المنشور

ماذا فعلتم بالقَسَم الطبي؟ – سوسن دهنيم

«ينبغي أن يكون المتعلم للطب في جنسه حراً، وفي طبعه جيداً (…)، جيد
الفهم، حسن الحديث، صحيح الرأي عند المشورة، عفيفاً شجاعاً غير محبٍ للفضة،
مالكاً لنفسه عند الغضب، ولا يكون تاركاً في الغاية، ولا يكون بليداً،
وينبغي أن يكون مشاركاً للعليل مشفقاً عليه، حافظاً للأسرار، لأن كثير من
المرضى يوقفونا على أمراض بهم ولا يحبون أن يقف عليها غيرهم».

هذا
وصف دقيق لمواصفات الطبيب وضعه مع جملة أخرى من المواصفات أول مؤرخ وفيلسوف
في الطب وهو أبقراط، الذي وضع القسم الطبي بعد ذلك قبل أن يتم تعديله
تعديلاً بسيطاً مع التطور الديني والاجتماعي في كل دولة من دون الإخلال بما
جاء به من أخلاقيات وثوابت ينبغي على الطبيب التحلي بها، والتي تتضمن عدم
إفشاء أسرار المرضى بما فيها المعلومات عن حالتهم بغير إذن منهم، ومراعاة
الطبيب لمن درسه المهنة واعتباره كأبٍ له ومراعاة زملائه في المهنة
وتعليمهم ما يحتاجون.

ما حدث لدينا في البحرين للطاقم الطبي وما
يُراد له أن يحدث هو عكس هذا تماماً؛ إذ أوضح الدكتور طه الدرازي في كلمته
التي ألقاها في جمعية العمل الديمقراطي (وعد) حول وضع الطاقم الطبي
والخدمات الصحية في البحرين في يوم الأربعاء الماضي، أن الهيئة الوطنية
لتنظيم المهن الصحية قد عمّمَت على جميع مراكز العلاج على اختلافها الخاصة
والعامة تعليمات بضرورة إبلاغ الجهات الأمنية حول أي جريح يلجأ لها للعلاج،
وإن لم يفعل سيكون عرضة للمساءلة، هذا التعميم قديم، ولكن الدرازي ذكّر به
في فعالية جميعة «وعد» لينكأ الجرح مرة أخرى.

تعميم يريد لبعض جوانب
القسم الطبي أن تُلْغى؛ إذ تنص بداية القسم الطبي بحسب المؤتمر العالمي
الأول للطب الإسلامي على: «بسم الله الرحمن الرحيم. أقسم بالله العظيم أن
أراقب الله في مهنتي. وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف
والأحوال، باذلاً وسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق، وأن
أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عوراتهم، وأكتم سرّهم»، ما يعني أن على الطبيب
أن يعالج أي مريض من غير انتظار إذن بهذا ومن غير الحاجة إلى إفشاء معلومات
حول وضعه الصحي لأية جهة مادام غير موافق على هذا الإفشاء.

إن ما
يحدث الآن لجرحى الأحداث ممن لا يستطيعون الذهاب إلى المستشفيات والمراكز
الصحية العامة خوفاً من التبليغ عنهم وبالتالي اعتقالهم أو مساءلتهم أو
إلصاق التهم بهم، يجعلنا اليوم نتساءل: أين مفهوم الحياد الطبي الذي حافظ
عليه الأطباء من الذين تضرروا في الأحداث عندما عالجوا الجميع بلا استثاء؟
وماذا يراد للقسم الطبي أن يكون في ظل هذه الضغوط التي تفرضها الجهات
الرسمية على الأطباء والمعالجين والجرحى أنفسهم؟ وإلى أين ستصل بنا الخدمات
الطبية، عندما يضطر الطبيب إلى معالجة أحدهم في البيوت لإنقاذه من جرحه
وإنقاذ نفسه من المساءلة القانونية مع عدم توافر كافة الاحتياجات التي من
الممكن أن تسهل العلاج وتسرع في الشفاء؟

نتمنى أن يُتْرَك الأطباء
ليقوموا بواجبهم تجاه المرضى، جميع المرضى، من غير إقحامهم في الخلافات
السياسية؛ لننعم بخدمات صحية متطورة لا تتأثر بتغير الأحداث أو الانتماءات
أو المذاهب أو الأعراق.

سوسن دهنيم
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3822 – السبت 23 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

شكري بلعيد ليس الأخير



ها قد وقع ما كان محتم الوقوع، فقد امتدت يد الإرهاب الغادر لتغتال الزعيم
المعارض العنيد أمين عام حزب الوطنيين الديمقراطيين في تونس شكري بالعيد أمام
منزله يوم الأربعاء 6 فبراير/شباط 2031. والغريب أن التونسيين قد صُدموا صدمة
عنيفة من هول الجريمة وكأنهم أفاقوا فجأة على انفجار بركان ظلوا يتعايشون على مدى
عامين مع أدخنتـه المغبرّة التي ينفثها في جو مدينتهم الهادرة على وقع الهزات
الارتدادية لثورتهم التي وشَّحوها بالياسمين – فانطلقوا معبئين بجام غضبهم إلى
الشوارع والساحات لتفريغ تلك الشحنات الفائضة من الغضب المحبوس داخل صدورهم في وجه
الذين أوصلوا البلاد إلى هذا المنعطف الخطير، والذي صارت التصفية الجسدية
للمعارضين لقوى الاستبداد الجديدة التي صعدتها المصادفة التاريخية لثورة الياسمين
الفجائية، إلى سدة الحكم، إحدى سماته. 
  
ومع كل التقدير العميق لهذه المشاعر الإنسانية العفوية النبيلة، فمن الحق
القول انه ما كان للكثيرين ممن خرجوا في هبة الغضب تلك، خصوصاً أولئك المحسوبون
على الوسط الواعي والمدرك لخط سير وقائع الأمور، أن يقفوا اليوم مشدوهين من هول
الصدمة. فلقد كان كل شيء بائناً للعين المجردة وللعقل غير الخامل وللآذان
“المفتحة”، لدرجة أن الشهيد شكري بالعيد نفسه في لقائه الذي أجرته معه
“الخليج” قبيل ساعات من اغتياله، قد أكد أن اغتياله واغتيال نشطاء آخرين
أضحى مسألة معجلة الوقوع لا محالة حين أشار إلى أن التهديد بقتله صار خبزه اليومي
وجزءاً من حياته، ولكن اللهجة صارت أكثر جرأة في الآونة الأخيرة خاصة بعد أن دعا
الحكومة التي يقودها حزب النهضة (إخوان مسلمين) إلى تقديم استقالتها لثبوت فشلها
الفعلي. 
  
وهناك الآن في تونس وفي مصر وفي ليبيا وفي حواضر “الربيع
العربي”، من الموتورين المعبأين أيديولوجياً دينياً، الجاهزين لتنفيذ تعليمات
مشايخهم ومنظري تنظيماتهم. وهو اتجاه ازدهر وتنامى بعد إمساك جماعة الإخوان
المسلمين وحلفائها السلفيين بالسلطة في البلدان المشار إليها عاليه. وقد ساهمت
أنظمة الحكم الجديدة هذه في خلق الأجواء التي أفضت حتماً إلى جرائم الاغتيال السياسي.
فضلاً عن أن القائمين على أنظمة الحكم هذه وجمهورها المتفلت عصبياً أيديولوجياً،
يتوفرون على القابليات النفسية واللوجستية لتنفيذ جرائم التصفيات الجسدية
والاغتيال السياسي. 
  
وكما سبق وأوضحناه في مرة سابقة من أن هؤلاء الاستئصاليين الجدد، لم يحسبوا
حساب العمق الاجتماعي والثقافي للدولة المدنية، وبالتالي توقع ردود أفعال هذا
“العمق” على تهالكم لتحويل دفة مسار الحياة العربية من التحديث والتمدين
إلى التجهيل والتعطيل. وقد وجدناهم حين جوبهوا بسيل الانتقادات والاحتجاجات
الواسعة النطاق ضد ممارساتهم الاستئصالية والإقصائية وتوجهاتهم الاستحواذية،
يسارعون للتخرص والتنصل من الجرائم والاعتداءات التي تنفذها ميليشياتهم وتشكيلاتهم
شبه العسكرية المسماة “رابطات الثورة” بوحي ودفع من أيديولوجيتهم
التكفيرية والاستئصالية تلك. فلقد توهموا أن قتل الآخر المختلف في ظروف تتميز بوتيرة
عالية من الانخراط المجتمعي في الحراك العام يمكن أن يمنحهم الهيبة والشهرة التي
يتحصلون عليها حين يقترفوا تلك الأفعال الإرهابية في ظروف تتسم بالغموض والتدليس
السياسي والخلط المتعمد للأوراق. حدث هذا في مصر وفي تونس وفي سوريا. بعد اغتيالهم
لشكري بالعيد، وحين وقفوا على حجم الغضب الشعبي الذي انفجر في وجوههم سارعوا
لإبعاد أصابع الاتهام والشكوك التي حامت حولهم، بالرغم أن ليس من مصلحة حزب النهضة
وهو حزب حاكم أن يقدم على عمل يهدد استقراره. وهذا صحيح نظرياً، لو كانت لدى
“النهضة” أجندة واحدة علنية وليس أجندتين إحداهما استبطانية تخفي خطط
الحزب وإجراءاتها التنفيذية. 
  
شكري بالعيد المناضل العنيد والشجاع في التعبير عن آرائه ومواقفه في جميع
عهود الاستبداد التي عاصرها، وآخرها العهد “الميمون” لحزب النهضة، من
دون أن يوفر زعامات وقيادات هذا الحزب الطارئ على حكم البلاد التونسية – كان لابد
من إخراسه على الطريقة المعهودة لأعداء الحرية والرأي الآخر المختلف. لم يكن شكري
بالعيد الوحيد الذي تلقى التهديدات بالقتل، فالتهديدات طالت قيادات وناشطين آخرين.
وفي مصر طالت التهديدات زعماء المعارضة لاسيما حمدين صباحي والدكتور محمد
البرادعي. وأنه بموجب رئيس الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة الاجتماعية مجدي
عبدالحميد فإن هناك أوجه شبه كبيرة بين الوضع السياسي في تونس ومصر، مشيراً إلى أن
الثانية تشهد بوادر “الفاشية الدينية بعد التهديدات باغتيال أعضاء جبهة
الإنقاذ وبعض شباب الثورة، وظهور حالات قتل خلال الأحداث الأخيرة طالت عدداً من
شباب الثورة الفاعلين”. وتصب في هذا الاتجاه الفتوى المنسوبة إلى الشيخ محمود
شعبان الأستاذ في جامعة الأزهر بقتل قادة جبهة الإنقاذ. فضلاً عن فتوى ما يسمى
بتنظيم الجهاد، أحد روافد الجماعة الإسلامية في مصر، التي أصدرها أسامة قاسم الثلاثاء
12 فبراير/شباط والتي تبيح تطبيق ما وصفه “بحد الحرابة” على قيادات جبهة
الإنقاذ الوطني”. وهي – أي الجماعة الإسلامية – نفسها التي سيرت مظاهرة
الجمعة 15 فبراير/شباط 2013 تحت شعار “لا للعنف”!! 
  
الراجح، وبحسب المعطيات، الشاخص منها على الأقل، فإن شكري بلعيد لن يكون
الأخير في قائمة استهدافات حركات الإسلام السياسي الإقصائية. فلا تعقدوا ألسنتكم
مشدوهين إذا ما وقعت واقعة أخرى شبيهة. فالحكام الجدد لن تضيرهم زعبرة هنا أو هناك
حول انتهاكات حقوق إنسان أو إعادة بعث محاكم التفتيش مادام الدين محتكراً في
أيديهم يشهرونه في وجه كل من لا يرضون عنهم!
اقرأ المزيد

تحديات الحوار والعراقيل المصطنعة

على رغم التحديات الكبيرة التي تواجه حوار التوافق الوطني، ما يجعل من
احتمالية نجاحه معجزة كبرى، فإن البعض أبى إلا أن يضع المزيد من العراقيل
بهدف إفشاله حتى قبل أن يبدأ.

بداية هذه التحديات، بخلاف الأمور
الإجرائية كعدم وضع برنامج لعمل الحوار وعدم تهيئة الأجواء قبل البدء فيه،
دخول المعارضة بشكل غير متكافئ عددياً مع الجانب الآخر، فإن ما يُراد
ترويجه من أن هناك عدالة في تمثيل جميع مكونات المجتمع البحريني من خلال
تخصيص ثمانية مقاعد للمعارضة وجمعيات الائتلاف ومثلها للسلطة التشريعية، ما
هو إلا تحايل مكشوف لزيادة عدد الجانب المؤيد للسياسات الحكومية الراهنة،
فأساساً تخصيص أربعة مقاعد لمجلس الشورى المعيّن من الحكومة يعني تعيين
موظفين حكوميين لن يخالفوا توجهات السلطة في أي حال من الأحوال.

ما
رشح من بعض المشاركين في الحوار هو أن مواقف بعض من يُسمّون بـ
«المستقلين»، كانت هي الأسوأ على الإطلاق، وأن العديد من هؤلاء «المستقلين»
هم من يتعمدون وضع العراقيل!

التحدي الثاني هو وضع شروط وخطوط حمراء
من قبل جمعيات «الائتلاف»، من بينها عدم الموافقة على الحكومة المنتخبة،
ورفض الاستفتاء الشعبي على مخرجات الحوار، وعدم المساس بمجلس الشورى، ما
يعني أن أغلب المطالب الشعبية مرفوضة منذ البداية ولا سبيل للتحاور بشأنها.

التحدي
الثالث هو عدم وجود مشروع حكومي للخروج من الأزمة، كما أن «جمعيات الفاتح»
لا تمتلك مشروعاً هي الأخرى، ومن نافلة القول انه لا يمكن توقع أن يكون
للمستقلين مشروع، ما يعني أن ما سيتم التفاوض بشأنه هو مرئيات الجمعيات
السياسية المعارضة، ما يجعل المجال واسعاً للهجوم عليها وإفراغها من
محتواها إن لم يكن تصفيتها تماماً.

التحدي الأهم هو أنه على الرغم من
أن المطالب الشعبية التي ينادي بها الشارع البحريني هي الأقل من بين جميع
حراكات الربيع العربي، إلا أن البعض يرى أن سقفها مرتفعٌ جداً، وأن الشارع
البحريني لن يرضى بأية مخرجات إن لم تكن منسجمة مع تطلعاته وآماله.

الجمعيات
السياسية المعارضة ترى أن من واجبها إنجاح الحوار مهما كان الثمن، وتؤمن
بأن نجاح الحوار يعني خروج البحرين من أزمة خانقة لا تتحملها، في حين أن
فشله يعني المزيد من الضحايا، ومستقبلا مجهولا لا يمكن لأحد التنبؤ
بنتائجه.

جميل المحاري
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3821 – الجمعة 22 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

رأسا المعري وطه حسين


أهي المصادفة وحدها من قادت غلاة التعصب والظلامية في مصر وسوريا، ليستهدفوا تمثالي العملاقين في تاريخ ثقافتنا العربية: تمثال أبي العلاء المعري في معرة النعمان ليس بعيداً عن قلب حلب، وتمثال طه حسين في المنيا بمصر؟

أكان هؤلاء على هذه الدرجة من الدراية، بحيث أدركوا، رغم المسافة بين معرة النعمان في سوريا والمنيا في مصر، أن الرجلين اللذين استهدف رأسا تمثاليهما، هما من القماشة الإنسانية والفكرية ذاتها، وأنهما، وهما الضريران، كانا أبعد بصيرة من كل المبصرين في زمنهما، وأن الثاني الذي أتى بعد الأول بقرون قد استلهم منه قوة المثال وجسارة العقل، وسار على خطاه في تحدي السائد، والإبحار نحو المستقبل .

القاتل المحترف يوجه رصاصته عادة نحو رأس الضحية، خاصة حين يكون الضحية بوزن المعري وطه حسين، هذا ما فعله القتلة في تونس بحق المناضل شكري بلعيد، وما فعله أسلافهم منذ عقود بحق حسين مروة ومهدي عامل وسهيل طويلة في بيروت، ولأن المعري وطه حسين ليسا في زمننا الأسود هذا، فإن الجناة استهدفوا رأسي تمثاليهما في تجسيد بالغ لاستهدافهم عقلي الرجلين، لأن المراد اليوم تغييب العقل، وتسييد ثقافة الجهل تحت لافتات الجهاد الزائفة، وما من أحد أكثر من المعري وطه حسين تجسيداً لهذه العقلانية التي تراد إزاحتها من فضاء الحياة العامة في العالم العربي لتطبق عليه الظلمة التامة .

أبلغ رد على محنة الثقافة الديمقراطية والفكر التقدمي في بلداننا اليوم هو بالعودة إلى تراث المعري وطه حسين ومن هم بوزنهما وإضافاتهما الخلاقة للتراث الفكري العقلاني في ثقافتنا، التي يتمثل حاملها في مرتكزين، الأول هو البعد الوطني في كل بلد مستهدف باستشراء الغلواء المذهبية والطائفية التي مزقت النسيج الوطني، والبعد الديمقراطي المستهدف هو الآخر تحت تأثير نمو التيارات المحافظة التي استهدفت الحداثة كفكرة وكنمط للمعيش .

مصر ليست مصر، وسوريا ليست سوريا من دون ثقافتهما وفنهما وموسيقاهما ومبدعيهما من الرجال والنساء، وما يقال عن مصر وسوريا يصح على أي بلد عربي آخر من خليجنا إلى محيطنا، فذاك هو روح الشعوب وضميرها، والثيوقراطية الدينية التي تدعي، زيفاً، انتسابها إلى الدين هي نقيض كل هذا  . إنها والفن نقيضان لا يجتمعان  .

إن دوراً يتحلى بالشجاعة بات مطلوباً بإلحاح من المثقفين العرب لإيقاف هذه الردة .

اقرأ المزيد

عندما يحاكم الطغاة – غانم النجار

تعود الناس عبر التاريخ أن يكون عقاب الطغاة عبر انتفاضات أو ثورات شعبية أو تدخّل عسكري أجنبي، أو حراك محلي مسلح ينتهي بقتل الطاغية، وفي الأغلب الأعم تثبيت طاغية آخر مكانه. فإن حدث ذلك، فحينها ينطبق عليها المثل «وكأننا يا بدر لارحنا ولاجينا» أو مثلنا السائد كويتياً «لا طبنا ولا غدا الشر»، أي أن ما في المجتمع من عوار علوي تم استبداله بعوار آخر.

وحتى تلك المحاولة اليتيمة التي جرت بعد الحرب العالمية الثانية لتطوير العدالة الجنائية الدولية، والتي قامت بها الدول المنتصرة، بإجراء محاكمات نورمبرغ وطوكيو، تم وصفها بأنها «عدالة المنتصر» وقد كانت فعلاً كذلك. وعلى الرغم من جودة بعض النواحي الإجرائية الشكلية التي أضافتها، إلا أنها ظلت عدالة منتصر. واستمرت دول العالم في موقفها الرافض لتطوير الأدوات الدولية لمحاسبة الطغاة، بل إن دولاً، يفترض أنها ديمقراطية كالولايات المتحدة، نجدها تقود العالم ضد تأسيس نظام دولي حصيف يحاسب الطغاة ويضعهم حيث مكانهم الطبيعي، وراء القضبان.

ويبدو أن تطور القانون الجنائي الدولي، لا من حيث نصوصه فحسب ولكن من حيث الممارسة على أرض الواقع، قد صار يشكّل تحدياً جدياً للطغاة صغيرهم وكبيرهم؛ فالآليات الدولية اليوم آخذة في الاستقرار، والطغاة سيضطرون إلى أمرين كلاهما مر، إما تحدي المسار الدولي، كما فعل ميلوسوفيتش أو تاديتش أو تايلور، ولكل منهم قصة تروى وحكاية تحكى، وسنروي بعضاً منها لاحقاً، أو تقديم التنازلات وإتاحة فرصة أكبر للحريات العامة والخاصة، وبالتالي إضعاف سلطة الطاغية بالتدريج.

استقرار النظام الدولي في محاسبة الطغاة صار مرتكزاً على جرائم ثلاث، وهي الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وبالطبع فإن وجود تلك المرجعية الدولية سيسهم في تغيير وعي دولي عام بالأشياء، قادر على التأثير في مسارات مكافحة الطغاة، وحتى يتسنى لذلك الرأي العام الدولي أن يؤثر في حنايا العملية السياسية الدولية، فإن الكثير من الأدوات المجتمعية والشعبية في طريقها إلى التكوّن، لكي نصل إلى عالمٍ لا تتكرر فيه المجازر ولا تهان فيه كرامة الإنسان. نعم مازال الطريق في بداياته، ولكن الزمن لن يكون في صالح الطغاة كما سنرى ونثبت بالأدلة.

غانم النجار
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3820 – الخميس 21 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

وهكذا بدأت تجارته – سوسن دهنيم

لم يكن يحلم يوماً بأن يفتتح له مشروعاً خاصاً على الرغم من مواهبه المتعددة والتي يقدم بسببها خدماته بشكل مجاني ومتميز لكل من يطلبها ممن هم في محيطه الاجتماعي. لكن ما حدث في مارس/ آذار 2011 جعله يقدم على هذا مضطراً وهو الذي بقي 6 أشهر من غير عمل بعد فصله من عمله الذي كان يتقاضى منه راتباً كان يفي حاجته ويكفيه شر السؤال.

ولأنه كان مفصولاً وزوجته لا تعمل وأطفاله في مدرسة خاصة، اضطر للاقتراض من أصحابه حتى وصل دينه مبلغاً يصعب عليه رده من غير عمل، فبدأ بالتفكير جدياً في الاستفادة من العروض التي تقدّمها بعض البنوك والمؤسسات واستخرج سجلاً باسم أحد أفراد عائلته، وبدأ في الترويج لبضاعته عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، والإعلانات التي ينشرها في هذه المجلة وتلك وفي هذا الحائط وذاك.

وبعد قرابة السنة والنصف من افتتاح عمله الخاص، أصبح هذا الشخص مالكاً لشركة استطاعت أن تحقق أرباحاً خلال ثلاثة أشهر فقط من افتتاحها رسمياً، وقد أرسل لي عبر «الإيميل» قبل أيام معلومات الشركة بالأرقام والأوراق الرسمية لأكتب قصته كي يستفيد منها غيره، وتكون دافعاً لمن لديه القدرة على فعل ما فعل، ولكن الخوف من الفشل يمنعه كما ذكر في رسالته.

ما فعله هذا الشخص يعد دافعاً قوياً للكثير من أبناء هذه الأرض من المتميزين الذين لم يخوضوا تجربة العمل الخاص خوفاً من الخسارة تارةً، واستصعاباً لإيجاد رأس المال تارةً أخرى، على الرغم من وجود الكثير من الحلول التمويلية اليوم في البحرين أولها «تمكين»، والنجاح الباهر الذي حققته في هذا الجانب والذي تشكر عليه في واقع الأمر لاعتبارها استطاعت بفضل وجودها وحلولها التشجيعية والتمويلية التي شملت الكثير من المجالات، أن تشجع الكثيرين على إنشاء أعمالهم الخاصة في مجالات تميّزوا فيها لسنوات قبل البدء في العمل بها لحسابهم الخاص.

وليست «تمكين» هي الجهة الوحيدة الداعمة كما ذكرت، بل إن هنالك بعض البنوك التي بدأت بتمويل المؤسسات الصغيرة والمشاريع المتناهية الصغر عن طريق حلول وأقساط مريحة تتيح لمن يرغب في البدء بعمله الخاص ولا يتمكن من توفير رأس المال أن يبدأه بثقة بعيداً عن القلق.

اليوم ومع وجود مواقع التواصل الاجتماعي وسهولة الترويج لأي بضاعة وخصوصاً بعد اشتهار «الانستغرام» في البحرين، بدأت كثيراتٌ من ربات البيوت والموظفات أيضاً في الترويج لبضائعهن عن طريق نشر صور إبداعاتهن إن كان العمل يختص بالأمور الإبداعية كالتغليف والملابس والإكسسوارات منزلية الصنع، أو عن طريق الترويج لما يتم استيراده بضاعة من الخارج على اختلاف نوعيتها. والأمثلة في هذا كثيرة وواضحة يمكن لأي شخص أن يتعرف عليها ما إن يتابع حساباً واحداً على الموقع. بل بدأت المنافسة تشتد بين بعض الحسابات من خلال التنافس عبر الأسعار أو الجودة أو الألوان أو التنوع في البضائع، ما حقّق نجاحاً للتاجر، وربحاً للزبون الذي استطاع الحصول على تشكيلة أوسع من أي سلعة يرغب في اقتنائها.

ما تشهده السوق المحلية اليوم يثبت أن المواطن البحريني قادرٌ على الدخول في مجالات كثيرة متى توفّرت له الفرص وبحث عنها وحارب من أجل الحصول عليها، وقد أثبت نجاحه فيها جميعها والأيام خير شاهد.

سوسن دهنيم
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3820 – الخميس 21 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

إلى متى هذه المخالفات؟

عندما ينام شعبٌ على خبر إلقاء القبض على «خلايا إرهابية»، ويستيقظ على نشر صورهم صباح اليوم التالي في الصحف، فاعلم بأن هناك خللاً سياسياً وحقوقياً كبيراً في ذلك البلد.

نشر صور أشخاص يفترض أن يكونوا «مشتبهاً بهم»، والتشهير بهم قبل أن تثبت عليهم التهم، مخالفةٌ صريحةٌ للقاعدة الحقوقية التي تؤمن بها كل شعوب وحكومات العالم: «كل متهم بريء حتى تثبت إدانته»، وهي القاعدة الأولى التي يقوم عليها القضاء وتنتظم الحقوق.

ليست هي المرة الأولى التي تنشر فيها الصحف المحلية صور متهمين سياسيين، وتشهّر بهم، وتشوّه صورتهم، وتلصق بهم تلك التهم الجاهزة، من إرهابيين ومخربين ومتآمرين. كما أنها تخالف خمسةً من مبادئ ميثاق الشرف الصحافي العشرة: ابتعد عن الأحكام المسبقة، كن موضوعياً، افصل التعليق عن الخبر، توخِّي الدقة، ولا للعنصرية. وكلها مخالفات وقع فيها من نشر صور «المتهمين» بهذه الطريقة.

ليست هذه هي المرة الأولى ولا أعتقد أنها ستكون الأخيرة، فالصحافة المحلية مستمرةٌ في هذا المسلك المخالف للمهنية والمبادئ الأخلاقية ومنظومة حقوق الإنسان. ورغم كثرة الانتقادات الموجهة لتلك المؤسسات، سواءً من منظمات المجتمع المدني، وجمعيات حقوق الإنسان، وحتى من الصحافة المستقلة، إلا أن واقعها يؤكد أن «من شبّ على شيء شاب عليه».

القضية قضية مبدأ وأخلاق بالدرجة الأولى، وإذا سقطت الصحافة في هذا الامتحان، وأصرّت على هذه الممارسة الخاطئة، فإنها تسير في الاتجاه الخاطئ من التاريخ.

الإعلام الذي يعيش في الماضي، ويتصرّف بعقلية الماضي، ويفترض أن من يخاطبهم مجرد مجاميع مستلَبَة الوعي، فإنه إعلامٌ يعيش في الوهم.

اليوم، في زمن الربيع العربي، لم تعد الروايات الرسمية مسلّمات يأخذ بها الرأي العام، وما تذيعه التلفزيونات والإذاعات والأقلام الحكومية يتلقاها الناس بالكثير من التشكك والارتياب. وهذا هو سر تباكي وسائل الإعلام الرسمية في البلدان العربية على نفسها، وندبها لحالها لانفضاض الناس عنها. كما أنها سبب عدم تصديق الناس لما يصدر عن الجهات الرسمية من روايات، وتعتبرها مجرد أخبار علاقات عامة، أو مكائد ضد المعارضين، يعدها للنشر موظفون على مكاتبهم وهم يحتسون الشاي.

هذا الانتقاد الذي دأبنا لسنواتٍ على توجيهه إلى الجهات الرسمية والصحف المقرّبة من السلطة، كلما استجد حادث أمني أو احتقان سياسي، بدأ يصل كرسالة في هذه الفترة، ويتسرب كثقافةٍ جديدةٍ، وإن لم يأخذ مداه للالتزام والتطبيق. فالمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان (وهي مؤسسةٌ رسميةٌ) أصدرت بياناً أمس، عبّرت فيه عن رفضها القاطع لما تم نشره في وسائل الإعلام الرسمية وبعض الصحف اليومية لأسماء وصور المتهمين في قضية ما يسمى بـ «الخلية». وأكّدت على ضرورة التزام الجهات المعنية بأحكام دستور مملكة البحرين، المادة 20 الفقرة (ج): «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمّن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة وفقاً للقانون»، والمؤكد أن المعتقلين الجدد تمت إدانتهم مسبقاً، وتم تصنيفهم في خانة الإرهابيين، وصدر الحكم عليهم مسبقاً، وانتهى الأمر.

المؤسسة أشارت أيضاً إلى مخالفة ذلك للمادة (83) من المرسوم بقانون (46) لسنة 2002 بشأن قانون الإجراءات الجنائية، التي تعتبر إجراءات التحقيق والنتائج التي تسفر عنها «من الأسرار». وما هو واضحٌ أنه تم نشر هذه «الأسرار» على رؤوس الأشهاد.

نشر الصور على الصفحات الأولى للصحف، وإلصاق التهم بهؤلاء المواطنين، مخالفة صريحة للفقرة الأولى من المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على أن: «كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه»، والواضح أنه تم اتهامهم بصورة كيدية مسبقة، قبل أن تُحوّل أوراق قضيتهم إلى المحكمة أصلاً لينظر فيها القضاء. كما يخالف ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص على «حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئاً إلى أن يثبت عليه الجرم قانوناً» (المادة 14، الفقرة 2).

كما أن نشر الأسماء والصور بهذه الطريقة، مخالفةٌ أيضاً للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري – حسب بيان المؤسسة نفسها – التي انضمت إليها البحرين العام 1990، ولكن دون تطبيق، خصوصاً من جهة وجوب منع الجهات الرسمية من التعبير عن آرائها علانية فيما يتعلق بذنب المتهم قبل أن تتوصل المحكمة إلى حكم في القضية، بل ويجب منعها من إثارة الشبهات مسبقاً حول أشخاص ينتمون إلى جماعة عرقية أو إثنية بعينها».

أما آن لهذه السياسة الخاطئة أن تتوقف؟ احتراماً لسمعة البحرين ولحقوق الإنسان.

قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3820 – الخميس 21 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

بين ربيع البحرين 2001 والربيع العربي 2011

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001 نشرت مجلة «العربي» الكويتية استطلاعاً عن ما كان يجري في البحرين آنذاك، وعنونت استطلاعها «البحرين بارقة من الأمل». كتب الاستطلاع الدكتور محمد منسي قنديل، وبدأه بالقول «أجل إنها بارقة كبيرة من الأمل، تشع علينا من جزيرة صغيرة وسط خليج حار، فالبحرين تعيش هذه الأيام تجربة مختلفة من تاريخها، تعيش ربيعاً بالغ الخصوصية تنبع من بين صخور الملح وبقايا المحَّار، جزيرة ضيقة بأرضها رحبة بنفوس أهلها، يطلع منها جيل جديد من الحكام العرب يعلن عن ولادة نظام جديد قادر على محو تركة الماضي، وإضاءة شموس صغيرة قادرة على إنارة المستقبل، إن التاريخ يتغيَّر بسرعة في تلك الجزيرة المثقلة بالتاريخ».

ويواصل الكاتب «سألني وزير الإعلام البحريني نبيل الحمر حين قابلته: كيف تسير أمورك في البحرين؟ قلت: في النهار أجلس مع المهتمين بالسياسة، أما في الليل فأذهب إلى تجمعات الفنانين التشكيليين. قال الوزير على الفور: بيني وبينك أنا أفضل الفن على السياسة. ولكن كان لابد من الحديث في السياسة، فالمناسبة التي قادتني إلى البحرين هي تلك التغيرات السياسية المتلاحقة التي تعيشها، وليس من المبالغة القول إن أهل البحرين يستيقظون يومياً على خبر جديد يبيح أمراً كان محظوراً في السابق، أو يعلن عن بدء مشروع كانوا في أمسّ الحاجة إليه، وكما تقول الدكتورة رفيعة غباش رئيسة جامعة الخليج وهي متخصصة في الطب النفسي: لقد أشرقت قلوب البحرينيين وعادت إليهم ابتسامة كانت غائبة، ولا يعرف أهمية هذه الحالة مثل طبيب نفسي. ويقول الفنان المعروف عبدالله المحرقي: الآن أستطيع أن أرسم دون ألم. أما منصور الجمري وهو واحد من أشد المعارضين فيصف الأمر بأنه أشبه بحلم كان من المستحيل تصوره، فذلك الشاب الذي قضى أكثر من 15 عاماً ممنوعاً من دخول البحرين يجد نفسه فجأة على أرضها وبين ناسها بل إن أمير البلاد نفسه يقابله ويسمح له بقول كل ما يريد قوله في المحاضرات والمنتديات العامَّة… إنها حالة نادرة من الانفتاح السياسي قلَّما تشهده ليس البحرين والخليج فقط ولكن كل بلدان الوطن العربي. ويعبر د.محمد جابر الأنصاري المفكِّر المعروف عن ذلك الأمر قائلاً: «لقد أصبحت لدينا الشجاعة على مواجهة أخطاء الماضي»، وقد بدا هذا الأمر واضحاً في كلِّ ما قمت به من مقابلات. فقد قابلت أثناء جولتي في البحرين العديد من الشخصيات الذين يمثلون كلَّ ألوان الطيف السياسي، وكل يبادرني بالقول: «اطرح عليَّ أي سؤال تشاء»، ذابت الخشية والتوقي ولم يعد هناك كلام في المحظور، بل لم يعد محظوراً أصلاً في البحرين. إن الحماس لما يحدث يتعدى نطاق الجزيرة الجغرافي الضيق ليؤثر في المحيط العربي العام المتعطش لأي ممارسة ديمقراطية، فلذلك الركود العربي السياسي قد أماتنا جميعاً وقتل في داخل العديد منا أي أمل في التغيير، لذلك كانت المفاجأة أن يأتي التغيير من البحرين».

استطلاع مجلة «العربي» كان طويلاً، وهو كان واحداً من المقالات العديدة جدّاً آنذاك، وكلها كانت تمجِّد بربيع البحرين الذي بدأ قبل أن يبدأ الربيع العربي بعشر سنوات، ونشر التفاؤل وجمع قلوب الناس من كل حدب وصوب، ودفع بمكانة البحرين عالياً في كل محفل. وفي استطلاع مجلة «العربي» نقل الكاتب ما قاله المفكر محمد جابر الأنصاري: «إن المجتمع البحريني يضم مسلمين من جميع المذاهب الإسلامية الخمسة، وليس صحيحاً أن طائفة الشيعة هي التي قامت بالاضطرابات الأخيرة التي شهدتها البحرين وخاصة التسعينات، ولكن كانت هناك اضطرابات من سكان القرى الذين أهملوا طويلاً، وأنا أقول – وهذا الكلام على مسئوليتي – إن السلطة التنفيذية قد أهملت القرية البحرينية على مدى السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، ولعلك شاهدت الاستقبال الأخير الذي قام به سمو الأمير إلى جزيرة سترة لقد دخل في سيارة مكشوفة إلى مناطق لم تكن تدخلها قوات الأمن إلا في سيارات مدرعة، واكتشف بنفسه أن المنطقة تشكو من قلة الخدمات إلى حد كبير، وقد أمر سموه بتعديل هذا الوضع في الحال…».

لن أسترسل أكثر في نقل ما ورد في ذلك الاستطلاع، سوى أنني وددت أن نقارن وضعنا الحالي مع ما كنا عليه. آنذاك كانت البحرين هي المبادرة والمقدامة في ميدان السياسة والانفتاح، ودخلت ربيعها بينما كان الآخرون في عالم آخر. حدث الكثير بين ربيع البحرين في 2001 والربيع العربي في 2011، ولقد كان من المفترض أن نقود الآخرين في ربيعهم بدلاً من أن تتراجع أوضاعنا إلى وضعها المؤسف الحالي. لعلنا بحاجة إلى صراحة من تحدثوا إلى مجلة «العربي» – وقد نقلت البعض القليل مما ورد – لكي نستوضح المخرج من أزمتنا الحالية.

منصور الجمري
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3820 – الخميس 21 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

توقيت غير مناسب لتجديد طلب قرض “الصندوق” لمصر



ما إن تأكد رئيس الحكومة المصرية هشام قنديل من أن التعديل الوزاري الذي أجراه الرئيس مرسي على تشكيلة الوزارة المصرية، لم يطل رأس الحكومة نفسها، أي لم يطله شخصياً، حتى عاود مغازلة صندوق النقد الدولي بطريقة غير جيدة، ومناشدة تشكيلة حكومته الجديدة أو من أُوكل إليه التحدث باسمها من دون إفصاح، لاستئناف المفاوضات بشأن قرض الصندوق قيد التفاوض والتعاقد مع مصر والبالغ 8 .4 مليار دولار .

فقد نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسعود أحمد المسؤول عن إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي “يبدو لي من الواضح أن السلطات في مصر باتت مستعدة الآن تماماً للدفع باتجاه استئناف المفاوضات حول قرض الصندوق” . وهو قرض مطلوب بإلحاح، من وجهة نظر الحكومة المصرية، لسد العجز قصير الأجل في طاقة التمويل التي تعانيها مصر تأثراً بتداعيات ثورة 25 يناير 2011 . موضحاً أن “بعثة من الصندوق ستتوجه بالفعل إلى القاهر في الأسابيع المقبلة لتقييم الوضع الاقتصادي ومناقشة الإجراءات التي يفترض أن تتخذ مقابل القرض (منها زيادة الضرائب ورفع الدعم عن بعض السلع)، وأن موعد زيارة البعثة هو بيد السلطات المصرية”، على حد قوله .

والغريب أن وزارة التخطيط والتعاون الدولي التي يديرها الوزير الدكتور أشرف العربي، قد أصدرت تصريحات يوم الخميس 24 يناير 2013 أي قبل يوم واحد من الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، تحاكي تماماً مواقف ورؤى يوسف بطرس غالي وزير المالية ووزير الاقتصاد في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك لجهة تعميق التوجهات الليبرالية الاقتصادية غير المنضبطة في مجال السياستين المالية والنقدية، وذلك بتهويل الوزارة المذكورة ووزيرها الدكتور العربي من تداعيات الاضطرابات السياسية التي تشهدها مصر وتأثيراتها السلبية في استئناف مفاوضات قرض صندوق النقد الدولي المقرر منحه لمصر . وذهب الوزير في تحذيراته من أن إضرابات جمعة إحياء ذكرى الثورة ستؤثر في فرص استئناف الطرفين، مصر والصندوق، مفاوضاتهما بشأن القرض الذي تحتاج إليه الحكومة، كما قال، لتقليل عجز الموازنة المتوقع أن يصل إلى 200 مليار جنيه مصري .

وكما صار معلوماً، فإن الأحداث قد اتخذت منعطفاً خطراً منذ حلول الذكرى الثانية لإسقاط نظام مبارك، ما فاقم الضغوط الواقعة على سعر صرف الجنيه المصري .

كما أن تصريحات الرئيس محمد مرسي وبعض وزراء تشكيلته الحكومية حول وضع العملة المصرية والموقف المالي العام التي حاولت تهدئة مخاوف الناس بشأن إفلاس الخزينة، لم تكن موفقة، حيث زادت تشكك المواطنين ودفعتهم للإقبال بصورة أكبر على شراء الدولار كملاذ آمن للحفاظ على قيمة مدخراتهم، ما فاقم الضغوط على الجنيه المصري .

كما هو واضح، فإن الاقتصاد المصري هو في وضع لا يحسد عليه . ولذلك نجد الاقتصاديين في مصر حائرين وهم يقلبون مساحات الخيارات الضيقة المتاحة أمام اقتصاد بلادهم لإخراجه من مأزقه . بعضهم من المحسوبين على حزب العدالة والتنمية الحاكم يميلون لإلقاء مسؤولية تدهور سعر صرف الجنيه المصري (باعتباره مؤشراً إلى التدهور الاقتصادي المؤثر سلباً في الموقف التفاوضي الاقتراضي الدولي)، إلى السياسة النقدية التي كان يتبعها النظام السابق والمتمثلة في تدخل البنك المركزي المصري في السوق لشراء الجنيه منعاً لانخفاضه أمام الدولار . ولكن هؤلاء لا يجرأون على اقتراح البديل (غير المستساغ)، وهو ترك سعر صرف الجنيه نهباً لقوى السوق بحيث يعكس سعره الوضع الحقيقي للاقتصاد المصري، وبالتالي تجنب استنزاف الاحتياطي في عمليات دعمه . مع أن الجزء الأعظم من الاحتياطيات المنفقة على هذا النشاط التدخلي للبنك المركزي المصري (أكثر من 22 مليار دولار) قد تم ضخه في السوق من قبل البنك المركزي في العامين الماضيين اللذين دخلت فيهما مصر حال الاضطراب السياسي الذي تعيشه، ثم إن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لعدم التدخل لحماية الجنيه ليست أقل من كلفة التدخل، إن لم تكن أكبر بكثير .

على أية حال، مصر الآن لو عادت بحالتها الاقتصادية الضعيفة الراهنة إلى طاولة المفاوضات مع الصندوق، فإنها يجب أن تضع نفسها في الوضع نفسه الذي وُضعت فيه اليونان وهي تتلقى روشتات المتعهدين بإنقاذها من الإفلاس التام: وزراء المال في الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي .

و”الخلاص” الذي يتوسله حزب العدالة والتنمية الحاكم من خلال التسليم بأي ثمن بشروط إقراض صندوق النقد الدولي من جهة، و”التفاهم” مع رجال أعمال عهد مبارك تحت عنوان “التصالح في القضايا المتعلقة بالمال العام لاستعادة الاستقرار الاقتصادي والاستثماري للبلاد”، عوضاً عن التوقف عن نهج الهيمنة التامة على الدولة المصرية والتصالح مع بقية الكيانات السياسية، إن ذلك الخلاص المنشود لن يتحقق، وإنما سيزيد تعقيدات الوضع المالي والاستثماري للاقتصاد المصري، وسيعمق فجوة عدم الثقة بين النظام والشرائح العظمى من الشعب، والتي (أي الثقة)، من دونها لا يستقيم أي حديث عن استهدافات تنموية حتى لو كانت متواضعة .

اقرأ المزيد

سياسة التحالفات الناجحة


لا يوجد لدى القوى السياسية المعارضة في الكويت تراث وثقافة التحالفات والجبهات بسبب طبيعة تكوين معظمها غير المبني على أسس ومبادئ تنظيمية سليمة فيما عدا التيار التقدمي الكويتي والحركة الدستورية الإسلامية، فغالبية التكوينات والتشكيلات السياسية كانت تعتمد على تراث «الزعامات والتابعين» وهي أشبه بتجمع الدواوين التي يجمعها اتجاه سياسي عام، ولا يجمعها وحدة تنظيمية وفكرية وسياسية ولا توجد لديها هيئات ومكاتب وقيادة جماعية تتخذ القرارات وترسم سياسات وليس ردود أفعال وتشكيلا تنظيميا هرميا قابلا للتوسع الجماهيري.


وهذا بالتأكيد ينطبق على الكتل النيابية المعارضة وبعض التجمعات الشبابية المتعددة التي تلمع أسماؤها فجأة ثم تختفي فجأة، تتأسس بسبب حماسة اللحظة أو دعوة في وسائل التواصل الاجتماعي دون برامج سياسية أو رؤية واضحة أو وعي سياسي لطبيعة المرحلة وآفاق المستقبل، هذا عدا عن اختلاط وارتباك وعدم وضوح الشعار أو المفهوم السياسي وبالتالي عدم تبلور الأهداف كفهم مشترك.


اليوم وعلى مستوى العالم أجمع وعلى المستوى العربي وعت القوى السياسية الهادفة للتطوير والتغيير أهمية التحالفات والجبهات مع تجنب الاختلافات بينها لتغيير ميزان القوى ضمن مبادئ وطنية لا فئوية، كما أدركت القوى السياسية أنه يستحيل حتى على أقوى التنظيمات وأكثرها جماهيرية الانفراد بقيادة الجماهير وإحداث التغيير أو التطور المطلوب، فلا بد من تشكيل كيانات موقتة بغض النظر عن أمد المرحلة لمواجهة القضايا الملحة.


في الكويت لم تتشكل بشكل كاف شروط الجبهات للأسباب الآنفة الذكر، فأساس الجبهات والائتلافات تكون بين تنظيمات سياسية ولكن بسبب الظرف الكويتي الخاص لا بأس من ابتداع أشكال من الائتلافات تضم تجمعات غير منظمة سياسياً وكتلا برلمانية وقوى نقابية وطلابية وشخصيات وطنية، لكن كلما ضمت في صفوفها قوى سياسية متقاربة الاتجاه أو متفقة على الشعار والهدف مع اختلاف توجهاتها كان أفضل.


فعندما تشكلت في سبتمبر الماضي «الجبهة الوطنية لحماية الدستور» باركنا الفكرة والجهد رغم أن أبرز عيوبها هو تكوينها القائم على أفراد ورفض بعض القوى سواء الوطنية أو الإسلامية التعاون بحيث قدمت الصراع الجزئي على الصراع الأساسي، والآن نحن أيضاً نبارك خطوة تشكيل «ائتلاف المعارضة أو الائتلاف الوطني» لأنه يقوم على شروط أنضج كما نأمل، فعلى الأقل هناك جسم وطني من قوتين سياسيتين هما المنبر الديموقراطي والتيار التقدمي الكويتي، بحيث لا تستأثر القوى الإسلامية عليه، علماً بأن وجود الحركة الدستورية الإسلامية يسهم كقوى منظمة في شرط تكوين الجبهات أو الائتلافات.


والجبهات والائتلافات والتحالفات هي ليست خطوات اندماجية ولذا لا يمكن حسب التراث السياسي الجبهوي في العالم أن يكون اتخاذ القرار بالغالبية بل يكون بالتوافق والإجماع، فقرار الغالبية يكون عادة في التنظيم الواحد، أي إذا رفض طرف في الائتلاف قرار ما لا يطبق حتى لو حظي بغالبية فهذا من أصول العمل الجبهوي.


تبقى ثلاث نقاط مهمة لنجاح الائتلافات وبالتالي تغيير ميزان القوى، الأولى عدم محاولة الاستئثار بالقيادة الذي من شأنه تفتيت القوى المعارضة وبالتالي إضعافها، والثانية توحيد الشعار السياسي للمرحلة، والثالثة توحيد الجهود السياسية والميدانية والابتعاد عن العفوية العاطفية للحراك الشعبي.

 

اقرأ المزيد