره وفُرِضت عليه إقامة جبرية بمنزله، فيما عطّلت السلطة الصحف والأندية جميعها، بما فيها الرياضية.
 
 
وقبل ذلك كان جاسم عبدالعزيز القطامي أول مدير لشرطة الكويت في 1954، بعد تخرّجه في كلية البوليس بمصر، حيث أشرف على تنظيم قوة الشرطة الكويتية وتحديثها، ولكن جاسم لم يتردد لحظة واحدة عن تقديم استقالته المسببة من منصبه الأمني الرفيع، وتضامن معه عدد من ضباط الشرطة الكويتيين، وذلك عندما صدرت إليهم الأوامر في نوفمبر من العام 1956 بقمع المسيرات الشعبية للتضامن مع شعب مصر ضد العدوان الثلاثي… فياله من موقف تاريخي مشرّف ويالها من تضحية.
 
معارضة جاسم عبدالعزيز القطامي للسلطة لم تمنعه في العام 1961 بعد نيل الكويت استقلالها بأيام من أن يوافق على طلب الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم بأن يُعّين مستشارا في الديوان الأميري، وأن يتولى بعد ذلك مسؤولية تأسيس دائرة الخارجية التي أصبحت وزارة، حيث شارك من موقعه كأول وكيل لوزارة الخارجية في قيادة الجهود الدبلوماسية المضنية لأن تنال الكويت الاعتراف الدولي بها كدولة مستقلة في مواجهة الادعاءات العراقية.
 
 
وبعد إقرار الدستور في العام 1962 خاض أبو محمد انتخابات مجلس الأمة الأول في الدائرة الخامسة كيفان، التي تضم الخالدية وأبرق خيطان والسرة، وشكّل مع سبعة نواب آخرين من أعضاء حركة القوميين العرب وأصدقائها كتلة المعارضة الوطنية بقيادة رفيق دربه الدكتور أحمد الخطيب… وقبل نهاية الفصل التشريعي قدم النواب الثمانية في ديسمبر من العام 1965 استقالاتهم الجماعية من مجلس الأمة  احتجاجا على القوانين غير الديمقراطية التي مررتها السلطة استنادا إلى دعم الغالبية النيابية…
 
وخاض أبو محمد انتخابات مجلس الأمة الثاني في 25 يناير من العام 1967 التي زوّرتها السلطة، وشارك في إصدار البيان التاريخي الرافض للتزوير، ثم قاطع بعد تأسيسه “التجمع الوطني” انتخابات مجلس الأمة الثالث في 1971، وشارك بعدها في انتخابات الفصل التشريعي الرابع لمجلس الأمة في العام 1975، وهو أحد مقدمي أول اقتراح نيابي بقانون للإقرار بالحقوق السياسية للمرأة، وسرعان ما انقلبت السلطة على الدستور في أغسطس من العام 1976.
 
وكان لأبي محمد دوره في إصدار البيانات وتوجيه المذكرات التي تطالب بعودة العمل بالدستور، وفي العام 1981 وجّه أبو محمد مع رفيق دربه الدكتور أحمد الخطيب رسالتهما الشهيرة إلى نواب مجلس الأمة حينذاك لتحذيرهم من مغبة الموافقة على مشروع السلطة لتنقيح الدستور… وفي العام 1985 عاد أبو محمد إلى مقعده النيابي مرة ثالثة ولكن لم تمض سنة وبضعة أشهر حتى انقلبت السلطة مرة ثانية على الدستور في يوليو من العام 1986.
 
 ومن ديوانية جاسم القطامي في الشامية انطلقت مساء الاثنين 4 ديسمبر 1989 تجمعات ديوانيات الاثنين المطالبة بعودة العمل بالدستور، وفي مايو 1990 تعرض مع زميله النائب الدكتور عبدالله النفيسي إلى الاعتقال في الديوانية ذاتها ضمن حملة الاعتقالات التي شنتها السلطة ضد المعارضة.
 
باختصار لا يمكن فصل قصة حياة جاسم عبدالعزيز القطامي ومسيرته الكفاحية الثابتة عن قصة النضال الوطني الديمقراطي في الكويت ومسيرته التاريخية المتعرجة منذ الخمسينيات، فهو أحد رواد هذه المسيرة وأبرز مناضليها وأنبل ملهميها…
 
توقف قلب جاسم، فأي قلبٍ توقف عن الخفقان!
 
 
 
*نهاية بحّار قصة قصيرة كتبها جاسم عبدالعزيز القطامي ونشرتها مجلة “البعثة” في أغسطس 1948
 
 

اقرأ المزيد