المنشور

خريف النَُخَب في ربيع العرب – سليم مصطفى بودبوس

مرّت بعض الدول العربية بهزّات سياسية قوّضت عروشاً ما كان لها أن
تتزلزل أركانُها لولا انتفاضة الشعوب التي خرجت في تونس ومصر وليبيا واليمن
ولاتزال في سورية بين مدّ وجزر مع النظام القائم. وكاد يجزم المتابعون أن
الثورة في تونس فاجأت الجميع بالداخل والخارج، وأن النخب الثقافية
والسياسية كانت في شبه غيبوبة ولم تتوقع غالبيّة النخب العربية الحراك
الشعبيّ الذي أدّى إلى اشتعال فتيل الثورة بدءاً من تونس وانتهاء بسورية.

ونظراً
لشدة الاستبداد في هذه الأنظمة الجمهورية، اقتنع أغلب المثقفين والنخب
السياسية أن التغيير السياسيّ لا يكون في نظرها إلاّ من الداخل، أي من داخل
الأنظمة الحاكمة نفسها، وخصوصاً مع بدء فكرة توريث الحكم كما حصل بعد رحيل
حافظ الأسد في سورية، وكما كان يهيّئ له حسني مبارك في مصر، ومعمّر
القذافي في ليبيا.

وهكذا جاءت الثورات بعيدةً جداً عن تنظير أغلب
النخب الثقافية وانتظاراتها، لأنها لم تتمكن من فهم دقيق وقراءة معمّقة
للحظة التاريخية وما هيّأ لها من أحداث داخلية في الحالة التونسية والمصرية
واليمنية وخارجية في الحالة السورية والليبية.

ولعل أزمة النخب
الثقافية العربية تتلخص في ضعف فهم حركة الجماهير وفشلها في صنع تلك الحركة
وقيادتها، بل وفي دخول العديد من المثقفين في عداءٍ مع حركة الجماهير،
فكانت الثورة، خصوصاً في تونس ومصر، امتحاناً عسيراً للنخب الثقافية
والفنية. وانكشف القناع خلال ذروة الأزمة وقبل سقوط النظام في تونس ومصر عن
وجوه طالما ظنّت الشعوب أنها تدافع في كتاباتها أو أعمالها الفنية عن
المحرومين والـ «الغلابى»، لكن ما كان ذلك إلا قناعاً سرعان ما انكشف وسقط
القناع على القناع على حدّ تعبير الشاعر محمود درويش، وتهاوت تلك القمم
الثقافية والفنية والسياسية بعد أن كانوا في قلوب الجماهير قبل عقولهم.

ومن
أسباب أزمة المثقفين وعدم وعيهم التام باللحظة التاريخية، قلة تواصلهم أو
غيابه أحياناً مع الجمهور، وانعزال المثقف وانشغاله بمعارك فكرية بعيدة عن
اهتمامات الجماهير ومشاكلهم اليومية. وحتى إن تناولها المثقف فقد كان في
أغلب الأحيان عاجزاً عن الإقناع بأفكاره، كما استعصى عليه المسك بهموم
الحياة اليومية والمعيشية للجماهير العربية، وهو ما جعل المثقف يفشل في
بناء خطاب بديل عن خطاب السلطة. وازدادت الفجوة بين النخب والشعوب حتى
اختار المثقفون اتجاهات شتّى: فمنهم من أغرق في العموميات أو التجريد أو
الترف الفكريّ الذي لا يتصل بواقع الحال في البلدان العربية، ومنهم من ظلّ
في برجه العاجي حتى الآن وتخلف عن صناعة التاريخ مع الشعوب، ومنهم من اقترح
– والنظام يلفظ أنفاسه الأخيرة في مصر أو تونس – حلولاً وسطية من قبيل
الإصلاح والإبقاء على الموجود في محاولة لاستيعاب الوضع القائم.

ومنهم
من ظل على خيانته للشعوب ووفائه للسلطة يروّج سياستها ويزيّن للناس
طغيانها، طمعاً في مكانةٍ أرقى بعد إخماد حالات الثورة المتصاعدة آنذاك.

وبحجة
الخوف من المجهول وتصفية الحساب مع الخصوم الفكريين، انحازت بعض النخب من
الليبراليين واليساريين إلى الأنظمة القائمة آنذاك خوفاً من الإسلاميين
الذين استرجعوا جماهيريتهم في العشرية الأخيرة. ومن المثقفين مَن رفضوا
الثورات بحجة عدم جاهزية المجتمع للخيار الديمقراطي. وبهذا وذاك خسرت النخب
الجماهير، وصارت تسير خلف ركبهم خلال الثورات بل تبرّأت منهم الشعوب بشكل
كبير جداً.

إن معظم هذه النخب سقطت في امتحان الربيع العربي، وبعد
انتصار هذه الثورات أخذت النخب تراجع نفسها وتتشكل من جديد في كيانات
ثقافية أو سياسية حتى ليكاد يقول الواحد منا إنها في فترة مخاض عسير قد
يعتبرها البعض فرصةً لاستعادة ثقة الجماهير العربية قد لا تتكرّر مرةً
أخرى.

سليم مصطفى بودبوس
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3825 – الثلثاء 26 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

مواصفات المسئول الحكومي المطلوب في بلدنا! – عيسى سيّار

لقد سلطنا الضوء في مقالات سابقة على انتشار ظاهرة الفساد بكل مظاهره وأشكاله في بلدنا، وذلك استناداً على تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية التسعة العتيدة، والتي وجّهت سهام اتهاماتها المباشرة إلى مسئولين حكوميين يشغلون مناصب حكومية رفيعة. وقد وجدنا أن وزارات ومحافظات وهيئات حكومية، بعضها تأسّس بعد المشروع الإصلاحي، وردت عليها ملاحظات بشأن تجاوزات إدارية ومالية ترقى إلى مستوى شبهة فساد! دون أن نجد حتى تاريخه أي تحرك يذكر من أيٍّ من السلطات الثلاث لمتابعة تلك المخالفات القانونية والتجاوزات الإدارية والمالية ومرتكبيها، وبالتالي وهنا نستشهد بالقول المأثور «من أمِنَ العقوبة أساء الأدب»… بل استمرأ الإساءة… أليس كذلك؟

إن هذا التقديم يسلط الضوء على الكيفية التي يتم فيها تعيين المسئولين في هذا البلد والمواصفات التي يجب أن تتوافر في هذا الشخص حتى يتم اختياره مسئولاً حكومياً بالطبع مع احترامي لمهنية العديد منهم فهم كفاءات محترمة ومقدرة، ولكن عليها أن تتكيّف وتدجّن نفسها مع ثقافة العمل في القطاع الحكومي وطريقة التعامل مع الرؤساء والتي تعتمد على الطاعة العمياء، أو تجد تلك الكفاءات نفسها في لحظة واحدة جالسةً في البيت! فتعيين الوكلاء والوكلاء المساعدين والمدراء العامّين والمدراء لا يخضع بالضرورة لمعايير ديوان الخدمة المدنية، فالذي نعرفه أن منصب الوزير هو منصب سياسي حيث يتم من خلال الدستور وما دون ذلك فإن تعيين المسئولين يجب أن يخضع لمعايير الخدمة المدنية والمنافسة بين الكفاءات، إلا أن هذا لا يحصل في بلدنا! إذن ما هي مواصفات المسئول الحكومي المطلوب؟ وكيف يتم اختياره في بلدنا؟

أولاً: أن يكون من النوع الذي لا يختلف مع رؤسائه وينفذ الأوامر دون نقاش أو اعترض، مطبقاً القاعدة السحرية (الشور شورك يايبه والقول قولك يايبه)، حتى لا يكتوي بنار غضبهم ويكون نصيبه الإقصاء أو التهميش أو إرساله إلى البيت، فهناك العديد من المسئولين تم إعفاؤهم من مناصبهم بسبب اختلافهم مع رؤسائهم حول قضية ما، وربما بسبب رفضهم المشاركة في مخالفات قانونية أو تجاوزات إدارية ومالية، فيجب أن يكون المسئول الحكومي من النوع الذي يقول نعم، ويمدح بل يطنب في المدح لرؤسائه وكل ما يقولونه صحيح وهم لا يخطئون لأنهم معصومون من الخطأ حتى لو كلفت مخالفاتهم أو تجاوزاتهم أو أخطاؤهم البلد هدراً في الأموال والجهود واستيلاءً غير مشروع عليها. وأن يصل تعامله مع رؤسائه إلى حد القداسة، أي ألا يرفع عينه في عيونهم فالذي يرونه هو لا يراه! وبالتالي ستنهال عليه المناصب والعطايا ويصبح سوبرمان زمانه فتجده مسئولاً حكومياً وفي الوقت نفسه رئيس مجلس إدارة شركة حكومية، ورئيس تنفيذي لهيئة حكومية، وعضو مجلس إدارة في مجلس حكومي، مع وجود صارخ لتضارب المصالح وكأن البحرين ما فيها إلا هذا الولد… ولا داعي لذكر الأسماء فالشمس «تطز العين»، فهل هذا هو الإصلاح والتطوير الذي ننشده؟

ثانياً: أن يكون المسئول ولاؤه لرئيسه وليس لمصلحة وطنه حتى يتم تعيينه أو ترقيته أو يستمر في عمله حتى وإن كان ولاؤه لرئيسه يتعارض مع مصلحة وطنه، فيجب عليه أن يقبل بذلك وكلنا نتذكر الطريقه المبهمة التي تم بموجبها إعفاء وزير الأشغال السابق من منصبه على خلفية فضيحة الفساد في مستشفى الملك حمد الجامعي، هذه الفضيحة التي هزّت البحرين ولكنها تبخرت كغيرها! وللعلم فإن هذا الوزير حصل على الكثير من الإشادة من المسئولين على جدّيته ونزاهته! عندما أشرف على بناء مدينة زايد، كما حصل على الكثير من التقدير من النواب نتيجة لتعامله الشفاف معهم واحترامه لدورهم.

ثالثاً: أن يكون المسئول قادراً على تطويع القوانين واللوائح لمصلحة الرئيس أو قلب الحقائق رأساً على عقب، وهذا ما حدث عندما تم تزوير إرادة الأطباء في انتخاباتهم الأخيرة حيث تم تعديل الأنظمة بحيث تمكن الأطباء الأجانب من التصويت، وبالتالي إبعاد العديد من الأطباء الوطنيين من ذوي الخبرة من غير المرحّب بهم من الفوز بعضوية مجلس الإدارة، وكذلك عندما قامت وزارة التنمية بحل مجلس إدارة جمعية المحامين المنتخب تحت حجج واهية.

رابعاً: أن يكون المسئول ضعيف الشخصية حتى تسهل قيادته، وألا يتصف بالجرأة والمهنية العالية في اتخاذ القرارات، بحيث يرجع في كل صغيرة وكبيرة إلى الرئيس، أي (ما يقدر يشك خيط في إبرة إلا بأمره) حتى وإن تعطّلت مصالح البلاد والعباد، فالمهم رضا الرئيس وتفادي غضبه. وأن يكون مقرّباً بالنسب أو العلاقات، فالعديد من المسئولين وفي مناصب رفيعة لا يملكون الشخصية القيادية ولا المؤهلات المناسبة ولا الإمكانيات ولا المهارات الإدارية المطلوبة لشغل المنصب، ولكن لأنه «ولدنه ومن عيالنه ومحسوب علينه» يجب توظيفه حتى لو أدى توظيفه إلى ضعف أو تردي أداء الجهاز الذي سيرأسه أو «خراب بصره» كما يقال!

لقد حاولنا توصيف وتشخيص مواصفات المسئول الحكومي المطلوب وذلك اعتماداً على رصد الواقع واستحضار وقائع حصلت على أرض الواقع. وهنا نتساءل وبمشروعية إذا كانت هذه الطريقة التي تتبع في تعيين المسئولين، فكيف ستكون مخرجات أدائهم ومدى حرصهم على مصالح البلاد والعباد؟ إننا هنا نوجّه كلامنا إلى من يعنيه الأمر، ونقول إن بلادنا تمر بمرحلة عصيبة ودقيقة، وأزمة سياسية غير مسبوقة في تاريخ البحرين الحديث، تتطلب الحرص والدقة والموضوعية والأمانة في تعيين المسئولين، وأن يخضع التعيين لمعايير مهنية صارمة، وأن يكون ولاؤهم للوطن وليس للشخوص، هذا إن كنا نريد العدالة والاستقرار والأمان لبلدنا، وأن نكون بحق دولة القانون والمؤسسات… فمن يرفع الشراع؟


اقرأ المزيد

من غزو المحلات التجارية إلى دهس المتظاهرين

لم يكن من المفترض أن تصل حالة العنف والعنف المضاد إلى هذه الدرجة من الخطورة لو تم احتواء المشكلة السياسية في البلد منذ البداية، من خلال طرح حلول مقبولة ومتفق عليها والسير في مسار الإصلاح والمزيد من الديمقراطية الحقيقية بدل تحويل الصراع السياسي إلى صراع طائفي من طرف واحد، ما ينبئ بانتقال عدوى الطائفية إلى الطرف الآخر وخصوصاً مع وجود عدة أطراف من تجار الحرب الذين يزدادون ثراءً بتصاعد الأزمة وسقوط المزيد من الضحايا، فيما تبور بضاعتهم الفاسدة في ظل التآلف الوطني.

ما حدث من إرهاصات تبدو للوهلة الأولى حوادث معزولة، تنبئ بشرر متطاير قد يحرق الأخضر واليابس في هذا الوطن الذي طالما وصف بأنه أرض الخير والسلام، وأن أهله عائلة واحدة، فـ «ما معظم النار إلا من مستصغر الشرر».

لم يعد من المقبول السكوت عن من ينفخ في نار الفتنة ليل نهار لمجرد أن يحصل على فيللٍ في إحدى المدن المرفهة على أطراف البحرين، أو سيارة فاخرة أو رصيد معتبر في أحد البنوك. كلنا يعرف ذلك حتى في الطرف الممانع من أبناء الشعب المضحوك عليه بعطايا شحيحة تمنح للمتسولين أو امتياز كان من حقه لو لم يصنف الناس في هذا الوطن إلى مواطنين من الدرجة الأولى والثانية والثالثة والرابعة… وربما تكون هناك درجات أكثر مع توسع كل طبقة عن طريق الإنجاب الطبيعي والاصطناعي.

نعم ومن دون مواربة؛ ما يحدث الآن من إرهاصات بدأت منذ غزوات البعض للمحلات التجارية لفئةٍ معينةٍ وتطوّرت إلى إطلاق النار من سيارات مدنية على المواطنين والدهس المتعمّد لمجموعةٍ من المحتجين على الأوضاع السائدة؛ ما أسفر عن إصابة أحدهم بإصابات لا يعلم مداها حتى الآن، وقتل شابين من عائلة واحدة خلال أقل من يومين، لا يمكن إلا أن يزيد النار اشتعالاً ليفقد الجميع ما تبقى لديهم من إصرار على ألا يتحوّل العنف بين الشارع وقوات مكافحة الشغب إلى عنفٍ بين مكوّنات الشعب الواحد، وذلك ما لا يريده أو يتمناه أحد سوى من ينفخ في نار الفتنة.

لقد وصلنا إلى هذه المرحلة الخطرة من العنف بسبب مراهنة السلطة على الحل الأمني، وعدم تقديم أية مبادرة سياسية للخروج من عنق الزجاجة، وحتى الآن لم نرَ أي توجه جدي نحو حل سياسي مع مواصلة تقديم المزيد من العطايا للأصوات المنادية بالفتنة، كان يجب أن يتم إخراس مثل هذه الأصوات النشاز قبل الحديث عن أي حوار وطني أو مصالحة وطنية، من أجل تهيئة الأجواء أولاً، والآن وقد وصلت الأمور إلى تعمد قتل المحتجين عن طريق دهسهم بالسيارات؛ فإننا نكون قد دخلنا في مرحلةٍ خطيرةٍ جدّاً من الفتنة الطائفية نسأل الله ألا تتطور.

اقرأ المزيد

قبل ميكافيللي وبعده


لم ينشر كتاب نيكولا ميكافيللي “الأمير” إلا بعد وفاته، هاجمت الكنيسة الكتاب وكذلك فعلت سلطات روما التي وضعته ضمن الكتب الممنوعة في منتصف القرن السادس عشر، ولكن بعد قرنين، تزامناً مع عصر النهضة، غدا الكتاب يحتل مكانته الكبيرة، ليصبح مرجعاً يعود إليه  الساسة والقادة والمفكرون .

كان هتلر يضع “الأمير” بجانب سرير نومه، ليطالع فيه بضع صفحات كل ليلة قبل أن يخلد إلى النوم، ليتزود من نصائح مؤلفه في كيف يسوس الناس، ويُحكم هيمنته على الرأي العام، أما مُواطن ميكافيللي وواضع الفكرة الفاشية الايطالي موسوليني فقد اختار كتاب “الأمير” موضوعاً لأطروحته التي قدمها للدكتوراه، ومثلهما فعل الكثير، ممن سبقهم وتلاهم، من الملوك والأباطرة والحكام، ومن أبرزهم صانع الوحدة الألمانية بسمارك .

لكن سيبدو صاعقاً معرفة أن محمد علي باشا وهو يسعى لتنفيذ مشروعه النهضوي في مصر، طلب من مترجمين محترفين ترجمة “الأمير”، لكثرة ما سمعه عن الكتاب ولرغبته الملحة في الاستفادة من دروسه . ولشدة تشوقه لمعرفة مضمون الكتاب طلب من المترجمين موافاته أولاً بأول بكل فصل من الكتاب ينتهون من ترجمته، لكن بعد أن قرأ فصلأً أو فصلين من الكتاب طلب من المترجمين إيقاف ترجمته، وقال قولة شهيرة: “إنني أفهم في دواهي السياسة أكثر مما هو مذكور في الكتاب” .

وهنا السؤال: أكان أولئك الذين عاشوا قبل ميكافيللي من الملوك والقادة والحكام والطغاة لا يعرفون ولا يطبقون المبدأ الذي نسب إليه: “الغاية تبرر الوسيلة” . ألم تكن السياسة، منذ أن نشأت قائمة على هذه القاعدة قبل ميكافيللي وفي زمنه ومن بعده، بل لعل جُل ما فعله الرجل هو أنه دوّن خلاصة السياسة والحكم قبله، ليعود إليها من يرغب ممن يأتي في العصور اللاحقة .

نادرة جداً هي الحالات التي اقترنت فيها السياسة بالأخلاق، يمكن أن نذكر هنا حالة المهاتما غاندي في الهند ونيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، بينما القاعدة أن السياسي حين يحدد الهدف نصب عينيه لا يكترث كثيراً بالوسائل، وتكفي نظرة منصفة للتاريخ لترينا ذلك، حتى الثورات الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ مارست من العنف ما لا يقل عن ممارسات الطغاة من الحكام الذين ثارت عليهم .

اقرأ المزيد

قانون العمل الجديد… أسوأ قانون تشهده البحرين – المحامي علي محسن الورقاء

(1)

قلنا ذات مرة، في مقال سابق في شأن «ما يجب أن تكون عليه هوية القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها»، أنه يتوجب أن تتوافر في هؤلاء ثلاث مميزات على الأقل، وهي: (أولاًً) معرفة القاعدة القانونية؛ من حيث الإحاطة بأبعادها وشروطها وكيفية صياغتها؛ (وثانياً) الخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره؛ (وثالثاً) معاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وحيث صدر قانون العمل الجديد رقم (36) لسنة 2012 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 2 أغسطس/ آب 2012 في العدد 3063 والذي تصدرت بداية وزارة العمل بمفردها لإعداد مسودته واقتراح نصوصه منذ عام 2001 ثم انتهى الأمر إلى إصداره بنصوصه الحالية، فأُلغي بموجبه قانون العمل القديم رقم (23) لسنة 1976 قانون رقم (14) لسنة 1993.

وبمراجعة القانون الجديد أوقفتنا العديد من نصوصه التي تحيط بها الكثير من المآخذ، سواءً من حيث الشكل أو الصياغة أو المضمون، التي لم نكن نتوقعها مطلقاً، وخاصةً أن ولادة هذا القانون جاءت بعد حملٍ دام إحدى عشرة سنة يفترض أن يكون حسن الخلقة مكتملاً غير مشوه.

وعلى رغم أن هذا القانون تضمن بعضاً من النصوص لصالح المرأة العاملة، إلاّ أن هذه النصوص لا تعدو سوى نقاط صغيرة بيضاء في وسط دائرة كبيرة سوداء كاتمة، ما يجعلنا نخرج بمحصلة نهائية أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهده مملكة البحرين.

ولكي لا نطيل في المقدمة نبدأ في الولوج في نصوص هذا القانون ونختار بعضاً من نصوصه ضمن دائرته السوداء، لنعقب عليها مادةً تلو الأخرى بالتعليق عليها في حلقات متسلسلة ومتتابعة نبدأها في هذه الحلقة، بما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة الرابعة على أن «يستمر العمل بأية مزايا أو شروط أفضل تكون مقررة أو تقرر في عقود العمل الفردية أو الجماعية أو أنظمة العمل بالمنشأة أو غيرها أو بموجب العرف».

هذا النص، رغم ركاكته وسوء صياغته بشكل لا يليق أن يكون نصاً في القانون، بحيث يظهر أن من قام بصياغته غير محيط بأبعاد القاعدة القانونية ولا يحسن صياغتها، فقد جاء – علاوة على ذلك – مغايراً لنص قانوني يقابله في المادة رقم (153) من قانون العمل الملغى لسنة 1976 التي ورد فيها النص التالي: «ولا يجوز المساس بما اكتسبه العامل من حقوق بمقتضى أية اتفاقية أو لوائح النظم الأساسية أو قرارات التحكيم أو ما جرى العرف أو اعتاد صاحب العمل على منحه للعمال».

وبمقارنة النصين السابقين نلحظ أن قانون العمل الجديد لسنة 2012 وقف موقفاً سلبياً في غير صالح العمال، وهذا الموقف السلبي سندرك لاحقاً كم هو ضار للغاية، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: كان يفترض أن يؤكد النص سابق الذكر بعبارة واضحة لا تحتمل التأويل وبقاعدة آمرة على «عدم المساس بما اكتسبه العمال من حقوق» على النحو الذي جاء في نص المادة رقم (153) من قانون العمل السابق لسنة 1976. وهو ما خلا منه نص المادة الرابعة من قانون العمل الجديد.

ثانياً: من المقرر – طبقاً لما نصت عليه معظم القوانين والاتفاقيات العمالية الدولية – أن الحقوق العمالية تكتسب بمقتضى إحدى المصادر التالية: القانون، أو عقد العمل، أو لوائح الأنظمة الأساسية للمنشأة، أو قرارات التحكيم، أو العرف، أو ما اعتاد صاحب العمل على منحه للعمال.

وهذه المصادر الستة نص عليها قانون العمل القديم على نحو ما تقدّم، تضفي على الحقوق العمالية صفة الحق المكتسب، بحيث يستطيع العامل بمقتضى أي واحد من هذه المصادر أن يطالب بالحق بصفته حقاً مكتسباً، ومن بين هذه المصادر كما ذكرنا «ما قد اعتاد صاحب العمل على منحه له بصورة منتظمة».

بيد أننا لو قمنا بمقارنة نص المادة رقم (153) من قانون العمل الملغى لسنة 1976 ونص المادة الرابعة من قانون العمل الجديد سابق الذكر لوجدنا أن هذا الأخير قد حذف مصدراً مهماً من مصادر الحق وهو «ما اعتاد صاحب العمل على منحه للعمال».

فلو افترضنا مثلاً أن بنكاً من البنوك قد اعتاد على أن يصرف لموظفيه أو لبعض منهم أجر شهرٍ إضافي بنهاية كل عام ميلادي (وهو ما يطلق عليه أجر الثالث عشر) وكان هذا الاعتياد غير مبني على اتفاق صريح في عقد العمل، فإن هذا الاعتياد بمقتضى قانون العمل القديم يصبح حقاً مكتسباً للموظفين لا يستطيع البنك المساس به، من حيث أنه جاء بمقتضى قاعدة قانونية آمرة. في حين أن قانون العمل الجديد حذف عبارة «ما اعتاد صاحب العمل على منحه للعمال» ما يعني أنه حذف مصدراً من مصادر الحق آنفة الذكر، وبالتالي يستطيع البنك في مثل الحالة المشار إليها أن يلغي صرف الراتب الثالث عشر مهما طالت مدة اعتياده على صرفه لموظفيه، ولن يكون ملزماً به كحق مكتسب بحكم القانون الجديد.

لذلك وبناءً على ما تقدّم نكون قد وقفنا على سوأة من مساوئ قانون العمل الجديد، وسنقف بالتتابع على باقي هذه المساوئ في الحلقات المقبلة.

(2)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم

(36) لسنة 2012 أشرنا في الحلقة الأولى إلى وجوب أن تتوفر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات هي: (أولاً) معرفة القاعدة القانونية؛ من حيث الإحاطة بأبعادها وشروطها وكيفية صياغتها.

(وثانياً) الخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره. (وثالثاً) معاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

ووقفنا في الحلقة السابقة على نص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من القانون المذكور، والتي من خلالها أثبتنا سوء صياغة هذا النص بما يوحي أن القائمين على إعداد مسودة القانون المذكور يفتقرون إلى إحدى المميزات السالف ذكرها، فضلاً عن كون النص المشار إليه جاء في غير صالح العمال، وكأن المشرِّع قد أخذ موقفاً سلبياً نحو العمال استناداً للأسباب التي وقفنا عليها.

وفي هذه الحلقة سنقف على جانب من نصوص القانون المذكور لنثبت من خلاله مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته.

وذلك فيما يلي:

أولاً: في المادة العاشرة من المرسوم بقانون رقم (14) لسنة 1993 الذي ألغاه قانون العمل الجديد، جاء النص التالي: «على وزارة العمل ترشيح المقيدين لديها للوظائف والأعمال التي تناسبهم وتتفق مع سنهم وكفاءتهم الفنية…». هذا النص يحمل مضموناً سن بموجبه إجراءً قانونياً ملزماً التزمت به وزارة العمل طيلة السنوات الماضية، وهو ترشيح العاطلين المقيدين لديها للوظائف والأعمال التي تناسبهم. غير أن قانون العمل الجديد لسنة 2012 خلا من هذا النص تماماً، ما يعني أن المشرِّع رفع هذا الالتزام عن كاهل وزارة العمل.

وبإلغاء هذا الإجراء أصبحت وزارة العمل بمنأى عن أي التزام قانوني يلزمها بترشيح العاطلين المقيدين لديها ومتابعة تشغيلهم على نحو ما كانت عليه في الماضي، ليبقى التزامها محصوراً في قيد العاطلين، أو بالتنسيق مع جهات – لم يحددها القانون – لغرض توظيفهم طبقاً لما جاء في نص المادة التاسعة من قانون العمل الجديد.

و»الترشيح» المشار إليه لا يجوز تبسيط مفهومه ومضمونه ليوصف – بحسب ما يراه بعض المسئولين الجدد بوزارة العمل – بأنه مجرد اقتراح أو تنسيق لتوظيف العاطلين، إذ أنه بهذا التوصيف ننتهي إلى اجتزاء طبيعة الترشيح.

إنما هو في الحقيقة نظام يحمل في طياته توصية، أو ما يشبه بالأمر الإداري، في إطار خطة «بحرنة الوظائف» التي تخلت عنها وزارة العمل تدريجياً حتى أصبحت في «خبر كان».

وقد لمسنا في الماضي أن ترشيح وزارة العمل للمقيدين لديها للوظائف والأعمال التي تناسبهم وتتفق مع سنهم وكفاءتهم ومتابعة تشغيلهم وفق خطة بحرنة الوظائف كان له الأثر الملموس في توظيف نسبة لا بأس بها من العاطلين. وبإلغاء نظام الترشيح باتت وزارة العمل غير مسئولة عن أهم واجب وطني يفترض أن تقوم به على نحو ما كانت عليه في الماضي، وإن قامت به إنما تقوم به تفضلاً لا بموجب التزام قانوني.

وقد سبق أن صرح لنا أحد المسئولين بوزارة العمل خلال زيارتنا له لغرض ترشيح أحد الخريجين الجامعيين كان عاطلاً لأكثر من ثلاث سنوات ولا يزال عاطلاً، بقوله: «إن الوزارة غير مؤهلة لأن تُلزم أحداً بتشغيله وفقاً لمؤهلاته». ونحن في الواقع لا نلوم هذا المسئول لما صرح به، لأنه فطن بأن لا وجود لإلزام قانوني على هذه الوزارة بعد إلغاء النص الذي يلزمها بترشيح ذلك المواطن العاطل وإخلاء مسئوليتها من متابعة تشغيله، وبعد تعطيل خطة «بحرنة الوظائف» كما أشرنا.

ثانياًَ: بعد أن رأينا في الفقرة السابقة كيف أخلى المشرِّع (بمقتضى قانون العمل الجديد) مسئولية وزارة العمل من ترشيح العاطلين الوطنين المقيدين لديها ومن الالتزام بمتابعة تشغيلهم على نحو ما سلف بيانه، نجده اتخذ موقفاً أشد قسوة تجاه العامل الوطني استناداً لما يلي:

فبعد مراجعة قانون العمل الجديد نلحظ أنه ألغى المادة رقم (13) من قانون العمل لسنة 1976 التي ألزمت صاحب العمل بوجوب منح الأفضلية للوطني في الاستخدام، والتي جاء فيها «في حالة زيادة عدد العمال عن حاجة العمل يجب الاستغناء عن الأجنبي قبل العربي أو الوطني، وعن العربي قبل الوطني»…

بمعنى أنه كان يجب على صاحب العمل في حالة زيادة عدد عماله عن الحاجة أن يستبقي على العامل الوطني ويمنحه الأفضلية في الاستخدام دون العربي والأجنبي متى كان صالحاً لأداء العمل.

أو بمعنى آخر كان لا يجوز لصاحب العمل في حالة زيادة عماله عن الحاجة أن يفصل العامل الوطني ولديه عامل عربي أو أجنبي يماثله. وبإلغاء المادة

(13) المشار إليها جاز القول بأن قانون العمل الجديد ألغى أفضلية العامل الوطني في الاستخدام على غيره من الأجانب، فجعل العامل الوطني والأجنبي متساويين في حق الاستخدام.

وبناء على ما تقدم في الحلقة الأولى وفيما أشرنا إليه أعلاه يثبت أن المشرِّع بموجب قانون العمل الجديد قد أخذ موقفاً سلبياً فيه أكثر قتراً وبخلاً وحيفاً بحق العامل الوطني.

ثالثاً: جاء في المادة رقم (12) من قانون العمل الجديد «يجب على صاحب العمل أن يسلم العامل إيصالاً بما يودعه لدى صاحب العمل من أوراق أو شهادات أو أدوات. ويلتزم صاحب العمل بأن يرد للعامل عند انتهاء عقد العمل ما يكون قد أودعه لدى صاحب العمل».

هذا النص يوضح لنا بجلاء الاعوجاج المتين في الصياغة، وبما يثبت مجدداً أن الأيادي التي صاغت نصوص قانون العمل الجديد ليست مؤهلة لذلك.

ولنا لقاءات أخرى في الحلقات القادمة لنكتشف من خلالها المزيد من هذا الاعوجاج في الصياغة والتعبير والشكل، والمزيد من الحيف الذي وقع على العمال من خلال قانون العمل الجديد. ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهده مملكة البحرين.


(3)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2012 كنا قد بدأنا الحلقتين السابقتين بالإشارة إلى وجوب أن تتوفر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات هي: (أولاً) معرفة القاعدة القانونية؛ من حيث الإحاطة بأبعادها وشروطها وكيفية صياغتها. (وثانياً) الخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره. (وثالثاً) معاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وقد وقفنا في الحلقتين الماضيتين على بعض نصوص قانون العمل المذكور وأثبتنا سوء صياغتها بما يوحي أن القائمين على إعداد مسودة القانون يفتقرون لإحدى المميزات السالف ذكرها، كما رأينا كيف أن تلك النصوص هي في غير صالح الأجراء، وكأن المشرِّع قد أخذ موقفاً سلبياً نحو العمال على ضوء ما كنا قد انتهينا إليه.

وفي هذه الحلقة (الثالثة) سنقف على جانب آخر من نصوص القانون المذكور لنثبت مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته، وذلك فيما يلي:

أولاً: تنص المادة رقم (13) من قانون العمل الجديد على أنه «يجب على صاحب العمل إعطاء العامل – أثناء سريان عقد العمل أو عند انتهائه ودون مقابل – شهادة بما يطلبه من بيانات بشأن تاريخ التحاقه بالعمل ونوع العمل الذي قام به والأجر والمزايا الأخرى التي حصل عليها وخبرته وكفاءته المهنية وتاريخ وسبب انتهاء عقد العمل». هذه المادة تقابلها المادة رقم (119) من قانون العمل القديم ونصها هو «يمنح العامل شهادة خدمة تتضمن بياناً لمهنته ومدة خدمته وآخر أجر تقاضاه، ويرد إليه ما قد أودعه لدى صاحب العمل من أوراق أو شهادات أو أدوات».

وبمقارنة نص المادتين المذكورتين نلحظ سوء صياغة نص المادة رقم (13) من قانون العمل الجديد وعدم انتظام تركيبتها اللغوية على خلاف نص المادة (119) من قانون العمل القديم، إلاّ أن مساوئ نص المادة الأولى في الصياغة والتركيب اللغوي ليس لها من تأثير كبير مقارنةً بالضرر الذي يحمله مضمون هذا النص. فبالعودة إلى هذا النص نجد خلاصة مضمونه أنه يُلزم صاحب العمل بأن يصدر للعامل شهادة خدمة يبين فيها تاريخ التحاقه بالعمل ونوع عمله وأجره وتاريخ انتهاء خدمته وأسباب انتهائها.

ومن المقرر أنه عندما يُلزم القانون صاحب العمل بأن يذكر أسباب انهاء خدمة العامل أو سبب فصله من العمل في شهادة الخدمة المقدّمة إليه، فإن ذلك يعد أمراً خطيراً يحيق بالعامل لم نجده في جميع التشريعات العمالية الدولية، بما فيها قانون العمل البحريني القديم، لكونه يحمل في ثناياه ضرراً محضاً بالغ الشدة يصيب العامل على وجه التأكيد في بعض الحالات، كأن يكون إنهاء خدمة العامل أو فصله بسبب فقد الثقة فيه بعد أن اتهمه صاحب العمل بجرم السرقة مثلاً.

فعندما يذكر صاحب العمل هذا السبب في شهادة الخدمة سيكون ضرر هذه الشهادة على العامل أكثر من نفعها لأنها تصبح بمثابة دليل إدانة ضده، ما يضطره للاستغناء عنها بالتأكيد، وباستغنائه عنها يكون قد فقد أهم مرجع يثبت خبرته وسنوات خدمته.

علماً أن قانون العمل القديم – حاله كحال التشريعات العمالية المقارنة – كان قد حرَّم على صاحب العمل ذكر أسباب انهاء خدمة العامل في شهادة خدمته خشية أن يضار العامل من ذكرها، في حين يأتي لنا قانون العمل الجديد ليفرض على صاحب العمل بقوة القانون وجوب ذكر أسباب فصل العامل وأسباب إنهاء خدمته في شهادة الخدمة على نحو ما جاء في النص. ولذلك نخلص إلى القول ان قانون العمل الجديد في هذا الجانب قد أصاب العمال في مقتل. ولا ندري ما الحكمة من وراء ذلك يا ترى! وأي حكمة هذه التي يوظف لها قانون العمل للإضرار بالعمال بدلاً من أن يكون موظفاً لحمايتهم؟

ثانياً: تنص المادة رقم (22) من قانون العمل الجديد على انه «يحظر على صاحب العمل أن يخرج على الشروط المتفق عليها في عقد العمل الفردي، أو عقد العمل الجماعي، أو أن يُكلِّف العامل بعمل غير متفق عليه إلاّ إذا دعت الضرورة إلى ذلك منعاً لوقوع حادث أو إصلاح ما نشأ عنه، أو في حالة القوة القاهرة، على أن يكون ذلك بصفة مؤقتة. وله أن يُكلِّف العامل بعمل غير المتفق عليه إذا كان لا يختلف اختلافاً جوهرياً عن عمله الأصلي، ويشترط عدم المساس بحقوق العامل».

«ويجوز لصاحب العمل تدريب العامل وتأهيله للقيام بعمل مختلف عن العمل المتفق عليه تمشياً مع التطور التكنولوجي في المنشأة…».

فلو تأملنا قليلاً في الفقرتين السابقتين سنجد فيهما ما يثير العجب:

(1) فبعد أن نص القانون في الفقرة الأولى بعدم الخروج على الشروط المتفق عليها في عقد العمل، وعدم تكليف العامل بعمل يختلف اختلافاً جوهرياً عن عمله الأصلي، عاد في الفقرة الثانية ليعطي لصاحب العمل حق تدريب العامل وتأهيله لمهنة تختلف عن المهنة المتفق عليها «تمشياً مع التطور التكنولوجي» بحسب ما جاء في النص، وهذا يعد تناقضاً ظاهراً في النص.

وكما هو متفق عليه أن التناقضَ في النصوص يزدريها، كما يزدري التناقضُ الأحكام القضائية. مع ملاحظة أن ظاهر النص يشير إلى تدريب العامل وتأهيله لوظيفة غير الوظيفة التي يشغلها، وهو أمر يثير العجب بحق.

فلو افترضنا مثلاً أن مستخدماً يعمل بمهنة مهندس متفق عليها بمقتضى شروط عقد العمل، وحيث رأينا أن القانون – بناء على الفقرة الأولى أعلاه – يُحرِّم على صاحب العمل الخروج على شروط العقد وتكليف هذا المستخدم بعمل يختلف عن عمله الأصلي، فكيف يحق لصاحب العمل في الوقت ذاته – بناء على الفقرة الثانية – إجبار المستخدم المذكور للتأهل لمهنة أخرى غير المهنة الأصلية! وليت أن القانون اشترط قبول العامل بذلك إنما جعله حقاً مطلقاً لصاحب العمل. وليت أنه أيضاً أسند حكمه هذا وعلّله بمقتضى مصلحة العمل لالتمسنا له عذراً، إنما أسنده وعلّله «للتماشي مع التطور التكنولوجي» فقط كما ورد في النص.

إذاً… هذا الحكم بتناقضه أليس هو من قبيل الهُراء؟

(2) بقراءتنا لنص الفقرة الثانية من المادة (22) السابقة، وبناءً على ما تقدم، نجد أن قانون العمل الجديد قد منح صاحب العمل – بناء على رغبته – حق إلزام العامل بتعلم مهنة غير المهنة المتفق عليها التي يعمل فيها عنده، وإن اختلفت عنها اختلافاً جوهرياً، ودون النظر إلى مصلحة العمل. فكأنه بذلك أعطى لصاحب العمل وحده وبدون مسوّغٍ قانوني، حق تقرير مسار حياة العامل المستقبلية وإجباره على تعلم مادة قد لا تروق له أو لا تتفق مع قدراته.

وطبقاً لمقررات واتفاقيات المنظمات الدولية لحقوق الإنسان؛ ان حرية العمل مكفولةٌ فلا يجوز لأحد إجبار أحدٍ على عملٍ غير راغب فيه، وهذا ما قرّره دستور مملكة البحرين في المادة (13) من أنه «لا يجوز فرض عمل إجباري على أحد إلاّ لضرورة قومية وبمقابل عادل أو تنفيذاً لحكم قضائي». فإذا كان إجبار شخص على عمل غير راغب فيه لا يجوز بموجب الدستور، فكيف يجوز لشخص أن يقرر مسار حياة شخص آخر دون إرادته وبدون مسوِّغ .

إنها بحق لصورةٌ مقلوبة، وهذه الصورة المقلوبة لم نرها إلاّ في قانون العمل الجديد، وهذه الصورة وما سبق لنا ذكرها ما هي إلاّ غيض من فيض.

ولنا لقاءات أخرى في الحلقات القادمة لنكتشف من خلالها المزيد من الحيف الذي وقع على العمال من قبل قانون العمل الجديد واعوجاج نصوصه شكلاً وصياغةً، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهد مملكة البحرين.


(4)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2012 أشرنا في الحلقات الثلاث السابقة إلى وجوب أن تتوفر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات هي: معرفة القاعدة القانونية؛ الخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره؛ ومعاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وقد وقفنا على بعض نصوص قانون العمل المذكور وأثبتنا من خلالها سوء صياغة تلك النصوص بما يوحي أن القائمين على إعداد مسودته يفتقرون إلى إحدى المميزات السالف ذكرها، كما رأينا كيف أن تلك النصوص هي في غير صالح الأُجَراء، وكأن المشرِّع قد أخذ موقفاً سلبياً نحو العمال على ضوء ما انتهينا إليه.

وحيث كنا ولانزال ننعت قانون العمل الجديد بأنه «أسوأ قانون تشهده البحرين»، استوجب التنويه إلى أن هذا النعت لم يكن بسبب ما علق بنصوصه من سوء صياغة وركاكة في التعبير، أو لسوء تنظيم وغير ذلك وحسب، أو لأنه تضمن نصوصاً ليست في صالح الأجراء؛ إنما سوأته العظمى تكمن في تراجعه إلى الأسوأ بحيث وجدناه قد سلب من العمال الكثير من الحقوق والمنافع والمميزات المقررة لهم في القوانين التي سبقته، أو زاد عليهم ثقلاً لم يكونوا يحملونه من قبل، في حين كان يفترض أن يأتي هذا القانون بالأفضل للأجراء، من حيث أنه يفترض كلما رقت الحضارة وتقدمت ثقافة المجتمع كلما سمت قوانين العمل بما تكفل للعمال حماية أكثر ورعاية أسمى ومصالح أوفى، لا أن تسلب منهم ما كان مقرراً لهم سلفاً، أو أن تُضيف ثقلاً عليهم لم يكونوا يحملونه من قبل، على نحو ما أثبتناه في الحلقات السابقة وما سنثبته تباعاً في الحلقات التالية. ولهذا جاز لنا أن ننعته بأنه «أسوأ قانون تشهد البحرين».

وفي هذه الحلقة (الرابعة) سنقف على جانب آخر من نصوص القانون لنثبت مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته، وذلك فيما يلي:

أولاً: تنص المادة رقم (40) من قانون العمل القديم لسنة 1976 «تُحرر جميع العقود باللغة العربية، وكذلك المراسلات والتعليمات والنشرات واللوائح التي يصدرها صاحب العمل لعماله».

وكان المشرِّع يهدف من وراء هذا النص حماية العمال العرب، وعلى وجه الخصوص العمال الوطنيين، خشية أن يوجه إليهم أرباب العمل إخطارات أو إنذارات أو تنبيهات بلغة أجنبية يصعب عليهم فهم مضمونها فتكون رغم ذلك حجة عليهم. ومن ثم كان يعتبر أي إخطار أو تنبيه محرر بلغة أجنبية لا يحظى بالحجية كورقة قانونية في مواجهة من أُرسل إليه من العمال ما لم يكن مشفوعاً بترجمة له باللغة العربية، وذلك استناداً للحكم الوارد في النص السابق. بيد أن قانون العمل الجديد حذف هذا النص من نصوصه، مما ترتب عليه أن أصبح صاحب العمل غير ملزم بتحرير مراسلاته وتعليماته ونشراته ولوائحه وإنذاراته التي يصدرها أو يوجهها للعمال باللغة العربية كما كان ملزماً بمقتضى قانون العمل السابق، دون أن نعرف الغاية من ذلك، اللهم إلاّ إذا رأى المشرِّعون الجدد أن البحرين أصبحت خارج المنظومة العربية، أو أنهم رأوا أن المستندات المحرّرة بلغة أجنبية وغير المترجمة مقبولة كدليل إثبات في مواجهة العمال خلافاً لقواعد الإثبات المقررة قانوناً. وفي غير ذلك يصبح حذف النص المشار إليه من قانون العمل الجديد مخالفاً لقواعد الإثبات بما يفضي إلى رفع الحماية عن العمال في هذا الجانب دون مسوغ، وفي ذلك إجحاف بحقهم.

ثانياً: تنص الفقرة الثانية من المادة رقم (11) من قانون العمل الجديد بالآتي: «يصدر الوزير، بعد أخذ رأي الوزارات المعنية وغرفة تجارة وصناعة البحرين والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين قراراً بتحديد اشتراطات ومواصفات المساكن وتحديد أصناف وكميات الطعام التي تقدم للعامل في كل وجبة…». «والوزير» المشار إليه في النص هو الوزير المختص بشئون العمل في القطاع الأهلي، أي وزير العمل، بحسب التعريفات الواردة في الفصل الأول من قانون العمل الجديد.

وبالعودة إلى النص أعلاه نجد أن قانون العمل الجديد قد أناط لوزير العمل تحديد اشتراطات ومواصفات مساكن العمال، وتحديد أصناف وكميات الطعام التي تقدم للعمال بعد التشاور مع الجهات المذكورة في النص. بيد أنه من المقرر أن تحديد اشتراطات ومواصفات مساكن العمال وتحديد أصناف وكميات الطعام هي من المسائل الصحية التي تختص بها وزارة الصحة العامة وحدها، وإن أي قرار بشأنها يجب أن يصدر من وزير الصحة وليس من وزير العمل، لذلك سبق وأن أصدر وزير الصحة القرار الوزاري رقم (8) لسنة 1978 بشأن تحديد الاشتراطات والمواصفات الصحية لمساكن العمال والذي لايزال معمولاً به حتى الآن.

وإذا كان هناك ثمة من يعتقد أن كل ما يتعلق بأمور العمال يقع تحت رقابة وإشراف وزارة العمل فهو خاطئ، ونؤكد له خطأ هذا الاعتقاد بدليل أنه في مجال الصحة لا يجوز للمفتش العمالي التابع لوزارة العمل التفتيش على كل ما يتصل بالأمور الصحية (ومنها مساكن العمال) إلاّ بصحبة مفتش من وزارة الصحة العامة، وذلك طبقاً لنص المادة رقم (22) من القرار الوزاري رقم (28) لسنة 1976 في شأن تنظيم أعمال التفتيش، التي تنص على أن «يتم ضبط المخالفات وتحرير المحاضر في مجالي الصحة والسلامة المهنية عن طريق مفتش العمل… وعلى مفتش العمل مصاحبة مسئول السلامة المهنية ومسئول الصحة المهنية بوزارة الصحة في هذا النوع من التفتيش كل بحسب اختصاصه».

فإذا كان الأمر ذلك، وجب قانوناً تحديد اشتراطات ومواصفات مساكن العمال، وتحديد أصناف وكميات الطعام التي تقدّم للعمال بموجب قرار يصدره وزير الصحة – وإنْ لزم الأمر أن يكون ذلك بالاتفاق مع وزير العمل – لا بقرار يصدره وزير العمل، وعلى ألاّ تُحشر غرفة تجارة وصناعة البحرين ومعها الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين في هذا الشأن باعتبارهما ليسا جهة اختصاص وغير مؤهلين لذلك.

وعليه فإن الفقرة الثانية من المادة رقم (11) من قانون العمل الجديد محل البحث هي إحدى الصور المقلوبة في هذا القانون، ولا نماري من يعتقد أن انقلاب هذه الصورة يعود إلى أن المشرعين الجدد يفتقرون إلى الميزة الثانية التي أشرنا إليها في بداية الكلام (الخبرة في مجال العمل)، ولذلك غاب عليهم معرفة الوزارة أو الوزير المختص في هذا الشأن.

ولنا لقاءات أخرى في الحلقات القادمة لنكتشف من خلالها المزيد من الإجحاف والحيف الواقعين على العمال من قبل قانون العمل الجديد واعوجاج نصوصه شكلاً وصياغةً، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهد مملكة البحرين، على أننا سنخصص الحلقة القادمة في شأن الأحكام الخاصة بالنساء العاملات وما طرأ على حقوقهن من تغيير في هذا القانون في غير صالحهن.


(5)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2012 بدأنا الحلقات السابقة بالإشارة إلى وجوب أن تتوافر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات: معرفة القاعدة القانونية من حيث الإحاطة بأبعادها وشروطها وكيفية صياغتها؛ والخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره؛ ومعاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وقد وقفنا في الحلقات الماضية على بعض نصوص قانون العمل المذكور ورأينا كيف أن تلك النصوص مجحفة بحق الأجَراء، وكأن المشرِّع مال إلى جانب أصحاب الأعمال وأخذ موقفاً سلبياً نحو العمال على ضوء ما انتهينا إليه.

وفي هذه الحلقة (الخامسة) سنقف على جانب آخر من نصوص القانون المذكور، وذلك في جانب من الجزء المتعلق بالنساء العاملات لنثبت من خلاله مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته، وذلك فيما يلي:

أولاً: تنص المادة رقم (30) من قانون العمل الجديد «يصدر الوزير قراراً بتحديد الأعمال والمناسبات التي لا يجوز فيها تشغيل النساء ليلاً». هذه المادة تقابلها المادة رقم (59) من قانون العمل القديم لسنة 1976 التي تنص على أنه «لا يجوز تشغيل النساء ليلاً…. ويستثنى من ذلك دور العلاج والمنشآت الأخرى التي يصدر بشأن العمل بها قرار من وزير العمل».

وبمقارنة النصين نلحظ أن قانون العمل القديم اعتبر حظر تشغيل النساء ليلاً هو الأصل، وأن ما يقرره وزير العمل بجواز تشغيلهن ليلاً في حالات معينة هو الاستثناء، ذلك لأن المشرِّع كان قد نظر إلى النساء العاملات نظرة خاصة فمنع تشغيلهن ليلاً من حيث الأصل نظراً لتكوين المرأة الجسماني والصحي من جانب، ونظراً للتقاليد الموروثة في المجتمعات الإسلامية التي تتجه إلى وضع ضمانات لحماية المرأة خلقياً وتربوياً من جهة أخرى. بينما قانون العمل الجديد قلب الصورة رأساً على عقب فجعل جواز تشغيل النساء ليلاً هو الأصل، وما يقرّره وزير العمل بمنع تشغيلهن في حالات معينة هو الاستثناء. وهذا الانقلاب في الصور له تداعيات خطيرة على النساء العاملات لم يفطن إليه المشرّعون الجدد بالتأكيد. ومن تداعيات هذا الانقلاب:

سيكون من الآن وصاعداً لأصحاب الأعمال الحق في تشغيل النساء العاملات ليلاً في كل الأعمال وفي كل الأماكن دون استثناء إلى أن يصدر وزير العمل قراراً يستثني فيه الأعمال والأماكن التي لا يجوز فيها تشغيلهن ليلاً.

ولذلك نلتمس العذر من السيدات العاملات إنْ قلنا لهن عليكن الانتظار طويلاً إلى حين صدور هذا القرار.

إذا افترضنا جدلاً أن وزير العمل أصدر القرار المنتظر بشكل عاجل، والذي سيحدد فيه الأعمال والأماكن التي لا يجوز فيها تشغيل النساء ليلاً استثناءً من الأصل، غير أنه من المعروف أن الاستثناء هو من حيث الكم أقل من الأصل، بمعنى أن النساء سيجبرن على العمل ليلاً في كل الأعمال وفي كل الأماكن إلاَّ القليل فيما يستثنى منها.

وحيث ان الاستثناء لا يقبل القياس ولا التشبيه إنما هو محصورٌ فيما حُصر فقط، فإنه والحال ذلك يلزم حصر الأعمال والأماكن المستثناة التي لا يجوز تشغيل النساء فيها ليلاً وتحديدها تحديداً دقيقاً ومتكاملاً ووافياً.

وهذا التحديد الدقيق والمتكامل والوافي هو من الصعوبة بمكان إدراكه أو حصره، بل من الصعوبة التنبؤ بثباته واستقراره في ظل ظروفٍ ومناخٍ مهني وصناعي مُعقَّد ومتقلب غير ثابت. وبالتالي فإن القرار الوزاري المنتظر صدوره في شأن تحديد الأعمال أو الأماكن التي لا يجوز تشغيل النساء فيها ليلاً سيكون قاصراً عن احتواء هذه الأعمال وهذه الأماكن إلاّ في منظور زمني قريب، وإنْ احتواها فإنها ستظل بالطبع في حدود دائرةٍ ضيقة، وسيبقى الأصل (تشغيل النساء ليلاً) في الدائرة الأكبر والأوسع، بخلاف لو أن حظر تشغيل النساء ليلاً كان هو الأصل – على نحو ما كان عليه قانون العمل القديم – فإن الاستثناء بتشغيل النساء ليلاً سيبقى بالتأكيد في حدود دائرته الضيقة.

وعليه نخلص إلى أن قانون العمل الجديد حيث قلب الصورة على نحو ما تقدّم، فإن هذا الانقلاب سيرتد على النساء العاملات بضرر اجتماعي وجسدي لا تحمد عقباه.

ثانياً: جاء في المادة رقم (32) من قانون العمل الجديد لسنة 2012 على:

أ – «تحصل العاملة على إجازة وضع مدفوعة الأجر مدتها ستون يوماً، تشمل المدة التي تسبق الوضع والتي تليه…، ويجوز أن تحصل على إجازة بدون أجر بمناسبة الوضع مدتها خمسة عشر يوماً علاوة على الإجازة السابقة».

ب – يحظر تشغيل العاملة خلال الأيام الأربعين التالية للوضع…».

والمتأمل إلى النص السابق بفقرتيه يُقدِّر أن المشرِّعين الجدد غير محيطين بأبعاد القاعدة القانونية وشروطها، وهذه إحدى الميزات التي أشرنا إليها في بداية الحلقة.

فالقاعدة القانونية هي إمّا أن تكون قاعدة قانونية آمرة تتعلق بالنظام العام لا يجوز مخالفتها مطلقاً أياً تكن الأسباب وإنْ برضى العامل وصاحب العمل معاً. وإما أن تكون غير ذلك، أي لا تتعلق بالنظام ويجوز مخالفتها بالتراضي.

ومن المسلم به أنه عندما يضع القانون قاعدة قانونية لا تتعلق بالنظام العام بحيث يجوز مخالفتها بالتراضي فإن هذه القاعدة لن تكون بذات قوة القاعدة القانونية المتعلقة بالنظام العام التي لا يجوز مخالفتها، وبفقدانها هذه القوة سوف لن تحمي الطرف الضعيف كالعامل مثلاً، إذ قد يرضخ العامل أو يُجبر على قبول مخالفتها قسراً.

بعد هذه المقدمة نعود إلى النص السابق، فنلحظ في الفقرة (أ) أن القانون وضع قاعدةً قانونيةً منح بموجبها المرأة العاملة إجازة وضع مدتها ستون يوماً، وفي الفقرة (ب) حَظَرَ القانون تشغيل المرأة العاملة خلال الأربعين يوماً من تاريخ ولادتها.

وهذا يعني أن قاعدة «حظر تشغيل المرأة خلال الأربعين يوماً من تاريخ ولادتها» قاعدة قانونية آمرة لا يجوز مخالفتها وإنْ برضى صاحب العمل والعاملة. أما بعد الأربعين يوماً تنقلب هذه القاعدة إلى قاعدة قانونية لا تتعلق بالنظام العام فيجوز مخالفتها. وهنا تكمن الخطورة على العاملة، إذ قد يضغط عليها صاحب العمل بطلب العودة إلى العمل بعد مضي مدة أربعين يوماً من تاريخ ولادتها، أي قبل عشرين يوماً من انتهاء مدة الإجازة المقررة قانوناً، فترجع مرغمةً، وإن قبلت بذلك من حيث الظاهر لكي ترضي صاحب العمل خشية ألاّ يتخذ ضدها موقفاً سلبياً لاحقاً، طالما لا توجد أمامه قاعدة قانونية آمرة تتعلق بالنظام العام تردعه أو تمنعه من الضغط عليها.

ومن ثم نخلص إلى القول إن الفقرة (ب) من المادة رقم (32) من قانون العمل الجديد سابقة الذكر ليست موفقة، من حيث أنها قد تشكل ضرراً بالغاً على العاملة بخسارتها ثلث إجازة الولادة المقرّرة لها قانوناً للأسباب التي أشرنا إليها، وللأسف أن يكون سبب هذه الخسارة عائداً لحكم القانون.

وهذا يعني أن قانون العمل الجديد بعد أن منح المرأة العاملة إجازة ولادة تزيد عمّا منحها قانون العمل القديم عاد وأخذ منها هذه الزيادة بطريقة قانونية، كالذي يُعطي باليد اليمنى ويسترجع ما أعطاه باليد اليسرى، وهذا هو منتهى الإجحاف.

ولنا لقاء متواصل في حلقات قادمة متتابعة، وسنخصص الحلقة القادمة للوقوف على بقية النصوص الخاصة بالنساء العاملات لنكتشف من خلالها المزيد من الإجحاف والحيف الواقعين على العمال والعاملات من قبل قانون العمل الجديد واعوجاج نصوصه شكلاً وصياغةً وتنظيماً، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهد مملكة البحرين.

 


(6)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2012 كنا قد بدأنا الحلقات السابقة بالإشارة إلى وجوب أن تتوفر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات: معرفة القاعدة القانونية بأبعادها وشروطها، والخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون، ومعاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وقد وقفنا في الحلقات الماضية على بعض نصوص قانون العمل المذكور، وخصصنا الحلقة السابقة (الخامسة) في شأن النصوص المتعلقة بالنساء العاملات، ورأينا كيف كانت تلك النصوص في غير صالح النساء العاملات أيضاً، فأثبتنا من جديد أن المشرِّع قد أخذ موقفاً سلبياً نحو العمال والعاملات على حد سواء.

وفي هذه الحلقة سنقف على جانب آخر من نصوص القانون المتعلقة بالنساء العاملات أيضاً لنثبت من خلاله مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته، وذلك فيما يلي:

أولاً: تنص المادة رقم (34) من قانون العمل الجديد لسنة 2012 على أن «تستحق المرأة العاملة الحصول على إجازة بدون أجر وذلك لرعاية طفلها الذي لم يتجاوز ست سنوات بحد أقصى ستة أشهر في المرة الواحدة، ولثلاث مرات طوال مدة خدمتها».

والمتأمل إلى هذا النص يدرك دون أدنى جهد وعناء أنه يحمل عدة عيوب، منها عيب في الصياغة من حيث ركاكته وعدم انتظام مفرداته، وعيب الغموض وعدم الوضوح، وعيب القصور.

فعيب الصياغة لا يحتاج إلى إيضاح، وأما عن عيب الغموض وعدم الوضوح فمن ظاهره أنه يحمل أكثر من معنى، فعندما يذكر النص «بحد أقصى ستة أشهر في المرة الواحدة» فهل هو يقصد أن للمرأة العاملة أن تأخذ إجازة لمرة واحدة لرعاية «طفلها» بحيث لا تتجاوز هذه الإجازة ستة أشهر، أم أنه يقصد لعدة مرات على ألاّ تتجاوز مجموعها ستة أشهر. وفي هذا وذاك يظهر الغموض وعدم الوضوح في النص.

وأما من حيث قصور النص؛ فمن المتفق عليه أنه عندما يقرر المشرِّع نصاً (أو حكماً) كان يستحسن دائماً أن يؤسسه على سبب أو قصد يبني عليه حكمه، وهو ما يطلق عليه «الحِكمَةُ من الحُكم» بحيث إذا ما انتفت الحكمة ينتفي الحكم، وإلاّ يكون حكماً قاصراً ومعيباً، بيد أننا نلحظ أن النص السابق يفتقر إلى هذا الأساس لخلوه منه.

فحيث يقرر المشرّع طبقاً لما جاء في النص «ان للمرأة العاملة الحق في إجازة لرعاية طفلها» كان يفترض أن يؤسس حكمه على سبب يبرر الرعاية، كأن يشترط أن يكون الطفل بحاجة إلى رعاية بتقرير طبي، لا أن يترك ذلك إلى تقدير العاملة (أم الطفل)، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار طول هذه الإجازة (ستة أشهر) التي إنْ استعملتها العاملة بحسب تقديرها وبدون سبب، أو إذا ما تواجدت أكثر من حالة مماثلة في آن واحد لدى صاحب العمل الواحد فإن ذلك بالتأكيد سيؤثر على سير العمل وسيربك صاحب العمل، ما يؤدي بالنتيجة إلى الإضرار به. علاوةً على ذلك فإن المشرع عندما يمنح المرأة العاملة الإجازة المذكورة لثلاث مرات كحد أقصى بحسب ما جاء في النص، أي لثلاثة أطفال متتالين فقط، فهنا يثور أمامنا سؤال هو: ما هي الحكمة من أن تمنح العاملة حق رعاية ثلاثة أطفال من أبنائها بالتتابع وتُحجب الرعاية عن الأطفال اللاحقين، فلربما يكون الطفل الرابع أو ما سيأتي بعده أولى بالرعاية.

وعليه نخلص إلى القول؛ ان النص السابق نص معيب بعيوب مزدوجة، الأمر الذي يؤكد من جديد أن القائمين على صياغته وتقريره يفتقرون إلى المميزات التي بدأنا بها الكلام في هذه الحلقة.

ثانياً: نصت المادة رقم (35) من القانون الجديد لسنة 2012 على أن «يكون للمرأة العاملة بعد الانتهاء من إجازة الوضع وحتى أن يبلغ طفلها ستة أشهر من العمر فترتا رعاية لرضاعة طفلها على ألاّ تقل مدة كل منهما عن ساعة واحدة، كما يحق لها فترتا رعاية مدة كل منهما نصف ساعة حتى يبلغ طفلها عامه الأول…». وهذه المادة تقابلها المادة رقم (62) من قانون العمل المعدلة بالقانون رقم (14) لسنة 1993 ونصها «في خلال السنتين التاليتين لتاريخ الوضع يحق للعاملة عند عودتها لمزاولة عملها بعد إجازة الوضع أن تأخذ بقصد إرضاع مولودها الجديد فترة للاستراحة أو فترتين لا تزيد مجموعها على الساعة الواحدة في اليوم الواحد…».

وبمقارنة النصين نجد أن قانون العمل الجديد أنقص مدة الرضاعة بأن جعلها سنة واحدة بدلاً من سنتين على نحو ما كانت عليه في قانون العمل المُعدَّل بالمرسوم بقانون رقم (14) لسنة 1993، وهو ما يعد تراجعاً إلى الخلف، دون أن يُفصح المشرّع عن أسباب هذا التراجع. إنما كل ما ندركه هو أن هذا التراجع فيه انتقاص لحق كان مقرراً للمرأة العاملة بحكم القانون القديم، وبحكم الشريعة الإسلامية بقوله سبحانه وتعالي «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة» (البقرة، 233).

ثالثاً: إذا كنا قد رأينا في الحلقة السابقة أن قانون العمل الجديد لم يكن منصفاً مع المرأة العاملة بأن جعل جواز تشغيلها ليلاً هو الأصل بخلاف ما كان عليه قانون العمل القديم، وأنه اعتبر تشغيلها بعد أربعين يوماً من تاريخ ولادتها (أي قبل عشرين يوماً من انتهاء إجازة الوضع المقررة لها قانوناً) أمراً جائزاً ضمن قاعدة غير متعلقة بالنظام العام، إلاَّ أنه من جانب آخر نراه قد أغدق عليها في العطاء، ويتمثل هذا العطاء فيما يلي:

(1) زيادة إجازة الوضع إلى مدة ستين يوماً مدفوعة الأجر، بدلاً من خمسة وأربعين يوماً طبقاً لنص المادة رقم (32).

(2) منحها إجازة خاصة لرعاية طفلها الذي لم يتجاوز ست سنوات بحد أقصى ستة أشهر ولثلاث مرات طوال مدة خدمتها طبقاً لنص المادة رقم (34).

(3) منحها إجازة شهر مدفوعة الأجر إذا توفي زوجها، وإجازة مدتها ثلاثة أشهر وعشرة أيام أخرى متصلة إكمالاً للعدة، طبقاً لنص الفقرة «ج» من المادة رقم (63).

فهذه الإجازات الثلاث هي في مجموعها تفوق السنة الواحدة، ولذلك يجوز لنا أن نسمي هذا العطاء عطاءً مغدقاً.

ولكن لو نظر إلى هذا العطاء المغدق نظرة ثاقبة ومتأملة سنجد أن له تداعيات سلبية على النساء أنفسهن قد نلمس تأثيراتها في المستقبل القريب، وهذه التداعيات – بحسب رؤيتنا – تتمثل على وجه التأكيد في عزوف أصحاب الأعمال عن توظيفهن، أو أنهم سيعملون جل جهدهم للتخلص من العاملات اللاتي لديهم بالقدر الممكن طالما رأوا أن توظيفهن بات مرهقاً عليهم للكلفة المادية الباهظة بسبب تعدد الإجازات الممنوحة لهن، فضلاً عن أنه سيؤثر حتماً على سير العمل وسيؤدي إلى اضطرابه.

ولهذا نخشى أن يكون هذا العطاء المغدق، الذي قلنا عنه في بداية الحلقة الأولى انه بمثابة نقاط بيضاء وحيدة في قانون العمل الجديد، قد يعود بالضرر على النساء العاملات وخسارتهن بدلاً من نفعه. وسنظل بالتالي ننظر إلى هذا القانون على أنه قانون غير متوازن، وأنه القانون الأسوأ مقارنةً بما سبقه.

ولنا لقاءات أخرى في الحلقات القادمة لنكتشف من خلالها المزيد من الإجحاف أو عدم الإنصاف الواقع على العمال من جانب قانون العمل الجديد، فضلاً عن اعوجاج نصوص هذا القانون شكلاً وتنظيماً وصياغةً، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهده مملكة البحرين.

 


(7)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) للعام 2012 وقفنا في الحلقات الماضية على بعض نصوصه، ورأينا كيف أنها مجحفة وغير منصفة بحق العمال قاطبة.

وفي هذه الحلقة؛ سنقف على نصوص أخرى من القانون في الجانب المتعلق بالأجور وحساب حقوق العامل؛ لنثبت من خلالها مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته، وذلك فيما يأتي:

أولاً – جاء في نص المادة رقم (45) من القانون المذكور ما يأتي: «لا يجوز الحجز على الأجر المستحق للعامل أو النزول عن أي جزء منه، أو أن يستقطع منه وفاء لدين إلاّ في حدود 25 في المئة من هذا الأجر، ويجوز رفع هذه النسبة إلى 50 في المئة في حالة دين النفقة».

«وعند تزاحم الدين يقدم دين النفقة، ثم ما يكون مطلوباً لصاحب العمل بسبب ما أتلفه العامل من أدوات أو مهمات، أو ما صُرف إليه بغير وجه حق، أو ما وقع عليه من جزاءات مالية».

من النص السابق نستنتج أن قانون العمل الجديد أجاز حجز أو اقتطاع نسبة 50 في المئة من أجر العامل، بخلاف ما كان عليه قانون العمل القديم الذي منع بمقتضى المادة رقم (75) حجز أكثر من 25 في المئة من أجره، وكذلك قانون الخدمة المدنية الذي لم يجز بمقتضى المادة (77) تجاوز مقدار المحجوز عليه شهريّاً ربع المبالغ المستحقة للموظف. ما يعني ذلك أن قانون العمل الجديد زاد نسبة الحجز أو الاقتطاع بضعف ما نصّ عليه كل من قانون العمل القديم وقانون الخدمة المدنية، وهذه نسبة جد كبيرة وغير منطقية لم يقرّرها أي تشريع شرقي أو غربي، وكأن الذي شرَّع هذا القانون غير وارد في ذهنه مراعاة العمال الذين يمثلون الجانب الأكبر في المجتمع والذين يعتمدون في معيشتهم على ما يحصلون عليه من أجر. بل ربما لم يُدرك هذا المشرِّع أن وظيفة قانون العمل الأساسية هي حماية العمال، سواءً من حيث تحسين معيشتهم أو تحريم ما يؤدي إلى فرض أعباءٍ أو التزاماتٍ تؤثّر على حياتهم المعيشية. هذا في الوقت الذي تتفق فيه المواثيق الدولية المتصلة بالعمل على وجوب أن يكون العمال محلَّ تقدير الدولة والمجتمع.

ويزيدنا قناعةً بأن من شَرَّع هذا القانون لم يعر اهتمامه إلاّ لأرباب العمل عندما نجده يهتم بالديون المستحقة على العامل لصالح صاحب العمل دون غيرها، بدليل أنه في موضوع الحجز والاقتطاع محل البحث نظر فقط إلى «ما هو مطلوب لصاحب العمل بسبب ما أتلفه العامل من أدوات أو مهمات، أو ما صُرف إليه بغير وجه حق، أو ما وقع عليه من جزاءات مالية»، بحسب ما جاء في الفقرة الثانية من المادة سابقة الذكر، ونسي أن هناك ديوناً أخرى قد تترتب على العامل تستوجب الالتفات إليها ووضعها ضمن قائمة ديونه لتدخل ضمن باقي الديون في حدود نسبة الاقتطاع المقررة قانوناً على غرار ما نص قانون العمل للعام 1976 في المادة رقم (75) حيث تنص: «وعند التزاحم يبدأ بخصم دين النفقة في حدود الثمن والباقي للديون الأخرى، وهكذا بالمثل في قانون الخدمة المدنية في المادة رقم (77).

ثانياً – تنص المادة رقم (47) من قانون العمل الجديد للعام 2012 «تحسب حقوق العامل على أساس الأجر الأساسي الأخير للعامل مضافاً إليه العلاوة الاجتماعية إن وجدت».

«فإذا كان العامل ممن يعملون بالقطعة أو الإنتاج أو يتقاضى أجراً ثابتاً مضافاً إليه عمولة أو نسبة مئوية اعتد في حساب الحقوق بمتوسط أجر العامل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة».

هذه المادة تقابلها المادة رقم (67) من قانون العمل القديم للعام 1976 التي جاء فيها «يُراعى في حساب حقوق العمال الأجر الأساسي الأخير للعامل مضافاً إليه علاوة غلاء المعيشة وعلاوة أعباء العائلة وذلك في المنشآت التي تضع لعمالها جدولاً للأجور يمنحون بمقتضاه علاوةً دوريةً، وفي غير هذه الحالات يتخذ مجموع الأجر الأخير الذي يُصرف للعامل بصفةٍ دوريةٍ ومنتظمةٍ أساساً لحساب الحقوق».

«فإذا كان العمال يتقاضون أجورهم بالقطعة أو بالإنتاج يكون التقدير على أساس متوسط ما تناوله العامل من أيام العمل الفعلية في الثلاثة شهور الأخيرة».

وبمقارنة النصين نلحظ ما يأتي:

أن قانون العمل الجديد اعتد في حساب حقوق العمال على أساس الأجر الأساسي مضافاً إليه العلاوة الاجتماعية فقط، بخلاف ما كان عليه قانون العمل القديم الذي نص بموجب المادة رقم (67) سابقة الذكر على اعتبار مجموع ما يتقاضاه العامل بصفة دورية ومنتظمة أساساً لحساب حقوقه.

فلو افترضنا أن عاملاً يعمل في مؤسسةٍ لا تضع لعمالها جدولاً يمنحون بمقتضاه علاوة دورية، وأن أجره الأساسي 500 دينار مضافاً إليه علاوة اجتماعية مقدارها 50 ديناراً، وعلاوة سكن مقدارها 100 دينار، وعلاوة تأمين صحي ثابتة مقدارها 200 دينار، وأردنا أن نحسب مستحقه عن بدل الإجازة السنوية مثلاً (المقرّرة قانونيّاً بأجر شهر واحد) فإنه بمقتضى قانون العمل الجديد سيحصل على بدل نقدي مقداره 550 ديناراً (الذي يمثل أجره الأساسي مضافاً إليه العلاوة الاجتماعية فقط)، بينما لو طبقنا بشأنه قانون العمل القديم؛ فإنه سيحصل على بدل نقدي مقداره 850 ديناراً (الذي يمثل أجره الأساسي مضافاً إليه جميع العلاوات المشار إليها)، أي بفارقٍ أقل بـ 300 دينار.

وبهذه النتيجة نخرج بمحصلةٍ أن قانون العمل الجديد أسوأ من سابقه بالنسبة إلى العمال.

بالعودة من جديد إلى نص الفقرة الثانية من المادة رقم (47) من قانون العمل الجديد للعام 2012 وإلى نص الفقرة الثانية من المادة رقم (67) من قانون العمل القديم للعام 1976 سابقتي الذكر بشأن احتساب متوسط أجور العمال الذين يعملون بالقطعة أو بالإنتاج أو يتقاضون أجوراً ثابتةً مضافاً إليها عمولة أو نسبة مئوية. وبمقارنة هذين النصين نلحظ أن قانون العمل الجديد احتسب متوسط أجر هؤلاء العمال على أساس ما يتناوله العامل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، بينما قانون العمل القديم احتسب متوسط أجورهم على أساس ما يتناوله العامل خلال الأيام الفعلية في الثلاثة شهور الأخيرة. وهذا الفارق البسيط بينهما يراه البعض أمراً هيّناً بينما هو فارق كبير يصيب العامل بالضرر. ولإيضاح ذلك نسوق المثال الآتي:

عامل يعمل بالعمولة بنسبة معينة من مجموع مبيعاته، وبلغ مجموع ما يستحقه من عمولة عن الشهور الثلاثة الأخيرة 1200 دينار، وكان قد عمل عملاً فعليّاً خلال هذه الشهور مدة ثمانين يوماً فقط (بعد خصم أيام الجمع والعطل الرسمية المقرّرة قانوناً).

فإنه عندما نحسب متوسط أجره اليومي طبقاً لقانون العمل القديم نقسم ما حصل عليه خلال الثلاثة شهور الأخيرة على عدد أيام العمل الفعلية فقط (وهي 80 يوماً) طبقاً لما جاء في النص السابق، لأن هذا العامل لا يعمل على أساس الوحدة الزمنية إنما يعمل على أساس الوحدة الإنتاجية، فيكون بذلك متوسط أجره اليومي هو (1200 دينار ÷ 80 يوماً = 15 ديناراً) وهذا هو عين العدالة والحق، طالما أن الأيام التي لم يعمل فيها خلال الشهور الثلاثة هي في إطار الإجازات والعطل الرسمية.

في حين لو أننا طبقنا قانون العمل الجديد لاحتساب متوسط أجره اليومي لاستوجب أولاً استخراج متوسط أجره الشهري فيكون (1200 دينار ÷ 3 شهور = 400 دينار) فيصبح بالتالي متوسط أجره اليومي هو 400 ÷ 30 = 13.333 ديناراً.

وبناء عليه يكون متوسط أجره اليومي طبقاً لقانون العمل القديم 15 ديناراً، ومتوسط أجره اليومي طبقاً لقانون العمل الجديد 13.333 ديناراً.

وهذا الفارق الكبير بين الحسابين يعد خسارةً تصيب العامل دون وجه حق بسبب التشريع الخاطئ.

ولنا لقاءات أخرى في الحلقات المقبلة لنكتشف من خلالها المزيد من الإجحاف وعدم الإنصاف الواقعين على العمال من جانب قانون العمل الجديد، فضلاً عن اعوجاج نصوص هذا القانون شكلاً وتنظيماً وصياغةً، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهده البحرين.

اقرأ المزيد

مجيد مرهون… سيرة وطن – سوسن دهنيم

بغرفةٍ ضيقةٍ – بعكس قلبه – في مركز مصادر التعلم بالمنامة التقيت به، الرجل الأسمر الذي عرفته موسيقياً قبل أن أعرفه إنساناً. كان على درجة من الطيبة والبشاشة تجعل من يقف أمامه مذهولاً من تواضع قامة تشبهه وتشبه سيرته التي حملتها معي وأنا في الطريق إليه، وفي أذني أغنية «طريقنا» التي كتبها الشاعر أحمد الشملان وصارت نشيداً لجبهة التحرير.

بأسئلةٍ محمّلةٍ بشيءٍ من الخلفية الموسيقية التي تعلمتها من زوجي يرحمه الله، وبشيء من ذاكرةٍ مزدانةٍ بألحان موكب العزاء في العاصمة المنامة، وسؤالين حول السياسة التي كنت أكره كما لا أكره شيئاً آنذاك، بكل هذه الأفكار قرّرت أن ألتقي هذه القامة التي أردتها أن تكون شخصيةً رئيسيةً في ملف «التطوير الفني في مواكب العزاء»، ضمن الملحق الأول والوحيد الذي أصدرته الصحيفة التي كنت أعمل بها حول ذكرى عاشوراء، والذي أوكل لي رئيس تحريرها مهمة الإشراف عليه.

مجيد مرهون، المواطن الذي اختزل عذابات وطن، وسيرة وطن، ونضال وطن، ومظلومية وطن، هكذا أحببت أن أصفه حين لم أجد له أقل من هذا وصفاً يستحقه ولكنني وجدت له ما هو أكثر وأعمق.

العازف الذي عرف الفن منذ نعومة أظفاره وهو يرضعه من والديه الذين كانا شغوفين بالفنون الشعبية، الطفل الذي كان يقتطع من مصروفه الشخصي مالاًً ليدّخره لشراء آلة موسيقية تكون له زاداً من جمال في ليالي الوحشة، كان يعبّر عن هذه الفترة بكثيرٍ من الحب، كثيرٍ من الألم، كثيرٍ من الفخر، وهو يقول: «عشت مع عائلةٍ فقيرةٍ جداً في حيّ فقيرٍ جداً، لكنني كنت غنياً بالأمل والموسيقى، غنياً بالمحبة التي لقيتها من والدتي ومن هم حولي».

وبالفعل كان مرهون من أغنى رجالات الوطن في هذا الجانب: جانب المحبة والأمل، حتى يجعل من يتعرف عليه يعيش حالةًً من الانغماس في طاقةٍ جارفةٍ من هذا الموروث الجميل الممزوج بمشاعر وأحاسيس قلّما يعيشها أحدٌ مجتمعةً.

كان مبتسماً مزوحاً طوال حديثه، لكن الحديث عن السياسة جعلته يشرد قليلاً قبل أن يعود لمزاحه، وقال بابتسامة لم تفارقه إلا قليلاً: «عشت 22 عاماً في المعتقل لم أندم عليها أبداً، وكانت بسبب تفجير ضابط مخابرات ومعاونه، لم أندم لأنه كان يستحق ذلك، ولم أندم لأنني قضيتها في زرع الأمل والفرح داخل المعتقل عن طريق الموسيقى التي ألّفتها هناك والموسيقى التي درستها ودرّستها هناك». ثم تحدث عن تجربة كتابة موسيقى ضخمة أوركسترا طالما حلم أن تنفذ على رغم أنها تتطلب أوركسترا كاملة ربما هي ليست موجودة لدينا على حد تعبيره.

مجيد مرهون الذي رحل قبل ثلاثة أعوام، في الثالث والعشرين من فبراير، «مانديلا البحرين» كما يحلو للبعض تسميته، الرجل الذي قضى شبابه في المعتقل فخرج منه موسيقياً عظيماً علّم الكثير من السجناء الموسيقى، وكوّن فرقةً موسيقيةً شاركت في الكثير من الاحتفالات، ليخرج من المعتقل حاملاً معه إرث وطن سياسي وموسيقي وإنساني، كوّن مقطوعة موسيقية إنسانية تدعى «مجيد مرهون». رحمه الله في ذكرى وفاته وفي كل يوم.

سوسن دهنيم
صحيفة الوسط البحرينية 
اقرأ المزيد

الحزبُ الديني ورأسُ المالِ الوطني


تتفجر كلماتُ المعلقين حول أحداث الربيع العربي فيطالبون بالعودة الى الأنظمة السابقة ويصفون ما يجري بأنه فوضى كاملة.
 
ولا تتضحُ التحولات التي تجري حتى داخل الجماعات السياسية المؤثرة في الربيع العربي، فالوعي الإيديولوجي مسيطر، وخاصة بين المجموعات السياسية الثلاث: الدينية واليسارية والليبرالية.
 
مقولة الرأسمالية الحرة ونظامها مكروهان، فالعالم منقسم بحدة بين رأسمالية غربية حرة شائخة استغلت الدول النامية طويلا، ورأسمالية دولة شرقية تتحول إلى رأسمالية مفتوحة على شتى الاحتمالات في دول الربيع العربي، فتتطور في زمنيةِ أزمة التشكيلة الرأسمالية العالمية.
 
الدينيون يريدون رأسمالية مفصلة بحسب الثوب الديني التقليدي، فتُمنعُ الخمورُ والسياحةُ تُحجم، والثقافة الحرة في اللباس والفنون والآداب والعلاقات بين النساء والرجال تتحدد بدورِ الإفتاء ولجان المراقبة القوية وحتى العلاقات المصرفية يتم التدخل فيها.
 
يريدون رأسماليةً مفصلة أخلاقية مُسيطر عليها من قبل أجهزة الدولة، وهذا يؤدي إلى دكتاتورية أمنية وعسكرية.
وهذه العملية المهيمنة على المجتمع وتحكم الحكومة في الاقتصاد والإعلام والعلاقات الاجتماعية ليست سوى استمرار لرأسمالية الدولة السابقة مع طاقم ديني، فيحدث توجيه الفائض الاقتصادي للحزب الحاكم وجماعته عبر السيطرة على مفاصل الحكم والرأي العام.
 
لكنهم يرثون رأسمالية دولة مستهلكة رثة، لن ينفع فيها جلب الرساميل من الأصدقاء لكون شبكة الفساد سوف تبتلعها.
لو أن الحزب الديني نسف نفسه وأعتبر أن المجتمع والشعب والاقتصاد حر له قوانين مستقلة مرتبطة بتشكيلة اقتصادية عالمية تاريخية تتمظهر في كل منطقة بحسب تطورها فلا تستطيع القومية والدين وكل جبروت الأرض أن يوقفها، وانها ظاهرة موضوعية، لكن الحزبَ الديني يعتبرُ نفسَه صوتَ الإلهِ المجسد في بيان، وعليه أن يتتبعَ ما نص عليه البيانُ من أوامر وأن تلك الأوامر خالدة، ولا ترتبط بوضع الإنسان في مكان أو زمان.
 
فهمُ البيانِ الديني في الحزب الديني لا تاريخي، فقد جرى في زمنِ مجتمعٍ إقطاعي، لم يُخترق بعد بالعلاقات الرأسمالية، الحرة، وتجري المقاربة مع هذه العلاقات بشكل متذبذب، وتجريبي، ومنفعي، ويتم تقطيع أجزاء منها لا تناسب الحزب الإقطاعي هذا، فعلى الرأسمالية الحرة الحديثة أن تدخل زجاجةَ التنظيم لا أن يفهم التنظيم الظرف الموضوعي. وهذا جرى لعقود سابقة بالتركيز على الأشكال الخارجية للمجتمع والبشر: عبر اللباس الصارم، وديكور الوجه الخاص، وتحديد لباس النساء، والتركيز على العبادات السهلة التنفيذ، وتغييبُ الفكر والفلسفة، ثم الدخول الأكبر لتحجيم العلاقات البشرية، عبر الفصل وبتر الثقافة الحديثة وما فيها من حرية، وخلق هذه القلعة الاجتماعية العسكرية وكما تضربُ أقساماً من المسلمين فهي تتشكلُ في مواجهات قلاع أخرى: قلاع مسيحية ويهودية واشتراكية وليبرالية.
 
ولا تجد هذه القلعة نفسها التي تحدد كيفية نمو المال سوى خلق بطانة مستفيدة فيها متضررة خارجها فتحاربُ دفاعاً عن مصالحها.
 
رأس المال الوطني الذي هو ملك للشعب، ويتنامى عبر السوق الحرة، وهو القانون الأقوى من الجاذبية الأرضية، أما سيطرة الدولة فهي عبر الانتخاب وتحديد أي الطبقات المنتجة القادرة على قيادة السوق بين فترتين، وأي تلاعب في ذلك من قبل الدولة والمعارضة الدينيتين يدفع التطور الاقتصادي السياسي الأثمان الباهظة عنه بعد ذلك، لكن نمط إنتاج رأسمالية الدولة الشمولية المتخلف يعود الى الوجود بسبب سيطرة الدولة، التي دامت سيطرتها عليه عقوداً، والحزب الديني يقوم بوكالة جديدة لإدارته. فيبدل الجداول التي يمشي فيها هذه النهر المالي، وبدلاً من يلف على الحزب الوطني يلف على الإخوان، وهذه تذكرنا بكلمة الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز عن الجداول المنحرفة عن النهر. إن الدستور والقوانين وكلها تلهج بأهمية الدولة الإسلامية تحفرُ بقوة قنوات السيطرة بالإعلام والبيروقراطية والأمن.
 
إن الخطط الاقتصادية لإيجاد مؤسسات جديدة ومجيء فائض نقدي كبير سوف تحدث في المستقبل البعيد، ولهذا فإن الرأسمالية البيروقراطية الدينية تعمل الآن على تنفيع نفسها وأتباعها، وهو ما جرى سابقاً وكرس الهدر، وهنا لا يحدث تراكم للرأس المال الوطني ومراقبته وتوزيعه بحسب تطور الانتاج بل بحسب هيمنة الاستنفاع التي تأكل رأس المال المنتج، فتغيبُ خططُ الانتاجِ الموضوعية، التي لا تكرس الحداثة والحرية والتصنيع الشعبي لكل السكان، وتتجه بالبلد الى الرأسمالية الحرة الغربية العدوة، مركز الفساد الأرضي!
 
لقد سلسلَّ الحزبُ الديني نفسه بنص تكرس في شعارات خالدة، تمثل استراتيجية أنظمة وبُنى تاريخية.
 
النص الوهمي على طريقة الاشتراكية العربية وليد وعي تقليدي ذكوري محافظ على الناس والنساء والمال العام، يتجنبُ الرأسماليةَ الحرة لينتج رأسمالية الدولة الفاسدة، المؤدلجة بحسب المستولين عليها.
 
هذه كلها تصورات العرب، وأنظمتهم بعضهم لديه وفرة مالية إلى حين وبعضهم بلا وفرة مالية، والكل في عالم التجريب في العصور الوسطى.
 
لكن على العكس فإن المفاسد تزيد على المستويين المادي الحكومي وعلى المستوى الروحي الشعبي، يعضد ذلك إعلام وثقافة وعلاقات متخلفة.


 
اخبار الخليج – ٢٤ فبراير ٢٠١٣
 
 

اقرأ المزيد

ذكرى مجيد مرهون


مرت أمس الذكرى الثالثة لرحيل عازف السكسفون الحزين، ومانديلا البحرين، وأشهر سجين سياسي في تاريخ هذا الوطن، لكن صفحته في الحياة لم تطو ولن تُطوى أبداً. سيظل مجيد مرهون كما كان فلذة من قلب هذا الوطن، إن أجيال الغد، كما أجيال اليوم، ستظل تستمع بفخر وإعجاب إلى أعماله السيمفونية الرائعة، التي طافت باسم البحرين في فضاءات العالم.



رجل نادر جمع بين الإبداع والنضال، فيه سيذكر البحرينيون وجهاً مضيئاً من وجوه نضالهم ضد الاستعمار البريطاني وآلته القمعية التي نكلت بالمناضلين من أجل الاستقلال الوطني والحرية والتقدم الاجتماعي، وبإقدام المناضل وجسارته حمل على عاتقيه اثنين وعشرين عاماًً من السجن، الذي لم يفلح في ثني إرادته، مع أن السجان جعله مكبلاً بالأصفاد في رجليه لعدة سنوات، ومن هذه المعاناة استوحى بعض مقطوعاته الموسيقية التي كنا نسمع فيها صليل الحديد وهو يجره في رجليه.


روى مجيد حكاية طفولته في حي العدامة بالحورة الذي ولد فيه، حي البسطاء المعدمين والكادحين المهمشين الذين كانوا يعيشون أسوأ أنواع شظف العيش، ويركضون لاهثين وراء لقمة العيش وكسـرة الخبز، وخوفاً من الأمراض التي تحصد فيهم حصدا.


في هذا الحي المبني من بيوت السعف والأزقة الضيقة، ولد مجيد مرهون في عز ظهيرة يوم قائض شديد الحرارة، كان ذلك بتاريخ 17 أغسطس عام 1945. يقول مجيد إن ذلك حدث بعد أسبوع واحد فقط من قيام القوات الأمريكية بإلقاء القنبلة الذرية الثانية على اليابان. وكانت الحرارة في ذلك اليوم على أشد ما يمكن تصوره، بسبب انتشار الغبار الذري في الغلاف الجوي حول العالم.


الفتى المنذور للإبداع، سيصبح منذورًا للنضال أيضا، في ذلك الزمن الجميل الذي كان المبدعون لا يجدون أنفسهم إلا في الانحياز لقضية شعبهم، وللنهج الثوري التقدمي المعبر عن التوق للحرية. أحد الشباب الذين كانوا يدرسون معه في مركز التدريب المهني في بابكو لكنه يسبقه بفصل واحد، وهو حسن علي محمد المحرقي، سيأخذ بيديه الى الفكر التقدمي، وبعد حين لم يطل بات مجيد على يقين من أن الميول والتوجهات الاشتراكية أقرب إلى قلبه وعقله.


حينها سئل إن كان يرغب في الانضمام لجبهة التحرير الوطني المناضلة من أجل حقوق الطبقة العاملة والطبقات الفقيرة ولأجل الديموقراطية. يقول مجيد: «بدون تردد أعلنت رغبتي ولهفتي للانخراط فيها». ودفع ضريبة هذا الخيار حتى النهاية.


ان معاناة هذا الإنسان الصلب كالفولاذ والرقيق كوردة أو فراشة، العظيم في إبداعه ونبوغه الموسيقي والوديع في شخصه كطفل مسكون بالبراءة هي التعبير الأكثر بلاغة ودراماتيكية عن الثمن الباهظ الذي دفعه جيله من تضحيات، ابتدأت في عهد الحماية البريطانية واستمرت بعد انتهائها. وقد حوّل مجيد سنوات سجنه الطويلة إلى ورشة إبداع تثير الذهول، فخلف لنا مئات المقطوعات الموسيقية التي ما زال الجزء الأكبر منها لم يعزف بعد، كما انكب على وضع عمله الموسوعي الضخم:» القاموس الموسيقي» الذي أصدر مركز الشيخ إبراهيم الخليفة جزئه الأول، على أن تصدر بقية الأجزاء تباعاً. 


 

اقرأ المزيد

مجيد مرهون‮: ‬فلذة من تاريخنا

(1)

في‮ ‬مساء الثالث والعشرين من أغسطس ‮٣٠٠٢ ‬نظم المنبر التقدمي‮ ‬ندوة حاشدة قدم فيها المناضل والفنان مجيد مرهون صفحات من سيرته الذاتية التي‮ ‬هي‮ ‬نسيج من النضال والإبداع،‮ ‬وأدار هذه الندوة الفنان الوطني‮ ‬الملتزم سلمان زيمان مؤسس فرقة‮ »‬أجراس‮«.‬ حضر هذه الندوة رفاق مجيد ومحبوه،‮ ‬وحشد من الشبيبة التي‮ ‬تجد في‮ ‬سيرة هذا المناضل المقدام قدوة لها في‮ ‬الممارسة النضالية وفي‮ ‬العطاء الإبداعي‮.‬ روى مجيد في‮ ‬تلك الأمسية حكاية طفولته في‮ ‬حي‮ ‬العدامة بالحورة الذي‮ ‬ولد فيه،‮ ‬حي‮ ‬البسطاء المعدمين والكادحين المهمشين الذين كانوا‮ ‬يعيشون أسوأ أنواع شظف العيش،‮ ‬ويركضون لاهثين وراء لقمة العيش وكسـرة الخبز،‮ ‬وخوفا من الأمراض التي‮ ‬تحصد فيهم حصدا،‮ ‬وكانت فيضانات البحر تجعلهم‮ ‬يعايشون المستنقع الذي‮ ‬تعشش فيه مجاميع البعوض،‮ ‬ظاهرة آثارها على أجسادهم السقيمة،‮ ‬والتي‮ ‬تعاني‮ ‬من الجدري‮ ‬والتيفوئيد والسل،‮ ‬وغيرها من الأمراض‮.‬ في‮ ‬هذا الحي‮ ‬المبني‮ ‬من بيوت السعف والأزقة الضيقة،‮ ‬ولد مجيد مرهون في‮ ‬عز ظهيرة‮ ‬يوم قائض شديد الحرارة،‮ ‬كان ذلك بتاريخ ‮٧١ ‬أغسطس عام ‮٥٤٩١.‬ يقول مجيد إن ذلك حدث بعد أسبوع واحد فقط من قيام القوات الأمريكية بإلقاء القنبلة الذرية الثانية على اليابان‮. ‬وكانت الحرارة في‮ ‬ذلك اليوم على أشد ما‮ ‬يمكن تصوره،‮ ‬بسبب انتشار الغبار الذري‮ ‬في‮ ‬الغلاف الجوي‮ ‬حول العالم‮.‬ عاش مجيد طفولة مريرة ترد تفاصيلها في‮ ‬سيرته التي‮ ‬سننشرها قريبا،‮ ‬ولكنه واجه مرارة الحياة والفقر بالتفوق في‮ ‬دراسته سواء لدى المطوعة التي‮ ‬حفظ على‮ ‬يديها القرآن الكريم،‮ ‬أو بعد إدخاله إلى مدرسة الروضة الحكومية في‮ ‬المنامة والواقعة قبالة مديرية المعارف‮.‬ يقول مجيد‮ : »‬كنت من أفضل التلاميذ في‮ ‬الدراسة بالرغم من شظف العيش،‮ ‬حيث كنا ننام أحيانا ببطون خاوية‮ ‬يعتصرنا الجوع،‮ ‬وما كان لنا سوى الصبر والحرمان،‮ ‬وكانت النتيجة أنني‮ ‬كنت من الأوائل،‮ ‬وتم نقلي‮ ‬إلى مدرسة القضيبية الابتدائية قبل أن‮ ‬يكتمل بناؤها عام ‮٣٥٩١‬،‮ ‬وفي‮ ‬تلك المدرسة لاحظت الفارق الاجتماعي‮ ‬بين الطبقات،‮ ‬فأبناء الأسر الميسرة تعيش النعيم والدلال،‮ ‬بينما أبناء الأسر الفقيرة تعيش الحرمان والعوز،‮ ‬وكنت أنزوي‮ ‬محاولا تفسير السبب،‮ ‬ولكن دون طائل،‮ ‬لأن الموضوع وهمومه أكبر مما‮ ‬يحتمله عقلي‮. ‬وكان حلمي‮ ‬هو‮: ‬متى أكمل دراستي‮ ‬لكي‮ ‬أعمل وأعيش مع أهلي‮ ‬العيش الكريم،‮ ‬وبالرغم من أنني‮ ‬أعرف بأنه حق طبيعي،‮ ‬إلا أنه حلم بعيد المنال‮«.‬ في‮ ‬العام الدراسي‮ ٥٥٩١ – ٦٥٩١ ‬طلب منه مدرس التربية الفنية والرياضية،‮ ‬الأستاذ سلمان ماجد الدلال أن‮ ‬يقوم بتلحين كلمات أغنية مونولوج للأطفال في‮ ‬مسرحية ضمن النشاطات السنوية للمدرسة‮. ‬ كان ذلك أول لحن‮ ‬يقوم بتأليفه في‮ ‬حياته،‮ ‬ويتكون من تسلسل سلم نغمي‮ ‬صاعد ونازل مع بعض التغييرات النغمية والإيقاعية‮. ‬لم‮ ‬يكن عمر مجيد‮ ‬يتجاوز العاشرة حين ألف المنولوج الذي‮ ‬كان بعنوان‮: (‬وياكم‮ ‬يا ناس تحيرنا‮)‬،‮ ‬وتم تسجيله‮ ‬يومها في‮ ‬إذاعة البحرين‮. ‬

(2)

كان مجيد مرهون لما‮ ‬يزل تلميذا في‮ ‬المدرسة الابتدائية،‮ ‬حين كان قبل أن‮ ‬يخلد إلى النوم في‮ ‬كل ليلة‮ ‬يستمع إلى راديو الظهران من مذياع قديم في‮ ‬بيتهم‮ ‬يعمل على البطارية الناشفة،‮ ‬وكانت تلك الإذاعة تقدم الموسيقى طوال الليل والنهار‮.‬ سيصبح الفتى الذي‮ ‬ولد موهوباً،‮ ‬مدمناً‮ ‬على الاستماع إلى الموسيقى السيمفونية،‮ ‬والتي‮ ‬كانت ثرية في‮ ‬هارمونياتها المتنوعة،‮ ‬رغم انه في‮ ‬تلك السن المبكرة لم‮ ‬يكن قادرًا على استيعاب كل شيء فيها‮.‬ أثار ذلك فضوله كثيرًا وشكل له تحدياً‮ ‬حقيقياً‮ ‬للمعرفة،‮ ‬وكان ذلك دافعاً‮ ‬له للمثابرة والاجتهاد في‮ ‬دخول العالم السحري‮ ‬للموسيقى‮.‬ من المدرسة الابتدائية سينتقل مجيد إلى مدرسة بابكو للتدريب،‮ ‬التي‮ ‬كان الانتساب إليها‮ ‬يؤمن مدخولاً،‮ ‬ساعده في‮ ‬البداية على الانتقال مع عائلته من البيت الذي‮ ‬كانوا‮ ‬يسكنونه بالإيجار،‮ ‬حيث انتقلت العائلة إلى منطقة السلمانية لتعيش في‮ ‬بيت أفضل من السابق‮.‬ هذا المدخول ساعده أيضا في‮ ‬تحقيق رغبته القديمة في‮ ‬اقتناء آلة موسيقية،‮ ‬حيث اشترى آلة الهارمونيكا عام ‮٩٥٩١‬،‮ ‬ومعها اشترى كتابا لكي‮ ‬يرشده في‮ ‬تعلم كيفية العزف عليها‮.‬ الاستيعاب النظري‮ ‬للدروس لم‮ ‬يكن صعباً‮ ‬بالنسبة له،‮ ‬لكن كيفية تطبيق تلك الدروس كانت المشكلة،‮ ‬خاصة وأن معرفته باللغة الإنجليزية آنذاك كانت محدودة،‮ ‬مما أوشك أن‮ ‬يصيبه باليأس،‮ ‬لأن محاولاته الأولى في‮ ‬تعلم النوتة كانت فاشلة‮.‬ قرر أن‮ ‬يتغلب على ذلك بتعلم العزف وفقاً‮ ‬لسمعه،‮ ‬فكان‮ ‬يخرج ليلاً‮ ‬إلى ساحل البحر خلف قصر القضيبية،‮ ‬لكي‮ ‬يعزف ما‮ ‬يعتمل في‮ ‬صدره وعقله،‮ ‬وكان منظر القمر وهو‮ ‬يتلألأ في‮ ‬أمواج البحر الراقصة‮ ‬يثير أشجانه‮. ‬ الفتى المنذور للإبداع،‮ ‬سيصبح منذورًا للنضال أيضا،‮ ‬في‮ ‬ذلك الزمن الجميل الذي‮ ‬كان المبدعون لا‮ ‬يجدون أنفسهم إلا في‮ ‬الانحياز لقضية شعبهم،‮ ‬وللنهج الثوري‮ ‬التقدمي‮ ‬المعبر عن التوق للحرية‮.‬ ففي‮ ‬ليلة من تلك الليالي‮ ‬سيلتقي‮ ‬مجيد بواحد من الشباب الذين كانوا‮ ‬يدرسون معه في‮ ‬مركز التدريب المهني‮ ‬في‮ ‬بابكو لكنه‮ ‬يسبقه بفصل واحد،‮ ‬وهو حسن علي‮ ‬محمد المحرقي،‮ ‬وكان آنذاك‮ ‬يسكن في‮ ‬بيت والده في‮ ‬الحورة،‮ ‬فأحس بألفة وقرابة تجاهه،‮ ‬وبسرعة تطورت علاقة الشابين،‮ ‬فأخذ مجيد‮ ‬يزوره في‮ ‬بيت والده بصورة منتظمة،‮ ‬حيث‮ ‬يقضيان الوقت في‮ ‬نقاشات ودراسات عديدة،‮ ‬كانت فائدته منها،‮ ‬كما‮ ‬يروي،‮ ‬كبيرة جدا‮. ‬ سيقوده ذلك إلى قراءة روايات ومؤلفات جورج حنا وسلامة موسى ومحمد مندور ومكسيم جوركي،‮ ‬وكان لروايات وقصص هذا الأخير أثرها العميق جدا في‮ ‬نفسه،‮ ‬لأنه وجد في‮ ‬شخوص هذه القصص تجسيدات حية في‮ ‬مجتمعنا الحقيقي‮.‬ وبعد حين لم‮ ‬يطل بات مجيد على‮ ‬يقين من أن الميول والتوجهات الاشتراكية أقرب إلى قلبه وعقله‮.‬ حينها سئل إن كان‮ ‬يرغب في‮ ‬الانضمام لجبهة التحرير الوطني‮ ‬المناضلة من أجل حقوق الطبقة العاملة والطبقات الفقيرة ولأجل الديموقراطية‮.‬ يقول مجيد‮: »‬بدون تردد أعلنت رغبتي‮ ‬ولهفتي‮ ‬للانخراط فيها‮«.

(3)

في‮ ‬العام ‮١٦٩١‬،‮ ‬إذا،‮ ‬انضم مجيد إلى جبهة التحرير،‮ ‬وفي‮ ‬نفس هذا العام طلب منه المرحوم باقر كلبهرام،‮ ‬أن‮ ‬يؤسس فرقة موسيقية للعزف في‮ ‬موكب عزاء مأتم كلبهرام،‮ ‬لأنه كان من أشهر الموسيقيين بين فقراء تلك المنطقة‮.‬ وبما عهد عنه من حماس شديد وافق مجيد على انجاز هذه المهمة لأنه كان قد بدأ نشاطه الثوري‮ ‬بين الشباب الفقراء من هم في‮ ‬مثل سنه،‮ ‬أو أكبر أو أصغر قليلا،‮ ‬وكلهم من أبناء الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل،‮ ‬ومن الرعاع أيضا‮.‬ في‮ ‬هذه المرحلة بدا‮ ‬يتبلور عنده الإحساس والوعي‮ ‬بالتقاء الفن الموسيقي‮ ‬مع الثورة،‮ ‬وهذا ما عزز موقفه من الموسيقى في‮ ‬منظورها التقدمي‮ ‬وكوسيلة في‮ ‬الارتقاء بذائقة الإنسان وتهذيب روحه‮.‬ كانت مهاراته الموسيقية قد أخذت في‮ ‬التطور،‮ ‬وبدأت آلات موسيقية أخرى تشده إلى عالمها،‮ ‬فاشترى آلة السكسفون بعد تعرفه على بعض آلات النفخ مثل الترومبت والكلارنيت عام ‮١٦٩١.‬ وحسب المرحوم الفنان أحمد جمال الذي‮ ‬كان‮ ‬يملك متجرا لبيع الآلات الموسيقية والكتب الموسيقية،‮ ‬فان مجيدا كان أول بحريني‮ ‬يشتري‮ ‬هذه الآلة من المحل،‮ ‬كما اشترى أول كتاب لتعلم العزف على السكسفون،‮ ‬وفعل ذلك بدون معلم أو مدرب‮.‬ وفي‮ ‬العام نفسه قام بتأليف لحن لوحة المأتم،‮ ‬وبشكل عام فقد سجلت هذه الفترة انطلاقة له في‮ ‬التأليف الموسيقي،‮ ‬وكذلك في‮ ‬العزف على السكسفون بموسيقى الجاز والأغاني‮ ‬من مختلف الأنواع‮.‬ إضافة إلى ذلك انضم إلى أسرة هواة الفن في‮ ‬أواخر عام ‮٣٦٩١ ‬ولمدة ستة أشهر،‮ ‬وشارك معها في‮ ‬عدة حفلات أقامتها في‮ ‬عدد من النوادي‮ ‬والمناسبات،‮ ‬ولكن عضويته فيها لم تطل بسبب بعض الخلافات،‮ ‬ليصبح بعد ذلك واحدا من مؤسسي‮ ‬فرقة الأنوار،‮ ‬والتي‮ ‬كان لها في‮ ‬ذلك الحين نشاطات بارزة‮.‬ تشكلت الفرقة عمليا من فرقتين واحدة للموسيقى الشرقية بقيادة أحمد فردان وتدريب عيسى جاسم،‮ ‬والثانية للموسيقى الغربية،‮ ‬وهي‮ ‬أول فرقة موسيقية في‮ ‬البحرين وربما في‮ ‬الخليج بأسره أعضاؤها بحرينيون،‮ ‬وكانت الفرقتان تعملان بصورة مستقلة في‮ ‬الاحتفالات العادية،‮ ‬ولكنهما تعملان معا في‮ ‬المهرجانات‮.‬ سيحل العام ‮٥٦٩١‬،‮ ‬عام الانتفاضة العمالية ضد الاستعمار وتعسف شركة النفط‮. ‬ويرى مجيد أن هذه الانتفاضة شكلت وحدة بين النضال العمالي‮ ‬والحركة الطلابية في‮ ‬المدارس،‮ ‬خاصة في‮ ‬الثانويات‮.‬ كان مجيد العامل‮ ‬يومذاك بين من ساهموا في‮ ‬هذه الانتفاضة العمالية،‮ ‬في‮ ‬المظاهرات وكذلك في‮ ‬إلقاء الحجارة،‮ ‬ووضع الكمائن ضد الشرطة،‮ ‬وفي‮ ‬احد الأيام التي‮ ‬كان فيها مجيد عائدا من مظاهرة عمالية وطلابية مشتركة،‮ ‬اختلى به احد رفاقه ليبلغه توجيها بعدم الخروج بعد اليوم في‮ ‬المظاهرات‮.‬ وعندما سأله مجيد عن السبب،‮ ‬قال له بالحرف الواحد‮: ‬لا نريدك أن تنكشف الآن‮.. ‬تنتظرك مهام خاصة‮. ‬

(4)

المناضل الذي‮ ‬طلبوا منه أن‮ ‬يستعد لمهام خاصة،‮ ‬سيغدو بطلا من أبطال النضال ضد الاستعمار وفي‮ ‬سبيل الاستقلال والحرية‮. ‬
في‮ ‬العام ‮٦٦٩١‬،‮ ‬وفي‮ ‬الذكرى الأولى لانتفاضة مارس ‮٥٦٩١ ‬سيشترك في‮ ‬عملية جريئة بموجبها سيشل جهاز القمع الاستعماري‮ ‬بقيادة بوب ومساعده أحمد محسن،‮ ‬حينما انفجرت بهما سيارتاهما‮.‬


بعد انتفاضة ‮٥٦٩١ ‬وبعد سقوط الطاقم الأمني‮ ‬الاستعماري‮ ‬السابق وهروب بنيامين بنز بمرتبات الشرطة إلى خارج البحرين،‮ ‬سيجلب الانجليز طاقما جديدا بقيادة إيان هندرسون ونائبه شور وغيرهما من صغار الضباط المتبقين من الطاقم القديم‮.‬


بشكل عام كانت المهام والأعباء التنظيمية قد ازدادت على عاتق مجيد في‮ ‬تلك الفترة،‮ ‬وبرغم الظروف القاسية والمسؤوليات الحزبية الكبيرة فإن هذا لم‮ ‬يوقف نشاطاته الموسيقية،‮ ‬بل جعله أكثر حماسا لها‮.‬


أخذت ثقافته الموسيقية والفنية في‮ ‬التطور والتوسع،‮ ‬وتحسنت مهاراته في‮ ‬العزف على السكسفون،‮ ‬حيث راح‮ ‬يعزف الألحان الفرنسية العديدة والتي‮ ‬وسعت ذخيرته الفنية،‮ ‬وكذلك الألحان الأفريقية،‮ ‬واللاتينية الأمريكية،‮ ‬والإنجليزية،‮ ‬وعلى وجه الخصوص ألحان أغاني‮ ‬الخنافس‮ – ‬البيتلز والرولينجستونز،‮ ‬والأسبانية،‮ ‬والروسية بالرغم من أنه لم‮ ‬يتمكن من مواصلة دراسة نظريات الموسيقى حينها بصورة منهجية،‮ ‬كما استمر كذلك تأليفه للألحان التي‮ ‬يعزفها في‮ ‬موكب عاشوراء‮.‬


وفي‮ ‬عام ‮٧٦٩١ ‬جرى تداول،‮ ‬وللمرة الأولى،‮ ‬كلمات نشيد‮: ‬طريقنا أنت تدري،‮ ‬شوك ووعر عسير‮. ‬


ورغم أن مجيدا لم‮ ‬يحصل على النص الكامل للنشيد،‮ ‬لكن مطلعه وأبياته الأولى لفتت نظره فقام بتلحينها وتحفيظ أعضاء خليته الحزبية لحن تلك الكلمات دون أمل في‮ ‬تحقيق تلحين نشيد كامل‮.‬


هذا النشيد سيجري‮ ‬إثراء كلماته،‮ ‬بعد ذلك بعدة سنوات بإضافات ثرية جدا من قبل المناضل والشاعر أحمد الشملان،‮ ‬كما أن الفنان سلمان زيمان أضاف إليه،‮ ‬في‮ ‬مرحلة لاحقة،‮ ‬أبياتاً‮ ‬أخرى‮.‬


والنشيد متوفر الآن في‮ ‬توزيع موسيقي‮ ‬جميل وضعه المايسترو خليفة زيمان،‮ ‬وأدته مجموعة من الأصوات الجميلة الرجالية والنسائية من عناصر فرقة‮ »‬أجراس‮«‬،‮ ‬مطعمة بأصوات شابة جديدة،‮ ‬وقدم لأول مرة بتوزيعه الجديد،‮ ‬في‮ ‬الحفل المهيب الذي‮ ‬أقامه المنبر التقدمي‮ ‬في‮ ‬عام ‮٥٠٠٢ ‬في‮ ‬فندق هوليداي‮ ‬إن،‮ »‬كراون بلازا‮« ‬حاليا،‮ ‬في‮ ‬الذكرى الخمسين لتأسيس جبهة التحرير‮. ‬


في‮ ‬عام ‮٧٦٩١ ‬أيضا وضع مجيد لحن‮ »‬الذكريات‮« ‬الذي‮ ‬حقق نجاحا كبيرا عند الناس آنذاك،‮ ‬مما شد من همته وشد عزيمته،‮ ‬ومن جهة أخرى،‮ ‬أخذت شهرة فرقة‮ »‬فرسان العرب‮« ‬التي‮ ‬كان مجيد‮ ‬يعزف ضمنها‮ ‬يومذاك تزداد بين الناس،‮ ‬وبدأت بعض الفرق الشبابية التي‮ ‬صارت تقلدها تظهر إلى الوجود،‮ ‬ولم تبخل الفرقة بتقديم‮ ‬يد العون والمساعدة لها‮.‬

(5)

في‮ ‬العام ‮٨٦٩١ ‬شن جهاز الأمن البريطاني‮ ‬بقيادة‮ ‬يان هندرسن حملة اعتقالات انتقامية في‮ ‬صفوف مناضلي‮ ‬جبهة التحرير،‮ ‬كان هدفها الإجهاز عليها نهائياً،‮ ‬وشملت الحملة العشرات من المناضلين،‮ ‬واستمرت حتى عام ‮٩٦٩١‬،‮ ‬وفي‮ ٨ ‬فبراير حضر إلى بوابة مصنع التكرير حيث كان‮ ‬يعمل مجيد مرهون ضابط المخابرات البريطاني‮ ‬شور بمعية المحقق‮ ‬يوسف إسحاق،‮ ‬وتسلماه من أيدي‮ ‬رجال الأمن الإنجليز في‮ ‬بابكو،‮ ‬حيث نقل إلى قسم التحقيقات في‮ ‬القلعة‮.‬ ظل أمر التخطيط والتنفيذ للعمليتين التي‮ ‬اشترك فيهما مجيد سراً‮ ‬منذ عام ‮٦٦٩١‬،‮ ‬عام تننفيذها حتى العام ‮٩٦٩١‬،‮ ‬حيث استطاع جهاز الأمن الإمساك ببعض الخيوط التي‮ ‬قادت إلى التعرف على دور مجيد في‮ ‬تنفيذ إحداهما‮. ‬ وفي‮ ٣٢ ‬مارس ‮٩٦٩١ ‬اقتيد إلى محاكمة صورية لم تدم أكثر من نصف ساعة،‮ ‬حيث صدر الحكم الذي‮ ‬أعده هندرسون سلفاً،‮ ‬والذي‮ ‬تضمن عقوبتين إحداهما السجن المؤبد والثانية السجن لمدة ‮٠١ ‬سنوات‮.‬ بعدها بيومين ربطوا جسم مجيد ويديه بسلاسل كبيرة وثقيلة من الحديد بالإضافة إلى رباط الكفين،‮ ‬وربطوا السلاسل بالشاحنة التي‮ ‬أركبوه فيها وكانت مكشوفة،‮ ‬حيث تحركت من القلعة إلى ميناء البديع،‮ ‬ومن الشاحنة تم نقله إلى زورق خفر السواحل الخاص بجزيرة جدا في‮ ‬يوم عاصف صادف،‮ ‬كما‮ ‬يتذكر مجيد،‮ ‬السابع من محرم‮.‬ لأول وهلة بدت له جزيرة جدا مخيفة لأنها تختلف تماماً‮ ‬عن جزر البحرين،‮ ‬ففيها الهضاب الجبلية والكهوف ما‮ ‬يثير الرعب في‮ ‬قلب الوافد الجديد،‮ ‬وفور وصوله الجزيرة تم إدخاله على مدير السجن،‮ ‬فرنك سميث،‮ ‬في‮ ‬مكتبه،‮ ‬الذي‮ ‬حدثه بخشونة وعنف،‮ ‬ثم أمر بتركيب القيود الحديدية‮ (‬الصنقل‮) ‬على قدميه ويتكون من حلقتين بوزن ثقيل مع سلسلة‮ ‬يحملها بيديه أو‮ ‬يربطها بخاصرته‮.‬ وبعد ذلك تم إدخاله في‮ ‬الزنزانة الانفرادية رقم ‮٦٢ ‬وتم إقفال بابها عليه،‮ ‬وهناك اكتشف أن رفيقه المناضل حسن علي‮ ‬المحرقي‮ ‬كان في‮ ‬الزنزانة المجاورة حيث كان‮ ‬يقضي‮ ‬عقوبة السجن لمدة ‮٦ ‬سنوات لأن المطبعة السرية لجبهة التحرير صودرت من منزله‮.‬ قضى الرفيقان ما‮ ‬يقارب ‮٤ ‬سنوات في‮ ‬السجن الانفرادي‮ ‬وفي‮ ‬عزلة عن العالم،‮ ‬حيث لم‮ ‬يكن‮ ‬يسمح لهما بالاختلاط بأي‮ ‬من المساجين‮.‬ يقول مجيد إنه من تلك الزنزانة صمَّم على ألا‮ ‬يدع مجالاً‮ ‬لليأس أو الخوف من الموت في‮ ‬السجن أن‮ ‬يتسلل إلى نفسه‮.‬ ويتذكر أن تلك الفترة كانت رحلة من المعاناة حيث ان رجال الأمن كانوا‮ ‬يتعمدون استفزازه‮ ‬يومياً‮ ‬ليل نهار،‮ ‬لكنه صمد بوجه ذلك بمساعدة حسن المحرقي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يعضده ويرفع معنوياته،‮ ‬خاصة وأن الأخبار كانت تتوارد إلى السجن من أن الحملة على جبهة التحرير أخفقت في‮ ‬القضاء عليها كما كان هندرسن‮ ‬يقول،‮ ‬وان الخلايا تعيد تنظيم صفوفها،‮ ‬وأن نشرة‮ »‬الجماهير‮« ‬السرية قد عاودت الصدور رغم مصادرة المطبعة‮. ‬مما قوى من عزيمة مناضلي‮ ‬الجبهة السجناء في‮ ‬جدا‮. ‬

(6)

في‮ ‬السجن سيخوض مجيد معارك فك العزلة المفروض عليه،‮ ‬وسيسعى جاهدا للحصول على الكتب التي‮ ‬كانت ممنوعة عنه‮.‬ ‮ ‬بعد حين تعرفت إدارة السجن على مهارات مجيد العملية،‮ ‬كونه خريج معهد التدريب في‮ »‬بابكو‮«‬،‮ ‬وستدفع به إلى العمل منذ عام ‮٢٧٩١ ‬بمعية سجين أجنبي،‮ ‬وهو سيلاني‮ ‬يحمل الجنسية البريطانية،‮ ‬اسمه جوني‮ ‬بيد تشمان،‮ ‬كان‮ ‬يعمل في‮ ‬السجن كهربائيا ومصلح مواسير المياه ومشغل مكائن الكهرباء‮.‬ ‮ ‬كان هدف مدير السجن تسليم هذه المهام لمجيد بعد انقضاء فترة سجن السجين السيلاني،‮ ‬ويروي‮ ‬مجيد انه تعلم تلك المهن بشكل جيد،‮ ‬حيث كان‮ ‬يقضي‮ ‬النهار في‮ ‬ممارستها بعيدا عن بقية السجناء،‮ ‬وفي‮ ‬المساء تتم إعادته إلى الزنزانة الانفرادية‮.‬ ترافق ذلك مع نجاحه في‮ ‬الحصول على نسخة من القرآن الكريم مع تفسير الجلالة والكتاب المقدس وكتاب آخر باسم‮ »‬ثورة الحسين‮«‬،‮ ‬الذي‮ ‬اعتبره مجيد‮ ‬يومها كتابا أثيرا لأنه‮ ‬يفسر قضية الإمام الحسين تفسيرا سياسيا،‮ ‬وأدت دراسة الكتاب إلى رفع معنوياته لما تضمنه من دروس عظيمة في‮ ‬النخوة والشجاعة واستخدام العقل‮.‬ وفي‮ ‬عام ‮٣٧٩١ ‬نجحت محاولات مجيد في‮ ‬إقناع مدير السجون بالسماح له في‮ ‬الحصول على الكتب الموسيقية لدراسة الموسيقى في‮ ‬وقت الفراغ،‮ ‬الذي‮ ‬وافق بعد تردد،‮ ‬وما إن أصبحت هذه الكتب في‮ ‬حوزته حتى بدأ الدراسة الجادة والمكثفة في‮ ‬تعلم الموسيقى مستفيدا من مناخ العزلة الذي‮ ‬كان فيه،‮ ‬مستوحيا من خبراته الموسيقية منذ طفولته ومستعيدا كل تجاربه السابقة ومدققا فيها بعناية‮.‬ حيث قام بإعادة تأليف وصياغة‮ »‬الذكريات‮« ‬بالنوتة الموسيقية،‮ ‬وهي‮ ‬على الرغم من كونها ليست تجربته الأولى في‮ ‬التأليف إلا انها كانت نقطة للانطلاق في‮ ‬المعركة الموسيقية،‮ ‬كما قام بتأليف مقطوعة‮ »‬الحنين‮« ‬وبعد قراءته المتأنية لرواية أحدب نوتردام جاءت مقطوعة‮ »‬أزميرالدا‮« ‬معبرة عن تأثره العميق بأعمال فيكتور هيوجو،‮ ‬خاصة وأن توجهاته الموسيقية الرومانتيكية كانت تسير في‮ ‬اتجاه نفس توجهاته في‮ ‬القصة‮.‬ ‮ ‬كما كان لقراءته لأعمال مكسيم‮ ‬غوركي‮ ‬عميق الأثر في‮ ‬توجهاته السياسة والفنية بصورة كبيرة كما تأثر بموسيقى كل من هايدن وموتسارت وبيتهوفن على وجه الخصوص،‮ ‬والذي‮ ‬وجد فيه ضالته كمؤلف موسيقي،‮ ‬فهو كما‮ ‬يقول مجيد كان مثله موسيقيا أصما علم نفسه بنفسه،‮ ‬وصادفت هوى في‮ ‬نفس مجيد التوجهات الثورية لبيتهوفن الذي‮ ‬كان‮ ‬يرفض سلطة الأباطرة الأرستقراطية المتمرغة في‮ ‬النعيم على حساب بقية البشر،‮ ‬ويمقت الزينة والحذلقة والتزلف،‮ ‬وهذه صفات وجد انعكاساتها في‮ ‬ذاته وصداها في‮ ‬حياته‮.‬ من أعمال بيتهوفن درس مجيد جيدا سيمفونياته،‮ ‬لكن عدم معرفته الكافية بأصول الهارمونية،‮ ‬جعله‮ ‬يواجه صعوبات جمة في‮ ‬فهمه من زوايا عديدة‮.‬ كما تعرف على المدرسة الرحبانية جيدا،‮ ‬وأدى العديد من ألحانهم،‮ ‬واستفاد منهم في‮ ‬العديد من أعماله الموسيقية التالية ومن ضمنها عمله الكبير الأول‮: »‬جزيرة الأحلام‮« ‬التي‮ ‬تمثل تصويرا لأحلام العديد من السجناء وطموحاتهم وآمالهم وآلامهم،‮ ‬وكذلك تصوراتهم ومن ضمنهم هو شخصيا‮.

(7)

في‮ ‬العام ‮٤٧٩١ ‬سيلتقي‮ ‬مجيد مرهون بالدكتور عبد الهادي‮ ‬خلف الذي‮ ‬كان قد اعتقل في‮ ‬يونيو من ذلك العام‮ ‬،‮ ‬مع مناضلين آخرين‮ ‬،‮ ‬وأحضر إلى جدا‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬اقترح عليه أن ترسل‮ ‬بعض النماذج من أعماله الموسيقية إلى السويد لتقييمها من الناحية الفنية‮ . ‬ ‮ ‬وبالفعل أعد مجيد بعض أعماله من مختلف المستويات،‮ ‬حيث تم تهريبها من السجن،‮ ‬ومن ثم أرسلت إلى السويد‮. ‬وجاء التقييم مدهشا ليس بالنسبة إلى مجيد وحده‮ ‬،‮ ‬وإنما بالنسبة إلى سجانيه والى هندرسون شخصيا‮ . ‬ ‮ ‬الأكاديمية الملكية السويدية التي‮ ‬اطلع مختصوها الموسيقيون على الأعمال‮ ‬أشادت بتمرس مجيد في‮ ‬الكونتريوينت التي‮ ‬تجعله في‮ ‬مستوى المحترفين‮. ‬كانت دراسته المتعمقة لعدد من أعمال‮ ‬يوهان سباستيان باخ‮ ‬في‮ ‬مجال الالبوليفونية قد جعلته متمرسا‮ ‬،‮ ‬حيث قام بتأليف عدة أعمال من نوع الكانون والفيوجات وهما من أعقد أنواع التأليف الموسيقي‮ ‬اليوليفوني‮ ‬في‮ ‬العالم‮ .‬ ‮ ‬سيتوالى اعتراف العالم بمجيد مرهون‮ ‬،‮ ‬مناضلا وفنانا‮ . ‬في‮ ‬الثمانينات وفي‮ ‬نطاق واحد من اكبر الحملات التي‮ ‬نظمتها جبهة التحرير واتحاد الشباب الديمقراطي‮ ‬للمطالبة بإطلاق سراحه‮ ‬،‮ ‬ستعزف فرقة الإذاعة السيمفونية في‮ ‬جمهورية ألمانيا الديمقراطية مقطوعتين موسيقيتين له هما‮ :»‬ذكريات‮ «‬و‮ »‬نوستالجيا‮« ‬،‮ ‬وستطوف المقطوعتان العالم التقدمي‮ ‬كله‮ ‬،‮ ‬وتلفت الانظار إلى موهبته ومعاناته‮ .‬ ‮ ‬وفي‮ ‬مهرجان الشبيبة العالمي‮ ‬في‮ ‬موسكو عام ‮٥٨٩١ ‬ستوقع آلاف البطاقات الاحتجاجية التي‮ ‬تطالب بإطلاق سراحه من قبل ممثلي‮ ‬حركة الشباب الديمقراطية المعادية للاستعمار في‮ ‬العالم كله‮.‬ ‮ ‬سيكتب مجيد عن تلك اللحظة‮ : »‬لأول مرة في‮ ‬حياتي‮ ‬عرفت حلاوة النصر الكبير حيث كنت اعتبرت نفسي‮ ‬ممثلا لجبهة التحرير الوطني‮ ‬بكل ما في‮ ‬الكلمة من معنى‮« .‬ ‮ ‬كانت ردة الفعل لدى هندرسن تجاه ذلك عنيفة‮ ‬،‮ ‬وأحضره إلى القلعة مهددا إياه بمحاكمة عسكرية‮ ‬،‮ ‬لكن معنويات مجيد كانت قد بلغت الذرى في‮ ‬تلك المرحلة‮ ‬،‮ ‬بعد أن تيقن أن العالم التقدمي‮ ‬كله‮ ‬،‮ ‬بفضل جهود رفاقه‮ ‬،‮ ‬يقف معه‮ ‬،‮ ‬لذلك قابل تلك التهديدات بتحد‮ ‬،‮ ‬لا بل وبسخرية‮ .‬ ‮ ‬في‮٣١ ‬يونيو ‮١٨٩١ ‬توفيت والدته التي‮ ‬كانت سنده القوي‮ ‬في‮ ‬محنته‮ ‬،‮ ‬وقدر رجال الأمن أن حالته النفسية بعد وفاتها مناسبة لابتزازه وترهيبه‮ ‬،‮ ‬فأحضر إلى مكتب التحقيقات‮ ‬،‮ ‬ومن جديد بدأوا‮ ‬يطلبون مني‮ ‬التوقيع على ورقة مضمونها أنه لا‮ ‬يحتاج إلى مساعدة الأحزاب اليسارية والتقدمية في‮ ‬العالم‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬كانت ترسل رسائل الاحتجاجات والمطالبة بالإفراج عنه‮ ‬،‮ ‬وهددوه انه سيعاقب في‮ ‬حال وردت أية احتجاجات أخرى في‮ ‬المستقبل‮ ‬،‮ ‬وكان جوابه‮ ‬أن احتجاجات الأحزاب والمنظمات في‮ ‬العالم هي‮ ‬مشكلة السجانين وليست مشكلته‮ ‬،‮ ‬وعليهم أن‮ ‬يتحملوها بأنفسهم‮ ‬،‮ ‬فهو معزول في‮ ‬سجنه عن العالم ولا‮ ‬يد له في‮ ‬ما‮ ‬يدور خارج السجن‮.

(8)

سيكون لرحيل والدة مجيد أثره الكبير في‮ ‬نفسه،‮ ‬فقد تدفقت مشاعره بالحزن على شكل أعمال موسيقية لافتة،‮ ‬ومن بينها‮: »‬أغنية الراحلين‮«‬،‮ ‬التي‮ ‬ألفها،‮ ‬بعد عشرة أيام فقط من رحيل أمه،‮ ‬كعمل موسيقي‮ ‬مميز من نوع الكنتاتا شبه الدينية لصوت الصولو سوبرانو،‮ ‬على أن‮ ‬يكون الكورس مشتركا من الرجال والنساء وكذلك الأطفال من الجنسين،‮ ‬ومع أوركسترا السيمفونية‮.‬ كما وضع عملا موسيقيا آخر مستوحى من هذا الفقد‮: »‬حرقة القلب‮« ‬بعد وفاة أمه بخمسة أو أربعة أيام،‮ ‬حيث كتبه كاملا في‮ ‬جلسة واحدة للفيولين المنفردة،‮ ‬وهو اللحن الذي‮ ‬عزفته لاحقاً‮ ‬الدكتورة ويري‮ ‬دين بروفيسورة النشاطات الموسيقية في‮ ‬جامعة أوتاه الأمريكية،‮ ‬وعلم مجيد من الملحق الثقافي‮ ‬الأسبق للسفارة الأمريكية أن هذه المقطوعة الموسيقية حققت نجاحا كبيرا عندما قدمت في‮ ‬الولايات المتحدة الأمريكية‮. ‬ يقول مجيد إن حصيلته من الأعمال الموسيقية حتى عام ‮٥٨٩١‬،‮ ‬كانت‮ ‬قائمة على أساس وجهة نظر نقدية قوية وصارمة في‮ ‬نقد ذاته ومحاسبتها حسابا عسيرا،‮ ‬حيث أكمل السيمفونية الثانية‮: »‬دعوة إلى الفرح‮« ‬في‮ ‬يوم عيد ميلاده الأربعين بتاريخ ‮٧١‬أغسطس‮٥٨٩١. ‬كما قام بتأليف الكثير من المقطوعات المنوعة والتي‮ ‬استخدم فيها المقامات الشرقية‮. ‬ كان قراره قد أصبح حازما بأن مستقبله في‮ ‬الموسيقى وحدها،‮ ‬وليس في‮ ‬أي‮ ‬مجال آخر،‮ ‬لذلك عكف على المزيد من دراسة الهارمونية والتوزيع الموسيقي،‮ ‬بالإضافة إلى مادة التأليف الموسيقي‮ ‬على أسس علمية صارمة‮.‬ وتمكن في‮ ‬تلك الفترة من الحصول على مسجل صغير وأشرطة كاسيت مسجل عليها بعضا من أعمال تشايكوفسكي‮ ‬وبيتهوفن وغيرهما،‮ ‬مما أروى شيئا من شغفه الموسيقي‮ ‬وساعده على المضي‮ ‬في‮ ‬مشروعه‮.‬ حيث قام بتأليف أعمال موسيقية قيّمة،‮ ‬منها صوناتة البيانو،‮ ‬والرباعية الوترية الأولى،‮ ‬وعمل على انجاز سيمفونيته الثانية التي‮ ‬تفادى فيها عيوب سيمفونيته الأولى‮.‬ وفي‮ ‬نفس تلك المرحلة قام بتأليف الرباعية الوترية الثانية والتي‮ ‬عزفت لاحقاً‮ ‬على‮ ‬يد فرقة رباعية أدنبرة الوترية في‮ ‬يوم الموسيقى العالمية عام ‮٩٩٩١ ‬محققةً‮ ‬نجاحا كبيرا‮.‬ ستتحول جزيرة جدا الى مصهر للتجارب الابداعية والفنية،‮ ‬وسيقوم مجيد ومنذ السبعينات بتدريس الموسيقى لبعض المساجين،‮ ‬حيث قام بتكوين فرقة موسيقية متواضعة بعد توفر بعض الآلات الموسيقية مثل الهارمونيكا والميلوديكا والكلارنيت،‮ ‬وقامت مجموعة الدارسين بصنع جيتارات من‮ »‬التنك‮« ‬تولى مجيد نفسه شدها باللحام موظفا مهاراته اليدوية التي‮ ‬اكتسبها من عمله في‮ »‬بابكو‮«.‬ ‮ ‬كما قامت المجموعة بإصلاح عود مكسور تم انتشاله من بين أنقاض السجن في‮ ‬المنامة،‮ ‬حيث تولى هذه المهمة خليفة الوردي،‮ ‬ومن ثم تعلم على هذا العود العزف وقراءة النوتة،‮ ‬ومثله فعل إبراهيم سند سلطان وغيرهما من‮ ‬طلبة الموسيقى بإشراف أستاذهم مجيد‮. ‬ وبعد حين ستقوم الفرقة بإحياء عدة حفلات ناجحة في‮ ‬السجن،‮ ‬حضر مدير السجون إحداها بعد أن وجد نفسه أمام الأمر الواقع‮.

(9)

ضم سجن جدا في‮ ‬تلك الفترة مجموعة كبيرة من الكتاب والشعراء والفنانين،‮ ‬ومن أبرزهم قاسم حداد وعلي‮ ‬الشرقاوي‮ ‬وعبدالله علي‮ ‬خليفة وخليفة اللحدان وعلي‮ ‬الستراوي‮ ‬وإبراهيم بشمي،‮ ‬ومن الموسيقيين‮: ‬إبراهيم سند وخليفة الوردي،‮ ‬ومن الرسامين‮: ‬عبدالله‮ ‬يوسف وخليفة اللحدان،‮ ‬ومن الخطاطين‮: ‬أحمد سرحان،‮ ‬ومن الفنانين الذين‮ ‬يعملون في‮ ‬النجارة الناعمة والتحف‮: ‬عباس الإسكاني‮ ‬ومهدي‮ ‬فتيل وحسن بوعلاي‮ ‬وعبدالله حسين‮ – ‬وغيرهم،‮ ‬وبعضهم حقق شهرة واسعة‮.‬ المصهر الفني‮ ‬والإبداعي‮ ‬الذي‮ ‬تشكل في‮ ‬جدا تعزز أكثر بتوطد العلاقة بين مجيد مرهون وبين كل من أحمد عبدالله سرحان وخليفة محمد اللحدان بعد عام ‮٨٧٩١‬،‮ ‬حيث صهرت الثلاثة صداقة عميقة‮.‬ ‮ ‬كان خليفة شاعرا ورساما،‮ ‬أما أحمد فقد بدأ‮ ‬يتعلم الخط العربي،‮ ‬وأخذ مجيد في‮ ‬تشجيعهما من خلال المناقشات والحوار في‮ ‬القضايا الفنية‮.‬ حفزهم ذلك المناخ على تكوين مدرسة،‮ ‬أطلقوا عليها اسم‮: ‬مدرسة جدا الفنية،‮ ‬وقام خليفة اللحدان،‮ ‬متأثرا بالعمل الموسيقي‮ ‬لمجيد‮: »‬جزيرة الأحلام‮« ‬بوضع سلسلة قيمة من الرسومات عن جزيرة جدا تحت عنوان‮: »‬جولة في‮ ‬جزيرة الأحلام‮«‬،‮ ‬وهي‮ ‬لوحات تسجيلية لمناظر من جزيرة جدا‮. ‬وقام أحمد سرحان بخط عناوين بعض أعمال مجيد الموسيقية ومن ضمنها‮ »‬جزيرة جدا‮« ‬وكذلك‮ »‬دعوة إلى الفرح‮« ‬عنوان السيمفونية الثانية‮.‬ السنوات الطوال لمدير سجن جدا سميث‮ ‬غيرت فيه بعض الأمور‮. ‬وبدأ‮ ‬يتلمس أكثر فأكثر معاناة مسجونيه،‮ ‬لا بل وسيظهر شيئا من التعاطف معهم،‮ ‬وستخف قسوته في‮ ‬التعامل معهم،‮ ‬وقام بإرسال ثلاث رسائل على الأقل لمسؤوليه‮ ‬يطالبهم فيها بإطلاق سراح مجيد مرهون وغيره من سجناء المدد الطويلة،‮ ‬لكنها قوبلت بالتجاهل التام‮.‬ وسرعان ما ضاقت الإدارة العليا منه لما رأته تراخيا في‮ ‬التعامل مع السجناء،‮ ‬خاصة بعد أن شاركهم أحد الإضرابات عن الطعام احتجاجا على سوء معاملتهم،‮ ‬فقاموا بإنهاء خدماته عام ‮٣٨٩١. ‬ وفي‮ ‬الثامن من‮ ‬يناير ‮٦٨٩١ ‬تم نقل مجيد من سجن جزيرة جدا إلى سجن جو عن طريق مكتب إدارة السجون الذي‮ ‬كان‮ ‬يأمل بخروجه من السجن في‮ ‬ديسمبر عام ‮٥٨٩١‬،‮ ‬ولكن أمل المسؤولين في‮ ‬إدارة السجن خاب بسبب رفض هندرسون القاطع للإفراج عن مجيد‮. ‬ رغم الحقد الشخصي‮ ‬الذي‮ ‬كان هندرسون‮ ‬يكنه له،‮ ‬فان مجيد‮ ‬يرى أن نقله إلى سجن جو حمل له بعض الفوائد،‮ ‬بطريقة مكنته من مواصلة العمل على مشروعه الموسيقي،‮ ‬حيث تم وضعه في‮ ‬زنزانة خاصة‮ ‬يستخدمها كمدرسة للموسيقى،‮ ‬وكمكتبة موسيقية مع طاولة خاصة مما سهل عليه الجلوس لتأليف الموسيقى وقتما‮ ‬يشاء،‮ ‬خاصة أن باب زنزانته كان مفتوحاً‮ ‬ليل ونهار‮. ‬ ‮ ‬باتفاق مع إدارة السجن قام مجيد بتكوين فرقة موسيقية صغيرة،‮ ‬فاختار مجموعة من السجناء الذين‮ ‬يصفهم بالذكاء عكف على تدريسهم الموسيقى بكل جدية وصرامة،‮ ‬خاصة وان مدير السجون سمح بإدخال بعض الآلات الموسيقية للسجن‮.

(10)

من خلال المدرسة الموسيقية التي‮ ‬أنشأها في‮ ‬سجن جو،‮ ‬تمكن مجيد مرهون في‮ ‬ما تبقى لديه من سنوات سجنه الطويل من إعداد قائد فرقة بحريني،‮ ‬وعازف فلوت ماهر،‮ ‬وعازف أورجان،‮ ‬بالإضافة لإعداد مدرس موسيقى سعودي‮.‬ طلبة مجيد هؤلاء تحولوا من مروجي‮ ‬أو متعاطي‮ ‬مخدرات إلى‮ ‬فنانين مهرة،‮ ‬وأصبح لدى السجن فرقة موسيقية ذات كفاءة عالية بشهادة ضباط شعبة الموسيقى وكذلك بشهادة من مدير المعهد الكلاسيكي،‮ ‬ووضع مجيد بعض المؤلفات الموسيقية لهذه الفرقة كما قام بتوزيع العديد من الأعمال الموسيقية لها‮.‬ وصارت الفرقة تقدم حفلا سنويا في‮ ‬السجن،‮ ‬بمناسبة الإفراج عن السجناء الذين‮ ‬يصدر عنهم عفو في‮ ‬العيد الوطني‮ ‬في‮ ‬ديسمبر من كل عام‮. ‬ في‮ ‬الآن ذاته استمر مجيد في‮ ‬تأليف الموسيقى،‮ ‬حتى تاريخ خروجه من السجن في‮ ٦٢ ‬أبريل ‮٠٩٩١‬،‮ ‬ومن ضمن ما ألف مقطوعات للفلوت مع الجيتار،‮ ‬ومقطوعات أخرى للفلوت المنفرد وهي‮ ‬التي‮ ‬قام الفنان‮ ‬أحمد الغانم بأدائها فيما بعد‮.‬ ومنذ اليوم الأول لخروجه من السجن أصبح عضوا في‮ ‬فرقة أجراس الموسيقية،‮ ‬وساهم فيها عزفا وتأليفا،‮ ‬ومن ضمن أعماله معها كانت أغنية‮ (‬حبيبتي‮) ‬التي‮ ‬قدمت في‮ ‬المهرجان الثالث للفرقة،‮ ‬ومقطوعة‮ (‬دعوة حنان‮). ‬ وواصل مجيد العمل على انجاز القاموس الموسيقي‮ ‬الحديث الذي‮ ‬كان قد بدأ في‮ ‬جمع مادته منذ عام ‮٥٧٩١‬،‮ ‬وواصل العمل فيه في‮ ‬السجن،‮ ‬حيث أعاد النظر في‮ ‬المجلد الأول والذي‮ ‬يحتوي‮ ‬على إضافات في‮ ‬المداخل والشروح،‮ ‬وعلى وجه الخصوص في‮ ‬علاقة الكمبيوتر بالموسيقى،‮ ‬وأنجزه بعد خروجه،‮ ‬حيث انهمك عليه في‮ ‬الفترة بين‮٠٩٩١ – ٢٠٠٢‬،‮ ‬وسيصدر القاموس قريبا في‮ ‬تسعة مجلدات ضخمة عن مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة‮.‬ وتوالت مشاركات مجيد في‮ ‬الحفلات الموسيقية داخل وخارج البحرين،‮ ‬وقدمت العديد من مؤلفاته الموسيقية من قبل فرق موسيقية أجنبية مثل الحركة الأخيرة من الرباعيات الوترية الأولى،‮ ‬والتي‮ ‬أدتها فرقة بيلكن التركية،‮ ‬وهي‮ ‬فرقة رباعية نسائية،‮ ‬وكذلك الرباعية الوترية الثانية والتي‮ ‬أدتها فرقة رباعية أدنبرة البريطانية،‮ ‬وكلتا الرباعيتين حققتا نجاحا،‮ ‬حيث امتدحتهما الصحف في‮ ‬البحرين وفي‮ ‬بريطانيا وتركيا ومجلة الجمعية الدولية للموسيقى المعاصرة عام ‮٩٩٩١.‬ وفي‮ ‬يوم الاحتجاج على شن القوات الأمريكية الحرب على العراق،‮ ‬شارك مجيد في‮ ‬الاعتصام الذي‮ ‬نظمه المثقفون والفنانون والأدباء البحرينيون أمام مبنى الأمم المتحدة في‮ ‬البحرين بتقديم بعض معزوفاته‮. ‬ منذ نحو أسبوعين عندما كان مجيد مرهون في‮ ‬وحدة العناية بالقلب بمستشفى السلمانية،‮ ‬نائما لأيام متواصلة تحت التخدير للتغلب على آثار احتباس السوائل في‮ ‬الرئة،‮ ‬كنا نطل عليه في‮ ‬نومه المؤقت،‮ ‬لكن الطويل،‮ ‬ونسترجع مسيرته الفذة التي‮ ‬كتبت منها بعض الشذرات في‮ ‬هذه المقالات‮. ‬ حين رآني‮ ‬بعد أن رفعوا عنه التخدير هتف بصوته الجهوري‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يسمعه كل من في‮ ‬الممر‮: »‬نحن سقينا الفولاذ‮«!‬ ذلك هو عنوان رواية شهيرة من الأدب الثوري‮ ‬العالمي،‮ ‬ما زال صداها‮ ‬يتردد في‮ ‬ذاكرته،‮ ‬هو الذي‮ ‬سقى الفولاذ حقيقة لا مجازا‮.‬ تنتهي‮ ‬هذه الحلقات،‮ ‬لكن الحديث عن مجيد لم ولن‮ ‬ينتهي‮.‬

اقرأ المزيد

الحوار وتصحيح المسار

على مختلف المواقع واختلاف التوقعات، أسئلة كثيرة تصادفك، سواءً عبرت عن
شكوك ويأس المتشائمين، أو حملت بعض آمال المتفائلين، وجميعها تتمحور حول
مدى جدوى أو جدية الحوار الجاري اليوم بين الحكم والقوى السياسية، ومدى
قدرة مخرجاته أو نتائجه على العبور بالأزمة الراهنة إلى آخر فصولها وإعلان
خاتمتها.

أما إجاباتنا على هذه التساؤلات فأنها تنطلق من زاوية مقدار
أو حجم المكاسب الوطنية التي يمكن أن تتحقق للمواطن، على امتداد الوطن
كله، وكذلك من زاوية مدى نجاح هذا الحوار في معالجة أهداف وتطلعات هذا
المواطن من خلال مقاربةٍ عادلةٍ ومنصفةٍ لحقوقه ومطالبه المشروعة ولمظالمه
المزمنة التي كانت وراء تحرّكه وخروجه إلى الشارع في محطات تاريخية عديدة،
توّجها بحراكه العارم والشامل في 14 فبراير قبل عامين، مطالباً بالإصلاح
الديمقراطي، وإحداث تغيير جوهري في أسس المعادلة السياسية والاجتماعية
الراهنة، والسير في اتجاه صياغة نظام سياسي ودستوري عادل يستوعب الجميع،
ويخلق فضاء سياسياً رحباً يرفض الإقصاء أو التهميش لأي مكوّن من مكونات
المجتمع.

باختصار… إنه الطريق الذي يؤسّس إلى الدولة المدنية الديمقراطية التي تحترم التعددية وتصون حريات وحقوق الجميع.

هذا
هو المعيار الأول الذي يمكن أن يقاس به جدوى أو نجاح مخرجات الحوار، أما
المعيار الآخر فإنه ينطلق من قدرة هذا الحوار والمتحاورين على إصلاح الشرخ
الذي مزّق النسيج الوطني وضرب اللحمة الوطنية، وبالتالي قدرته على إعادة
جسور الثقة التي تصدّعت بين مكونات هذا الشعب.

وهذه مسألةٌ تتطلب
وقفة سياسية صادقة من كل الأطراف، كما تتطلب جرأةً أخلاقيةً تقرّ بأن كل
هذا التمزق ما كان له أن يحصل لولا لجوء السلطة السياسية إلى زجّ الوحدة
الوطنية في أتون التجاذبات المذهبية، وتحفيز المخاوف والهواجس الطائفية،
رغبةً منها في الإساءة إلى الحراك الشعبي الوطني. وكان من بين الوسائل التي
لجأت إليها لتحقيق هذا الهدف خلق قوى ذات وجه وتوجه طائفي، لتقف في وجه
المعارضة الوطنية، في محاولةٍ لإضفاء الطابع المذهبي على الصراع السياسي
القائم.

ولا يمكن عزل الإشارات والتصريحات التي كانت تصدر عن بعض
المسئولين الحكوميين عن هذا السياق، وقد جاءت التصريحات المشوشة والمتضاربة
التي رافقت دعوة الحوار الأخيرة من أجل تكريس أو فرض حالة غير واقعية، من
قبيل أن السلطة لن تكون ممثلةً أو طرفاً في الحوار، إنّما هي مجرد «منسق»
أو «مراقب يفصل بين متنازعين». ومعنى هذا هو إجهاض فرصة الحوار قبل أن
تولد، الأمر الذي رفضته القوى السياسية المعارضة، وأصرت على أن يكون
الحُكمُ طرفاً أساسياً في الحوار، كما عبّرت عن تمسكها برؤيتها للحوار في
أن تكون قاعدته أو منطلقاته وطنيةً وليست طائفية، وإنها تدخل (المعارضة)
الحوار بصفتها الوطنية التي تحمل مطالب وهموم كافة المواطنين، وتسعى إلى
إيجاد حل سياسي عادل وشامل يستجيب لهذه المطالب.

اليوم وجلسات الحوار
في بدايات مشوارها، نرى المشهد السياسي في البلاد مفتوحاً على كل
الاحتمالات، وإن الوضع العام صار على مفترق طرق ولم يعد يحتمل أية مراوغة
أو محاولة لتقطيع الوقت، ليس بسبب التداعيات الأمنية الأخيرة فقط، إنّما
يعود ذلك إلى طبيعة الأحداث والتطورات المتسارعة في المنطقة، والتي –للأسف-
تنبئ بعض مؤشراتها بأنها سائرة نحو التصعيد والانفجار، الأمر الذي يضاعف
من مسئوليتنا جميعاً في ضرورة سرعة العمل على تحصين وضعنا الداخلي وحمايته
من أية ارتدادات إقليمية سلبية، وكل ما نرجوه أن يكون الوعي بخطورة المرحلة
ومتطلباتها وأولوياتها حاضرةً في ذهنية وعقل كل الأطراف المشاركة في
الحوار، وقبل كل هؤلاء السلطة السياسية والقوى الدائرة في فلكها، التي يجب
أن تكون مستعدةً لبحث كل الرؤى والتصورات التي يمكن أن تفتح ثغرةً في
الجدار المسدود دون أي خطوط حمراء، بعيداً عن كل المناكفات التي ليس لها
علاقة بالسياسة ولا بالوعي السياسي.

كما لابد من تسليط الضوء على كل
الزوايا السياسية والاجتماعية المظلمة التي كانت وراء تفجر الأزمة، ومقاربة
كل الملفات والقضايا السياسية والدستورية والحقوقية مقاربةً موضوعيةً تسمح
بإعادة صياغة المؤسسات والهياكل السياسية والتشريعية بصورة تقود إلى إحداث
توازن في الوضع السياسيي والاجتماعي الذي يعاني من خلل مزمن، بما يؤمّن
مشاركة كل مكوّنات البلد دون تمييزٍ أو إقصاءٍ، وضمان تحقيق استقرار حقيقي
ودائم في البلاد.

ان هذه المسألة مهمة وجوهرية، ولا يمكن بلوغها دون
فتح الأبواب والمنافذ أمام الحلول السياسية الوطنية، والتخلي نهائياً عن
نهج القبضة الأمنية كخيار في التعامل مع الأحداث في البلد، لأن مثل هذا
الخيار هو المسئول عن تخريب وضياع كل فرص الحوار، وهو بالتالي المسئول عن
إطالة عمر الأزمة وبقاء الوضع السياسي والاجتماعي في حالة احتقان وتوتر
دائمين.

ولسنا بحاجة للتذكير بمدى فظاعة وكارثية الخيار الأمني الذي
جرى اعتماده في التعاطي مع مطالب الناس العادلة والتداعيات الخطيرة التي
خلفها على المستويات الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية، بالنظر إلى حجم
الانتهاكات التي تعرضت لها حقوق الإنسان، والتي وصلت إلى حد «غير مسبوق»
كما وصفها تقرير لجنة تقصي الحقائق، الذي حمل العديد من التوصيات ذات
العلاقة، والتي لو جرى التقيد أو الالتزام الصادق بتنفيذها لكان بلدنا
اليوم في حال أفضل، ولكُنّا قد قطعنا خطوات مهمة على طريق إنجاز مبادئ
العدالة والإنصاف والمشاركة السياسية الحقيقية، وهيأنا أجواء الحوار
والمصالحة الوطنية. ولكن هذه جولةٌ أخرى تعقد من الحوار، بعد الجولة الأولى
الفاشلة، ولازالت القضايا الجوهرية قائمةً تبحث عن حلول، وستكون في مقدمة
التحديات التي سوف تختبر إرادة المتحاورين، وهو اختبار لا يتحمل أي التفاف
أو غموض بعد أن كشفت كل الأطراف أوراقها وعرف الجميع أدوراها ونواياها،
وسيكون أي فشل هذه المرة (لا قدر الله) عبر تجاهل جوهر الأزمة معناه إننا
نقترب من حافة الهاوية، ومعناه أننا قبلنا مرةً أخرى بأن نرهن حاضر البلد
ومستقبله في يد قوى طائفية إقصائية لا تشكل مصلحة البلد أولويةً لها. لذلك
نحن هنا نتحدث عن تحدٍ مصيري لا يقبل أي تفكير أو فعل سياسي تحكمهما عقلية
رثة أو معادية لأي تطور أو تغيير وطني ديمقراطي.

وهذا يضعنا أمام
تحدٍ آخر، وهو يتصل بجوهر النظام السياسي الديمقراطي الذي نتطلع إليه،
والقائم على مبدأ الفصل بين السلطات، وهو ما يعني إننا نحتاج من الحوار إلى
قرارات سياسية ودستورية حازمة لا تقبل التأويل، تكون مسئولةً عن إعادة
صياغة العلاقة بين الدولة والسلطة السياسية، وبين هاتين والشعب، وعلاقة كل
ذلك بالمسألة الديمقراطية الحقيقية الغائبة أو المغيّبة قسراً والديمقراطية
المعنية هي التي نقيض للاستبداد والقمع ومصادرة الحريات، وهذه قضيةٌ تحتاج
إلى مقالة منفصلة.

محمود القصاب
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3822 – السبت 23 فبراير 2013م 
اقرأ المزيد