المنشور

اللهـــــو الخفــــي


من يعرف كيف تسير مجريات الأمور في بعض الوزارات والمؤسسات والأجهزة الرسمية ومن هو على دراية ومتابعة وعلى علم بالنيات والتصريحات التي أطلقت منذ سنوات وحتى الان في شأن بعض الملفات والمشاريع والبرامج والقرارات والوعود التي قد تذكر البعض بأغنية ام كلثوم التي تقول فيها: ما تصبرنيش بوعود.. أنا ياما صبرت زمان.. انما للصبر حدود..!!، وهي كلها وعود مشهودة ومعروفة وموثقة يمكن الرجوع اليها في إرشيف اي صحيفة محلية.
 
من يفعل كيف وينظر كيف هي النتائج على ارض الواقع، وقبل ذلك كيف كان اسلوب التعاطي مع تلك الملفات والبرامج والمشاريع والالتزامات والواجبات، وكيف كان حال المراوحة بالنسبة لبعضها، وكيف تم الإبقاء على بعضها الآخر محصورا في دائرة الشعارات والوعود من دون تنفيذ على ارض الواقع او اعتراها تنفيذ سيئ مرتبك ومربك ومكلف. من يفعل ذلك بموضوعية وبذهنية متيقظة نحسب انه سيخلص الى وجود خلل رهيب أصاب أطراف بعينها في جهات بعينها في مواقع شتى من مواقع الإدارة والعمل والمسؤولية، وقد يجد أيضاً ان هناك تطاولا على الحقوق واستهتارا في التعامل مع شؤون الناس، وان هناك قصورا في اداء المسؤوليات من شاغلي مقاعد المسؤولية كلفوا بما لم يتقنوا، وباتوا يشكلون بحق قوى معوقة للإصلاح والتطوير، وهذا وضع وجدناه يتفاقم في ظل ذهنية إنكار الأخطاء والمشكلات بالنفي المباشر او الصمت المطبق الذي قد يكون علامة من علامات الرضا والقبول..!! او عبر تجميل ما هو قبيح لتبقى التقيحات قائمة لا تمتد اليها يد بالتطهير والعلاج..
 
والبراهين على ذلك كثيرة لا ينقطع سيل تدفقها، هذا اولا، وثانيا قد يخلص المرء كذلك الى ان ثمة حاجة ملحة بفرض الإنحياز للمساءلة الفعلية بكل أبعادها ومقتضياتها وتجلياتها وفرضها فرضا في كل موقع خدمة عامة وفي كل شأن عام، وثالثا قد يخلص المرء الى ان هناك طرازا من المسؤولين بات من المهم والضروري والمصلحة التمحيص في صلاحيتهم، خاصة أولئك الذين جعلوا وظيفة الأقوال تصرف الأنظار عن الأفعال او عالجوا الخطأ بكارثة.. !! او في أدنى الأحوال بددوا الإشكال باشكال ثلاثة ملفات، هي عينة ليس إلا كان وما زال التعامل معها محيرا وباعثا لعلامات استفهام وتعجب من كل حدب وصوب، ملفات بينت ان هناك أخطاء، وهناك خلل، وهناك إخفاق، وهناك فساد، وهناك ممن فقد الشعور بالمسؤولية فقصر او اهمل او أساء على نحو يؤكد في أبسط تحليل بأن هناك من الأمور الجدية لا تؤخذ على محمل الجد، وان ثمة مظاهر انحراف لم تواجه بالحسم والحزم ناهيك عن الردع، وان قيمة المساءلة مازالت غائبة او مغيبة او لم تنل حظها اللازم والفاعل والمؤثر في ساحة الأداء العام.
 
الملف الاول، هو ملف مشروع البيوت الآيلة للسقوط الذي قدم وروج على انه من اهم المشاريع التي تهم أعدادا كبيرة من المواطنين، هذا المشروع أوكل في البداية منذ سنوات الى المجالس البلدية من اجل اعادة بناء المنازل الآيلة ضمن معايير وضعتها هذه المجالس، وبدأ المشروع تحت مسؤولية وزارة الإسكان ثم لوزارة البلديات ثم المؤسسة الملكية الخيرية، ثم نقل الى بنك الإسكان الذي فاجأ الجميع بالإعلان بانه لم يتسلم عهدة المشروع.
 
الأهم من ذلك هو حالة التعثر التي عانى وما زال يعاني منها المشروع وهي الحالة التي أدت الى جدل ولغط واسعين، ووجدنا كيف تبادل بلديون كثر الاتهامات حوله، كما وجدنا كيف تنصل مسؤولون من مسؤولية تعثره وما آل اليه من حال، وعدم تنسيق بين الجهات الرسمية، ولم يعد احد يعرف اليوم مصير هذا المشروع او الى اين يتجه؟ وقرأنا تصريحات لأعضاء مجالس بلدية اعلنوا فيها موت المشروع، فيما حاول البعض الآخر ان يخفف من وطأة وضع المشروع مكتفيا بالإعلان الصريح وبالفم الملآن، ان المشروع لم يمت ولكنه في العناية القصوى.
 
الملف الثانى، ملف علاوة الغلاء، وهو الملف الذي ما كان احد يتمنى ان تثار على خلفيته مفردات مثل الهبة او الحسنة، بل مفردات تتصل بمعاني الحق والواجب وكرامة الانسان، هذا الملف قيل فيه وعنه الكثير مما هو مقرون بالدهشة والصدمة في آن واحد، حول اسلوب التعامل مع مستحقي العلاوة، وحول طريقة صرفها وشروط استحقاقها، وهي الشروط التي بفضلها تم الغاء اعداد كبيرة من المواطنين في قوائم المستحقين، وخضع كثير منهم لعملية لا يمكن الا ان توصف بانها مذلة على الأقل حيال ذلك الكم من الشروط والشروط المعدلة والإضافية وعبر نوعية من الإجراءات والمعايير والعراقيل وكل ما استقبل بامتعاض شديد. نعلم ان هذه العلاوة سنت في الأساس من اجل التخفيف من المسحوقين بأزماتهم المعيشية من فئة محدودي الدخل، وكان أمرا صادما ومزعجا ومثيرا لتساؤلات كثيرة ان يكتشف بان ٣٨ بالمائة ممن صرفت لهم العلاوة لم يكونوا مستحقين لها، وان ٣٧ مليون دينار صرفت من علاوة الغلاء لأسر غير مستحقة فعليا، وهذا كلام معلن وموثق ومنشور وما كان ينبغي ان يمر مرور الكرام، فهو يعني في أبسط تحليل بأن مسار هذا المشروع لم يسر كما يجب وشابه التخبط والإخفاق وسوء إدارة دون وقفة او مراجعة ودون مراقبة ومتابعة وتقييم ومساءلة.
 
نمضي الى الملف الثالث، هو ملف الفساد والتجاوزات الفجة التي تكشفت في الآونة الأخيرة فقط على اكثر من صعيد بدءا من مشروع مستشفى الملك حمد وهي التجاوزات والخروقات التي رفعت كلفة المشروع من ١٨ مليون دينار الى ١٣٠ مليونا، مرورا بالتجاوزات التي كشف عنها تقرير رسمي والتي بلغت ٢٩ مخالفة مالية وإدارية ضربت في الصميم نظم ولوائح متصلة بالمناقشات والمشتريات والتعيينات وعقود التوظيف، وربما انتهاء بما بات يعرف بالفساد في البلديات وهو ملف يحوي اكثر من قضية متداولة منها قضية حظائر الأغنام وتوزيع الاراضي على أشخاص وشركات بطرق مخالفة وبيع المواد والأعلاف والحيوانات دون حسيب او رقيب، ومناقصة مراوح السوق المركزي، وأخيرا وليس آخراً ما يثار الان من لغط حول مناقصة مشروع تطوير حديقة المحرق.
 
لسنا في وارد الاستفاضة فى اي من تلك القضايا والملفات حيث تفاصيل كل منها معلوم ومنشور ومتداول، ولكننا اولا في وارد التنبيه والتذكير بان تلك وغيرها هي، قضايا فجرت العديد من الأصداء التي لو حدثت في مكان آخر لا يخرج منها الوزير او المسؤول بسلام. وثانيا، هي قضايا وجدنا بعضها وبقدرة قادر توارت عن الأنظار فجأة، وسكت الجميع فجأة عن الكلام المباح، حتى النواب الذين استعرضوا عضلاتهم واستأسدوا وجدناهم في مشاهد كاريكاتورية يهددون ويتوعدون باستجوابات وبلجان تحقيق ومساءلات لكل من فرط في المال العام او تعدى عليه، سكتوا فجأة مما يبدو كالألغاز، وكأنه لا يحق لنا ان نكون ضمن منظومة المساءلة والحساب الا في حدود الظاهرة الصوتية، ولا تزال الذاكرة تحتفظ بمواقف النواب خاصة حيال تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية، وهذا مثال ليس إلا.
 
كل الضجيج، وكل التصريحات والوعود التي بشرتنا بإجراءات حاسمة ورادعة وإحالات الى النيابة العامة كأنها لم تكن، وكأن ما جرى من إهدار للمال العام وتجاوزات مالية وإدارية هنا وهناك هي من صنع «لهو خفي» فعل ويفعل ما يشاء دون ان يعرفه احد، تماماً كما هو الحال بالنسبة لقضايا كثيرة قفزت الى الواجهة ومرت هي الاخرى وكأن شيئا لم يكن، ذلك يعني اننا نعاني من علة.. ونرى ان لكل علة سبب.. ولكل علة علاج.. ولكل علاج نقطة بداية.. ونظن ان نقطة البداية الاعتراف بالعلة اولا، والجدية ثانيا.. الخلاصة إما نكون جادين.. والا فلا أمل.. !
 
حرر 11 يوليو 2012
 

اقرأ المزيد

الاعتراف بالانتهاكات… بداية للمصالحة والانتقال الديمقراطي

يثير موضوع انتهاكات حقوق الإنسان جدلاً واسعاً في البلدان التي شهدت ومازالت تشهد اضطرابات سياسية على مدى طويل. وقد تكون بلدان أميركا اللاتينية التي طرحنا بعضاً من تجاربها في مقالات سابقة، مفيدة في البلدان التي لم تحظَ بقدر صريح وواضح من العمل لحل مشكلاتها السياسية العالقة، ومن بينها البلدان العربية من الخليج إلى المحيط.

إن موضوع محاسبة وملاحقة من ارتكب الانتهاكات يبقى محل تساؤل وتحفظ، وكذلك من تسبّب فيها. فهل كانت استناداً إلى قوانين قديمة كانت نافذة في العهد السابق، أم استناداً إلى قوانين جديدة يتم تشريعها حالياً ويخضع لها المتهمون بأثر رجعي؟

ولعل تجربة البلدان الاشتراكية السابقة تقدّم أكثر من نموذج بخصوص التواصل والاستمرارية القانونية أو القطيعة والفصل مع الماضي، حسب ما أشار إليه الباحث العراقي عبدالحسين شعبان في ورقته التي قدمها في مايو/ أيار 2012 في العاصمة تونس. وكان هذا الموضوع محور نقاش معرفي في ندوة نظّمها «مركز الدراسات الوطنية» و«الاتحاد الوطني الحر».


 
ولعلَّ موضوع المساءلة لا يواجه تونس وحدها وإنما يواجه جميع البلدان التي شهدت تغييرات في ما سمي بالربيع العربي، كما أنه سيكون حاضراً في جميع تجارب الانتقال الديمقراطي في المستقبل بالنسبة إلى دول المنطقة.

وبحسب شعبان، فقد أوضح أن «هنغاريا» اختارت على سبيل المثال فقه التواصل، ولهذا كان عدد الذين تمت مساءلتهم قليلاً ومحدوداً، في حين اختارت «ألمانيا الديمقراطية»، فقه القطيعة ولاسيما بعد انضمامها إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، إذ خضع المتهمون بالانتهاكات إلى القوانين الألمانية الاتحادية. أما «تشيكوسلوفاكيا» فقد اختارت في بداية الأمر فقه القطيعة لكنها عادت واختارت فقه التواصل، وخصوصاً عشية انتقال السلطة سلمياً وبصورة سلسة من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطي الجديد.

ويرى المراقبون أن العودة إلى القواعد الأساسية بالنسبة إلى القانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن مسألة تقديم الجناة ومرتكبي الانتهاكات إلى القضاء، هما اللذان يمكن اللجوء إليهما، فهذه هي القاعدة العامة، لكن الوقائع وضعت بعض الدلالات بشأن الإفلات من المساءلة خصوصاً بتداخل السياسي مع القانوني أحياناً.

ولو نظرنا إلى تجربة تشيلي بعد مرور سنوات على عودة الحكم المدني، فقد حدث تطور مفاجئ بإيداع حاكم تشيلي الديكتاتور أوغستو بينوشيه رهن الإقامة الجبرية، تمهيداً لمحاكمته بعد احتجازه في بريطانيا ومطالبة القضاء في إسبانيا بمحاكمته. وكان الجيش بقيادة بينوشيه قد أصدر قانوناً للعفو الذاتي، خلافاً لتجربة جنوب إفريقيا التي لم تقر مبدأ العفو، وكذلك تجربة الأرجنتين حين كان العفو آخر المسلسل. لكن كشف الحقيقة وتحديد المسئوليات كان المرتكز للمصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي لاحقاً.

والمتتبع لما يحدث في الساحة العربية، يجد أن موضع الاعتراف بالخطأ وكشف الحقيقة، يعد أهم التحديات الكبرى في تجارب الانتقال الديمقراطي بعد المساءلة الجنائية.

شعبان اختتم ورقته بعدة نقاط تثير عدداً من التساؤلات، وهي لن تنتهي إلا عندما تتم الإجابة عليها مع استعراض المشهد السياسي كاملاً دون شطب أو نقصان، وخصوصاً أن ضحايا الأنظمة الاستبدادية لن يقبلوا بطيّ أي صفحة إلا بتغيير يحفظ كرامتهم الإنسانية… والإجابة على تساؤلاتهم، مثل لماذا تم كل ذلك؟ كيف حصل؟ من المسئول؟ ولماذا وقعت كل تلك الانتهاكات والتجاوزات؟ وأين الحقيقة؟ وهل يمكن معرفة كل شيء؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المشروعة والإنسانية.

المسألة التي ختم بها شعبان ورقته، أن الحقيقة بذاتها تجلب قدراً من التطهّر الروحي الإنساني للفرد والمجتمع بل وتشكّل عنصر ردع مستقبلي ضد الانتهاكات سواءً الإدلاء بشهادات أو روايات حتى وإن اختلطت معها أحداث اجتماعية أو سياسية أو قانونية، لكنها كإقرار حقوقي مهم لتشكيل مدلول قانوني يشحذ الذاكرة ويعيد الاعتبار إلى الضحايا ويسهم في تعزيز العدالة الانتقالية، وبالتالي يوفّر أساساً للمصالحة الوطنية وللانتقال الديمقراطي.

ريم خليفة

صحيفة الوسط البحرينية

اقرأ المزيد

يا قيادات الفاتح… حتى لا تقعدوا ملومين محسورين ؟ – عيـسى سـيار


في أحد اللقاءات الجماهيرية التي حضرتها والتي أقيمت في إحدى الساحات بالمحرق بعد أيام قليلة من فزعة الفاتح الأولى. وقف أحد الشباب وتحدث بحماس ونشوة مخاطباً الحشد قائلا: «بغض النظر إن اختلفنا أو اتفقنا مع المطالب التي رفعها المعتصمون في دوار اللؤلؤة فإننا نشكر تاريخ 14 فبراير على إيقاظه الشارع السني والذي تم تغييبه وتهميشه سياسياً بتوجيه وتخطيط من أطراف وقيادات محسوبة على النظام السياسي»، وأضاف الشاب «لقد وضعوا أرجلنا وأيادينا في قالب من الأسمنت لأكثر من ثلاثين سنة… ولكننا الآن كسرنا هذا القالب وسوف نستعيد لياقتنا وعافيتنا ونطالب بحقوقنا كما تطالب بها المعارضة ولن نكون بعد الآن (طوفة هبيطة)».
 
إن أي قراءة واعية لما قاله الشاب سيصل إلى دلالات ومعان لا يخطئها البصر ولا البصيرة. فالشاب وجه رسائل واضحة لمن يمتلك الحصافة السياسية بأن غالبية الشارع السني والذي لا تمثله القوى الدينية السنية التقليدية والذي عاقبها في انتخابات 2010 لن يقبل بعد الآن أن تنتهك أو تصادر حقوقه تحت أي حجة أو ذريعة من قبل أي طرف، وهناك ثلاث رسائل يمكن في اعتقادي استخلاصها مما قاله الشاب:
 
الرسالة الأولى للنظام السياسي: ومفادها أن الشارع الوطني السني له مطالب في الإصلاح السياسي والمعيشي وأنه سيستعيد لياقته بعد التغييب والتهميش المتعمد ليكون لاعباً أساسياً في المشهد السياسي، كما يفهم من كلام الشاب أيضاً أن الشارع السني لن يقبل بتزوير إرادته الوطنية من قبل المطبخ السياسي من أجل إيصال نواب في البرلمان تتم إدارتهم عن بعد من قبل أطراف نافذة «بالريموت كونترول» وأن الشارع لن يقبل بعد الآن بفتات الموائد أو أن يكون رديفاً للنظام السياسي.
 
الرسالة الثانية: يوجهها الشاب كما أعتقد إلى قيادات الشارع السني بشكل عام والدينية التقليدية منها بشكل خاص، ليقول لهم لا تستخدموا الدين من أجل تهميش وتخدير الشارع السني، بل عليكم بتوعيته بحقوقه السياسية. وأن إطاعة أولي الأمر لا يعني السكوت عن المطالبة بالحقوق المشروعة والتي كفلتها الشرائع السماوية قبل الوضعية ولا يعني عدم محاربة الفساد ومن يقف وراءه ومن يقوم بتغطيته. وأن الشارع السني لن يقبل بعد الآن بأن يكون وعيه السياسي أقل من وعي الشارع المقابل.
 
الرسالة الثالثة: يرسلها الشاب للشارع المقابل ومفادها بأنكم لستم الوحيدين الذين لديهم مطالب في الإصلاح السياسي والمعيشي بل نحن كذلك؟ ولستم الوحيدين الذين صودرت حقوقهم السياسية والمعيشية بل نحن كذلك؟ ولستم الوحيدين الذين تعانون من عدم العدالة والفقر وظروف المعيشة الصعبة بل نحن كذلك؟ لذا علينا أن نتحاور ونبني الثقة على أساس الثوابت الوطنية.
 
إن كان لنا رأي أو تعليق حول الدلالات والمعاني البالغة للكلمات التي قالها الشاب فإن ما قاله الشاب بكلماته المعبرة والصادقة يضع قيادات الفاتح الدينية والوطنية والنزيهة والتي لا تحكم مواقفها أو تصرفاتها أو أقوالها مصالح مع أطراف نافذة محسوبة على النظام السياسي! أمام مسئولية تاريخية كما يحملها الشاب مسئولية وطنية كبيرة في النهوض سياسياً بوعي الشارع السني والدفاع عن مطالبه ومصالحه العادلة، ومن هذا المنطلق فإننا نوجه بوصلة المسئولية الوطنية بالكامل لقيادات الفاتح الدينية والوطنية النزيهة حول أمرين مهمّين:
 
الأول: لقد أخذ الشارع السني يضيق ذرعاً بانشغالكم بالخلافات والتشرذم الذي حصل في جسم الشارع السياسي السني والذي أنتم من تسبب فيه وجمعياتكم العمومية وانتخاباتكم وتسابقكم ليس على إنجاز ما وعدتم به الشعب بل على المناصب والحظوة وغيرها من مصالح، فالشارع السني كان ينتظر منكم مواقف واضحة وصريحة لا لبس فيها تجاه ملف الإصلاح السياسي والملف المعيشي ولكن بسببكم ذهبت آماله وطموحاته في مهب الريح.
 
إن الشعب البحريني يريد أن يرى تغييراً جذرياً على حياته المعيشية، يريد أن يرى وعودكم تتحقق على أرض الواقع، يريد أن يعيش الأيام الجميلة التي لم يعشها بعد!؟، فالذي قمتم به حتى الآن هو عبارة فقط عن تشكل جمعية سياسية بدأ الكثير من الناس ينفضون من حولها بسبب عدم أخذكم زمام المبادرة وصيانة حقوق ومطالب الشعب المعيشية وعدم وضوح مواقفكم السياسية!؟ وعدم قدرتكم على الاستفادة من زخم الشارع السني آنذاك، وكذلك بسبب حالة الانقسام والتشرذم في الشارع السني الذي تسببتم فيه.
 
الثاني: إن قيادات جمعية تجمع الوحدة الوطنية والتي تأسست على خلفية فزعة الفاتح، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى وخاصة بعد الوضوح الجزئي لموقفها السياسي والذي عكسه التقرير السياسي الصادر عن جمعيتها العمومية الأخيرة، بأن تأخذ زمام المبادرة ومن خلال إرادة وطنية واعية وواقعية وسياسية تقوم على الثوابت الوطنية أن تفتح حواراً جادّاً مع المعارضة أسميته «حوار الشجعان» لأن الذي سيقوم به لابد أن يمتلك الشجاعة الوطنية والأدبية والأخلاقية.
 
إن المحاذير والمخاوف التي يضعها تجمع الوحدة الوطنية قبل الدخول في حوار جاد مع المعارضة نتفهمها؛ لأنها تعكس واقع الحال الذي يعيشه الشارع السني، ولكنها لا ينبغي أن تكون عائقاً أمام التجمع في أن يدخل في حوار مع المعارضة الوطنية يمكن أن نطلق عليه حوار جس نبض وذلك من أجل التوصل أولاً إلى تبديد المخاوف والهواجس بين الطرفين ومن ثم بناء الثقة وثانياً أن يتم التوصل إلى مبادئ وقواسم مشتركة حول عملية الإصلاح السياسي والمعيشي وخاصة أن قيادات الفاتح أعلنت مراراً وتكراراً أنها تلتقي مع المعارضة على أكثر من 80 في المئة من المطالب التي وردت في وثيقة المنامة ! ؟
 
إن بقاء مواقف قيادات تجمع الفاتح تراوح مكانها متدثرة بالهواجس والمخاوف تارة أو متذرعة بأن هناك أطرافاً نافذة ستحرك الشارع السني إن هم دخلوا في حوار مع المعارضة تارة أخرى أمر أصبح سياسياً ووطنياً وأخلاقياً غير مقبول في ظل أوضاع خطيرة تمر بها البحرين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
 
إن استمرار قيادات تجمع الوحدة الوطنية في رفع الراية البيضاء أمام هواجسهم ومخاوفهم أو أمام التحذيرات أو أمام البطاقات الحمراء التي يرفعها في وجهها الانتهازيون والمتمصلحون والتي أسمّيها «البطاقات المدفوعة الأجر» وكذلك أمام الجمعيات السياسية السنية القريبة من أطراف نافذة في النظام السياسى والتي ترفض الحوار مع المعارضة من حيث المبدأ. حتماً سيصل بهم المآل (أي قيادات الفاتح بشكل عام وقيادات التجمع بشكل خاص) إلى أن يقعدوا ملومين ومحسورين مرددين كلمة «ياريت، لأنها بالطبع ما تعمّر بيت»، وسوف لن يرحمهم التاريخ ولا حتى من وقف معهم في فزعة الفاتح الأولى… فمن يرفع الشراع؟
 

صحيفة الوسط البحرينية –  عيسى سيار
01 أغسطس 2012م
 

اقرأ المزيد

قراءات مختلفة للعملية السياسية في لـيـبـيا


فجأة وعلى حين غرة، أعلنت المفوضية الليبية النتائج النهائية لانتخابات أول برلمان ليبي منتخب منذ سقوط نظام عائلة معمر القذافي، والتي جاءت مفاجئة بمخالفتها لكل التكهنات والتوقعات والرهانات، وذلك بتحقيق ائتلاف القوى الوطنية المحسوبة عموما على التوجهات الليبرالية بقيادة محمود جبريل القيادي في المجلس الوطني الانتقالي المظلة التي احتوت كافة مجاميع المنتفضين والثائرين على حكم القذافي. حيث أسفرت الانتخابات التي أعلنت نتيجتها مفوضية الانتخابات، كما صار معلوما، عن فوز ساحق لائتلاف محمود جبريل بحصوله على 39 مقعدا من اجمالي المقاعد الـ 80 المخصصة للقوائم الانتخابية (الأحزاب والتكتلات السياسية)، في حين حل على نحو مفاجىء حزب العدالة والبناء (اخوان مسلمين) ثانيا بسبعة عشر مقعدا فقط.
 
الغرب الذي لعب، بكلامل ماكينته الضخمة الاقتصادية والدبلوماسية والاعلامية والعسكرية، الدور الحاسم في اسقاط نظام عائلة القذافي، تقدم صفوف المهللين لهذه النتائج، من زعمائه ورؤساء حكوماته، وحتى أمين عام حلف شمال الأطلسي الدانماركي أندرس فوغ راسموسن لم يشأ أن يتأخر للتذكير في هذه المناسبة بدور حلف الناتو في تمكين الشعب الليبي من طي صفحة الدكتاتورية الفردية السوداء وفتح صفحة جديدة في تاريخه المعاصر قوامها الديمقراطية وحقوق الانسان.
 
وهذا بطبيعة الحال لا يقدح ولا يقلل أبدا من شأن النجاح الباهر الذي حققه الشعب الليبي الشقيق بقدر ما يدعو للحذر من الثمن الذي سيطلبه الغربيون من الحكم الجديد في ليبيا لقاء تخليصه من نير الدكتاتورية والذي يُخشى أن يجىء على حساب استقلال القرار الوطني الليبي، خصوصا فيما يتعلق بالاستثمار الوطني المستقل لثروات البلاد النفطية والغازية والتعدينية عموما، وكذلك بالموقف العربي المبدئي التضامني من قضية الشعب العربي الفلسطيني المغتصبة أراضيه وحقوقه من قبل الدولة الصهيونية المحمية من أولئك الغربيين.
 
الآن وفيما يتعلق بنتائج الانتخابات النيابية الليبية والتي صبت – على نحو مفاجىء كما أسلفنا –  في الاتجاه المعاكس، فاننا لا نروم الظهور بمظهر المتشائمين من المشهد الليبي العام ما بعد سقوط نظام عائلة القذافي، وانما نتيجة الانتخابات تستدعي التساؤل الحذر في ضوء جملة المعطيات المتيسرة بشأن المكون المدني، والحالة المدنية بصفة عامة، في المجتمع الليبي.. ناهيك عن الأبعاد الثقافية والنفسية للمجتع الليبي ذي التوليفة القبلية المحكومة بعصبيات جهوية وأواصر قربى عشائرية حرص النظام السابق أشد الحرص على ابقائها في مرحلتها ما قبل الحداثة. ناهيك عن العزلة الحضارية الطويلة التي عاشها المجتمع الليبي على مدى أكثر من أربعة عقود بسبب ممارسات ونزوات النظام الكاريكاتوري الذي فرضه رئيس ليبيا الراحل معمر القذافي قسرا على الشعب الليبي التواق للحرية.
 
ولا ننسَ المناخ الذي جرت فيه الانتخابات، وهو مناخ أقل ما يوصف به انه غير طبيعي، من حيث انتشار السلاح وغياب الأمن وعدم انتظام وتعافي مؤسسات الدولة الرسمية من آثار الحرب الاهلية، والخطابات التحريضية والتحشيدية التي أطلقها الاسلاميون لتخويف الناخبين الليبيين من التحالف الليبرالي واتهامهم اياه بأنه تحالف للعلمانيين الكفرة، والتي توجها مفتي الديار الليبية بفتواه الشهيرة التي حرم فيها التصويت لحزب “علماني كافر”، والتي – ويا للغرابة لم تجد لها آذانا صاغية حتى في الدئرة التي انطلقت منها وهي الدائرة الانتخابية الأولى (طبرق – القبة – درنة) التي تعد مركز الاسلاميين ومعقلهم، ومع ذلك نجح تحالف محمود جبريل في الفوز بأربعة مقاعد من مقاعدها الخمسة !
 
ولعل الأمر الأكثر اثارة هو ذلك المتصل بالتحليل التعليلي للفوز الكاسح لتكتل الليبراليين بقيادة محمود جبريل الذي تناقلته باطمئنان وكالات الأنباء، والذاهب زعما بأن مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا (!) هي التي شكلت الرافعة الأساسية التي اعتمد عليها جبريل في دعم حملته الانتخابية وانها كانت وراء انتصار ائتلافه الليبرالي الكاسح !
 
أولم نقل ان نتيجة الانتخابات الليبية مفاجِئة بكل المقاييس !
 
ولكن مهلا، فاذا كان ما يسمى بتكتل الليبراليين قد حسم مسألة فوزه بالنسبة للثمانين مقعدا من مقاعد المؤتمر الوطني العام المخصصة للقوائم الانتخابية، الذي سيختار رئيسا للحكومة وسن التشريعات والاعداد لانتخابات جديدة بعد كتابة دستور جديد العام المقبل، فان المقاعد المائة والعشرين المتبقية والمخصصة للمستقلين مازال أمرها غامضا بغموض انتماءات وولاءات هؤلاء المستقلين. فمع ان هؤلاء هم عبارة عن خليط غير متجانس من المحامين ورجال الأعمال والنشطاء والمعارضين السابقين لمعمر القذافي، الا أن تصريح زعيم حزب العدالة والبناء محمد صوان بأن 19 مستقلا متحالفون مع حزبه – حيث فضل عدد كبير من المرشحين المحسوبين على التيار الاسلامي النزول على قوائم المستقلين لزيادة حظوظهم في الفوز – يفتح الباب على قراءات أخرى مغايرة للنتيجة الرسمية المعلنة للانتخابات !
 
ثم انه وبخلاف الحضور الطاغي للاسلاميين في مؤسسات الدولة الليبية ما بعد سقوط القذافي، والذي أملته ملابسات وتداعيات الحدث كله، فان محمود جبريل الحداثي الدارس في الولايات المتحدة، سوف يواجه صعوبة ذات مستويين، الأولى وتتعلق بتأمين استمرار الشراكة داخل التحالف الذي شكله والذي يضم أكثر من 70 حزبا متباينة المصالح والانتماءات السياسية، والثانية تتعلق بتأمين الثلثين في المؤتمر الوطني العام من أجل تمرير واقرار القرارات المهمة.
 

اقرأ المزيد

بعد 22 عاما من الغزو «عادت حليمة » !

 


من الطبيعي في الذكرى السنوية الثانية والعشرين لغزو الكويت واحتلالها، أن نسترجع شيئا من شريط الذكريات الأليمة لتلك التجربة القاسية، وأن نستذكر جانبا من التضحيات البطولية التي سطّرها أبناء الكويت دفاعا عن الوطن وفي مقاومة الغزو والاحتلال، وأن نحني الرؤوس إجلالا للشهداء الميامين… ولكن هذا كله يجب ألا ينسينا أن نسأل انفسنا بصراحة ووضوح عما إذا كنا بعد اثنين وعشرين عاما قد استفدنا حقا كدولة وكمجتمع وكمواطنين من دروس تلك الكارثة الوطنية الأليمة؟ !

ولعلّ أفضل وسيلة للإجابة عن مثل هذا السؤال المستحق تكمن في تتبّع مجريات الأمور في البلاد منذ التحرير وما آلت إليه بعد ذلك وصولا إلى واقعنا الراهن… مع أنّ الإجابة عن السؤال كانت واضحة منذ البداية، حيث لم يُحاسب أي مقصّر عن تقصيره؛ ولم يُقص أي متهاون من المسؤولين الكبار في الدولة عن موقعه في سلطة القرار جراء تهاونه عن أداء واجبه وعدم قيامه بمسؤولياته، وذلك على الرغم من الإدانة الصريحة التي تضمّنها تقرير “لجنة تقصي الحقائق عن موضوع الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت” في مجلس الأمة الصادر في 16 أغسطس من العام 1995، وتحديدا ما جاء فيه من أنّ “رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الإعلام ووزير الدفاع ووزير الداخلية يتحملون مسؤولية التقصير، وقصور الجاهزية، وعدم اتخاذ أبسط التجهيزات والاستعدادات الأمنية المدنية والعسكرية للتعامل مع التهديدات العراقية التي استمرت طوال اسبوعين كاملين من 15/7/1990 إلى 1/8/1990”، إذ حمّل التقرير السلطة التنفيذية المسؤولية لأنّها “لم تقرأ الخطر والتهديدات العراقية الموجهة ضد الكويت قراءة صحيحة”… “ولم تتعامل مع الخطر تعاملا صحيحا”… و”قللت من الخطر الماثل أمام الكويت واستبعدت حتى التجهيز والإعداد الدفاعي والعسكري”… و”غيّبت المشاركة الشعبية والرأي العام وتعمّدت إخفاء الأخطار العراقية في أجهزة الإعلام الرسمية”… و”فشلت في مساعيها السياسية التي كانت المحور والمسار الوحيد الذي اتخذته دون غيره من المسارات ولو من باب الاحتياط”…  ومع ذلك كله لم تتم محاسبة أيٍّ من هؤلاء المسؤولين عن تقصيرهم الفاضح وتهاونهم الواضح، ومثلما هو معروف فإنّه عندما يغيب الحساب وتنعدم المسؤولية لا يمكن الحديث عن الاستفادة من الدرس والاتعاظ من التجربة! 

وإلى جانب انعدام مساءلة المقصّرين والمتهاونين، فقد شهدنا كيف جرى عن سوء نيّة وسابق قصد تفويت الفرصة التاريخية التي سنحت في الأشهر الأولى بعد التحرير لإعادة بناء الكويت على أسس جديدة، حيث عادت “حليمة السلطة والقوى المتنفذة والمصالح الكبيرة إلى عاداتها القديمة” عبر عودتها إلى مواصلة نهجها المعتاد في الإدارة السياسية للدولة وفق عقلية المشيخة ومصالح الحلفاء الطبقيين من القلّة المسيطرة بالاستحواذ على مقدرات البلاد واستغلال النفوذ والانتفاع والتنفيع؛ مع مواصلة نهج تعطيل مشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة.

أما فيما يتصل بتوفير متطلبات الحفاظ على الأمن الوطني للكويت بعد تلك الكارثة الأليمة، فقد جرى الاكتفاء بوضع “بيض أمننا الوطني كله” في سلّة الاتفاقية السرية مع الولايات المتحدة الأميركية، التي لا يعلم أحد غير موقعيها ما تتضمنه من شروط وما ترتبه علينا من التزامات، في الوقت الذي جرى فيه إلغاء نظام التجنيد الإلزامي الذي كان قائما، وكأنّه لم تعد هناك بعد هذه الاتفاقية السرية أدنى حاجة إلى مشاركة شباب الكويت في الدفاع عن وطنه !

والأسوأ من ذلك ما شهده المجتمع الكويتي، خصوصا منذ العام 2008 وإلى يومنا هذا، على يد السلطة والمحسوبين عليها من محاولات متعمّدة لتمزيق المجتمع الكويتي الصغير وتأجيج النعرات الطائفية والعنصرية والقبلية والمناطقية وتكريس الانتماءات الفئوية والهويات الصغرى على حساب الانتماء الجامع إلى الهوية الوطنية الكبرى… وها نحن نشهد هذه الأيام إحدى حلقات التأجيج المتعمّدة عبر الإساءة المتكررة إلى المواطنين من قبيلة مطير، التي يبدو أنّها لن تكون الحلقة التأجيجية الأخيرة ضمن مسلسل العبث في مكونات المجتمع، الذي بدأ بمسرحية “التأبين” ولا يزال مستمرا بفضل رعاية الرعاة الأساسيين الكبار والفرعيين !  
 
ترى، بعد هذا كله، هل هناك مَنْ يمكنه أن يدعي أنّنا استفدنا من دروس كارثة الغزو والاحتلال واتعظنا من عِبَرِها؟ !
 
 
صحيفة عالم اليوم  2 اغسطس 2012

اقرأ المزيد

حصاد المدينة العربية المأزومة



لفهم طبيعة التحولات التي جرت وتجري في البلدان العربية، يتعين الوقوف على التحولات الديموغرافية التي شهدتها المدينة العربية في العقود الماضية، ولكي نقرب هذه الفكرة علينا أن نتذكر أن مدينة القاهرة، كبرى المدن العربية وأهمها، التي يبلغ عدد من تحتويهم في أحشائها خلال ساعات النهار نحو عشرين مليون نسمة، وفي الليل نحو اثني عشر مليوناً، هم السكان المقيمون فيها، لم يزد عدد سكانها في أوائل القرن العشرين على نصف مليون شخص، ولأن الأمور تؤخذ بنسبيتها فإن ما يصح على القاهرة يصح على الإسكندرية وعلى عواصم ومدن عربية أخرى، فمعدلات النمو السائد أدى إلى أن المدن الكبرى تنحو المنحى نفسه .

دراسات رصينة تذهب إلى أن ما يتراوح بين 70% إلى 80% من سكان العالم العربي هم سكان المدن، وإذا كانت هذه الزيادات نتيجة لأزمة التشكيلات السابقة للرأسمالية ما دفع قُدماً بدور العاصمة كمركز للنشاط السياسي والاقتصادي والإداري، وأدى لتدهور الحرف التي تخصصت بها بعض البلدات، وبالتالي هجرة أبنائها إلى العاصمة، فإن مؤسسة الخدمة العسكرية الإلزامية لعبت دوراً مهماً في “ترييف” المدينة، ذلك أن قوة العمل الجديدة أخذت تمر بهذه المؤسسة، وبعد أن تقضي فترة من حياتها في العاصمة أو المدينة فإن جزءاً كبيراً منها يرفض العودة بعد أن يألف حياة المدينة، حتى وإن كانت هذه الأخيرة ستؤدي إلى سحقه وتهميشه وتهشيمه .

صحيح أن المدينة حتى من دون الهجرة من الريف إليها منقسمة اجتماعياً بين أقلية مترفة وأكثرية فقيرة، لكن “ترييف” المدينة من خلال النازحين إليها أدى إلى نشوء تمايز حاد بين سكان المدينة الأصليين وبين النازحين إليها، والذين لم تكن هذه المدينة المأزومة أصلاً قادرة على أن تستوعبهم وتدمجهم في قطاعاتها الحديثة، فكان أن حولتهم إلى جيش من العاطلين السافرين أو المقنعين، ونشأت، حول العواصم والمدن، أحزمة الفقر التي تفتقد الشروط الدنيا من الخدمات اللازمة للعيش .

ستشكل الأجيال الجديدة من أبناء هذه الأحزمة وقوداً للحركات الاحتجاجية الرافضة، التي تفتقد إلى برامج التحديث الحقيقي، كونها نتاج مجتمعات غير مدينية في الأساس، وهي لن تنخرط في بناء مؤسسات المجتمع المدني الحديث، فهذه الأخيرة هي، في الأصل والجوهر، نتاج المدينة، وهي بمثابة الأطر أو الهياكل التي من خلالها تنظم النخب السياسية والثقافية وسواها أنشطتها، وبالنظر إلى أن المدينة باتت محاصرة بأحزمة الوافدين إليها، فإن تلك المؤسسات ظلت في حيزها النخبوي المحدود، رغم ما يتمتع به القائمون عليها من وعي وخبرة، وإذا كانت هذه النخب هي من أطلق شرارة التغيير في البلدان العربية المعنية، فإنها وجدت نفسها أقلية وسط الطوفان الشعبي الغاضب، الآتي من جذور غير مدينية، والذي وجد ملاذه في التيارات الإسلاموية، الأكثر مقدرة على الاستقطاب بحكم “بساطة” الخطاب الذي تطرحه، وبحكم ما تتوفر عليه من إمكانات مالية ضخمة ساعدتها على توسل العمل الخيري وسيلة للكسب السياسي .

حين أزفت ساعة الوقوف أمام صندوق الاقتراع بعد المتغيرات العربية، كان منطقياً أن تحصد هذه القوى أغلبية الأصوات، لأن مسار التطور السياسي  الاجتماعي المشوه في المجتمعات العربية، وفي عواصمها ومدنها الكبرى المأزومة، ما كان له إلا أن يفرز مثل هذه الظاهرة .

اقرأ المزيد