المنشور

هل تحوَّل الخلاف السياسي إلى عداء شخصي؟

للأسف فإن أغلب الردود على دعوات المصالحة الوطنية لاتزال تحمل الكثير
من التشكيك والرفض من قبل الناس العاديين، فكلٌ يتهم الآخر بخيانته وطعنه
في الظهر، والبعض يتحدث كيف انقلب أصدقاؤه وزملاؤه ومعارفه من الطائفة
الأخرى عليه، وكيف فقد العديد من الأصدقاء فأصبحوا لا يتحدثون معه، وكيف
انقلبت الأمور بعد الأزمة فأصبح زملاء العمل أعداء، والجيران غرباء عن
بعضهم البعض.

نحن هنا نتحدث عن الناس العاديين بعيداً عن المواقف
الرسمية والإعلام الرسمي والتابع له، والكتاب والسياسيين والزعماء الطارئين
من تجار الحرب الذين يؤججون نار الفتنة في كل مناسبة.

نحن نتحدث عن
بسطاء الناس، عن الزملاء في العمل والدراسة، عن الجيران وعن الأنساب
والأقارب نتيجة الزيجات المختلطة، عن الصداقات القديمة، هل تأثرت فعلاً
نتيجة هذه الأحداث، وهل غابت العلاقات الإنسانية تماماً بين الطائفتين.

شخصياً
لا أعتقد ذلك، وأرى أن هناك تضخيماً كبيراً للأمور، بحيث تم تعميم
الأخطاء، فإن أخطأت المعارضة تم تحميل جميع الطائفة تبعات هذا الخطأ، وإن
أخطأت الجمعيات الموالية تم تحميل الطائفة الأخرى تبعات ذلك. والحق أن أياً
من علاقاتي الشخصية مع الأصدقاء لم تتأثر نتيجة للأحداث، صحيح وبحكم
المهنة أصبحت أنفر من العديد من الزملاء ممن يثيرون الفتنة، ويزرعون الحقد
بين الناس لغاية في نفس يعقوب، ولكن – ولله الحمد – لم تكن لي في أي يوم من
الأيام علاقات شخصية معهم.

وصحيح أن هناك من استغل الأوضاع وخصوصاً
في مجال العمل حيث فُصل أكثر من 2000 موظف نتيجة ممارسات انتقامية من قبل
المسئولين، وصحيح أن هناك من وشى بزملائه في العمل، وهناك من شهد زوراً ضد
إخوانه، ولكنهم قلةٌ. وصحيح أن هناك من قام بالهجوم على المحال التجارية
ونهبها واستباحها واستحل السرقة منها، ولكن هؤلاء معروفون تماماً، كما هو
معروف من يحرّكهم ويدفعهم، إذ لم يكونوا في يوم من الأيام من نسيج المجتمع
البحريني.

لا أحد ينكر أن شرخاً كبيراً قد أصاب المجتمع، وأن
البحرينيين قد انقسموا على أنفسهم سياسياً وطائفياً، ولكن مع ذلك يبقى شيء
من الأمل في ألا تتطور الأمور إلى أكثر من ذلك، بحيث يتحوّل هذا الانقسام
إلى عداوة، ويتحول الخلاف السياسي إلى خلاف شخصي بين الناس.

جميل المحاري

صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد

وهمٌ مدمر “مع مَن يقف الغرب في العالم العربي؟”



مع
مَن يقف الغرب في العالم العربي؟ هل مع القوى الوطنية العصرية التي تريد
محاكاة نموذجه الديمقراطي وتناضل من أجل قيام المجتمع المدني، أو أنه يقف
مع مصالحه فقط، وبالتالي لا يتردد في التعامل مع التيارات الأصولية ضد
الحركات الليبرالية الديمقراطية إذا هو رأى أن مصالحه غداً إنما يمكن
ضمانها بترتيب العلاقات من الآن مع تلك التيارات؟ هذا سؤال اليوم ولا شك،
في خضم التحولات الجارية في بلداننا العربية، ولكن  السؤال
بالصيغة والعبارات الواردة أعلاه، بشيء طفيف من التحوير، طرحه الراحل محمد
عابد الجابري في ورقةٍ بعنوان: “المجتمع المدني: تساؤلات وآفاق”، عُقدت في
العام 1996 بتنظيمٍ من معهد الدراسات الإقليمية للشرق الأوسط وشمالي
إفريقيا وآسيا الوسطى بجامعة برينستون الأمريكية، عن موضوع المجتمع المدني
في البلدان المغاربية .

لم
يكن الجابري وحده من توقف عند هذه الملاحظة النابهة، فمثله فعل الكثير من
المفكرين والباحثين والساسة العرب، أما الجواب فيمكن توقعه من الصيغة التي
طرح بها الجابري هذا السؤال، فمن واقع تجارب عربية نجد أن الغرب لم يقم بما
يستحق الذكر في مجال تشجيع القوى الوطنية ذات النزوع الحداثي لبناء هياكل
قادرة على تحقيق متطلبات التطوير السياسي للمجتمعات في اتجاه بناء دول
مدنية تستوفي شروط البناء الديمقراطي، بل إنه وضع في مقدمة أولوياته مناصبة
العداء لهذه التجارب بغية خنقها، ومنعها من أن ترسّخ جذورها، ولا ينطبق
هذا على موقف الغرب من التجربة الناصرية على سبيل المثال وحدها، وإنما
أيضاً من تجربة التحديث التي قادها محمد علي باشا، والتي كان يمكن أن ترسي
قواعد للتطور في اتجاه بناء دولة عصرية قوية، يمكن لتأثيراتها أن تعم
المحيط العربي كله .

ستتكشّف
في المستقبل وقائع، وبصورة أكثر وضوحاً مما بات واضحاً اليوم، عن الجهد
الذي بذلته دوائر سياسية واستخباراتية وأكاديمية في الغرب لإيجاد مواقع
داخل بعض التيارات الإسلاموية منذ سنوات، وربما منذ عقود، فاللحظة السياسية
العربية الراهنة التي تشهد صعود التيارات الإسلاموية وتسلّمها دفة الحكم
في بلدان مفصلية، جرى ليس توقعها فقط من قبل الغرب، وإنما التهيؤ لها منذ
زمن، ونكاد نقول المساهمة في إنضاج الظروف لأزوفها .


إن
كان من استنتاجات تترتب على هذا القول، ففي مقدمتها أن التعويل على الغرب
كداعم لفكرة البناء الديمقراطي في العالم العربي هو وهمٌ مُدَمّر، غالي
الكلفة على مستقبلنا، فالتحول نحو الديمقراطية مسؤولية القوى التي ناضلت
وضحت أجيال منها من أجل الديمقراطية ذاتها كقيمة إنسانية مطلقة عابرة
للأيديولوجيات، وكمنظم للعلاقات بين قوى المجتمع وأفراده، وإدارة الخلافات
بينها بطريقة متحضّرة، وهي غير تلك القوى التي ترفع شعارات ديمقراطية لا من
أجل الديمقراطية ذاتها كغاية، وإنما من أجل أن تكون مطية لبلوغ مواقع
السلطة، والتحكم لا في مفاصل الدولة وحدها، وإنما في الهيمنة على كامل
الفضاء المجتمعي، بما يعيق، مستقبلاً، أي تحول ديمقراطي جدي .

اقرأ المزيد

بعد اختطاف الثورة المصرية والتونسية !!


ليس التغيير المطلوب كما يقول الاكاديمي حسين معلوم هو استبدال حكم بحكم أو نظام بنظام ولا قلب الاوضاع وتحويلها وفق منطلقات ايديولوجية معينة.. بل «خلق» الشروط التي تسمح بإدخال المجتمعات العربية في التفاعل الحضاري المادي والفكري العالمي الراهن، أي ارضاء الاحتياجات الاجتماعية بجميع المواطنين من منظورات ومعايير الحياة الدولية. فما يطمح اليه الفرد في كل المجتمعات «الحديثة» هو الخروج من الهامشية والاشتراك الايجابي في منجزات عصره انتاجاً وإبداعاً وأيضاً – استهلاكاً.
 
ويقول ايضا اذا كان هذا هو الطموح.. أي اذا كان طموح أي شعب في حدود الدولة الحديثة «في العالم العربي» كما في «العالم الثالث» ان يتغلب على الجهل والفقر والمرض والجوع والتخلف الاقتصادي والتهميش الاجتماعي والتسلط السياسي.. وأن يحقق مجتمعاً أفضل وفق الكثير من المؤشرات المستخدمة لقياس مدى «تقدم» مجتمع ما أو تخلفه،
فهل تلك الشعارات المرفوعة والاهداف المنشودة على ساحة العمل السياسي العربي كفيلة بتحقيق هذه القفزة في المجتمع؟ سؤال ملح أو سؤال يأتي في مقدمة الاسئلة الضرورية خاصة ان ما تشهده المجتمعات العربية ولا سيما مجتمعات «الربيع العربي» التي تربع على عرشها الاسلام السياسي أو الجماعات التي اختطفت الثورة تواجه تحديات ليست سياسية فقط وإنما اقتصادية واجتماعية وتنموية كثيرة.
 
وعن التجربة المصرية كتب عصام عبدالعزيز مقالاً يقول فيه: يواجه المصريون ازمة فكر اخطر من الازمة الاقتصادية التي يعاني منها.. فالبلد يمر بمنعطف خطير يهدد استقراره على المدى الطويل بسبب الصراع على السلطة بين الاخوان والسلفيين من ناحيه ومنافسيهم من ناحية اخرى «وهو صراع يشتد في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من مشاكل معقدة.. ونظرة سريعة على أوضاعنا الاقتصادية قبل الثورة وبعدها يشير الى هذه الحقيقة المؤلمة.. حيث كان الاحتياطي النقدي 36 مليار دولار انخفض الى النصف، كما خسرت مصر في نفس الفترة نحو 20 مليار دولار، حيث انخفضت السيولة في البنوك من 30 مليار دولار الى تسعة مليارات دولار حالياً.. وذلك بسبب هجرة بعض الودائع ولجوء الحكومة الى الاقتراض من البنوك وتجاوز ميزان العجز التجاري خلال العام الماضي حدود العشرة مليارات دولار وخسرت أكثر من اربعة مليارات دولار في قطاع السياحة ووصل عجز الموازنة المصرية، بالإضافة الى خدمة الدين الداخلي والخارجي الى نحو 76% من الناتج المحلي..
 
باختصار يمكن القول بأن مصر تواجه مخاطر اقتصادية حقيقية اذا ما استمر هذا الارتباك في ادائها.. واستمرت معها هذه المؤشرات المزعجة كما هي. وأخيراً يضيف معلقاً، أكثر ما يزعج المواطن العادي هو ان كل تفاصيل الاحداث التي عشناها جميعاً منذ اندلاع ثورة يناير كانت تدور حول الصراع على السلطة ومع انشغال القوى السياسية – خاصة تيارات الاسلام السياسي – بهذا الصراع تجاهلت تلك القوى مصالح الوطن والمواطن الاقتصادية وخذل الاسلاميون من اعطوهم الثقة والاصوات في الانتخابات البرلمانية وشعر الناس أن أهم معارك الاسلاميين هي «أخونة الدولة المصرية» وأن هدف رفع مستوى معيشة المواطن وتحسين نمط حياته قد اصبح فريضة غائبة عن تيارات الاسلام السياسي!
 
ولا يختلف الحال بالنسبة لتونس التي تشهد بعد الثورة حراكاً دينياً متعصباً يتناقض مع مفاهيم الديمقراطية وفي هذا المناخ اصدر المثقفون التونسيون بياناً ادانوا وشجبوا فيه ممارسات حزب النهضة. ويقول البيان الذي اشار له الصحافي محمد جزائري في تحقيق صحافي في «الشرق الوسط» عنوانه «المشهد السياسي في تونس»، «روح الحرية التي حركت انتفاضة الشعب التونسي تتعرض لاعتداء ات خطيرة ادت الى خلق مناخ من الخوف والعنف». ويزيد مثقفوا البيان انهم يرون «من واجبهم تنبيه المواطنين التونسيين الى دقة الوضع الحالي؛ لأننا لا نرى ان المشكلات التي تشهدها اليوم ناجمة عن صعوبات الانتقال الديمقراطي في حد ذاته بل نعزوها الى انتهاك مقصود لمبادئ الديمقراطية الوليدة هذه الاعتداءات صادرة من حزب النهضة والحكومة المنبثقة عنه، لقد اعتقدنا ان ما اعلنه هذا الحزب من تحولات نحو الديمقراطية امر حقيقي، إذ راهن عديد من التونسيين على قدرة هذه الحركة على تبني مفهوم للديمقراطية مستوحى من الاسلام، لكن الواقع يظهر خلاف ذلك، فلا نرى سوى زحف للايديولوجيا الاسلامية من اجل فرض نظامها الدوغمائي على المجتمع التونسي». وعلى صعيد البطالة تشير الاحصاءات الرسمية الى ان البطالة ارتفعت الى 5.3% لتبلغ خلال شهر مايو من عام 2011 نحو 18.30% في مقابل 13% في مايو 2010. واشارت المعلومات التي اصدرها المعهد الوطني للإحصاء الى ان عدد العاطلين عن العمل ارتفع ليبلغ 703 آلاف مقابل 491 الفاً في العام الذي سبق «الثورة». 

 
صحيفة الأيام  28  يوليو 2012
 

اقرأ المزيد

أرقام نفطية جديدة تستأهل القراءة

يكاد يُجمع المشتغلون المعنيون بصناعة النفط العالمية، على جانبي معادلة السوق، المنتجين (البائعين) والمستهلكين (المشترين)، على أن المستوى الحالي لأسعار النفط الذي يطاول، ويتجاوز في معظم الأحيان، حاجز المئة دولار للبرميل، هو مستوى مرتفع بالنسبة إلى الإمكانات المتاحة لانتظام سيرورة دورة النمو المستدام للاقتصاد العالمي . ويزداد الأمر صعوبة حين نعلم أن المملكة العربية السعودية هي الدولة الوحيدة في منظمة الأقطار المصدرة للبترول “أوبك” (المختصة بنحو 40% من الصادرات النفطية العالمية) التي تتوفر على طاقة إنتاجية احتياطية فائضة توفر وسادة مريحة لكل من المنتجين والمستهلكين للتعامل مع طوارئ جموح سعر البرميل إلى ما هو ضار للجميع . صحيح أن هنالك طاقات إنتاجية جديدة قيد الاستكشاف في عدد من البلدان ومواقع الاستكشاف والاستخراج (خارج أوبك وداخلها)، إلا أن السوق يتعامل مع الحقائق اليومية على الأرض ويتحرك صعوداً وهبوطاً على وقعها .

في السياق أيضاً، الذي لا أحد يتوقف عنده، سنجد أن تبدلات نوعية آخذة في الظهور ويمكن أن تسبب مزيداً من تعقيد المشهد النفطي العالمي . فإذا كانت الصين – وهي من الأسباب الرئيسة لتصاعد الطلب على النفط في السنوات القليلة الماضية، قد زادت استهلاكها من النفط خلال الفترة من 2000 إلى 2010 بواقع 4،3 مليون برميل يومياً أي بنسبة 90%، متصدرة القائمة في نسبة زيادة الاستهلاك ومرتفعة إلى نسبة 10% من المشتريات النفطية العالمية – فإن المملكة العربية السعودية قد حلت ثانياً بعد الصين في نسبة ارتفاع الاستهلاك النفطي، حيث زادت استهلاكها من النفط خلال الفترة نفسها بواقع 1،2 مليون برميل يومياً . وهي اليوم، باستهلاكها 2،8 مليون برميل يومياً، تأتي في المرتبة السادسة عالمياً من حيث استهلاك النفط، ما يعني أنها صارت تستهلك أكثر من ربع العشرة ملايين برميل التي تنتجها يومياً .

والسعودية ليست الوحيدة في هذا المتغير اللافت، فمنطقة الشرق الأوسط التي تضم 6 من الدول الأعضاء في أوبك زادت استهلاكها من النفط خلال العقد الأول من القرن الجديد بنسبة 56%، وهو ما يزيد 4 مرات على معدل نمو الاستهلاك العالمي، وما يزيد نحو مرتين على ذاك المسجل في آسيا . وعلى مستوى الاستهلاك الفردي فإن هذا المعدل هو 35،1 برميل في السنة لكل فرد في المملكة العربية السعودية، وهو ما يوازي تقريباً مستوى الاستهلاك في الولايات المتحدة إذا ما أخذنا إجمالي استهلاك الطاقة (7،3 طن من المعادل النطي) .

وأسباب ذلك عديدة أبرزها العامل الديموغرافي، حيث تضاعف عدد السكان في قطر على سبيل المثال خلال عقد واحد (من 2000-2010) ثلاث مرات، فيما ارتفع عدد سكان السعودية خلال الفترة نفسة بنسبة 37% من 20 مليوناً إلى 27،4 مليون، فكان لابد أن يؤدي هذا إلى ارتفاع الطلب بنسبة مهولة على النفط والطاقة والمياه (ارتفعت طاقة توليد الكهرباء في السعودية بواقع الضعف) .

وبعض تفسيرات هذه الأمور يتمثل بما يلي:

(1) عدم كفاءة أسواق الطاقة المحلية الخليجية . على سبيل المثال فإن نحو 65% من الطاقة الكهربائية في السعودية يتم إنتاجها باستخدام النفط، علماً بأن الدول الغنية قد صُدمت بطفرات أسعار النفط وبعدم كفاءة استخدام النفط في توليد الطاقة، قد ابتعدت عن هذا الخيار . ولذا فإن هذا الاستهلاك المفرط وغير الكفؤ للنفط لدينا في المنطقة لا يمكن أن يعزى إلا إلى الدعم المهول الذي يحظى به استهلاك الطاقة . وبحسب وكالة الطاقة الدولية فإن إجمالي الدعم العالمي الذي تلقاه النفط في عام 2010 بلغ 192 مليار دولار كان نصيب بلدان “أوبك” منه 121 مليار دولار . ولا يمكن فصل هذا الواقع عن حقيقة سعر تكلفة إنتاج النفط بعد الانتهاء التام من عملية الحفر، التي تراوح ما بين 3 إلى 5 دولارات للبرميل قبالة سعره العالمي الذي يزيد على مئة دولار .

(2) وماذا عن الغاز، لماذا يتوارى الغاز في المملكة العربية السعودية أمام الحضور القوي للنفط في قطاع توليد الطاقة وحسب، وإنما في كل مناحي الحياة السعودية؟ لا تزيد مساهمة الغاز في توليد الطاقة في المملكة العربية السعودية عن 35%، ومع ذلك فإن المملكة تحل في المرتبة الخامسة عالمياً من حيث احتياطيات الغاز، إلا أن أسعاره المنخفضة مقارنة بالنفط وشروط الاستثمار في الغاز التي تضمنتها مبادرات استكشاف واستخراج الغاز، لاسيما معدل العائد على الاستثمار لم يكونا مشجعين بما يكفي لجذب استثمارات شركات النفط العالمية التي فاوضت طويلاً للتعاقد على استثمار تلك الاحتياطيات . كما أن جزءاً كبيراً من الغاز غير المصاحب للنفط يتميز بصعوبة استخراجه للنفط ما لم ترتفع أسعار الغاز 4 أو 5 مرات عن مستواها الحالي لتعطي الجدوى لعملية استخراجه .

(3) إنما الجدير بالإشارة هنا هو أن المملكة العربية السعودية وكذلك بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إدراكاً منها بأن عصر النفط سوف يصل إلى نهايته ما إن يبلغ ذروته، سواء عاجلاً أو آجلاً، فقد شرعت بجدية في تلمس وارتياد آفاق مصادر طاقة جديدة لم ترتدها ولم تعرفها من قبل . الأمر يتعلق على وجه الخصوص بالطاقة الشمسية والطاقة النووية . ومع ذلك، وبموازاة هذا التوجه الحميد، يتعين عدم إضاعة مزيد من الوقت في وضع مسألة ترشيد استهلاك كفاءة استخدام الطاقة، على رأس قائمة أولويات تنمية الطاقات الإنتاجية وتحديداً قطاع الطاقة .

اقرأ المزيد

الحب الأول للفتى لوركا

لا أذكر في أي رواية قرأت عن امرأة خرجت من إطار صورتها المعلقة على جدار بيت، كان رجل يطيل التحديق في صورة المرأة، ولطول تحديقه فيها تعلق بالمرأة التي خرجت له ذات ليلة لتسامره . هل كفت الصورة عن أن تكون صورة، وتحولت إلى امرأة حقيقية، أم أن الأمر من صنع المخيلة، مجرد أضغاث أحلام؟

أدهشني أن مثل هذه الصورة المعلقة على الجدار كانت الحب الأول للشاعر الأسباني فدريكو جارثيا لوركا الذي اغتالته عصابات فرانكو انتقاماً من مواقفه التقدمية المعادية للفاشية، مع فارق أنها لم تكن معلقة على الجدار، وإنما موضوعة، كيفما اتفق، في صندوق ملابس بالبيت، وفي كل مرة يتم فيها إخراج الملابس من الصندوق كان الصبي لوركا يهرع لمشاهدة صورة الفتاة، ليشعر بعدها بذكراها ممتزجة مع تلك الرائحة الفريدة للأشياء المغلقة.

هذا ما يرويه لوركا نفسه في الجزء الذي يحمل عنوان: “حبي الأول”، في مذكراته التي نشرت لأول مرة ترجمة لها بالعربية وضعتها مروة حلمي .على محيا فتاة لوركا في الصورة ارتسمت ضحكة بسيطة وحزينة بحيث تبدو وكأنها ستبكي، يداها متشابكتان، وأمام صدرها باقة من الزهور، ثوبها الفضفاض والفاخر مطرز بالضفائر السود.

حيرت هذه الصورة لوركا طويلاً، حين سأل أمه من تكون، قالت إنها إحدى صديقات أمها، وأنها ماتت في سن صغيرة جداً، وخلال الساعات التي كانت الأسرة تترك الصبي لوركا وحيداً في البيت، كان يتسلل بحذر شديد نحو الصندوق، ويقلب الخطابات والحرائر والتذكارات بحثاً عن اللوحة ليحدق فيها.

كانت عيناها كبيرتين مثل الشموس، وفمها كنز من العذوبة، وكان يتخيل تلك الفتاة الشقراء وهي تتحدث معه، وتحكي له أغرب وأروع القصص، قبل أن يسارع إلى إخفاء اللوحة حين يتراءى له أن الفتاة تحرك عينيها، فيشعر بالخوف من أنها ستسحره.

في بعض الأحايين تبدو كأنها تسدي له النصح، فيضع اللوحة على وجهه، ويبكي دون أن يعرف السبب، فهو لم يكن يعلم ما إذا كانت ستحين لحظة يشرح فيها تلك المشاعر الغامضة التي تجتاحه إزاء صاحبة الصورة.

سيوجز لوركا القول بأن تلك المرأة التي مرت على هذه الدنيا منذ سنوات طويلة كانت أقوى حب متوهج شعر به في حياته القصيرة .

اقرأ المزيد

اومبرتو بوسِّي نموذج للسياسي النفعي

   
الحياة ليست شارع مستقيم من جنس الطرق السريعة المعبدة، وانما هي حافلة بكافة أنواع الدروب المستقيمة والأخرى المتعرجة والثالثة التي تُجبر مرتاديها على صعودها قبل هبوطهم منها في وجهتهم التالية..وهكذا دواليك. ولأنها كذلك فان عناصرها، ومنها الحياة السياسية في بلدان المعمورة قاطبة، فيها صعود وفيها هبوط.
الهبوط في دورة الحياة السياسية لا يختلف عنه في دورة الهبوط (الناعم أو الارتطامي) والركود في الاقتصاد. فهناك أيضا يُسجل هبوط في الأداء (السياسي) وهبوط في شعبية الحكومة أو الحزب الحاكم. وهذه الأجواء بالذات هي التي توفر البيئة “الخصبة” لظهور “صائدي” الفرص “البارعين” من النشطاء والساسة المغمورين الذين عادةً ما ينجحون في التقاط فرص هذه الأوقات النادرة وركوب موجتها وذلك بسرعة تقديمهم لأنفسهم كمنقذين لبلدانهم أو مدنهم أو أقاليمهم أو مجتمعاتهم من الأزمات الخانقة التي تعصف بها. وليس الايطالي اومبرتو بوسِّي سوى نموذج ساطع على هذه الظاهرة السوسيوسياسية التي يقترن بموجبها ظهور “المغامرين والفهلويين والشعبويين” على مسرح الأحداث وتصدُّر مشهدها بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تضرب بخناقها على كافة متنفسات المجتمع الرئوية.

امبرتو بوسِّي هذا السياسي الايطالي المولود في عام 1941 في لومباردي والذي بدأ حياته كنصير قوي للحزب الشيوعي الايطالي، أي متبنيا لفكر الوحدة الانسانية العابرة للأعراق والديانات والمذاهب وكل العصبيات الماضوية، كبيرها وصغيرها، سرعان ما تحول وانتقل الى أقصى اليمين ما أن امتهن النشاط السياسي. فقد استغل فضائح ما ذهب مصطلحا في القاموس السياسي الايطالي “تانجنتوبولي” (Tangentopoli) التي تكشفتت أسرارها خلال الفترة من 1992 الى 1996 وانهار خلالها الحزب المسيحي الديمقراطي العريق نتيجة لتورط قياداته في جرائم فساد واسعة النطاق، فركب موجة تلك الأزمة بتقديمه نفسه على انه سياسي جديد من خارج الطبقة السياسية الملوثة، وانه سيحارب الفساد وعدم الكفاءة في اعتلاء وتقلد المناصب. ووجد انه ليس افضل من هذه الازمة للدفع بحزبه الحديث التكوين (آنذاك) والذي كان أسسه في العام 1991 “حـــزب رابــــطة الشــــمال لاســــتقلال بادانيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا (Lega Nord for Independence of Padania)، لواجهة الاحداث من خلال استغلال مشاعر السخط التي تتفاقم عادةً ابان الأزمات واللعب على التغايرات الثقافية والنفسية التقليدية المتوارثة بين أهل الجنوب وأهل الشمال الايطالي وايقاظ نعراتها والنفخ فيها واشعال جذوتها. فكان هو وحزبه الانعزالي وراء تحميل أقاليم الجنوب الايطالي مسئولية تأزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسكان الشمال الايطالي، ووراء وضع ميلان الشمالية “المتحضرة” قبالة روما “المتخلفة”، حتى انه في احدى جولاته البحرية الاستعراضية الجماهيرية أطلق صيحته الشهيرة “روما اللصوصية” في محاولة لاعادة انتاج واحياء فكرة ربط الجنوب الايطالي بالمافيات وبالجريمة المنظمة. ويجدر أن نلاحظ بهذا الصدد ان اومبرتو بوسِّي وحزبه هما من استبدلا تسمية “وادي بو” (Po Valley) التي كانت مستخدمة حتى عام 1990 للدلالة على شمال ايطاليا الذي أراد بوسِّي تمييزه عن جنوبها “البائس” باسم بادانيا (Padania).

وتشاء الأقدار أن يتم الكشف قبل أيام عن تورط الرجل الذي كان حتى الأمس القريب أحد الرموز البارزة في الطبقة السياسية الايطالية الحاكمة والحليف القريب لرئيس الحكومة الايطالية المنصرف توا الملياردير سلفيو برلسكوني، حيث شغل عدة حقائب وزارية في حكوماته آخرها وزير الاصلاح الفدرالي حتى نوفمبر من العام الماضي – عن تورطه في أعمال فساد ونصب كان أحد أبنائه طرفا في احداها.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يُكشف فيها النقاب عن تورط هذا السياسي الايطالي المثير للجدل في قضايا الفساد التي يبت ويصدر فيها القضاء الايطالي أحكاما نافذة. فلقد سبق أن حكم عليه القضاء الايطالي وعلى المسئول المالي في حزبه “حزب رابطة الشمال” بالسجن 8 أشهر مع وقف التنفيذ بتهمة تلقيهما وقبولهما رشوة بقيمة 200 مليون ليرة ايطالية، وهي القضية التي أُدين فيها العديد من السياسيين الذين طالما هاجمهم بوسِّي واتهمهم بالفساد ومنهم بتينو كراكسي رئيس الوزراء الايطالي الأسبق وارنالدو فورلاني.

في الخامس من ابريل الماضي استقال اومبرتو بوسِّي من منصبه كسكرتير فدرالي لحزب رابطة الشمال على اثر قيام الادعاء العام الايطالي بتوجيه اتهامات له باستغلال أموال حزب رابطة الشمال في أعمال عائلته الخاصة ومن بينها اعادة تجديد وتحديث منزله. وعلى الفور سارع حزبه لمنحه الرئاسة الشرفية الحزب!
كثيرون من المثقفين الايطاليين الملتزمين توقعوا هذا المآل الحتمي لذاك الأراجوز الذي تقافز على أوجاع الناس وضائقاتهم المعيشية. بل لربما توقعه المؤسس الأول نفسه للمدرسة الانتهازية والنفعية في السياسة الايطالية والعالمية وأحد أشهر وعاظ السلاطين في القرن السادس عشر، أي، ويا للغرابة، ابان عصر النهضة، ونعني به نيكولو ماكيافيلي صاحب كتاب “الأمير”. وكما أسلفنا فان الأسواق السياسية لأمثال هؤلاء من ركاب الموجة تزدهر رواجا ابان الأزمات التي تعصف دوريا بالمجتمعات. وليس أفضل من الأوضاع المتأزمة التي يشهدها عديد الساحات العربية للقفز في الصفوف الأولى ونثر بضاعتهم هنا وهناك علَّ الحظ يحالفهم وينالوا قسطا مما ناله الايطالي اومبرتو بوسِّي. ولو أجلنا النظر قليلا فيما يدور حولنا الآن فسنرى ان هذا ما هو حاصل بالتمام والكمال.     

اقرأ المزيد

نقص أطباء… واستمرار إيقاف بعضهم – سوسن دهنيم

يطرق الباب ليسأل عن سبب تأخر دخول ابنته على الطبيبة، فتجيبه الممرضة:
الدكتورة المطلوبة في إجازة، ولهذا نُقِلَ جميع مرضاها إلى الطبيبة
«فلانة»، لكنها ما تلبث أن توضح بشيء من التذمر والأسى: لدينا ضغط كبير
جداً فاعذرونا، لأن المرضى كثيرون والأطباء قليلون!

كان هذا مشهداً
واحداً فقط من المشاهد التي رأيت وعشت في مستشفى السلمانية نهاية الأسبوع
الماضي. لكن ما جعلني أشعر بالألم أكثر هو بحثي بين الوجوه عن الأطباء
الذين تمنيتُ وجودهم هناك إلى جانب زملائهم… فكلما مرَّ من أمامي طبيب أو
طبيبة أدرت وجهي تجاهه/ها. ثم أعود وأستدرك: لماذا نبحثُ دائماً بين
الوجوه، حين نعلم أنها ليست لمن ننتظر ولن تكون؟ إذ إننا نعرف تمام المعرفة
أن السياسة الحالية حالت دون تواجدهم في مقاعد وظائفهم وبين مرضاهم الذين
اعتادوا عليهم، وصاروا جزءاً من حياتهم اليومية!

باستمرار إيقاف
الأطباء عن وظائفهم تقترف الوزارة، أو لأقل الحكومة – باعتبار أن هذا
القرار يحتاج لأكثر من جهة كي تعترف بمسئوليتها- تقترف كثيراً من الضرر لا
يطال الأطباء وحدهم؛ بل يمتدُّ إلى مرضاهم بشكل كبير. خصوصاً أولئك الذين
اعتادوا زيارة طبيبٍ ما بسبب مشكلةٍ تحتاج إلى مراجعة مستمرة حتى بات
الطبيب صديقاً وأخاً ومعالجاً يعرف ما يعانيه هذا، وما يحتاج إليه ذاك.

في
كثيرٍ من الأحيان يضطر المرء مهما كان مدخوله بسيطاً أو منعدماً أحياناً،
خصوصاً مع وجود المفصولين الذين لم يعودوا لوظائفهم بعد، إلى زيارة عيادة
طبيب ما لأنه كان طبيبه المعالج في المستشفى كي يتأكد ويطمئن إلى علاج مرضه
كما ينبغي، وفي كثير من الأحيان أيضاً يضطر الطبيب نفسه – وهو الموقوف عن
العمل المقتطع من راتبه الأساسي- إلى عدم أخذ مبلغ الاستشارة حين يكون
عارفاً بوضع مريضه المادي. حالٌ كهذا يتسبب بخللٍ ماديٍّ وصحيٍّ للمريض،
وخللٍ ماديٍّ وعاطفيٍّ للطبيب إن أخذناها من منظورٍ إنسانيٍّ بحت.

الخلل
الآخر الذي يتسببه هذا التوقيف غير المبرر، خصوصاً مع عدم وجود قضايا ضد
بعض الموقوفين من أطباء وممرضين ومسعفين وتبرئة من كان متهماً منهم بتهمٍ
كيدية، هو التأخير الذي يتعرض له المريض إذا ما اضطر إلى الذهاب إلى مستشفى
السلمانية. تأخير في الموعد يصل إلى أكثر من ساعتين، وهو ما حدث معي مثلاً
في ذلك اليوم وبالطبع يحدث مع كثيرين غيري وبشكلٍ مستمر.

قبل هذا
الموعد بأسبوعين أو يزيد، ذهبتُ لمراجعة إحدى العيادات الخارجية في
السلمانية، وفوجئت أن اسم الاستشاري الموقوف أو المُقال أو المتقاعد، إذ لا
فرق في التسمية ما دام أُبْعَد عن منصبه مرغماً، على اسم المواعيد وعلى
رأس العيادة، وأن هنالك نقصاً في القسم كما أخبرتني إحدى الممرضات! فلماذا
يُستَغْنَى عن الأطباء بهذه الطريقة والوطن والشعب بحاجة إليهم؟!

خلاصة
القول: إن المستشفى يعاني نقصاً في الكوادر في أكثر من قسمٍ، وهناك أطباء
وممرضون ومسعفون ما يزالون موقوفين، وآخرون ينتظرون قرار توظيفهم، في حين
أن الوزارة لا تألُ جهداً في نشر طلبات التوظيف في الدول العربية بحثاً عن
أطباء في نفس التخصصات!

أوقفوا هدر طاقات الوطن، ليعودَ معافاً مكتفياً بأبنائه عن غيرهم.

سوسن دهنيم

صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد

قف… أمامك نقطة تفتيش

أمامك نقطة تفتيش يجب أن تتوقف… فهي وضعت لحماية البلاد وخدمة العباد.

قف..
وتأمل.. وقبل أن تصل لنقطة التفتيش عليك التأكد أولاً من أمتعتك وما تحمل
معك في سيارتك، فيجب أن لا يكون معك هاتف جوال من نوع «آيفون» أو
«بلاكبيري». وقد أضيف للقائمة حديثاً أيضاً «السامسونج» لما شهدته هذه
الشركة من تطور هائل وكبير في مجال تصنيع الهواتف الذكية، حتى أصبحت
منافساً شديداً لشركة «أبل» في الأسواق البحرينية، فزاد الطلب عليها من
الجميع!

يجب أن لا يكون معك أي نوع من أنواع الأجهزة اللوحية الجديدة
«آيباد»، أو «جلكسي تاب». باختصار الأجهزة الإلكترونية تؤدي في الكثير من
الأحيان لإرباك الحركة المرورية، وشغل مستخدمي الطريق عن التركيز أثناء
قيادة المركبات، وقد تؤدي في الكثير من الأحيان لحوادث المرور وزهق
الأرواح، وبالتالي فهي مهددة بالمصادرة خوفاً على سلامة المواطنين منها!

وفي
حال بحثك عن أجهزتك، يمكنك أن تجدها في محلات مجمع «التأمينات»، إذ عادة
ما تجد نفسها مستقرة هناك، بين أنواع الهواتف المستخدمة، ولن تجد العناء في
البحث عنها، ولا تقلق فلم يمسح منها شيء لكثرتها، وضيق الوقت في إنهاء
إجراءات التخلص منها.

من أهم المحظورات في نقاط التفتيش، أن لا يكون
لديك لسان، فزلته مربكة ومهلكة، وقد تؤدي بك إلى السجن أشهراً، بتهمة السب
والإهانة. من المهم جداً أن تصمت عند نقاط التفتيش، وأن تتقبل أية كلمة
تقال لك برحابة صدر، حتى ولو كانت إهانة لك أو لمذهبك أو لإنسانيتك.

البعض
يرى أن الصمت مشكلة أيضاً، ويعتمد على مزاج من تقف أمامه، فالصمت يعتبر
لديه تهمة، إذ يمكن أن يفسر على أنه «خوف» يكمن وراءه «مصيبة»، أو
«استهزاء» يأتي من ورائه «تنكيل»، فلا الكلام ينفع، ولا الصمت يمنع ما قد
يحدث في نقاط التفتيش.

من المهم جداً بعد الزحام الشديد وتعطل الحركة
المرورية ووقوفك لمدة طويلة، أن لا تتأفف ولا تبدِ ضجراً أو مللاً، فقد
تعد إهانة، فما نقاط التفتيش إلا لزيادة الاطمئنان، وتحقيق الاستقرار، ومنع
«المخربين» من إرباك الحركة المروية أو تعطيلها!

قبل أن تصل إلى
نقطة التفتيش، تأكد من أن مسجلة السيارة مغلقة، وليس فيها شريط أو اسطوانة
لأناشيد حماسية ثورية، إذ تعتبر هذه الأناشيد أداة من أدوات كراهية النظام،
والإضرار بالصالح العام، وفي حال وجودها من الأفضل سرعة التغيير ووضع
أغنية لأم كلثوم أو عبدالحليم أو فرقة ميامي الكويتية، أو أغانٍ لأفلام
هندية، مع التأكد من أن تكون كلمات الأغنية لا يوجد فيها ما يخدش.

من المهم جداً أن تقف في نقطة التفتيش مبتسماً، وتقدم ما لديك طواعية، وأن تحمد الله على «الأمن والأمان»، وعودتك إلى دارك بسلام.

قف ولا تخف… أمامك نقطة تفتيش.

هاني الفردان

صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد

السيطرة على مؤسسات المجتمع المدني

ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين تبدو واضحة تماماً في حالة تعامل الدولة مع مؤسسات المجتمع المدني، ففي حين تؤكد الدولة على أهمية ابتعاد بعض الجمعيات الأهلية والمهنية، وخصوصاً المستقلة منها، عن الأمور السياسية، تلقى عدد من الجمعيات القريبة من التوجه الحكومي دعماً سياسياً وإعلامياً ومادياً غير محدود من قبل الجهات النافذة في الدولة.

فالدولة باتت تعرف مدى أهمية هذه المؤسسات في تمثيل المجتمع سواءً في الداخل أو الخارج، حيث «تتلخص طبيعة عمل المجتمع المدني في أنها الرديف الحقيقي للسلطة في أيّة دولة». ففي حين تلعب مؤسسات المجتمع المدني في المجتمعات الديمقراطية دوراً مسانداً وداعماً لجهود الدولة في تعزيز الديمقراطية والتنمية البشرية، يغيب دورها ويتم تهميشها في المجتمعات ذات الطبيعة الاستبدادية والدكتاتورية. ولذلك فإن العالم أصبح يقيس الآن مدى ديمقراطية أية دولة أو أي مجتمع بمدى الحرية التي تتمتع بها مؤسسات المجتمع المدني في القيام بدورها. كما أن العالم أصبح يعير اهتماماً بالغاً لما تقوله هذه المؤسسات عن أداء الحكومات في مجتمعاتها.

خلال السنة الماضية قامت الدولة وبشكل غير مسبوق بكل ما تستطيع من أجل احتواء أو السيطرة على جميع الجمعيات الأهلية والمهنية، بهدف تقديم صورة غير حقيقية للعالم، توحي بأن هذه الجمعيات على توافق تام مع كل ما تقوم به الحكومة من إجراءات.

وفي سبيل ذلك اتخذت الدولة ثلاث خطوات أساسية، الأولى هي حل الجمعيات التي لا يمكن السيطرة عليها أو تطويعها، كجمعية المعلمين البحرينية، وجمعية العمل الإسلامي «أمل» وجمعية الممرضين البحرينية.

الخطوة الثانية هي السيطرة على الجمعيات التي لا يمكن حلّها بسبب تاريخها وثقلها المهني، من خلال حلّ مجالس إداراتها وتعيين مجالس إدارات ذات توجهات موالية، ولا يهم إن تم ذلك بالتزوير أو اختراق القانون أو النظام الأساسي للجمعية كما حدث في جمعية الأطباء البحرينية وجمعية المحامين البحرينية. ففي حالة جمعية الأطباء تم حل مجلس الإدارة دون مسوغ قانوني، وتم إجراء الانتخابات بإدخال الأطباء الأجانب وإعطاؤهم الحق في الترشح والانتخاب رغم أن القانون الأساسي للجمعية يحدّد شروط العضوية في أن يكون العضو العامل «بحريني الجنسية، وأن يكون حاصلاً على شهادة البكالوريوس في الطب البشري أو طب الأسنان أو ما يعادلها من إحدى الجامعات أو الكليات المعترف بها في دولة البحرين، وأن يكون حسن السمعة والسلوك وألا يكون قد صدر ضده حكم في جناية مخلة بالأمانة والشرف إلا إذا ردّ إليه اعتباره».

أما الخطوة الثالثة فهي خلق بديل للجمعية، وذلك في حال عدم إمكانية حلّها أو السيطرة عليها، كما حدث للاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، والاتحاد الحر لنقابات عمال البحرين، وهنا أيضاً لا يهم إن كان خلْق الكيان الجديد قد جاء وفقاً للقانون الذي ينص على أنه «يجوز لكل نقابتين أو أكثر من النقابات العمالية المتشابهة أن تنشئ فيما بينها اتحاداً نقابياً، ويكون إنشاء الاتحاد النقابي والانضمام إليه بعد موافقة أغلبية أعضاء الجمعية العمومية للنقابة العمالية». أو كان خلاف ذلك كما حدث في الاتحاد الحر حين تم إنشاؤه من عدة نقابات من قطاعات مختلفة تماماً، وليست متشابهة كما حددها القانون.

وأخيراً هناك بالطبع الجمعيات المزيفة أو ما يطلق عليها بجمعيات «الغونغو»، والتي خُلقت أساساً لضرب الجمعيات الحقيقية، وكل ما يمكن أن تقوم به الدولة في هذه الحالة هو المزيد من الدعم المالي والسياسي المقدم لها.

جميل المحاري

صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد

التجربة والتحدي


حقق جمال عبدالناصر ديمقراطية التعليم عبر تعميمه وإشاعته لكل أبناء الشعب، خاصة الفئات الفقيرة منه، وحقق مقادير مهمة لا ينكرها جاحد من العدالة الاجتماعية، وأطلق نهضة ثقافية وفنية ميزت مصر في تلك المرحلة، وبنى صناعة وطنية ثقيلة، شكلت قاعدة لنهضة البلد الاقتصادية ولاستيعاب الآلاف من الشبان المصريين في حقول الإنتاج، وتجنيبهم البطالة والعوز، وحمى مصر ومزارعيها من الجفاف عبر تشييد السد العالي .

وكلما جاءت ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو/تموز،1952 يحضر اسم جمال عبدالناصر الذي أسهمت شخصيته في تشكيل الوعي الوطني الجديد لجيلٍ، وربما لأكثر من جيل، في مختلف البلدان العربية، وظل هذا الرمز الوطني والقومي الكبير، بالتحولات السياسية والفكرية التي مرّ بها، مُلهماً للكثيرين، في حياته، أو حتى بعد مماته المبكر، حيث نُظر إلى وجوده دعامةً رئيسةً من دعامات الأمل والتفاؤل في مستقبل عربي أفضل .

في ظروفٍ أخرى، كان يمكن لهزيمة يونيو/حزيران ،1967 أن تكون باعثاً على إعادة النظر في شخص جمال عبدالناصر وفي دوره، كونه الرجل الأول في النظام الذي تعرض للهزيمة، لكن الحسّ العفوي عند الناس في مصر والعالم العربي كله، جعلها ترى في وجوده، رغم مرارة الهزيمة، تمسكاً بالأمل في التغلب على ما أصاب الكرامة من جرحٍ وهوان .

ولم يكن مُستغرباً والحال كذلك، أن تندفع الناس في حركة شديدة العفوية الى شوارع القاهرة متمسكة بقيادته، ورافضة الاستسلام للهزيمة، وأن تشهد البلدان العربية مسيرات تُطالبه بالعودة عن استقالته . وحين رحل باكراً سارت في العواصم والمدن العربية مسيرات حزينة وجنائز رمزية بعد وفاته .

هذا الحسّ العفوي كان في محله تماماً، لكن شاءت الأقدار أن يرحل جمال قبل أن تعبر القوات المصرية خط بارليف، في الحرب المجيدة التي ما كانت ستكون لولا جهوده في استيعاب آثار الهزيمة، وإعادة بناء القوات المسلحة المصرية وتدريبها  والتحضير لها عبر حرب الاستنزاف .

لم تخلُ التجربة الناصرية من أخطاء شابتها، وفي مقدمتها على الإطلاق العلاقة المعقدة مع المسألة الديمقراطية والحريات العامة، خاصة منها حرية التعددية الحزبية، وما نجم عن ذلك من استهداف للقوى الأخرى، بمن فيها القوى الحليفة، موضوعياً، للنظام من يساريين وتقدميين، ولو تغلبت القيادة الناصرية، في حينه، على هذه المعضلة، فلربما كانت رسمت لمصر مساراً مختلفاً عن ذاك الذي ذهبت فيه بعد رحيل عبدالناصر، الذي كان بما له من نفوذ وكاريزما ضمانة صون الخط الوطني، فلما رحل نشأ الفراغ الذي سمح لمن خلفوه أن يرتدوا على منجزاته .
التحدي أمام مصر الجديدة، وقد استوى إلى رئاسة الجمهورية فيها شخص ينتمي إلى تنظيم كان في حال خصومة شديدة مع عبدالناصر وصلت درجة محاولة اغتياله من قبل هذا التنظيم في حادث المنشية الشهير، هو أن تبرهن على سعة أفق، بحجم سعة أفق ثورة 25 يناير، في النظر إلى جمال عبدالناصر والإرث الناصري وثورة يوليو، باعتبار كل هذه العناصر مرحلة فاصلة، مضيئة في الكثير من جوانبها، عبرت بها مصر من الملكية إلى النظام الجمهوري، الذي بفضل عبدالناصر جعل من مصر دولة مهابة مسموعة الكلمة لا في دوائرها الثلاث: العربية والإفريقية والإسلامية فحسب، وإنما على المستوى العالمي كله .

اقرأ المزيد