المنشور

تحديات 2013 لن تقل عن غيرها

التحديات التي تواجهها البحرين في 2013 لن تكون أقل من التحديات في الأعوام السابقة، على جميع المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فمن جانب سيستمر الجدال بشأن المخرج من الواقع السياسي الحالي، ومن جانب آخر ستبرز مشكلة خلق فرص عمل مجزية بعد إعادة هيكلة شركات وقطاعات رئيسية. ويعتقد مراقبون أن إصدار قانون العمل الجديد جاء للحد من المطالبات العمالية عندما تبدأ تسريحات في شركات وقطاعات كبرى.

الحديث عن التسريحات لم يعد سرّاً، فهناك خطة لإعادة الهيكلة في شركة وطنية تعاني الأمرَّين منذ عدة سنوات، ويتوقع أيضاً أن تكون هناك خطط في شركات كبرى، وقد بدأنا هذا العام باستقالة رئيس تنفيذي لشركة وطنية كبرى، وهناك أحاديث عن قرب تنفيذ خطة مشابهة لما حدث في الشركات الأخرى.

ومنذ العام 2011؛ فإن التسريحات أخذت طابعاً سياسيّاً (وطائفيّاً تحديداً)، ونتجت عن ذلك سلبيات كبيرة أضرت بسمعة البحرين السياسية، وأحدثت خللاً في طريقة التَّعامل مع الجوانب الاقتصادية. والمرحلة المقبلة قد تتواصل على النهج المعروف ذاته، لكن بعد ذلك ستتوسع.

وعلينا أن نتذكر أن البحرين تفوقت على غيرها في مطلع ومنتصف القرن العشرين لأنها كانت الأولى التي دخلت العصر الحديث على مستوى «إدارة الحكومة» وعلى مستوى «إدارة الصناعة». فبالنِّسبة إلى الحكومة، تم تأسيس الدوائر الرسمية الفعَّالة على النهج البريطاني… أما بالنِّسبة إلى الصناعة؛ فقد قامت شركة النفط على أساس النهج الإداري الأميركي، وبذلك فإن البحرين كسبت أفضل الخبرات البريطانية والأميركية في مجالين حيويين، وتم اعتماد «الكفاءة» في التعيينات، بغض النظر عن الانتماءات الطائفية او الإثنية أو القبلية.

مع الأسف؛ فقد تخلت البحرين عن اعتماد مبدأ الكفاءة كأساس للتوظيف وذلك منذ فترة غير قصيرة، وجاءت الأحداث السياسية في 2011 لتعطي مبرراً إضافيّاً لهذا التوجه للإسراع في التخلص من الكفاءات القديرة، من دون أي اعتبار لمخاطر هذا التوجه على مستقبل البحرين الاقتصادي. إن البحرين انما تفوقت على غيرها في الماضي لأنها كانت واحة عصرية تجتذب المواهب من دون الالتفات إلى أصل الأشخاص وفصلهم، ولذلك؛ فإن من يسير في اتجاهٍ مخالفٍ لهذا النهج؛ قد يتلذَّذ مؤقَّتاً ببعض المغانم هنا وهناك، لكنه ربما لا يلتفت إلى أن نجاح المجتمعات أو فشلها؛ له شروط وله تبعات.

منصور الجمري
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

إخفاق «الداخلية»… من شراكة المجتمع إلى الوضع الحالي

«الدفاع عن الوطن أخطر من أن يترك للعسكريين، وأمن الوطن أخطر من أن يترك للأمنيين» (جون. إف. كنيدي، الرئيس الأميركي الأسبق).

في العام 2002 كما أعتقد، عقد في البحرين ولأول مرة مؤتمر اتحاد الشرطة العالمي. في ذلك العام ولمّا تزل الآمال في الإصلاح قائمة، دعيت «الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان» لحضور المؤتمر الذي شاركت فيه وفود من العديد من البلدان العربية والأجنبية، الأعضاء في اتحاد الشرطة العالمي، والذي عقد تحت شعار «شرطة المجتمع في خدمة المجتمع».

وقدمت بعض الوفود قصص تجاربها الناجحة في تطبيق «الشرطة من أجل المجتمع»، مثل اليابان وأستراليا والدنمارك والأرجنتين. وسردوا قصصاً مؤثرةً لدور الشرطة في خدمة مجتمعها، ما يجعل الشرطي محل محبة وتقدير من قبل المجتمع.

في هذا المؤتمر نوقش أيضاً دور الشرطة في البحرين، والتاريخ المرير عن علاقة الشرطي بالمجتمع، وكانت الأجواء حينها مناسبة للتفهم على الأٌقل. وبعد ذلك المؤتمر تغيّر الوزير القديم وأتى الوزير الحالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، رئيس هيئة الأركان بقوة دفاع البحرين.

ورغم حساسية المجتمعات العربية من العسكريين، فقد كانت الطروحات في البداية مشجّعة، في زيارات الوزير إلى بعض القرى التي عانت طويلاً من القمع على يد الشرطة، ومنها قرية السنابس، حيث كان لقاءً صريحاً من القلب إلى القلب، وقدّم فيه الوزير وعوداً بالتغيير.

ثم جاء تشكيل شرطة المجتمع واعداً بتحوّل في عقيدة الشرطة في تعاملها مع المجتمع. وما هو مهمٌ استدراكه في مؤتمر اتحاد الشرطة العالمي، قول المسئول الأرجنتيني في ضوء تجربة بلاده، للانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية «يجب على الدولة أن لا تورط الشرطة في النزاعات السياسية أو الاجتماعية (أي اضرابات العمال وغيرها) فذلك يحرف الشرطة عن مهامها في خدمة المجتمع، ويفقدها استقلاليتها ونزاهتها ومصداقيتها لأنه يحوّلها إلى أداة قمعية ضد المجتمع».

وفي إطار ما كان يبدو كأنه عملية تحوّل في عقيدة وبنية قوات الأمن، جرى تغيير المظهر، فاستبدلت ألوان سيارات الشرطة من الأزرق الغامق إلى الأبيض فالأزرق أو الأحمر، وجرى استبدال ملابس الشرطة البنية الغامقة بأخرى فاتحة، وجرى اختيار ملابس جذابة للشرطة.

كما جرى أيضاً توظيف العديد من النساء في سلك الشرطة، وأضحين في مختلف المواقع، من الهجرة والجوازات وشرطة المجتمع، وحتى في قوات مكافحة الشغب.

وعلى صعيد الهيكلية، جرت إعادة بنية وزارة الداخلية فأضحت هناك الدائرة القانونية، ولجنة حقوق الإنسان، والمفتش العام للشرطة.

وبالنسبة للعلاقة مع المجتمع فقد جرى استحداث نظام المحافظين، ليكونوا حلقة وصل بين وزارة الداخلية والمواطنين، وتم الترتيب من خلالهم للقاءات بين قيادات وزارة الداخلية والمواطنين.

وفي بادرةٍ عوّلنا عليها كثيراً، جرى اجتماعٌ مطوّلٌ بين سعادة وزير الداخلية والجمعية البحرينية لحقوق الإنسان لفتح صفحةٍ من التعاون بين الوزارة والمجتمع المدني. كان لقاء مصارحة يبشّر بلقاءات أخرى وتعاون مثمر. وكانت البادرة زيارةً تفقديةً لوفد الجمعية لسجن جو المركزي، لكن ما كان يجرى تحت السطح مختلف تماماً. فلم تفتح الداخلية الانتساب إليها لنصف المجتمع المستبعد من السلك العسكري والأمني، بل ظلّت تركيبتها أحادية. كما أن التوسع في تجنيد أبناء الجنسيات الأخرى، كان نذيراً بتوجه خطير للدولة وأجهزتها الأمنية، وهكذا أصبح اللقاء الأول هو اللقاء الأخير.

القلعة التي تحتضن وزارة الداخلية، والتي ظلّت ترمز لعقودٍ إلى حاجزٍ نفسي بين المواطنين ووزارة الداخلية، ارتفعت أسوارها بدل أن تزال، وبسرعة فائقة جرى استحداث منشآت ضخمة. أما السجون غير الرسمية والتي أغلقت مثل سجن الحوض الجاف، فقد أعيد فتحها. وما أن انتهى العام 2006، إلا وقد أكلت الحياة السياسية دورتها، وعدنا للمربع الأول للمواجهة ما بين الدولة والمجتمع. ومرةً أخرى أضحت وزارة الداخلية العصا الغليظة التي تضرب بها الدولة المعارضة والمجتمع، وعادت قوات مكافحة الشغب إلى الشوارع والقرى والأحياء السكنية لتزرع الرعب والخوف، وعادت زنازين الظلام تستقبل أفواجاً تلو أفواجٍ من المواطنين المحتجين على سياسات الإفقار والتهميش والتمييز والإذلال. أما التعذيب الذي اعتقدنا أنه اختفى إلى الأبد، فقد عاد بشكل أكثر ضراوةً.

لكن المفارقة هو أن الدولة، وفي محاولةٍ منها لتسويق مشروعها الإصلاحي وتزويق صورتها أمام العالم الخارجي، كدولة ديمقراطية ليبرالية، عمدت إلى التوقيع على مزيدٍ من اتفاقيات التعاون مع الدول والمنظمات الحقوقية الدولية، لتدريب منتسبي الأمن على حقوق الإنسان، والتعامل مع المعتقلين وغيره، لكن ذلك لم يكن ضمن توجه فعلي ومخلص لإعادة تأهيل ضباط وزارة الداخلية على حقوق الإنسان، واحترام المواطن، وسيادة القانون الإنساني، ولذا لم يُحدث ذلك أيّ تغييرٍ في نهج وزارة الداخلية ومنتسبيها، واستمرت العلاقة بين وزارة الداخلية والمجتمع في تدهور، واتسعت الفجوة بين الوزارة والمواطن.

لم تنفع حملات العلاقات العامة، من خلال مختلف وسائط الإعلام للترويج لشعار «أمنك يهمنا» أو «شهر من أجلك»، لم تعد شاخصات الشوارع ولا الاستعراضات، مقنعةً للمواطن الذي أضحى عرضةً للقمع والملاحقة. ألا تدرك قيادة وزارة الداخلية ذلك؟ أن البلاد في حالة طوارئ فعلية؟ ألا تدرك أنه عندما يتسلح حتى شرطة المرور، فإن الخوف من المواطن بلغ أقصاه وخوف المواطن بلغ مداه؟ ألا تدرك أن مرابطة قوات الأمن على مداخل القرى والأحياء السكنية وعلى امتداد الشوارع.

عبدالنبي العكري
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

جئنا من الباب ذاته


يلزم أن نعرف، حكماً من سيرة هيرمان هيسه، الروائي الألماني الذي نال “نوبل” للآداب عن روايته “لعبة الكرات الزجاجية” في ستينات القرن العشرين، أنه، إضافة إلى كونه روائياً مميزاً، كان رساماً، لكي نستطيع ولوج أجواء روايته “الصيف الأخير”، بسلاسة أكبر، ذلك أن الرواية تدور حول رسام يتماهى مع الطبيعة، وهو يقدم خلاصة تأملاته في الحياة والموت والخلود، ليثير في أذهاننا أسئلة عميقة عن مغزى الحياة، وعن مكانة الحب فيها .

طالعتُ صوراً للوحات هيسه، فانتابني الإحساس أنه يرسم مناخات هذه الرواية، وربما مناخات روايات أخرى له، بينها “سدهارتا” التي استوحى أحداثها وشخوصها من زيارة له إلى الهند، فالشحنة البصرية في وصفه البديع للطبيعة لاتنم عن مهارات روائي فحسب، وإنما عن موهبة رسام، يرى مكامن الجمال في الكون، وبإمكاننا أن نجول في صفحات الكتاب مستمتعين بلغة الكاتب العبقرية وهو يؤثث روايته بذلك الوصف الأخاذ لكل ما هو جميل حوله في فضاء مفتوح على سماء وحقول .

بسبب معارضته للحرب العالمية الأولى، ومجاهرته بعبثية فكرة الحرب ذاتها، لوحق هيسه في ألمانيا، فوجد في الريف السويسري الهادئ ملاذه للتأمل والكتابة، وللرسم أيضاً كما بتنا نعرف . هذه العزلة، بعد تجارب قاسية في الحياة، جعلت من كتابة هيسه ترتقي إلى مصاف التأمل الفلسفي العميق الذي لم تكن خافية فيه تأثيرات الحكمة الشرقية التي أخذ بها، وهو يرى أن الغرب يفقد عقله، مندفعاً نحو مهالك الحروب التي يمقتها .

الشاعر الشهير بوشكين كان يعدّ الخريف أحب الفصول إلى نفسه، لكن كلينكسر بطل رواية “الصيف الأخير”، يرى أن الصيف أحبّ الفصول وأغناها بالنسبة إليه، لأنه، بتعبيره، فصل مشبوب العاطفة، ولأنه كان يدرك أن حياته قصيرة، فإنه يريد أن يعبئها كاملة، وإذ تقترب نهايته ينتابه الحزن والأسى لأنه ما من شيء على الأرض إلا وودّ أن يرسمه، وما من امرأة على الأرض إلا وودّ لو أنه أحبّها .

في رواية أخرى له، هي “دميان” يقول هيسه، على لسان البطل: “لم أكن أر
يلزم أن نعرف، حكماً من سيرة هيرمان هيسه، الروائي الألماني الذي نال “نوبل” للآداب عن روايته “لعبة الكرات الزجاجية” في ستينات القرن العشرين، أنه، إضافة إلى كونه روائياً مميزاً، كان رساماً، لكي نستطيع ولوج أجواء روايته “الصيف الأخير”، بسلاسة أكبر، ذلك أن الرواية تدور حول رسام يتماهى مع الطبيعة، وهو يقدم خلاصة تأملاته في الحياة والموت والخلود، ليثير في أذهاننا أسئلة عميقة عن مغزى الحياة، وعن مكانة الحب فيها .

طالعتُ صوراً للوحات هيسه، فانتابني الإحساس أنه يرسم مناخات هذه الرواية، وربما مناخات روايات أخرى له، بينها “سدهارتا” التي استوحى أحداثها وشخوصها من زيارة له إلى الهند، فالشحنة البصرية في وصفه البديع للطبيعة لاتنم عن مهارات روائي فحسب، وإنما عن موهبة رسام، يرى مكامن الجمال في الكون، وبإمكاننا أن نجول في صفحات الكتاب مستمتعين بلغة الكاتب العبقرية وهو يؤثث روايته بذلك الوصف الأخاذ لكل ما هو جميل حوله في فضاء مفتوح على سماء وحقول .

بسبب معارضته للحرب العالمية الأولى، ومجاهرته بعبثية فكرة الحرب ذاتها، لوحق هيسه في ألمانيا، فوجد في الريف السويسري الهادئ ملاذه للتأمل والكتابة، وللرسم أيضاً كما بتنا نعرف . هذه العزلة، بعد تجارب قاسية في الحياة، جعلت من كتابة هيسه ترتقي إلى مصاف التأمل الفلسفي العميق الذي لم تكن خافية فيه تأثيرات الحكمة الشرقية التي أخذ بها، وهو يرى أن الغرب يفقد عقله، مندفعاً نحو مهالك الحروب التي يمقتها .

الشاعر الشهير بوشكين كان يعدّ الخريف أحب الفصول إلى نفسه، لكن كلينكسر بطل رواية “الصيف الأخير”، يرى أن الصيف أحبّ الفصول وأغناها بالنسبة إليه، لأنه، بتعبيره، فصل مشبوب العاطفة، ولأنه كان يدرك أن حياته قصيرة، فإنه يريد أن يعبئها كاملة، وإذ تقترب نهايته ينتابه الحزن والأسى لأنه ما من شيء على الأرض إلا وودّ أن يرسمه، وما من امرأة على الأرض إلا وودّ لو أنه أحبّها .

في رواية أخرى له، هي “دميان” يقول هيسه، على لسان البطل: “لم أكن أريد إلا أن أعيش وفق الدوافع التي تنبع من نفسي الحقيقية، فلِمَ كان ذلك بهذه الصعوبة؟” . وفي “الصيف الأخير” يبدو الكاتب قريباً من الفكرة إياها، فجميعنا جئنا من الباب ذاته، ويستطيع كل منا أن يفهم الآخر، لكن أياً منا لا يستطيع أن يشرح نفسه إلا لنفسه .



يد إلا أن أعيش وفق الدوافع التي تنبع من نفسي الحقيقية، فلِمَ كان ذلك بهذه الصعوبة؟” . وفي “الصيف الأخير” يبدو الكاتب قريباً من الفكرة إياها، فجميعنا جئنا من الباب ذاته، ويستطيع كل منا أن يفهم الآخر، لكن أياً منا لا يستطيع أن يشرح نفسه إلا لنفسه .

اقرأ المزيد

الصفقة المالية الأمريكية




مثل
مصر، أمريكا منقسمة إلى نصفين . . بأكثر من النصف قليلاً رجح الناخبون
الأمريكيون كفة الرئيس باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية التي جرت في
السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي . ولكن الجمهوريين احتفظوا مع ذلك
بأغلبيتهم المريحة في مجلس النواب، وهو ما صعب مهمة الرئيس باراك أوباما
إبرام ما سمي باتفاق خفض عجز الموازنة مع الجمهوريين قبل انتهاء عام 2012 .
وتمثلت تلك الصعوبة في أن الاتفاق يعكس من جهة رؤية الرئيس أوباما بأن يتم
تحميل الأثرياء والأفراد والأسر الأعلى دخلاً عبئاً ضريبياً متناسباً مع
حصتهم المفترضة في الجباية الضريبية وتقليل هذا العبء من على كاهل الطبقة
الوسطى، ومن جهة ثانية رؤية الجمهوريين الذين يعكسون مصالح الأثرياء ورأس
المال الكبير . أما عدم حصول اتفاق بين الطرفين فكان يعني أوتوماتيكياً
إنفاذ حزمة من الإجراءات بصورة آلية تتضمن رفعاً سنوياً للضريبة على
الأمريكيين يعادل 500 مليار دولار واقتطاعات كبيرة في مستوى الإنفاق
الحكومي بما يؤثر سلباً في جملة من الالتزامات التعاقدية الحكومية مع
القطاع الخاص ويعيد الاقتصاد إلى دوامة الركود .




والغريب
أن الجمهوريين الذين مازالوا يبدون أوفياء للعقيدة النيوليبرالية
الاقتصادية المتطرفة في نظرتها المنحازة لقطاعات الأعمال العملاقة، ظلوا
متمسكين بموقفهم في المفاوضات مع الديمقراطيين وزعيمهم الرئيس أوباما حتى
آخر لحظة قبل الوقوع في الهاوية المالية المشار إليها، وذلك على الرغم من
استطلاعات الرأي التي أظهرت أن 70% من الأمريكيين يؤيدون موقف الرئيس
القاضي بأن يدفع أصحاب الدخول ضرائب أكثر وعدم تحميل الطبقة الوسطى أية
ضرائب .




وكما
ذهبت أغلب التوقعات من أن الطرفين يخشيان عواقب الهزة الارتدادية لوقوع
البلاد في الهاوية المالية، فقد توصلا إلى اتفاق في الساعات الأخيرة التي
سبقت انتهاء المهلة الممنوحة لهما قبل دخول “الخطة ب “

Plan B

المميتة” حيز التنفيذ . وكما كان متوقعاً فقد جاء الاتفاق مخيباً للآمال
من حيث تراجع أوباما عن أحد أهم نقاط برنامج حزبه لمعالجة العجز المالي
الفلكي للبلاد، وذلك بالموافقة على طلب الجمهوريين رفع سقف المداخيل الذي
يبدأ عنده فرض الضريبة التصاعدية من ربع مليون دولار سنوياً إلى 400 ألف
دولار سنوياً .




ما
جرى الاتفاق عليه لا يعدو أن يكون حلاً جزئياً وتأجيلاً مؤقتاً لملاقاة
أولى أكبر استحقاقات العجز المالي والدين العام الهائلين . حيث شمل الاتفاق
رفع نسبة الضريبة على مرتبات معظم العاملين الأمريكيين بواقع 2% بعد أن
كانوا نعموا لمدة عامين بهذا الإعفاء لتحفيز الاقتصاد . كما اتفق على زيادة
الضريبة على نسبة ال 1% من أكثر الأمريكيين دخلاً ابتداءً من سقف 000 .400
دولار سنوياً للأفراد و450 ألف دولار سنوياً للعائلة لتصل إلى 6 .39%
ارتفاعاً من 35% .




كما
سيتم رفع الضريبة على الأمريكيين الأكثر ثراءً، حيث سترتفع الضريبة على
عائداتهم الاستثمارية من 15% إلى 20%، والضريبة على العقارات التي تزيد
قيمتها عن 5 ملايين دولار من 35% إلى 40% . وتم تمديد الإعفاء الضريبي
للعائلات التي تعيل أطفالاً، وطلاب الجامعات والعمال ذوي الأجور المنخفضة،
لخمس سنوات أخرى، وتمديد نفس الإعفاء لمجموعة من قطاع الأعمال لمدة سنة
واحدة وبصفة مؤقتة . وتم تمديد العمل بإعانات البطالة لمدة سنة إضافية
واحدة للعاطلين عن العمل لمدة لا تقل عن ستة أشهر وعددهم 2 مليون عاطل .




الأخطر
من ذلك أن الحكومة الأمريكية اعتباراً من الاثنين 31 ديسمبر/كانون الأول
2012 قد تجاوزت سقف الاقتراض المسموح به قانوناً وهو 4 .16 تريليون دولار
(تقترض 31 سنتاً من كل دولار واحد تنفقه)، ولولا أن وزارة الخزانة
الأمريكية تعتمد أساليب محاسبية استثنائية خاصة لوقع الإعسار المالي الذي
تعجز بموجبه الحكومة عن سداد أقساط وفوائد الدين العام المستحق عليها . ومع
ذلك فإن هذه الإجراءات الاستثنائية لا يمكن أن تطول إلى ما بعد نهاية
فبراير/شباط المقبل، إذ لابد للكونغرس من أن يتفق على رفع سقف الاقتراض إلى
الضعف لكي يمكن الحكومة الفدرالية من مواصلة “إدمانها” الاقتراضي لتمويل
إنفاقها، الجاري أساساً .




لقد
كانت “الهاوية المالية”، “حيلة” تحفيزية مبتكرة لمحاولة شحذ همم الحزبين
الحاكمين الديمقراطي والجمهوري للتحرك سريعاً وجدياً لوقف تواتر تبعات تضخم
الدين العام الذي يتغذى على عجز الموازنة العامة البالغ تريليون دولار .
إلا انهما اختارا تأجيل البت الجذري فيها إلى ما بعد شهرين . . إلى مطلع
مارس/آذار المقبل، وهي فترة لأسواق المال العالمية لالتقاط أنفاسها بعد أن
حبستها التكهنات المزعجة لما بعد الوقوع في محاذير الهاوية المالية .

اقرأ المزيد

وحدة المنبر التقدمي: مهمة لا تؤجل




مقدمة

من
المعلوم بأن
الأزمة
السياسية
وتداعياتها منذ
14 فبراير 2011م،
وبعد ضرب
الدوار في 16
مارس 2011م، تركت
تأثيرات
سلبية في
المجتمع، وساهمت
الدولة في
تعميق الأزمة
باضفاء البعد الطائفي
والقبلي على
الأحداث
السياسية في البلاد
وتشاركت معها
العديد من
القوى الطائفية
والمذهبية،
بعد أن تم
تشطير وتقسيم
الشعب وتخريب
النسيج
الاجتماعي
المتأصل
والمترابط منذ
سنين في
البحرين، ولم
تسلم القوى
السياسية في
البلاد من ذلك
الإنقسام
المجتمعي بل
انتقلت عدوى
ذلك المرض
الخبيث إلى
جسم القوى والعناصر
الديمقراطية
والمثقفة
التي كان يفترض
فيها أن تنأى
بنفسها عن تلك
التجاذبات
الطائفية
والفئوية
وتبعد
عناصرها
وأنصارها عن
ذلك المنزلق
الخطير الذي
قسم الناس،
وبالتأكيد  ثمة
أخطاء وثغرات
إستفادت منها
القوى
الطائفية
والدولة
لتأجيج
النزعات
المذهبية
والعنصرية في
المجتمع،
إضافة إلى ذلك
فإن الضعف والتشويش
الفكري
والسياسي
وقلة الوعي
لدى البعض
أفراداً
وجماعات،
أبرز تلك
الاصطفافات
الطائفية والفئوية
في المجتمع،
وللأسف لم يكن
العديد من
أعضاء
وأصدقاء
المنبر
الديمقراطي
التقدمي
بعيدين عن ذلك
الواقع
المؤلم. 


 


 

من
أجل تعزيز
وحدتنا
الداخلية
والمضيء نحو المستقبل


 


أولاً:
الهوية


جاء
في مقدمة
النظام
الأساسي لحزبنا:
“المنبر
الديمقراطي
تنظيم سياسي
حزبي يتبنى
المنهج
العلمي
المادي
الجدلي
والتاريخي في
تحليل الواقع
وفهمه”. 
وأضاف:
“يستلهم كل
منجزات
العلوم
والتراث العربي
الاسلامي
والإنساني
التقدمي
وأفكار التنوير
والحداثة
والتقدم
ويتسع لجميع
المواطنين من
النساء
والرجال دون
تمييز بسبب
العرق أو
الجنس أو
المعتقد الديني
الساعين
لبناء
المجتمع
الديمقراطي
التعددي
والدولة
القائمة على
قيم الحرية
والديمقراطية
والمساواة
والعدالة
الاجتماعية،
والنهوض
بالاوضاع
المعيشية
لجماهير الشعب
الكادح
وتأمين
متطلبات
العيش الكريم
لها”. 
وهكذا
نجد أن مقدمة
النظام
الأساسي قد
حددت  بشكلٍ
واضح هوية
“التقدمي”
باعتباره
حزباً
ماركسياً، جامعاً
لجميع أبناء
الوطن بعيداً
عن الانتماء
العرقي أو
المعتقد
الديني، ومن
المهم ادراك
كيفية الحفاظ
على الفهم
العلمي
الواضح الذي
تمت صياغته في
المقدمة من
قبل جميع
الرفاق والرفيقات
قيادة
وقواعد، وأن
نكون صادقين
مع جماهير
شعبنا في
معرفة هويتنا:
من نحن وماذا
نريد لهذا
الوطن، ولا
نضع رؤوسنا في
الرمال المتحركة
لكي لا نفقد
هويتنا
الفكرية
والسياسية. 
  
  


ثانياً:
الوحدة
الفكرية
والتنظيمية

أي
حزب سياسي لا
يكون موحد
الصفوف،
وواضح الرؤى
لا يستطيع
النهوض
بالأعباء
والمهام
الوطنية والنضالية
الملقاة على
عاتقه، والتي
حدد أهدافها
ومبادئها
النظام
الاساسي
والبرنامج السياسي
للحزب، وهذا
يتطلب منا
وبالحاح شديد دراسة
الواقع
الملموس
والمرحلة
الراهنة التي
يمر بها حزبنا
وشعبنا، في ظل
الظروف المعقدة
والصعبة التي
تعيشها
بلادنا جراء
الاحداث
السياسية منذ
14 فبراير 2011، مما
يؤكد ضرورة
انجاز وحدتنا
الداخلية،
التي هي
الضمانة
الأساسية
لتحقيق أهداف
ومبادىء
الحزب والعمل
بفعالية
ونشاط في
أوساط جماهير
شعبنا
الكادحة
واستقطاب أعضاء
وأنصار جدد
لحزبنا، دون
ذلك سنظل
نراوح مكاننا
ولن نتقدم
خطوات
للأمام، بل
سنستمر في
حالة النزف
الحالي
للأعضاء
والأصدقاء. 
جاء
في البرنامج
السياسي
لحزبنا،
الصادر في يناير
2005، “أولاً:
المنبر  يهدف
لتأطير جهود
العناصر
الديمقراطية
والتقدمية من
النساء والرجال
في بنية
تنظيمية
متجانسة
قائمة على أسس
من مبادىء
الديمقراطية
والشفافية
واحترام تعدد
الاجتهادات
والأفكار ضمن
الرؤية
الفكرية
العامة
للمنبر كما
يحددها
برنامجه
ووثائقه
السياسية
والفكرية
وقرارات
مؤتمراته الدورية
واجتماعات
هيئاته
القيادية. 
يؤكد
“التقدمي”
هنا على وحدته
التنظيمية وإحترام
تعدد الاراء
والاجتهادات،
والأفكار
وليس
مصادرتها أو
اقصاءها، وفي
موضوع متصل
بوحدته
وأهمية
ممارسة النقد
والنقد
الذاتي، جاء
في “وثيقة
المراجعة النقدية”
الصادرة
بتاريخ 15
يونية 2011: “من
هنا يصبح
الحفاظ على
وحدة المنبر
وتعزيزه
بنيته التنظيمية
من خلال النقد
والنقد
الذاتي، وتوسيع
الحوار
الداخلي،
مهمة أساسية
لأعضاء المنبر
وقيادته،
وهذا يتطلب
إعادة تفعيل
دور المنبر
السياسي
والتنظيمي،
واستئناف عمل
جميع اللجان
والهيئات في
انجاز
برامجها وخطط
عملها، وأن
تكون دروس
التجربة
السابقة
حافزاً لتطوير
عملها،
والتغلب على
الصعوبات
التي أفرزتها
المرحلة
السابقة”. 
نحن
في حاجة
لتفعيل مبدأ
النقد والنقد
الذاتي
والتثقيف
والتثقيف
الذاتي،
ونكران الذات في
العمل، بعد أن
غيبت في أطر
التنظيم
المتعددة،
كما يفتقر
العديد من
الرفاق
والرفيقات لأبسط
القواعد
والمبادىء
اللينينية
التي على
أسسها يُبنى
وينشط الحزب
السياسي لكي
يستطيع نشر
افكاره
وأهدافه وسط
الجماهير.  


 


ثالثاً:
التيار
الوطني
الديمقراطي


البحرين
اليوم تغرق في
وحل الطائفية
والتفتيت
والتشطير، لم
تعد هناك قوى
قادرة على
توحيد شعبنا،
والقوى
الوحيدة
المؤهلة
لانجاز تلك
المهمة
الصعبة، هي
القوى
الوطنية
الديمقراطية
العابرة
للطوائف
والقبائل،
بمالها من
تراث وتاريخ
وطني عريق في
النضال ضد
الاستعمار
والرجعية
واستطاعت في
حقب عديدة من
قيادة الجماهير
الشعبية،
ولكي تعود تلك
الروح
الوطنية، يتطلب
اولاً، توحيد
صفوفها
الداخلية على
صعيد التنظيم
الواحد،
وحزبنا أول
تلك القوى السياسية
الذي يجب عليه
الاسراع في
توحيد صفوفه
لكي يطلع بهذه
المهمة
الوطنية
والنضالية،
وعندما ينجز
وحدته
الداخلية
يستطيع أن
يلعب دوراً كبيراً
وبارزاً في
توحيد التيار
الوطني الديمقراطي،
ومهما كانت
الصعوبات
والعقبات، علينا
التحلي
بالصبر
والنفس
الطويل
لانجاز هذه
المهمة
التاريخية،
لكي يبرز دور
القوى
الوطنية لتكون
رقماً صعباً
في المعادلة
السياسية في
البحرين،
وتشكل قاعدة
لقوة ثالثة
بديلة للاستقطاب
الطائفي
القائم. 
وكان
البرنامج
السياسي
للتقدمي قد
أشار إلى أنه
(وفي الظروف
الراهنة فإن
المنبر
الديمقراطي
التقدمي يعمل
جنباً إلى جنب
مع التنظيمات
السياسية
الوطنية
الأخرى ومع
الحركة الديمقراطية
الواسعة في
البلاد لبناء
تحالف ديمقراطي
عريض من أجل
تعزيز عملية
التحول الديمقراطي
وجعلها عملية
غير قابلة
للارتداد والنكوص
عليها للوراء
مجدداً، عبر
تحقيق الفصل
التام بين
السلطات
الثلاث، … الخ). 
  


رابعاً:
الأزمة
السياسية
والتحالفات
السياسية

 في
أي بلد في
العالم يوجد
فيها نشاط
سياسي فعال
وقوي سياسية
مؤثرة، وتعمل
من أجل احداث
تغيير سياسي
في طبيعة
النظام
السياسي
القائم، وتوجد
العديد من
الاحزاب
السياسية
المختلفة
فكرياً وسياسياً،
يتطلب قيام
تحالفات
سياسية، سواء
بين حزبين أو
أكثر، وفي
العديد من
البلدان العربية
والعالم تنسج
التحالفات
السياسية
وتقام
الجبهات
السياسية
المعارضة على
أسس التقارب
السياسي
والايديولوجي
والاجتماعي،
وعلينا
الاستفادة من
تجارب القوى
السياسية في
مصر وتونس، ونعتقد
أن المرحلة
الحرجة التي
نمر بها بعد
احداث 14
فبراير 2011،
تتطلب قيام
تحالف واسع
بين القوى
والشخصيات
الوطنية
والديمقراطية
ومنظمات
المجتمع
المدني،
وعندما يصبح
هذا التحالف قوياً
وفعالاً في
البلاد
يستطيع
التنسيق والتعاون
مع القوى
الشعبية
الاخرى في
العديد من
المواقف
والفعاليات،
لهذا نرى على
“التقدمي”
اعطاء أهمية
بالغة في
العمل من اجل
قيام التحالف
الديمقراطي،
كما جاء في
الوثيقة السياسية
الصادرة عن
المؤتمر
العام السادس
27 ابريل لعام 2012،
التي نصت على
انه “في ظروف
البحرين
المملوسة فإن
شرط نجاح أي
تحرك للمطالبة
بالحقوق هي
وطنية هذا
التحرك، أي
شموليته في
التعبير عن
كافة مكونات
الشعب، ومن
شأن التخندق
الطائفي أن
يخنق أي تحرك
ويسيء إلى
اهدافه
وشعاراته،
وبالتالي
إخفاقه في
بلوغ مايطالب
به من إصلاح،
وهذا هو
المنهج الذي
يطالب به
المنبر
التقدمي
ويدعو اعضائه
وأصدقائه وكافة
القوى
والشخصيات
الوطنية
التمسك به والتعبير
عنه بمنتهى
الوضوح،
حماية
للمطالبات الشعبية
من مخاطر
الانزلاق
الطائفي”.
اقرأ المزيد

ميدان التحرير لأهله

 
في الجمعة الماضية أتى إلى ميدان التحرير أهله، وغاب عنه الدخلاء عليه . فالإخوان المسلمون لم يأتوا إلى الميدان إبان ثورة 25 يناير 2011 إلا بعد بضعة أيام من انطلاقتها، حين تيقنوا من أن ضوء الشرارة التي أطلقها شباب مصر تجاوز محيط الميدان، وكاد يغطي مصر كلها . أتوا لأنهم رأوا الفرصة سانحة لاعتلاء موجة التغيير الجارفة، وإلا فإنها ستجرفهم من أمامها، كما جرفت أشياء كثيرة .

لقد عاد الميدان كما كان غريباً على الإخوان، يثير في نفوسهم التوجّس والريبة، ولو أنهم فكروا في المجيء إليه ما كانوا سيجدون منه ولا ممن هم فيه الترحيب، فآثروا الانزواء . الميدان هو مهد الثورة، والثورة لم يصنعها الإخوان، حتى لو كانوا، بما هم عليه من دهاء قد سرقوها، ولأنها ليست ثورتهم فإنهم غابوا عن إحيائها في ذكراها الثانية، بعد أن نالوا مبتغاهم: السلطة .

في الأصل كان إنشاء ميدان التحرير إعلان حداثة، وتعبيراً عن توقٍ إلى أن تكون مصر في المستقبل، لا في الماضي، فالخديوي إسماعيل المأخوذ بمشاهداته في فرنسا، أراد، وهو ينشئه أن يحاكي به الميادين المماثلة في باريس وغيرها من العواصم والمدن الكبرى، لكن هذا الميدان الذي خلع عن نفسه اسم الخديوي ليصبح: “ميدان التحرير” بعد ثورة 23 يوليو/تموز 1952 سيغدو رمزاً لانطلاقة المصريين نحو التغيير، لا بالمعنى الذي قصده الخديوي فحسب، وإنما بالمعنى العميق لهذا التغيير، من حيث كونه نيلاً للحقوق السياسية والدستورية وللعدالة الاجتماعية، ولوضع مصر، فعلاً، لا شكلاً فقط، في قوام الأمم الناهضة، فتحوّل إلى منطلق للكثير من الهبّات والثورات الكبرى في تاريخ مصر .

أدرك قادة ثورة يوليو 1952 المغزى الرمزي لهذا الميدان في وجدان المصريين، فلم يكتفوا بتغيير اسمه، وإنما بأن جعلوا منه مكاناً لحشد الجمهور المؤيد للثورة فيه، اتساقاً مع تاريخ مجيد لهذا المكان في الذاكرة الوطنية والنضالية المصرية، منذ أن خرج في عام 1935 طلاب جامعة فؤاد، جامعة القاهرة حالياً، متوجهين إلى الميدان مطالبين باعادة العمل بدستور ،1923 ورغم أن الشرطة تصدت للمتظاهرين، فإن انتفاضتهم التي استمرت نحو أسبوعين، انتهت برضوخ الإنجليز لمطلبهم .

بعد ذلك ستتوالى الهبّات الثورية والوطنية التي سيحتشد فيها المصريون في الميدان في نضالهم من أجل نيل تطلعاتهم في الحرية والتحول الديمقراطي والعدالة، لتبلغ ذروتها في ثورة يناير المغدورة .

اقرأ المزيد

رسائل مواطن إلى الجهات المختصة… ما بين حوارٍ وحوار أرواح زُهِقت (13)

نحن لسنا من الجمعيات السياسية، ولسنا من الموالين للسلطات، نحترم الرأي والرأي الآخر وحرية التعبير، نصون كرامة الإنسان، ديدننا العدل والمساواة.

عاصر شباب الجيل السابق أواخر عهد قانون أمن الدولة (أغسطس/ آب 1975) السيئ سياسياً واجتماعياً، والذي عاد بالوطن القهقرى على كل الأصعدة، فاستشرى فساداً في السلطات لم يرَه الناس، عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، لا بالصورة ولا بالصوت، بل استشعروه من خلال المنشورات السياسية المطبوعة على أوراق الحرير «الإستنسل» ومن ثم نسخها على الورق، التي كان توزيعها يتم في ظلام الليل الدامس من قبل أفراد المعارضة السياسية عبر التسليم الحذر باليد، ليصبح موضوعها أحاديث يتناقلها الناس ليلاً ونهاراً في تجوالهم الحياتي.

كما عاصر معظم شباب اليوم أحداث التسعينات، التي سبقت وأفرزت مرحلة ميثاق العمل الوطني، ودستور 2002، أما أجيال ما قبل الخمسينات فقد عاصروا أحداث 1954-1956، ومواليد الخمسينات عاصروا يفاعة أحداث الستينات 1962-1968 وما تلاها من تاريخ البحرين السياسي، إلى أحداث 14 فبراير/ شباط 2011 وإفرازاتها إلى اليوم.

هذه الفترة السياسية التي امتدت لأكثر من نصف قرن، 59 عاماً، تحوّلت فيها الموروثات السياسية الشعبية، في تقسيم المجتمع من (الشيوخ) ويتبعهم المخابرات، (لوصف المخابرات وقوات الأمن والعسكر) في جانب والشعب وقياداته من المعارضة في جانبها الآخر، لتصل بنا الحال في يومنا إلى تسميات السلطة الحاكمة وقوات الأمن… إلخ، وتقسيم الشعب إلى المعارضة والموالاة، فقبلها لم يكن هناك موالون بل هناك مخبرون مكروهون ومزدرون شعبياً.

ففي كل تلك الأحداث السياسية، لم يكن هناك انسجام بين السلطة والشعب، بل استخدمت السلطات أجهزتها النظامية من أمن وعسكر ومخابرات، لتلوي ذراع الشعب قسراً عبر التصدي العنيف والاعتقال والنفي خارج الوطن، في الخمسينات والستينات، ربما بسبب الانتداب البريطاني، أما في أحداث السبعينات وما تلاها، من بعد الاستقلال، فقد عمدت السلطات إلى قهر الشعب عبر القتل في المعتقلات جراء التعذيب، وأتبعتها بالعنف القانوني المنفرد المصدر في التصدي لكل مطالباته، بدءاً بقانون أمن الدولة، الذي سنّته ومنحت به وزير الداخلية السابق، حق اعتقال أي كان حسب ما يرى أنه خطر على السلطة، وإبقاءه في المعتقل لثلاث سنوات، مع تجديد الحبس كل ستة شهور، عبر القضاء، الذي عجز عن إطلاق سراح أي معتقل، بل أبقت السلطات بعضهم لما يقارب الأربع سنوات، دون محاكمات أصولية، وعبر تجاوزاتها لقوانينها، وكان ذلك من بعد انفراد السلطة آنذاك بتعطيل مواد دستور 1973، التي تقف حجر عثرة أمام إجراءات السلطة الآنفة، ما عطّل الحياة النيابية أكثر من ربع قرن، 27 عاماً، مورست فيها شتى أنواع القهر للشعب، من اعتقال وسحب جنسيات وتشريد خارج الوطن، وتعذيب اُستشهد تحت وطأته عدد من الشهداء، عوضاً عن القتل في حراكات الشارع.

وقد امتدت هذه الأحداث إلى التسعينات، التي امتازت بردّات الفعل الشعبية العنيفة بعض الشيء، مقابل عنف السلطات التي أودت بحياة عدد من الشهداء.

هذه الأحداث التي أثارها التمييز الفاقع ضد فئات من الشعب مقابل فئة أخرى، مِن مَن بدأ يتشكل من الموالاة، التي أسبغت عليها السلطات العطايا من فتات ثروات الوطن. على إثرها في عام 2001، وعبر الضغوط الشعبية والدولية، التي أتت على جميع عوامل الاستقرار سواء، السياسي والاجتماعي والاقتصادي، من بعد الفشل الذريع للعلاج الأمني الذي امتد سنوات، أعلن آنذاك عن ميثاق العمل الوطني، الذي حاز في التصويت الشعبي عليه، موافقة 98.4 في المئية من الشعب بكل طوائفه، (تكرار لما تم في عام 1970 من التأكيد الشعبي على عروبة البحرين واستقلالها كدولة، ضد مطالبة إيران بالولاية عليها، من قبل كل طوائف الشعب)، وذلك نتيجة تواصل الأمير المباشر مع المعارضة في السجون والمنافي، وكان حينها لدينا دستور 1973، ومعمول بجميع مواده، عدا ما تم تجميده بصورة منفردة من مواد تتعلق بالسلطة التشريعية (المجلس الوطني)، وإعادة انتخابها شعبياً، في حال تم حلها لسبب من الأسباب، فلم تكن البحرين في حاجة لسن دستور جديد، بل إجراء التعديلات اللازمة على الدستور القائم، فهذه سمة الدساتير في الاستمرارية وإجراء ما يلزم بتعديل بعض موادها، إلا أن السلطات لم تتغير نواياها وحِيَلها، فأتت بمستشار دستوري (رمزي الشاعر)، الذي تستند الدول إلى إفتاءاته الدستورية، وهو القائل في أحد كتبه في القانون الدستوري، ما يعني أن الدساتير تستمد شرعية إصدارها وتعديلاتها، بإحدى طريقتين، أما عبر الانتخاب الشعبي لمجلس دستوري (تأسيسي) يصوغ الدستور ويعتمده، وإما أن تصيغ مسودته الحكومات وتستفتي الشعب عليه بالموافقة أو الرفض، ولا ثالث لهاتين الوسيلتين، إلا أنه في مشورته لحكومة البحرين، إزاء دستور 2002، نقض المبدأ الدستوري، وأقر إصدار دستور جديد ودون الاستفتاء الشعبي عليه، ولا أدري كم تكلفت ثروتنا الوطنية جراء ذلك، فمخالفة مستشار دستوري دولي لمعتقداته وضميره الحقوقي، أمر لا يستهان به.

فجاء دستور 2002، ببعض النصوص الحقوقية والدستورية كما كانت في دستور 1973، مع بعض التطويرات فيما يخص مفردة المواطنين بإشراك الذكور والإناث نصاً، وغلبت على نصوصه الكفالة لحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، والتظاهر وإنشاء النقابات والتجمعات السياسية إلخ، إلا أن السلطات، حين دقت ساعة أحداث 14 فبراير 2011، لم تمهلها إلا شهراً أيقنت خلاله، من سلمية الحراك ووطنيته، وعدم امتلاك جماعات الحراك الشعبي للسلاح، وأنها أي السلطات باتت تواجه غالبية الشعب، في المطالب التي نص عليها الدستور، فحدث ما حدث من قتل واعتقالات وفصل جماعي من العمل، والعقاب الجماعي للتجمعات السكنية، بنيَّة العودة بالمجتمع إلى ما قبل الميثاق، في هجمة شرسة كانت ستأكل الأخضر واليابس، لولا صمود المحتجين، والضغوط الدولية التي رأت رأي العين ما وثقه الحراك الشعبي باستخدامات وسائل التواصل الاجتماعي، من تعديات على دستور الدولة، وعلى حقوق الإنسان الأساسية، وما مارسته أجهزة السلطة بخلط في فرديتها وسياسات الإفلات من العقاب، مقابل العقوبات في أقصاها على المعارضين، ما يتبدى جلياً تحلل السلطة وتبعثرها بإدارات فردية وغياب الإدارة المؤسسية، حيث ساد النفوذ الفردي، ما يجعل العقد الاجتماعي الوطني عرضة للانهيار. وتبدأ الهوة بين السلطة والشعب تتسع.

يعقوب سيادي
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

لكي «لا ينجح» الحوار! – سعيد محمد

في العادة، يتداول المهتمون بالشأن السياسي، في كل مكان في العالم، وفي كل دولة تواجه أزمةً واضطراباً سياسيّاً… يتداولون ويتباحثون في أسس نجاح حوار ينهي تلك الأزمة ويعيد الأمور إلى نصابها باتفاق بين سلطة ومعارضة، لكي تتعافى الدولة وتبدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي، لكن أن يكون التداول والتباحث في محور (لكي «لا ينجح» الحوار)، فهذا ما يمكن أن يوصف بأنه مؤشرات مسبقة لبقاء الأمور على ما هي عليه، بل ولربما تعقدت الأزمة وتشعبت وتضاعفت تبعاتها الخطيرة، وهذا ما يمكن أن توصف به حالة الحوار في بلادنا.

حتى اللحظة، لا يمكن لأي طرف أن يقدم قراءة واضحة لأسس الحوار الوشيك، وما إذا كان سيؤدي إلى إنهاء الأزمة السياسية في البلد أم لا؟ وحتى اللحظة أيضاً؛ ليس ممكناً تقديم ما يؤكد أن حوار التوافق الوطني الذي انعقد في شهر يوليو/ تموز 2011 قد أسهم فعلاً في وضع أسس وتوافقات لانطلاق سلسلة من الحلول، حتى يستكمل خطوة بخطوة! والأكثر تعقيداً من غياب القراءة الواضحة، هو الحيرة في وصف «المعارضة» التي هي ذاتها القوى السياسية وائتلاف شباب 14 فبراير، وهي ذاتها التي قادت حركة الاحتجاجات المطلبية طيلة عامين من عمر الأزمة، وهي ذاتها التي استخدمت تكتيكاتها السياسية في طرح مرئياتها المشتركة للمطالب وضمنتها «وثيقة المنامة»، وهي ذاتها التي صمدت بإصرار على تقديم الحل السياسي على الحل الأمني… هي ذاتها القوى المعارضة التي يجب أن تمثل الركن الرئيس في الحوار مع الحكومة. هل هي معارضة وطنية سياسية معترف بها؟ أم هي «ذراع خيانة» متصل بالخارج؟

أمامنا الآن معضلة معقدة تضاعف تعقيد قراءة الوضع المستقبلي للأزمة وآفاقها، ووفق، على الأقل، تصريح وزيرة الدولة لشئون الإعلام، المتحدث الرسمي باسم الحكومة سميرة رجب في تصريح نشرته «الشرق الأوسط» السعودية الخميس (24 يناير/كانون الثاني 2013)، فإن الحكومة «ستشارك في مؤتمر الحوار السياسي كمنسق لبرامج وفعاليات الحوار»، وهذا يعني في تصوري، غياباً حقيقيّاً للسلطة حين تكتفي بكونها «منسقاً لبرنامج مؤتمر»! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، الحكومة ستتولى تنفيذ التوصيات (التي سيتم التوافق عليها)، وماذا أيضاً… (لن تشارك في الحوار كطرف مقابل ماذا)… مقابل المعارضة السياسية. اذن، هناك معارضة سياسية معترف بها، وهناك أزمة، وهناك مرحلة مقبلة لتنفيذ توصيات ما… لكن الحكومة لن تشارك! هنا، يمكن أن نعطي دلالة منطقية على ما يمكن اخضاعه تحت مقولة «لكي لا ينجح الحوار»… أليس كذلك؟

في الحقيقة، لسنا في مرحلة تستدعي أن نتفنن في لي المصطلحات، وتلوين المفردات، وتقطيع الوقت، والتنظير المفضي إلى لا شيء! ولسنا أيضاً في حاجة إلى استجلاب الخبراء والسياسيين والمتابعين للوضع الإقليمي حتى يعيدوا تكرار قراءاتهم عن تعقيدات الوضع في العالم العربي وخطط القوى الإقليمية، والمخاطر المحيقة بمنطقة الشرق الأوسط… و… و، بالقدر ذاته من عدم حاجتنا إلى حوار توافق وطني، سواء في إعادة مراجعة المحاور السابقة التي لم يثبت تأثيرها في حل الأزمة ولو بنسبة يسيرة منظورة، أو استكماله في المحور السياسي؛ لطالما أن طبيعة استخدام المفردات والمصطلحات والتصريحات كلها تسير في اتجاه المبهم القابل للكثير من القراءات عدا… أن تكون قراءات صحيحة!

مع الاعتبار لكل المؤثرات الإقليمية؛ فإن بلادنا تمتلك من المقومات ما يجعل جبهتها الداخلية محصنة تحصيناً قويّاً بإنهاء الملف السياسي بتوافق قائم على الاستحقاق والعدالة الاجتماعية والإنصاف والمساءلة بين طرفين رئيسيين: السلطة وقوى المعارضة، ولعلني، وليسمح لي القارئ الكريم، أن أعيد ما طرحته في مقال سابق بعنوان: «الراقصون على حساب الوطن» (24 يونيو/حزيران 2012)، ونصه: «وربما كان من بين هذا المسار، حوار عام توافقي «للنظر في الأجواء التي سيحققها حوار السلطة والمعارضة»، تماماً كما كان ومضى على غرار حوار التوافق الوطني في صيغته التي رأيناها (ملتقى أو منتدى لا أكثر ولا أقل)، على أن تكون الأهداف بالدرجة الأولى لدى السلطة والمعارضة، هي الاحتكام لمبادئ سمو ولي العهد السبعة، باعتبارها الخيار المتاح والأسلم لإنقاذ البلد… تيسيراً للجهد والوقت وتحقيقاً للفائدة وإصابتها إصابة تامة، فإنه ليس هناك من داعٍ لدعوة 300 أو 400 أو ألف شخص لحوار ينتظم عقده وينخرط بسرعة ويذهب جفاء، قبل حوار مباشر بين السلطة والمعارضة التي طرحت كل ما لديها في وثيقة المنامة بكل وضوح». (انتهى الاقتباس).

في ترقب الحوار «المبهم» بالنسبة لي وللكثيرين قطعاً، يجب على القوى المعارضة أن تشارك وتقدم ما توافقت عليه ضمن «وثيقة المنامة»، وتراقب في الوقت ذاته ما إذا كان في الأفق بصيص أمل لحل سياسي ضمن حوار حتى لو كان مبهماً! ذلك حتى تعيد وتثبت تأكيد دستورية مطالبها وحرصها على المصلحة العليا للوطن ووجودها الوطني الذي لا نشك فيه. فقد سقطت جملة من النعوت التي ألصقت بها وأولها أنها «متآمرة مع الخارج»… أليس كذلك؟ فهي اليوم «معارضة سياسية»! وحتى نفهم نحن المواطنين بالضبط، من الذي يسعى ويصر على أن يطوِّل أمد الأزمة، ولكي… لا ينجح الحوار.

سعيد محمد
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد

زنجبار . . عينة للآتي


كان الاعتقاد السائد حتى إلى ما بعد نجاح حركات الإسلام السياسي، خصوصاً منها حركة الإخوان المسلمين، في ركوب موجة الثورات الشبابية العربية ضد الاستبداد والفساد، والوصول إلى سدة الحكم في أكثر من بلد عربي، أن هؤلاء الإسلاميين الحركيين قد استفادوا من انخراطهم في معمعان السياسة العربية الجارية، ومن دينامياتها المؤسسية، ومما كان يشاع عن قيام هذه الجماعات والحركات بمراجعات فكرية نقدية لمذاهبها ومناهجها الأيديولوجية ولخطاباتها السياسية، تناسباً وتناغماً مع تطورات ومستجدات وإفرازات مراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمعات العربية الناشطة في دورة حياتها اليومية .

ولكن يبدو أن الطبع غالب، في غالب الأحيان، على التطبع . فما كادت تلك الجماعات الإسلامية تظفر بمبتغاها الذي سعت إليه على مدى ثمانية عقود، حتى “عادت حليمة” إلى سابق عهدها الذي عاهدت نفسها عليه، وهو الانفراد بعملية تحويل المجتمع بكليته نحو الوجهة المقررة سلفاً في خططها المعلنة وغير المعلنة . فلقد راكمت هذه الجماعات أموالاً طائلة على مدى العقود الماضية عبر مختلف أنواع الأنشطة، المشروع منها وغير المشروع، ولديها خزين وفير من الأيديولوجيا التعبوية القادرة على الإقناع لحد التضحية بالنفس في سبيل القضية محل الترويج . ولكن هذه الجماعات الإسلامية بهذين المعطيين، على أهميتهما، لا تملك أن تنقل المجتمعات العربية والإسلامية نحو غد أفضل، لأنها لا تملك في الواقع رؤية تقدمية، وطنية وكونية . في هذا السياق سنعرض في ما يلي لأحد الأمثلة ونترك الحكم من بعده للقارئ الفطن لعقد المقارنة واستخلاص البيّنة على ما نزعم .

زنجبار أو “ساحل السود”، هي عبارة عن جنة استوائية ذات طقس مداري معتدل، تحفها النخيل المدارية الباسقة ورمال السواحل الناصعة البياض والمناظر الطبيعية الخالبة للألباب، حتى ليكاد الناظر إليها يجزم بأن هذه القطعة من الكوكب الأرضي هي من الأماكن القليلة المتبقية التي لم تفقد عذريتها بعد . إنها عبارة عن أرخبيل من الجزر الواقعة في المحيط الهندي إلى الشرق من القارة الإفريقية، وهي تشكل جزءاً من تنزانيا يتمتع بحكم شبه ذاتي، حيث تقع كبرى جزر الأرخبيل “أونجوجا” على مسافة 25-50 كيلومتراً من الأرض الأم . وبسبب غناها التراثي، من حيث إنها الوحيدة المتبقية من العصور القديمة في شرق إفريقيا، لذا فهي مسجلة ضمن التراث العالمي .

بموجب اتفاق بين الإمبراطوريتين الاستعماريتين بريطانيا وألمانيا في عام ،1890 أصبحت زنجبار محمية بريطانية . وظلت كذلك حتى العام 1963 حين نالت استقلالها الوطني وصارت مملكة دستورية، وفي العام 1964 اندمجت مع الأرض الأم تنجانيقا ضمن ما سُمي الجمهورية المتحدة لتنجانيقا وزنجبار قبل أن يتغير اسمها إلى الجمهورية المتحدة لتنزانيا، حيث بقيت زنجبار إقليماً يتمتع بحكم شبه ذاتي ضمن تنزانيا . يبلغ تعداد سكان زنجبار مليون نسمة جلهم من المسلمين (نحو 97%) المنتمين للمذهب الصوفي المعتدل والمتكرس منذ أن دخل الإسلام إلى زنجبار قبل نحو 1000 عام . وتعتمد الدورة التوسعية لاقتصاد البلاد على قطاع السياحة الذي يشكل المصدر الأساس للعملة الصعبة التي تدخل مختلف أقنية الاقتصاد وخزينة الدولة . حيث يؤم شواطئها ومعالمها السياحية أكثر من 170 ألف سائح سنوياً . ولكن نمط الحياة الذي يوفر لهذه الدورة الاقتصادية والاجتماعية نوعاً من الاستدامة، صار مهدداً مذ بدأ الإسلام الراديكالي التسلل إلى زنجبار عبر 2000 مدرسة دينية على غرار المدارس الدينية في أفغانستان وباكستان التي خرجت من رحمها حركة طالبان الأفغانية وحركة طالبان الباكستانية . ويقف وراء احداث النقلة باتجاه الإسلام الراديكالي في زنجبار كل من الشيخ فريد هادي أحمد الذي يتزعم ما تسمى ب”مجموعة الصحوة” ونائبه الشيخ عزاني خالد حمدان اللذان يريدان هما وجماعتهما تحويل زنجبار إلى نسخة من أفغانستان طالبان تقوم بتطبيق الحدود الشرعية . فرغم أن 97% من سكان البلاد مسلمون إلا أن عزاني حمدان يقول إن هذا غير كافٍ ولابد من تحويل بقية ال 3% من المسيحيين والهندوس إلى الإسلام رغماً عن ان دستور البلاد ينص على حرية الديانة . وهو يطالب بتطبيق أحكام الشريعة على كل الذين لا يطبقون شرع الله، على حد زعمه . ففي شهر مايو/ أيار الماضي عمدت مجاميع مما تسمى ب”مجموعة الصحوة” الإسلامية المتطرفة إلى اشعال الحرائق في كنيستين في أعقاب القاء السلطات القبض على قائد هذه المجموعة الشيخ فريد هادي أحمد بتهمة الاضرار بالأمن ومصالح البلاد . ويطالب هؤلاء المتطرفون بالانفصال عن تنزانيا ذات الأغلبية المسيحية . حيث تصدح إحدى المحطات الإذاعية الناطقة باسم هذه الجماعات على مدار الساعة ببث روح الكراهية والتحريض ضد المسيحيين . وهناك جماعات أخرى تتشارك مع “الصحوة” في نسختها الطالبانية ومطالبتها بإلغاء كل ما يمت للعصر وقوانينه المنظمة لعملية إعادة الإنتاج الكلية المجتمعية وبتطبيق الشريعة في البلاد بصلة .

هذه الانعطافة الحادة التي يُراد لزنجبار سلوكها، بالقطع التام مع تراثها وحاضرها ومستقبلها الذي يعتمد على هذا الخزين وعلى غناها الطبيعي الذي حباها الله به، ليست مقطوعة الصلة والسياق عما جرى في السنوات القليلة الماضية في بعض بلدان القارة الإفريقية، ومنها دول شرق إفريقيا المجاورة، من ازدهار بذرة التشدد الإسلامي التي تم زرعها وترويجها هناك، حيث أثمرت عن الامتدادات التي صرنا نعرفها لتفريعات تنظيم القاعدة الإرهابي مثل “حركة الشباب” الصومالية وحركة “بوكو حرام” النيجيرية، إضافة إلى امتدادات مؤسسية أخرى لهذه التشكيلات المتطرفة داخل تنزانيا وكينيا . بل إن الجماعات المتطرفة في زنجبار، وكما تنقل الأخبار، لها صلات متينة، مالية ولوجستية وبشرية، مع حركة الشباب في الصومال .

ردة فعل الدول الغربية على هذه التطورات الخطرة في زنجبار لا تتجاوز حتى الآن بعض التغطيات الإعلامية اليتيمة والمنعزلة التي تقتصر فقط على التحسر على ضياع فرص السياحة والاستجمام في ظلال سواحل وطبيعة زنجبار . فلم تعلن أية حكومة غربية مثلاً عن قلقها من المنحى الخطر الذي تنحوه زنجبار الذي يمكن أن يهدد الاستقرار في المنطقة . لقد اعتاد الغرب غض الطرف عن التهديد الذي تمثله هذه الجماعات لمجتمعاتها . بل إنه يقد يمد يد العون والتعاون معها إذا تطلبت المصلحة ذلك، كما حدث حين تعاونت الولايات المتحدة مع حركة طالبان في عام 1999 حين كانت الأخيرة في السلطة من أجل تسهيل مد أنبوب لنقل الغاز من تركمانستان إلى باكستان عبر الأراضي الأفغانية ومن ثم تصديره إلى أسواق الاستهلاك العالمية . وكان الوسيط في تلك الصفقة زلمان خليل زاد والرئيس الأفغاني الحالي حامد قرضاي .

أما الأكيد فهو أن هذه الجماعات المتطرفة التي تقود زنجبار، وقس عليها بقية البلدان النظيرة لها في “المصير”، إلى منزلقات خطرة، فلسوف تصطدم بالضرورة بمجتمعاتها مبكراً لأن هذا النهج سيرتد وبالاً على الاقتصاد وعلى الناس .

 
حرر في 25 يناير 2013

اقرأ المزيد

الديمقراطية ستنتصر على الطائفية

قبل عامين اشتعلت «ثورة 25 يناير» في مصر، لتكون بذلك ثاني ثورة في الربيع العربي (بعد تونس) تحقق انتصاراً سريعاً وباهراً وتلهب مشاعر الشعوب العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. كانت ردود الفعل الرسمية في عدد من دول المنطقة تعبر عن استياء من الموقف الأميركي الذي اعتبروه متخاذلاً، وأنه تخلى عن حليف مخلص مثل الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك.

الخشية من تكرار الموقف الأميركي في بلدان عربية كان مقلقاً، وكانت الأحداث تشتعل في عدة بلدان أخرى حجز لها شبابها تاريخاً على مواقع الفيسبوك (ولاحقاً على مواقع تويتر)، وتحركت الجماهير بصورة تفاعلية، وقامت باقتباس شعارات ومواقف وأساليب سلمية شاهدوا فاعليتها في ميدان التحرير. وكانت حينها المواقع الإلكترونية قد بدأت تتحدث عن أن البحرين ستلحق بموجة الربيع العربي، فيما تنافست الفضائيات العربية لتغطية ما كان يحدث قبل عامين في منطقة اعتقد الكثيرون أنها ماتت سياسياً.

سلسلة التحولات والانعطافات التي مرت بها منطقتنا العربية بعد ما حدث في تونس ومصر كانت سريعة، ولذا رأينا أن الذين وقفوا ضد الثورة في مصر سرعان ما حاولوا تصحيح موقفهم، ولكن القلق من انتشار رياح التغيير الديمقراطية كان كبيراً. وهذا القلق استمر بشكل متزايد عندما اشتعلت الأحداث في البحرين.

إحدى الخيارات لمقاومة ثورات الربيع العربي كان إشعال ثورات مضادة على أساس طائفي، كما كان لزاماً تخطي «الزعل من أميركا» بسبب ما حدث في مصر والانتقال إلى سياسة هجومية كأفضل وسيلة للدفاع، وهكذا أصبح لزاماً تشعيل «العامل الطائفي» لسحق طموحات الشعوب الديمقراطية.

لقد رأينا كيف تم إرجاع الناس إلى الوراء عبر إشعال الأحقاد الطائفية ضد أي جهة تطرح مطالب ديمقراطية، ورأينا كيف تبنت جهات عديدة الطائفية، بل والأنكى من ذلك أنها تتهم غيرها بهذه الصفات بينما تمارس سياسة طائفية رعناء بصورة رسمية وعلانية.

على أن الشعوب العربية التي تحركت من أجل الحرية والكرامة والعدالة قد تتعثر طائفياً، ولكنها ستنتصر ديمقراطياً.

منصور الجمري
صحيفة الوسط البحرينية
اقرأ المزيد