المنشور

تسعير الهويات وازدراؤها



الرائي للتطورات الراهنة في غير بلد عربي، سيلاحظ هذا السعي المحموم لإطلاق الغرائز المذهبية الكامنة، والموروثة من تاريخ طويل مثقل بالصراعات التي لبست اللبوس الطائفي أو المذهبي أو العرقي والإثني، وتعمل على تحفيز هذه العصبيات ودفع أصحاب الملل للصراع فيما بينهم قوى داخلية من مصلحتها استمرار وتأبيد الوضع الراهن، وقوى خارجية من صناع قرار ومراكز أبحاث وسلالات »استشراقية« مغرضة، تنوي إغراق هذه المنطقة في الفوضى والاقتتال الداخلي، الذي يحول دون أن تقوم لهذه الأمة قائمة، وأن تظل »إسرائيل« متسيّدة .


تحضرني قصة قصيرة قديمة لكاتب سوري تستوقف من يقرأها، تتمحور حول رجلين يلتقيان عند موقف الحافلة، لم يُسلّم أي منهما على الثاني، ولم يبتسم أي منهما للآخر، كان كل منهما يروز الثاني بنظرة حادة . إذا جلس أحدهما على المقعد قام الثاني ونظر نظرة شزرة، ولا يلبث الواقف أن يتعب، فالشمس حارة وطاقة الصبر والأناة استهلكها العمل فيجلس، ويقوم الجالس وينظر نظرة قاسية ويدير ظهره . لم تصل الحافلة إلا وكان كل منهما يتمنى في سرّه سحق الآخر، كما يسحق صرصور تحت قدم حانقة .


تُعبر هذه الحكاية عما يمكن أن ندعوه سيكولوجياً المواطن العربي البسيط على امتداد رقعة هذا الوطن الكبير، المواطن الذي تسحقه الأزمات المعيشية وتطحنه دوامة الحياة القاسية، وتهدر كرامته وهو يريق ماء وجهه مرات في اليوم الواحد جرياً وراء تأمين لقمة العيش له ولأطفاله، في أوطان تبدو الآفاق أمامها مسدودة، وفي مثل هذه الحالات تعمل آلة دعائية مغرضة على افتعال وهم لدى المواطن المسحوق بأن سبب انسحاقه هو شريكه الآخر في الشقاء، الواقف مثله في انتظار دوره في الحصول على سكن، أو تأمين قرض يتدبر به شؤون أطفاله، تماماً كما هو حال الرجلين الواقفين في انتظار الحافلة المكتظة بالركاب في قصة الكاتب السوري المشار إليها، بدلاً من أن يعي الاثنان أنهما ضحية سياسات واحدة، وبدلاً من توحيد جهودهما ضد هذه السياسات، يجري تشتيتها من خلال إشاعة جو من الكراهية والبغضاء بينهما .


إن ما فعلته التحولات العمياء التي شهدناها على مدار عقود قد أدت إلى سحق هذا المواطن وتغييبه وإهدار كرامته، وتفريغ عالمه الروحي وتجويفه، ودفعه نحو البحث عن الخلاص في نفي شريكه في الوطن والمجتمع والتاريخ عبر استثارة موروث الخلافات المذهبية أو العرقية أو سواها، وإعادة تزويدها بالوقود اللازم لتستخدم في أغراض راهنة، من خلال استفزاز الهويات الفرعية إما بتسعيرها أو بازدرائها، مما يؤدي في الحالين إلى تأجيج الكراهية وإطالة أمدها، فالهويات يجري ترشيدها بالخطاب العقلاني، ويجري دفعها نحو التطرف بخطابات العنف اللفظي وغير اللفظي .


علينا بعد رؤية هذه التحولات أن نفهم الحال التي بلغناها من الخيبة واللامبالاة واليأس، حين صار المواطن العربي مسكوناً بالسؤال المحبط عما يستطيع أن يفعله وقد فقد هو نفسه الإرادة، مما يتطلب تشجيع أي جهد مهما كان بسيطاً للتغلب على صناعة اليأس التي عكفت عليها ماكينة متقنة طوال عقود، فأشاعت حالة من فساد المعنويات ومن التسليم بالقائم بصفته قدراً لا مناص منه، مما يتطلب جهوداً مضاعفة من أجل أن نسترد أنفسنا التي صودرت، وأن نظهر أفضل ما فينا، وفق تعبير موفق للكاتبة المصرية أهداف سويد .
اقرأ المزيد

باكستان تجني ما زرعته



باكستان أو أرض الطهور كما هي ترجمتها، دولة مستقلة، اختار مؤسسوها الأوائل
بمحض إرادتهم الانفصال عن الهند بعد استقلال الهند عن بريطانيا في أغسطس عام 1947،
لبناء دولتهم المسلمة الخالصة. وكانت أمامهم فرصة ذهبية لتوظيف المشاعر الوطنية
(حتى وإن كانت ذات نزعة انفصالية) في بناء دولة تتمتع باقتصاد متين، مستفيدة من
طاقاتها البشرية والمعرفية ومن موقعها الجغرافي الاستراتيجي بتموضعها بالقرب من
أكبر وأهم الأسواق العالمية الحيوية والصاعدة. 
  
ولكن حكام البلاد الباكستانية، الاستقلاليين الأوائل وخلفائهم، لم يبذلوا
جهداً مستحقاً للتخلص من بنية الإقطاع السياسي للمكونات والأحزاب السياسية التي
تصدت لعملية التنمية السياسية، بقدر ما اختاروا، بمحض إرادتهم، توريط الدين الحنيف
في حياة بلادهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خصوصاً في العهود
التي تلت الإطاحة برئيس الوزراء المنتخب ذو الفقار علي بوتو على يد الجنرال ضياء
الحق وإعدامه بطريقة وحشية أذنت بدخول باكستان هذه الدوامة من العنف والعنف المضاد
حتى أضحت البلاد أقرب إلى الحالة المكتملة الأركان لنموذج الدولة الفاشلة “Failed State” أو حتى الدولة المتشردة كما هو
حال الصومال واليمن .. منها إلى فرص وحظوظ النجاة من كارثة الحروب الدينية التي
تردت إليها والتي طبعت عهود الإقطاع في أوروبا ما قبل الثورة الفرنسية. 
  
وما قصة قيام إرهابيين من حركة طالبان بمحاولة تصفية التلميذة الباكستانية
الصغيرة النابغة ملالا يوسفزاي بالرصاص بطريقة مريعة (أوقفوا الباص الذي كان يقلها
مع زميلاتها في طريق العودة من المدرسة وأطلقوا النار عليها وأصابوها إصابات خطيرة
في الرأس والرقبة في محاولة لتصفيتها دخلت على إثرها في غيبوبة). 
  
وكنت قبلاً قد استمعت إليها وهي تتحدث عبر أثير إذاعة البي بي سي في حوار
كانت أجرته معها المحطة الإذاعية البريطانية، حول نشاطها في الدفاع عن حقوق المرأة
الباكستانية في التعليم وعن ردة فعلها على تهديدات حركة طالبان باكستان بتصفيتها
جسدياً، فأدركت أن هذه الصبية الباكستانية التي لا يتجاوز عمرها أربعة عشر ربيعاً
(من مواليد 1998) ليست حادة الذكاء وحسب، وإنما تمتلك قلب أسد، مثلما أدركت سر
فتوى شيوخ الإرهاب في باكستان بسرعة التخلص منها على طريقتهم البربرية. 
  
اليوم باكستان من أقصاها إلى أقصاها تعيش حالة صدمة وذهول .. فجأة تملكت
الجميع حالة طارئة من الوعي وتناسوا فوارقهم فوقفوا جميعاً يصلون في خشوع نادر من
أجل أن تتدخل العناية الإلهية لإنقاذ صبيتهم البريئة التي تمثل الوجه المشرق لأرض
الطهور (الباكستان)، وبذلوا جهوداً واضحة في توفير أفضل المعالجة والرعاية الطبية
داخل البلاد وخارجها للصبية الوديعة ملالا من أجل إنقاذ حياتها. 
  
ملالا يوسفزاي ليست ناشطة حقوقية عادية تدافع عن حق المرأة وحق الفقراء في
الحصول على التعليم والتمتع بالرعاية الصحية والحياة الكريمة من خلال نضالها
اليومي في هذا المعترك وهي لم تزل بعد في الصف التاسع في المدرسة بوادي سوات
المفخخ بالعصبيات المحافظة والمتطرفة قبل “تفخيخه” أيديولوجياً، وبصورة
ممنهجة، بالنسخة الباكستانية من حركة طالبان. (كانت “ملالا” تحلم بأن
تصبح طبيبة تخدم الفقراء في المناطق النائية المحرومة من الخدمات الطبية) .. وإنما
كانت – بالإضافة إلى هذا النشاط البالغ الحيوية والخطورة بالنسبة لمنطقة محكومة
بالجهل والتخلف والتعصب – ناشطة سياسية على مواقع التواصل الاجتماعي تنشر من
خلالها باسم مستعار كل ما ترتكبه حركة طالبان باكستان من جرائم وانتهاكات ضد سكان
المناطق القبلية والنائية الفقيرة. 
  
فهل تكون عبقرية الصبية ملالا، في الزمان والمكان، المقرونة بشجاعة نادرة،
وتضحية خالصة المقاصد من أجل الآخرين، وريعانتها ووداعتها، هي ما استفز بلادة
أبناء وبنات بلادها واستسلامهم لقدر معيشتهم تحت حراب الإرهاب الطالباني، فانتفضوا
في صحوة ضمير جماعية نادرة، وبانصراف إنساني خاشع لحد الدهشة – في حال وضعها قبالة
مسلسل القتل والتدمير شبه اليومي – للتعبير عن حزنهم وعن عدم تصديقهم لما آلت إليه
أحوال بلادهم من انهيار شبه تام للمناقبيات الإنسانية، وللأمن والأمان، وترديها
نحو مهاوي التقهقر والفشل سيراً على خطى الصومال واليمن؟! 
  
إنه بالتأكيد الشعور العام بالذنب الناتج عن تقصيرهم إزاء الصعود المنفلت
للأفكار الفاشية المتخفية وراء الدين، بجانب مشاركتهم، كل من موقعه، بغوغائيتهم واصطفافهم
وراء طوائفهم ومذاهبهم وقبائلهم، في أعمال التطاحن الدموي التي تكاد نعم البلاد
بمؤشرات دالة على “تحضير البلاد وتأهيلها” للحرب الأهلية الأوسع نطاقاً
وضراوةً. ويكفي أن نشير في هذا المقام إلى وجود خمسة ملايين لاجئ باكستاني في
المناطق الغربية للبلاد، شُرِّدوا من ديارهم ليقيمون في مخيمات جنوب بيشاور، ليس
بسبب الكوارث الطبيعية وإنما بسبب الكوارث البشرية المتمثلة في الأعمال الإرهابية
المتواصلة التي يشنها مقاتلو حركة طالبان الباكستانية وتوابعها من الحركات
الإسلامية المدججة بسلاحي التدمير والتكفير. 
  
إنما من المبكر جداً، اعتباراً بما بدا للحظة انه شعور عام بالصدمة والحزن
وتأنيب الضمير على ما وصلت أيادي الإرهاب من محاولة مفزعة لإزهاق روح الصبية
الباكستانية ملالا – من المبكر اعتباره صحوة ضمير متصاعدة الدوائر والوتيرة. 
  
ففي بلاد الشرق تنهض الأسقام والعلل الاجتماعية المتقرحة “بأطوالها
الفارعة” في الملمات الكبرى التي تحط على رؤوس شعوبها هكذا فجأة، ولكن ليس
بلا مقدمات، لتدق النواقيس إيذاناً ببداية وطول رحلة مكوثها وتجوالها – في هذا
الشرق تستغرق  عملية التشافي من أسقام
وأدران عصبياته الحاكمة وقتاً أطول من المعتاد .. أطول من المعدل الوسطي العالمي
للشفاء الاجتماعي من جراحات النفرات العصبية، دينية كانت أو عرقية أو قبلية. مع
الاستدراك هاهنا لأخذ الفوارق في مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي بعين
الاعتبار.
اقرأ المزيد