المنشور

تفكيك الأوطان


الرائي للتطورات الراهنة في غير بلد عربي، سيلاحظ هذا السعي المحموم لإطلاق الغرائز المذهبية الكامنة، والموروثة من تاريخ طويل مثقل بالصراعات التي لبست اللبوس الطائفي أو المذهبي أو العرقي والإثني، وتعمل على تحفيز هذه العصبيات ودفع أصحاب الملل للصراع فيما بينهم قوى داخلية من مصلحتها استمرار وتأبيد الوضع الراهن، وقوى خارجية من صناع قرار ومراكز أبحاث وسلالات “استشراقية” مغرضة، تنوي إغراق هذه المنطقة في الفوضى والاقتتال الداخلي .

تحضرني قصة قصيرة قديمة لكاتب سوري تستوقف من يقرأها، تتمحور حول رجلين يلتقيان عند موقف الحافلة، لم يُسلّم أي منهما على الثاني، ولم يبتسم أي منهما للآخر، كان كل منهما يروز الثاني بنظرة حادة . إذا جلس أحدهما على المقعد قام الثاني ونظر نظرة شزرة، ولا يلبث الواقف أن يتعب، فالشمس حارة وطاقة الصبر والأناة استهلكها العمل فيجلس، ويقوم الجالس وينظر نظرة قاسية ويدير ظهره . لم تصل الحافلة إلا وكان كل منهما يتمنى في سرّه سحق الآخر، كما يسحق صرصور تحت قدم حانقة .

تُعبر هذه الحكاية عما يمكن أن ندعوه سيكولوجياً المواطن العربي البسيط على امتداد رقعة هذا الوطن الكبير، المواطن الذي تسحقه الأزمات المعيشية وتطحنه دوامة الحياة القاسية، وتهدر كرامته وهو يريق ماء وجهه مرات في اليوم الواحد جرياً وراء تأمين لقمة العيش له ولأطفاله، في أوطان تبدو الآفاق أمامها مسدودة، وفي مثل هذه الحالات تعمل آلة دعائية مغرضة على افتعال وهم لدى المواطن المسحوق بأن سبب انسحاقه هو شريكه الآخر في الشقاء، الواقف مثله في انتظار دوره في الحصول على سكن، أو تأمين قرض يتدبر به شؤون أطفاله .

إن ما فعلته التحولات العمياء التي شهدناها على مدار عقود قد أدى إلى سحق هذا المواطن وتغييبه وإهدار كرامته، وتفريغ عالمه الروحي وتجويفه، ودفعه نحو البحث عن الخلاص في نفي شريكه في الوطن والمجتمع والتاريخ عبر استثارة موروث الخلافات المذهبية أو العرقية أو سواها، وإعادة تزويدها بالوقود اللازم لتستخدم في أغراض راهنة، من خلال استفزاز الهويات الفرعية، إما بتسعيرها أو بازدرائها، مما يؤدي في الحالين إلى تأجيج الكراهية وإطالة أمدها، فالهويات يجري ترشيدها بالخطاب العقلاني، ويجري دفعها نحو التطرف بخطابات العنف اللفظي وغير اللفظي .

اقرأ المزيد

روابط حماية الثورة


حلت الذكرى الثانية لما كان اعتُقِد أنها ثورة من أجل الكرامة والحرية في تونس ومصر (14 و25 يناير/كانون الثاني 2011) والبَلَدان مازالا غارقين في مشكلات المرحلة الانتقالية . في تونس عمل النظام الجديد الذي يقوده حزب الإخوان المسلمين (حزب النهضة) على تجميع أطياف الحركات الإسلامية  اليمينية المتطرفة، وبضمنها الجماعات السلفية القاعدية الهوى والسلوك، تحت عباءته، ووضع المجتمع على شفا هاوية المواجهة التي تبدو شبه محتومة بين حكام الإسلام السياسي الجدد المصممين على تديين المجتمع التونسي، وبين القوى المدنية التي تشكل السواد الأعظم من شرائح المجتمع المتمسكة بالدفاع عن مسار تمدين وتحديث المجتمع والحفاظ على مكتسباته .

وفي مصر يكاد السيناريو التونسي يتكرر بحذافيره تقريباً، من حيث نزوع حزب الإخوان المسلمين (حزب العدالة والتنمية) الذي صعد إلى سدة السلطة في أعقاب ثورة 25 يناير الشبابية والشعبية، للهيمنة بصورة كلية وفورية، وعلى نحو صريح لا يحتمل التأويل، على مفاصل الدولة كافة، حتى غدت هذه المقاربة الإخوانية المصرية للهيمنة، مضرباً للمثل . فلقد شبه حزب الاستقلال المغربي تغول حزب الإخوان المسلمين في المغرب (حزب العدالة والتنمية) بزعامة عبدالإله بن كيران الذي يترأس ويقود الحكومة الحالية بالشراكة الجزئية مع حزب الاستقلال بزعامة عباس الفاسي، شبّه تغوله في السلطة بما يبذله حزب العدالة والتنمية في مصر من جهود محمومة للهيمنة على السلطة في مصر . بل إن حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال اتهم حزب عبدالإله بن كيران الحاكم بمحاولة “مصرنة” أو “تمصير” المغرب . وهو يقصد بذلك طريقة “تكويش” إخوان مصر على كل مفاصل الدولة المصرية .

على أن التطور اللافت في هذا التغوّل السلطوي لقوى الإسلام السياسي القابضة اليوم على السلطة في بلدان “الربيع العربي”، هو قيام الأحزاب الجديدة الحاكمة في تونس ومصر، وإلى حد ما في المغرب أيضاً، بإنشاء تشكيلات مليشياوية شبه عسكرية تحت مسمى ذي دلالة هو “رابطات حماية الثورة” تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر للأحزاب الحاكمة في تونس (النهضة)، ومصر (حزب العدالة والتنمية)، وذلك بهدف حماية “مكتسبات الثورة” ومنع فلول الأنظمة السابقة من العودة إلى السلطة على حد زعمهم، بينما هي في الحقيقة لتثبيت وتوطيد أركان هذه الأنظمة التي تتجه إلى بناء ديكتاتورية جديدة وفقاً للاتحاد العام التونسي للشغل ولأحزاب المعارضة الكبرى في تونس وأحزاب المعارضة المصرية .

وقد تم استخدام هذه المجاميع المليشياوية بالفعل ضد المتظاهرين السلميين في مصر وفي تونس، حتى إن التهامي العبدولي كاتب الدولة المكلف الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية التونسية عن حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات المشارك في “ترويكا” الائتلاف الحكومي، وصف “رابطة حماية الثورة” في تونس بأنها “عصابات لتخريب الثورة” . وحذر من وجود مخاوف لدى الأوروبيين والأمريكيين من مسار الانتقال الديمقراطي في تونس نتيجة ما سماه مجموعات “حماية الثورة” .

في تونس، حيث كان إقحام “رابطة حماية الثورة” في صراع حزب النهضة وحلفائه السلفيين مع أحزاب المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني، فاقعاً وفظاً، فقد انعكس ذلك سلبياً على سمعة حزب النهضة متمثلاً في صراع مفتوح مع أحد أكبر مراكز القوى الاجتماعية في تونس وهو الاتحاد التونسي للشغل الذي يصر على شرط حل “رابطات حماية الثورة” قبل الدخول في حوار مع الحكومة .

السؤال الآن لماذا إنشاء مثل هذه التشكيلات شبه العسكرية التي لن تتردد في ارتكاب الفظائع مدفوعة بأيديولوجيتها الإقصائية المتعصبة بحجة حماية الثورة؟ . . أية ثورة؟ . . فليس هناك ثورة بالمعنى الدلالي والعملي لمفهوم الثورة في المعاجم السياسية المختلفة والمتعارف عليها دولياً، إلا لو أن الإخوان وحلفاءهم اخترعوا مفهوماً ومعنى جديدين للثورة .

أما إذا كان المقصود بالثورة – من وجهة نظر الإسلام السياسي الجديد – تحقيق عنوانها الأبرز وهو التغيير، فإننا سنُقر بأن التغيير متحقق في هذه الحالة أو هو في طريقه إلى ذلك، إنما هو ليس تغييراً تقدمياً كما تفترضه فلسفة الثورة في التغيير، بقدر ما هو تغيير ارتدادي خصوصاً على صعيديه الاجتماعي والثقافي اللذين هما على أية حال مرآة عاكسة للأداء الحكومي العام على الصعيد الاقتصادي ومستواه التنفيذي، أي المستوى السياسي .

ثم إن هذا التدافع المحموم والباغي سرعة الانتهاء من “إعادة هيكلة” مؤسسات الدولة والإطباق عليها، بعد إضافة نكهة “رابطات حماية الثورة” الخاصة بفلسفة حكم القوى الجديدة الطارئة على الحكم في بلدان “الربيع العربي”، إلى مزيجها، ليس سوى إعادة إنتاج ونسخ لنموذج الدولة العميقة المزاحمة والحاجبة للوظائف التنموية الأصيلة والحقيقية للدولة المشهرة كجهاز تسيير مجتمعي . وحين تتمكن مراكز قوى الدولة العميقة من إعادة لملمة شتاتها وطاقاتها، بثوب إسلامي سياسي جديد هذه المرة، وبمساعدة وخبرات قوى الدولة العميقة للنظام السابق، فإن الأبواب تكون قد عادت لتُفتح على موجة استبداد جديدة لا تستقيم مع البناء التنموي، فضلاً عن البناء الديمقراطي .

لتأتي المحصلة بعد كل تلك التضحيات التي قدمها شباب ثورات “الربيع العربي” وكأنها “ضربة مقص خلفية” -  بالتعبير الكروي -  قياساً إلى الوضع العام الذي كان سائداً في البلاد قبل الثورة، إن لم يكن أسوأ .

اقرأ المزيد

وطن أثخنته الجراح

ما جرى خلال الأيام الماضية يوضح متغيرات عميقة في واقع الحياة اليومية. لقد كان متوقعاً أن تتوتر الأجواء مع الذكرى السنوية الثانية للرابع عشر من فبراير، ولكن ما لم يكن متوقعاً هو انتشار الحواجز داخل المناطق السكنية بصورة مكثفة أدت إلى إغلاقها بصورة شبه كاملة، وتبع ذلك إصابات ليست قليلة أدت إلى وقوع قتيلين. وفي الوقت الذي نعزي ونواسي عوائل الضحايا والمجروحين، فإن ما يحز في القلوب أيضا هو أننا نشهد وطناً أثخنته الجراح.

لا شك لدي إن بالإمكان تفادي الكثير مما حدث منذ بداية الأزمة، وحتى الآن أيضاً، وعلى رغم أن الصعاب قد تعاظمت فإنه لا مجال أمامنا سوى مواجهة التحديات بصدق، سعياً إلى إيجاد حل سياسي يقوم على أسس ثابتة تتطلب اشتراك من يعنيه الأمر في الحل مباشرة، واستعادة الثقة بين الأطراف، وتنفيذ جاد وسريع لإجراءات تصحيحية أوصى بها تقرير تقصي الحقائق في نوفمبر / تشرين الثاني 2011 وتوصيات جنيف في سبتمبر / ايلول 2012.

لا يمكننا الاستمرار في التعامل مع الأزمة على الطريقة التي أدت إلى تعميق الجروح. فمن جانب هناك من يدعي أن فئة مجتمعية كبيرة جداً بكبارها وصغارها، برجالها ونساؤها، وبجميع توجهاتها وأصنافها «تأتمر بالخارج». وعندما تصبح هذه المقولة مملة وغير فاعلة في تضييع الموضوع تجد أن الحديث يتجه للقول «إن المشكلة بين طائفتين مختلفتين على كل شيء». وثم إذا أصبحت هذه المقولة مملة أيضاً ينتقل الحديث إلى «أن المشكلة بين المعارضين والجاليات الأجنبية التي يفوق عددها كل المواطنين من الطائفتين». هذا الطرح أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن، والاستمرار فيه سيعني المزيد من الجراح والآلام.

بالنسبة للكثير من المراقبين ومن اطلع على وضع البحرين أو اشترك في لجنة تحقيق، فإن المشكلة لدينا محددة بشكل واضح، وكل ما يتطلب الأمر هو إفساح المجال للمصارحة بشأنها، ومن ثم الشروع في اتخاذ خطوات واضحة كوضوح الشمس. وعليه، فإن محاولات تضييع معالم المشكلة وتشويشها انما يؤدي إلى تعقيد الحل، والأخطر من ذلك أن البعض يطرح صياغة غير واقعية لطبيعة المشكلة مما يجعلها أصعب بكثير مما لو كان التعامل مع قضية واضحة المعالم. إن العقل البشري أثبت قدرته على قضايا مستعصية، وقضيتنا ليست أكثر تعقيداً من غيرها لو استثمرنا عقولنا لحلها بصورة أفضل.

منصور الجمري
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3815 – السبت 16 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

الشهيد الجزيري… وسقطات مؤسسة حقوق الإنسان

صدر يوم الخميس (14 فبراير/ شباط 2013) أول بيان للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بشكلها الجديد، وتركيبتها الفريدة، ولربما هو التوقيت السيئ وحده الذي أوقع أول بيان للمؤسسة ليصادف أمرين، الأول ذكرى الرابع عشر من فبراير، والثاني استشهاد الطفل حسين الجزيري.

فقد صرّح وزير شئون حقوق الإنسان صلاح علي بأن «الانطلاقة الثانية الجديدة للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان ستكون أكثر ثباتاً وتوازناً؛ وأن المؤسسة ستكون منارة من منارات حقوق الإنسان وبيتاً للخبرة والمشورة في ميدان حقوق الإنسان».

جاء البيان الأول للمؤسسة «مرتبكاً» وضعيفاً، وغير قادر على تلمس الواقع، فقد تحدّث عن حادثة مقتل الشهيد حسين الجزيري، وحاولت المؤسسة الوطنية أن تضفي على نفسها ببيانها أكبر قدر من الاستقلالية والحيادية، إلا أنها عجزت عن ذلك، فلم تستطع أن تبعد «هيبة» السلطة ومخاوفها منها عن مفردات بيانها الملغومة.

شاءت الأقدار أن يكون أول اختبار للمؤسسة بحلّتها الجديدة، من العيار الثقيل، إذ وضعها على المحك لإثبات المصداقية والاستقلالية، فعجزت عن ذلك، بعد عدة سقطات جوهرية.

أول سقطات المؤسسة هي مفردة «الأسف» لوفاة الشاب حسين الجزيري، وليس الإدانة للحادثة، والتي برمتها مخالفة لكل ما جاء في «مدونة سلوك رجال الشرطة»، وما هو متعارف عليه دولياً في طرق التعامل مع مثل هذه الاحتجاجات، حتى اعترفت وزارة الداخلية بإحالة أفراد من قواتها للتحقيق.

السقطة الثانية، في الجملة ذاتها «الشاب» فقد عجزت المؤسسة والتي هي من المفروض مشكّلةً من عددٍ من الحقوقيين والقانونيين، الذين يلمون إلماماً كاملاً بالتشريعات المحلية قبل الدولية، فقد أثرت «سلطة» السلطة على المؤسسة، وحرفت مما يمكن أن يكون لها من حيادية واستقلالية، وغيّرت المؤسسة من تصنيف الفئة العمرية واعتبرته شاباً، بينما هو وفقاً للقانون المحلي والدولي مازال طفلاً، إذ يبلغ من العمر 16 عاماً وخمسة أشهر تقريباً حتى يوم وفاته (مواليد يوليو/ تموز 1996)، مع العلم أن الحكومة ذاتها اعترفت بأنه طفل.

ربما غاب عن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان قانون رقم (37) لسنة 2012 بإصدار قانون الطفل، ونص المادة (4) التي نصت بوضوح «يقصد بالطفل في هذا القانون كل من لم يتجاوز ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة وذلك مع مراعاة القوانين النافذة الخاصة المنظّمة لمن هم دون هذا السن. ويكون إثبات سن الطفل بموجب شهادة ميلاد أو بطاقة شخصية أو أي مستند رسمي آخر».

المسألة ليست خطأً أو سهواً، في التفريق بين الطفل والشاب، بل في التداعيات الحقوقية والسياسية، التي يعلمها جيداً القائمون على المؤسسة، من مفردة «الطفل» وتأثيرها البالغ، والكلّ يعلم بفارق قتل طفل، وقتل شاب، وخصوصاً في مثل ما نشهده من أحداث.

فقد نصت المادة (8) من القانون ذاته على أن «يكون للطفل الأولوية في الحصول على الوقاية والإغاثة عند الكوارث الطبيعية أو تلك التي هي من صنع الإنسان أو الحروب»، والسؤال إلى المؤسسة والقائمين عليها: هل كانت الأولوية حماية الطفل حسين أم قتله؟ (يمكن مراجعة الصورة التي توضح ذلك والتي انتشرت في كل مكان).

السقطة الثالثة للمؤسسة، وهي مقصودةٌ أيضاً بذكر وفاة الشاب حسين الجزيري، وليس مقتل الشاب حسين الجزيري، والفرق بين الأمرين كبيرٌ جداً.

فالموت هو حالة توقف الكائنات (الحية) نهائياً عن النمو والاستقلاب والنشاطات الوظيفية الحيوية (مثل التنفس والأكل والشرب والتفكر والحركة إلخ)، وهو فعل بإرادة ربانية من دون تدخل عوامل بشرية، أما القتل فهو فعلٌ يحصل به إزهاق روح. ويقال: «إن القتل فعل من العباد تزول به الحياة».

الحقوقي الحصيف، عندما يشاهد صورة الشهيد، سيعلم بما لا يدع مجالاً للشك، أن ما حدث هو «إزهاق لروح» وليس وفاةً، وحتى بيان وزارة الداخلية اعترف بذلك، وتحدّث وسيتحدث عن حالة «دفاع عن النفس» كما اعتدنا على ذلك، إلا أن الغريب في المؤسسة حديثها عن المحاسبة في حال «ثبتت المسئولية»، وهو ما يوضح لنا أن القائمين على مؤسسة حقوق الإنسان قد لا يثبت لهم تحمّل مسئولية أحد في وفاة (قتل الشهيد) الجزيري، وهي السقطة الرابعة في بيانهم المقتضب.

والسؤال: هل عجزت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان وبحلتها الجديدة عن التفريق بين حالة الوفاة والقتل، والطفل والشاب، لدرجة اختلطت عليها الأمور، بحيث أصبحت غير قادرةٍ على تشخيص «المسئولية» التي قد تصبح غير موجودة، فأصبح بيانها فاقداً للقيمة المهنية والأخلاقية في آن واحد، ولتعبر عن أسفها العميق لما حدث؟

هاني الفردان
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3815 – السبت 16 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

بعد عامين: أنا إعلامي أنت طبيب ونحن مواطنون – سوسن دهنيم

ونعود للرابع عشر من فبراير/ شباط وما جرى بعده قبل عامين، منذ سقوط الضحية الأولى عشية ذلك التاريخ، وحتى توالي الضحايا التي بدأت بعد ذهاب المحتجين إلى دوار اللؤلؤة، يومها أطل جلالة الملك علينا من شاشة التلفاز الصغيرة لقناة البحرين الفضائية داعياً الى أن يكون اليوم التالي يوم حداد رسمي على «الضحايا» في البحرين.

ولأن الإعلان جاء من الملك مباشرة، ما يعني أن المشاركة في إحياء هذا الحداد لن تعود بالضرر على أحد، قرر بعض الإعلاميين ممن راعهم منظر الدماء على أجساد الضحايا، وشكلت أحداث الأيام الثلاثة صدمة لهم، أن يذهبوا في وقفة تضامنية مع عوائل الشهداء كان من المقرر أن تكون في مجمع السلمانية الطبي لولا الهجوم الذي تعرض له المتواجدون هناك في اليوم المقرر، فتحولت الوقفة إلى مسيرة احتجاجية تضامنية الى الدوار في اليوم التالي.

في تلك المسيرة لم يرفع الإعلاميون شعار تسقيط اي رمز من رموز الحكم، لكنهم هتفوا بضرورة إيقاف صحف الفتنة وضرورة تحييد الإعلام وطالبوا وزير الإعلام حينئذٍ بالتنحي إن لم يحقق إعلاما متزناً ينقل الحقيقة كاملة.

الإعلاميون طالبوا ببيئة صحية تتيح لهم ممارسة مهنيتهم بشكل سليم من غير تدخلٍ من رقيبٍ أو سلطةٍ أو «أوامر من فوق» ومع ذلك استدعي كثير منهم للتحقيق في فترة السلامة الوطنية واعتقل بعضهم الآخر والسبب: المشاركة في هذه المسيرة فاتهموا بمطالبتهم بإسقاط النظام وبتهم أخرى كالتواصل مع جهات أجنبية وبث أخبار كاذبة والمشاركة في احتجاجات واعتصامات غير مرخصة، وكانت جميع المسيرات والاعتصامات في الدوار حينها مرخصة، لكن بعض الإعلاميين بقي في المعتقل لفترات طويلة وبعضهم بقي لساعات وما لقيه من تعذيب وشتم يوازي ما لقيه غيره ممن قضى أياماً في المعتقل.

الإعلاميون كانوا شهوداً على ممارسات لا يمكن أن يقبل بها إنسان حر، فجرى عليهم ما جرى، ومثلهم كان الأطباء الذين عالجوا جراحاً بأعداد لم يشهدوا مثلها في تاريخ عملهم، وشهدوا ارتفاع أرواح الضحايا إلى بارئها واحدة تلو الأخرى. منهم من كان شاهداً على تجاوزات رجال الأمن أيضاً من خلال تعرضه للضرب والاعتداء بالرغم من أنه كان يرتدي زيه الرسمي الذي يدل على مهنته، ومنهم من كان شاهداً على انعدام انسانية المسئولين في وزارة الصحة حينها ممن منعوا انطلاق سيارات الإسعاف إلى مواقع الجرحى. ولأنهم كانوا شهوداً على ما ذكرت وما لم أذكر لاقوا ما لقيه الإعلاميون وربما أشد.

الفصل والتنكيل والتعذيب والشتم لقيه جميع أطياف الشعب ممن شاركوا في الاحتجاجات أو كانت لهم آراء سياسية قد لا تروق للسلطة أو للموالين لها مولاة تامة من غير الالتفات إلى أخطائها وزلاتها التي لا تخفى على أحد.

اليوم وبعد عامين مازال الضحايا يسقطون ومازال المفصولون يطالبون بعودتهم لأعمالهم ومازالت القضايا الكيدية في المحاكم تنتظر قضاءً عادلاً يحكم ببطلانها.

سوسن دهنيم
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3815 – السبت 16 فبراير 2013م
اقرأ المزيد

قانون العمل الجديد… أسوأ قانون تشهده البحرين – علي محسن الورقاء

(1)

قلنا ذات مرة، في مقال سابق في شأن «ما يجب أن تكون عليه هوية القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها»، أنه يتوجب أن تتوافر في هؤلاء ثلاث مميزات على الأقل، وهي: (أولاًً) معرفة القاعدة القانونية؛ من حيث الإحاطة بأبعادها وشروطها وكيفية صياغتها؛ (وثانياً) الخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره؛ (وثالثاً) معاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وحيث صدر قانون العمل الجديد رقم (36) لسنة 2012 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 2 أغسطس/ آب 2012 في العدد 3063 والذي تصدرت بداية وزارة العمل بمفردها لإعداد مسودته واقتراح نصوصه منذ عام 2001 ثم انتهى الأمر إلى إصداره بنصوصه الحالية، فأُلغي بموجبه قانون العمل القديم رقم (23) لسنة 1976 قانون رقم (14) لسنة 1993.

وبمراجعة القانون الجديد أوقفتنا العديد من نصوصه التي تحيط بها الكثير من المآخذ، سواءً من حيث الشكل أو الصياغة أو المضمون، التي لم نكن نتوقعها مطلقاً، وخاصةً أن ولادة هذا القانون جاءت بعد حملٍ دام إحدى عشرة سنة يفترض أن يكون حسن الخلقة مكتملاً غير مشوه.

وعلى رغم أن هذا القانون تضمن بعضاً من النصوص لصالح المرأة العاملة، إلاّ أن هذه النصوص لا تعدو سوى نقاط صغيرة بيضاء في وسط دائرة كبيرة سوداء كاتمة، ما يجعلنا نخرج بمحصلة نهائية أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهده مملكة البحرين.

ولكي لا نطيل في المقدمة نبدأ في الولوج في نصوص هذا القانون ونختار بعضاً من نصوصه ضمن دائرته السوداء، لنعقب عليها مادةً تلو الأخرى بالتعليق عليها في حلقات متسلسلة ومتتابعة نبدأها في هذه الحلقة، بما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة الرابعة على أن «يستمر العمل بأية مزايا أو شروط أفضل تكون مقررة أو تقرر في عقود العمل الفردية أو الجماعية أو أنظمة العمل بالمنشأة أو غيرها أو بموجب العرف».

هذا النص، رغم ركاكته وسوء صياغته بشكل لا يليق أن يكون نصاً في القانون، بحيث يظهر أن من قام بصياغته غير محيط بأبعاد القاعدة القانونية ولا يحسن صياغتها، فقد جاء – علاوة على ذلك – مغايراً لنص قانوني يقابله في المادة رقم (153) من قانون العمل الملغى لسنة 1976 التي ورد فيها النص التالي: «ولا يجوز المساس بما اكتسبه العامل من حقوق بمقتضى أية اتفاقية أو لوائح النظم الأساسية أو قرارات التحكيم أو ما جرى العرف أو اعتاد صاحب العمل على منحه للعمال».

وبمقارنة النصين السابقين نلحظ أن قانون العمل الجديد لسنة 2012 وقف موقفاً سلبياً في غير صالح العمال، وهذا الموقف السلبي سندرك لاحقاً كم هو ضار للغاية، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: كان يفترض أن يؤكد النص سابق الذكر بعبارة واضحة لا تحتمل التأويل وبقاعدة آمرة على «عدم المساس بما اكتسبه العمال من حقوق» على النحو الذي جاء في نص المادة رقم (153) من قانون العمل السابق لسنة 1976. وهو ما خلا منه نص المادة الرابعة من قانون العمل الجديد.

ثانياً: من المقرر – طبقاً لما نصت عليه معظم القوانين والاتفاقيات العمالية الدولية – أن الحقوق العمالية تكتسب بمقتضى إحدى المصادر التالية: القانون، أو عقد العمل، أو لوائح الأنظمة الأساسية للمنشأة، أو قرارات التحكيم، أو العرف، أو ما اعتاد صاحب العمل على منحه للعمال.

وهذه المصادر الستة نص عليها قانون العمل القديم على نحو ما تقدّم، تضفي على الحقوق العمالية صفة الحق المكتسب، بحيث يستطيع العامل بمقتضى أي واحد من هذه المصادر أن يطالب بالحق بصفته حقاً مكتسباً، ومن بين هذه المصادر كما ذكرنا «ما قد اعتاد صاحب العمل على منحه له بصورة منتظمة».

بيد أننا لو قمنا بمقارنة نص المادة رقم (153) من قانون العمل الملغى لسنة 1976 ونص المادة الرابعة من قانون العمل الجديد سابق الذكر لوجدنا أن هذا الأخير قد حذف مصدراً مهماً من مصادر الحق وهو «ما اعتاد صاحب العمل على منحه للعمال».

فلو افترضنا مثلاً أن بنكاً من البنوك قد اعتاد على أن يصرف لموظفيه أو لبعض منهم أجر شهرٍ إضافي بنهاية كل عام ميلادي (وهو ما يطلق عليه أجر الثالث عشر) وكان هذا الاعتياد غير مبني على اتفاق صريح في عقد العمل، فإن هذا الاعتياد بمقتضى قانون العمل القديم يصبح حقاً مكتسباً للموظفين لا يستطيع البنك المساس به، من حيث أنه جاء بمقتضى قاعدة قانونية آمرة. في حين أن قانون العمل الجديد حذف عبارة «ما اعتاد صاحب العمل على منحه للعمال» ما يعني أنه حذف مصدراً من مصادر الحق آنفة الذكر، وبالتالي يستطيع البنك في مثل الحالة المشار إليها أن يلغي صرف الراتب الثالث عشر مهما طالت مدة اعتياده على صرفه لموظفيه، ولن يكون ملزماً به كحق مكتسب بحكم القانون الجديد.

لذلك وبناءً على ما تقدّم نكون قد وقفنا على سوأة من مساوئ قانون العمل الجديد، وسنقف بالتتابع على باقي هذه المساوئ في الحلقات المقبلة.

(2)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم

(36) لسنة 2012 أشرنا في الحلقة الأولى إلى وجوب أن تتوفر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات هي: (أولاً) معرفة القاعدة القانونية؛ من حيث الإحاطة بأبعادها وشروطها وكيفية صياغتها.

(وثانياً) الخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره. (وثالثاً) معاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

ووقفنا في الحلقة السابقة على نص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من القانون المذكور، والتي من خلالها أثبتنا سوء صياغة هذا النص بما يوحي أن القائمين على إعداد مسودة القانون المذكور يفتقرون إلى إحدى المميزات السالف ذكرها، فضلاً عن كون النص المشار إليه جاء في غير صالح العمال، وكأن المشرِّع قد أخذ موقفاً سلبياً نحو العمال استناداً للأسباب التي وقفنا عليها.

وفي هذه الحلقة سنقف على جانب من نصوص القانون المذكور لنثبت من خلاله مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته.

وذلك فيما يلي:

أولاً: في المادة العاشرة من المرسوم بقانون رقم (14) لسنة 1993 الذي ألغاه قانون العمل الجديد، جاء النص التالي: «على وزارة العمل ترشيح المقيدين لديها للوظائف والأعمال التي تناسبهم وتتفق مع سنهم وكفاءتهم الفنية…». هذا النص يحمل مضموناً سن بموجبه إجراءً قانونياً ملزماً التزمت به وزارة العمل طيلة السنوات الماضية، وهو ترشيح العاطلين المقيدين لديها للوظائف والأعمال التي تناسبهم. غير أن قانون العمل الجديد لسنة 2012 خلا من هذا النص تماماً، ما يعني أن المشرِّع رفع هذا الالتزام عن كاهل وزارة العمل.

وبإلغاء هذا الإجراء أصبحت وزارة العمل بمنأى عن أي التزام قانوني يلزمها بترشيح العاطلين المقيدين لديها ومتابعة تشغيلهم على نحو ما كانت عليه في الماضي، ليبقى التزامها محصوراً في قيد العاطلين، أو بالتنسيق مع جهات – لم يحددها القانون – لغرض توظيفهم طبقاً لما جاء في نص المادة التاسعة من قانون العمل الجديد.

و»الترشيح» المشار إليه لا يجوز تبسيط مفهومه ومضمونه ليوصف – بحسب ما يراه بعض المسئولين الجدد بوزارة العمل – بأنه مجرد اقتراح أو تنسيق لتوظيف العاطلين، إذ أنه بهذا التوصيف ننتهي إلى اجتزاء طبيعة الترشيح.

إنما هو في الحقيقة نظام يحمل في طياته توصية، أو ما يشبه بالأمر الإداري، في إطار خطة «بحرنة الوظائف» التي تخلت عنها وزارة العمل تدريجياً حتى أصبحت في «خبر كان».

وقد لمسنا في الماضي أن ترشيح وزارة العمل للمقيدين لديها للوظائف والأعمال التي تناسبهم وتتفق مع سنهم وكفاءتهم ومتابعة تشغيلهم وفق خطة بحرنة الوظائف كان له الأثر الملموس في توظيف نسبة لا بأس بها من العاطلين. وبإلغاء نظام الترشيح باتت وزارة العمل غير مسئولة عن أهم واجب وطني يفترض أن تقوم به على نحو ما كانت عليه في الماضي، وإن قامت به إنما تقوم به تفضلاً لا بموجب التزام قانوني.

وقد سبق أن صرح لنا أحد المسئولين بوزارة العمل خلال زيارتنا له لغرض ترشيح أحد الخريجين الجامعيين كان عاطلاً لأكثر من ثلاث سنوات ولا يزال عاطلاً، بقوله: «إن الوزارة غير مؤهلة لأن تُلزم أحداً بتشغيله وفقاً لمؤهلاته». ونحن في الواقع لا نلوم هذا المسئول لما صرح به، لأنه فطن بأن لا وجود لإلزام قانوني على هذه الوزارة بعد إلغاء النص الذي يلزمها بترشيح ذلك المواطن العاطل وإخلاء مسئوليتها من متابعة تشغيله، وبعد تعطيل خطة «بحرنة الوظائف» كما أشرنا.

ثانياًَ: بعد أن رأينا في الفقرة السابقة كيف أخلى المشرِّع (بمقتضى قانون العمل الجديد) مسئولية وزارة العمل من ترشيح العاطلين الوطنين المقيدين لديها ومن الالتزام بمتابعة تشغيلهم على نحو ما سلف بيانه، نجده اتخذ موقفاً أشد قسوة تجاه العامل الوطني استناداً لما يلي:

فبعد مراجعة قانون العمل الجديد نلحظ أنه ألغى المادة رقم (13) من قانون العمل لسنة 1976 التي ألزمت صاحب العمل بوجوب منح الأفضلية للوطني في الاستخدام، والتي جاء فيها «في حالة زيادة عدد العمال عن حاجة العمل يجب الاستغناء عن الأجنبي قبل العربي أو الوطني، وعن العربي قبل الوطني»…

بمعنى أنه كان يجب على صاحب العمل في حالة زيادة عدد عماله عن الحاجة أن يستبقي على العامل الوطني ويمنحه الأفضلية في الاستخدام دون العربي والأجنبي متى كان صالحاً لأداء العمل.

أو بمعنى آخر كان لا يجوز لصاحب العمل في حالة زيادة عماله عن الحاجة أن يفصل العامل الوطني ولديه عامل عربي أو أجنبي يماثله. وبإلغاء المادة

(13) المشار إليها جاز القول بأن قانون العمل الجديد ألغى أفضلية العامل الوطني في الاستخدام على غيره من الأجانب، فجعل العامل الوطني والأجنبي متساويين في حق الاستخدام.

وبناء على ما تقدم في الحلقة الأولى وفيما أشرنا إليه أعلاه يثبت أن المشرِّع بموجب قانون العمل الجديد قد أخذ موقفاً سلبياً فيه أكثر قتراً وبخلاً وحيفاً بحق العامل الوطني.

ثالثاً: جاء في المادة رقم (12) من قانون العمل الجديد «يجب على صاحب العمل أن يسلم العامل إيصالاً بما يودعه لدى صاحب العمل من أوراق أو شهادات أو أدوات. ويلتزم صاحب العمل بأن يرد للعامل عند انتهاء عقد العمل ما يكون قد أودعه لدى صاحب العمل».

هذا النص يوضح لنا بجلاء الاعوجاج المتين في الصياغة، وبما يثبت مجدداً أن الأيادي التي صاغت نصوص قانون العمل الجديد ليست مؤهلة لذلك.

ولنا لقاءات أخرى في الحلقات القادمة لنكتشف من خلالها المزيد من هذا الاعوجاج في الصياغة والتعبير والشكل، والمزيد من الحيف الذي وقع على العمال من خلال قانون العمل الجديد. ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهده مملكة البحرين.


 

(3)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2012 كنا قد بدأنا الحلقتين السابقتين بالإشارة إلى وجوب أن تتوفر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات هي: (أولاً) معرفة القاعدة القانونية؛ من حيث الإحاطة بأبعادها وشروطها وكيفية صياغتها. (وثانياً) الخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره. (وثالثاً) معاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وقد وقفنا في الحلقتين الماضيتين على بعض نصوص قانون العمل المذكور وأثبتنا سوء صياغتها بما يوحي أن القائمين على إعداد مسودة القانون يفتقرون لإحدى المميزات السالف ذكرها، كما رأينا كيف أن تلك النصوص هي في غير صالح الأجراء، وكأن المشرِّع قد أخذ موقفاً سلبياً نحو العمال على ضوء ما كنا قد انتهينا إليه.

وفي هذه الحلقة (الثالثة) سنقف على جانب آخر من نصوص القانون المذكور لنثبت مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته، وذلك فيما يلي:

أولاً: تنص المادة رقم (13) من قانون العمل الجديد على أنه «يجب على صاحب العمل إعطاء العامل – أثناء سريان عقد العمل أو عند انتهائه ودون مقابل – شهادة بما يطلبه من بيانات بشأن تاريخ التحاقه بالعمل ونوع العمل الذي قام به والأجر والمزايا الأخرى التي حصل عليها وخبرته وكفاءته المهنية وتاريخ وسبب انتهاء عقد العمل». هذه المادة تقابلها المادة رقم (119) من قانون العمل القديم ونصها هو «يمنح العامل شهادة خدمة تتضمن بياناً لمهنته ومدة خدمته وآخر أجر تقاضاه، ويرد إليه ما قد أودعه لدى صاحب العمل من أوراق أو شهادات أو أدوات».

وبمقارنة نص المادتين المذكورتين نلحظ سوء صياغة نص المادة رقم (13) من قانون العمل الجديد وعدم انتظام تركيبتها اللغوية على خلاف نص المادة (119) من قانون العمل القديم، إلاّ أن مساوئ نص المادة الأولى في الصياغة والتركيب اللغوي ليس لها من تأثير كبير مقارنةً بالضرر الذي يحمله مضمون هذا النص. فبالعودة إلى هذا النص نجد خلاصة مضمونه أنه يُلزم صاحب العمل بأن يصدر للعامل شهادة خدمة يبين فيها تاريخ التحاقه بالعمل ونوع عمله وأجره وتاريخ انتهاء خدمته وأسباب انتهائها.

ومن المقرر أنه عندما يُلزم القانون صاحب العمل بأن يذكر أسباب انهاء خدمة العامل أو سبب فصله من العمل في شهادة الخدمة المقدّمة إليه، فإن ذلك يعد أمراً خطيراً يحيق بالعامل لم نجده في جميع التشريعات العمالية الدولية، بما فيها قانون العمل البحريني القديم، لكونه يحمل في ثناياه ضرراً محضاً بالغ الشدة يصيب العامل على وجه التأكيد في بعض الحالات، كأن يكون إنهاء خدمة العامل أو فصله بسبب فقد الثقة فيه بعد أن اتهمه صاحب العمل بجرم السرقة مثلاً.

فعندما يذكر صاحب العمل هذا السبب في شهادة الخدمة سيكون ضرر هذه الشهادة على العامل أكثر من نفعها لأنها تصبح بمثابة دليل إدانة ضده، ما يضطره للاستغناء عنها بالتأكيد، وباستغنائه عنها يكون قد فقد أهم مرجع يثبت خبرته وسنوات خدمته.

علماً أن قانون العمل القديم – حاله كحال التشريعات العمالية المقارنة – كان قد حرَّم على صاحب العمل ذكر أسباب انهاء خدمة العامل في شهادة خدمته خشية أن يضار العامل من ذكرها، في حين يأتي لنا قانون العمل الجديد ليفرض على صاحب العمل بقوة القانون وجوب ذكر أسباب فصل العامل وأسباب إنهاء خدمته في شهادة الخدمة على نحو ما جاء في النص. ولذلك نخلص إلى القول ان قانون العمل الجديد في هذا الجانب قد أصاب العمال في مقتل. ولا ندري ما الحكمة من وراء ذلك يا ترى! وأي حكمة هذه التي يوظف لها قانون العمل للإضرار بالعمال بدلاً من أن يكون موظفاً لحمايتهم؟

ثانياً: تنص المادة رقم (22) من قانون العمل الجديد على انه «يحظر على صاحب العمل أن يخرج على الشروط المتفق عليها في عقد العمل الفردي، أو عقد العمل الجماعي، أو أن يُكلِّف العامل بعمل غير متفق عليه إلاّ إذا دعت الضرورة إلى ذلك منعاً لوقوع حادث أو إصلاح ما نشأ عنه، أو في حالة القوة القاهرة، على أن يكون ذلك بصفة مؤقتة. وله أن يُكلِّف العامل بعمل غير المتفق عليه إذا كان لا يختلف اختلافاً جوهرياً عن عمله الأصلي، ويشترط عدم المساس بحقوق العامل».

«ويجوز لصاحب العمل تدريب العامل وتأهيله للقيام بعمل مختلف عن العمل المتفق عليه تمشياً مع التطور التكنولوجي في المنشأة…».

فلو تأملنا قليلاً في الفقرتين السابقتين سنجد فيهما ما يثير العجب:

(1) فبعد أن نص القانون في الفقرة الأولى بعدم الخروج على الشروط المتفق عليها في عقد العمل، وعدم تكليف العامل بعمل يختلف اختلافاً جوهرياً عن عمله الأصلي، عاد في الفقرة الثانية ليعطي لصاحب العمل حق تدريب العامل وتأهيله لمهنة تختلف عن المهنة المتفق عليها «تمشياً مع التطور التكنولوجي» بحسب ما جاء في النص، وهذا يعد تناقضاً ظاهراً في النص.

وكما هو متفق عليه أن التناقضَ في النصوص يزدريها، كما يزدري التناقضُ الأحكام القضائية. مع ملاحظة أن ظاهر النص يشير إلى تدريب العامل وتأهيله لوظيفة غير الوظيفة التي يشغلها، وهو أمر يثير العجب بحق.

فلو افترضنا مثلاً أن مستخدماً يعمل بمهنة مهندس متفق عليها بمقتضى شروط عقد العمل، وحيث رأينا أن القانون – بناء على الفقرة الأولى أعلاه – يُحرِّم على صاحب العمل الخروج على شروط العقد وتكليف هذا المستخدم بعمل يختلف عن عمله الأصلي، فكيف يحق لصاحب العمل في الوقت ذاته – بناء على الفقرة الثانية – إجبار المستخدم المذكور للتأهل لمهنة أخرى غير المهنة الأصلية! وليت أن القانون اشترط قبول العامل بذلك إنما جعله حقاً مطلقاً لصاحب العمل. وليت أنه أيضاً أسند حكمه هذا وعلّله بمقتضى مصلحة العمل لالتمسنا له عذراً، إنما أسنده وعلّله «للتماشي مع التطور التكنولوجي» فقط كما ورد في النص.

إذاً… هذا الحكم بتناقضه أليس هو من قبيل الهُراء؟

(2) بقراءتنا لنص الفقرة الثانية من المادة (22) السابقة، وبناءً على ما تقدم، نجد أن قانون العمل الجديد قد منح صاحب العمل – بناء على رغبته – حق إلزام العامل بتعلم مهنة غير المهنة المتفق عليها التي يعمل فيها عنده، وإن اختلفت عنها اختلافاً جوهرياً، ودون النظر إلى مصلحة العمل. فكأنه بذلك أعطى لصاحب العمل وحده وبدون مسوّغٍ قانوني، حق تقرير مسار حياة العامل المستقبلية وإجباره على تعلم مادة قد لا تروق له أو لا تتفق مع قدراته.

وطبقاً لمقررات واتفاقيات المنظمات الدولية لحقوق الإنسان؛ ان حرية العمل مكفولةٌ فلا يجوز لأحد إجبار أحدٍ على عملٍ غير راغب فيه، وهذا ما قرّره دستور مملكة البحرين في المادة (13) من أنه «لا يجوز فرض عمل إجباري على أحد إلاّ لضرورة قومية وبمقابل عادل أو تنفيذاً لحكم قضائي». فإذا كان إجبار شخص على عمل غير راغب فيه لا يجوز بموجب الدستور، فكيف يجوز لشخص أن يقرر مسار حياة شخص آخر دون إرادته وبدون مسوِّغ .

إنها بحق لصورةٌ مقلوبة، وهذه الصورة المقلوبة لم نرها إلاّ في قانون العمل الجديد، وهذه الصورة وما سبق لنا ذكرها ما هي إلاّ غيض من فيض.

ولنا لقاءات أخرى في الحلقات القادمة لنكتشف من خلالها المزيد من الحيف الذي وقع على العمال من قبل قانون العمل الجديد واعوجاج نصوصه شكلاً وصياغةً، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهد مملكة البحرين.


 

(4)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2012 أشرنا في الحلقات الثلاث السابقة إلى وجوب أن تتوفر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات هي: معرفة القاعدة القانونية؛ الخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره؛ ومعاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وقد وقفنا على بعض نصوص قانون العمل المذكور وأثبتنا من خلالها سوء صياغة تلك النصوص بما يوحي أن القائمين على إعداد مسودته يفتقرون إلى إحدى المميزات السالف ذكرها، كما رأينا كيف أن تلك النصوص هي في غير صالح الأُجَراء، وكأن المشرِّع قد أخذ موقفاً سلبياً نحو العمال على ضوء ما انتهينا إليه.

وحيث كنا ولانزال ننعت قانون العمل الجديد بأنه «أسوأ قانون تشهده البحرين»، استوجب التنويه إلى أن هذا النعت لم يكن بسبب ما علق بنصوصه من سوء صياغة وركاكة في التعبير، أو لسوء تنظيم وغير ذلك وحسب، أو لأنه تضمن نصوصاً ليست في صالح الأجراء؛ إنما سوأته العظمى تكمن في تراجعه إلى الأسوأ بحيث وجدناه قد سلب من العمال الكثير من الحقوق والمنافع والمميزات المقررة لهم في القوانين التي سبقته، أو زاد عليهم ثقلاً لم يكونوا يحملونه من قبل، في حين كان يفترض أن يأتي هذا القانون بالأفضل للأجراء، من حيث أنه يفترض كلما رقت الحضارة وتقدمت ثقافة المجتمع كلما سمت قوانين العمل بما تكفل للعمال حماية أكثر ورعاية أسمى ومصالح أوفى، لا أن تسلب منهم ما كان مقرراً لهم سلفاً، أو أن تُضيف ثقلاً عليهم لم يكونوا يحملونه من قبل، على نحو ما أثبتناه في الحلقات السابقة وما سنثبته تباعاً في الحلقات التالية. ولهذا جاز لنا أن ننعته بأنه «أسوأ قانون تشهد البحرين».

وفي هذه الحلقة (الرابعة) سنقف على جانب آخر من نصوص القانون لنثبت مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته، وذلك فيما يلي:

أولاً: تنص المادة رقم (40) من قانون العمل القديم لسنة 1976 «تُحرر جميع العقود باللغة العربية، وكذلك المراسلات والتعليمات والنشرات واللوائح التي يصدرها صاحب العمل لعماله».

وكان المشرِّع يهدف من وراء هذا النص حماية العمال العرب، وعلى وجه الخصوص العمال الوطنيين، خشية أن يوجه إليهم أرباب العمل إخطارات أو إنذارات أو تنبيهات بلغة أجنبية يصعب عليهم فهم مضمونها فتكون رغم ذلك حجة عليهم. ومن ثم كان يعتبر أي إخطار أو تنبيه محرر بلغة أجنبية لا يحظى بالحجية كورقة قانونية في مواجهة من أُرسل إليه من العمال ما لم يكن مشفوعاً بترجمة له باللغة العربية، وذلك استناداً للحكم الوارد في النص السابق. بيد أن قانون العمل الجديد حذف هذا النص من نصوصه، مما ترتب عليه أن أصبح صاحب العمل غير ملزم بتحرير مراسلاته وتعليماته ونشراته ولوائحه وإنذاراته التي يصدرها أو يوجهها للعمال باللغة العربية كما كان ملزماً بمقتضى قانون العمل السابق، دون أن نعرف الغاية من ذلك، اللهم إلاّ إذا رأى المشرِّعون الجدد أن البحرين أصبحت خارج المنظومة العربية، أو أنهم رأوا أن المستندات المحرّرة بلغة أجنبية وغير المترجمة مقبولة كدليل إثبات في مواجهة العمال خلافاً لقواعد الإثبات المقررة قانوناً. وفي غير ذلك يصبح حذف النص المشار إليه من قانون العمل الجديد مخالفاً لقواعد الإثبات بما يفضي إلى رفع الحماية عن العمال في هذا الجانب دون مسوغ، وفي ذلك إجحاف بحقهم.

ثانياً: تنص الفقرة الثانية من المادة رقم (11) من قانون العمل الجديد بالآتي: «يصدر الوزير، بعد أخذ رأي الوزارات المعنية وغرفة تجارة وصناعة البحرين والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين قراراً بتحديد اشتراطات ومواصفات المساكن وتحديد أصناف وكميات الطعام التي تقدم للعامل في كل وجبة…». «والوزير» المشار إليه في النص هو الوزير المختص بشئون العمل في القطاع الأهلي، أي وزير العمل، بحسب التعريفات الواردة في الفصل الأول من قانون العمل الجديد.

وبالعودة إلى النص أعلاه نجد أن قانون العمل الجديد قد أناط لوزير العمل تحديد اشتراطات ومواصفات مساكن العمال، وتحديد أصناف وكميات الطعام التي تقدم للعمال بعد التشاور مع الجهات المذكورة في النص. بيد أنه من المقرر أن تحديد اشتراطات ومواصفات مساكن العمال وتحديد أصناف وكميات الطعام هي من المسائل الصحية التي تختص بها وزارة الصحة العامة وحدها، وإن أي قرار بشأنها يجب أن يصدر من وزير الصحة وليس من وزير العمل، لذلك سبق وأن أصدر وزير الصحة القرار الوزاري رقم (8) لسنة 1978 بشأن تحديد الاشتراطات والمواصفات الصحية لمساكن العمال والذي لايزال معمولاً به حتى الآن.

وإذا كان هناك ثمة من يعتقد أن كل ما يتعلق بأمور العمال يقع تحت رقابة وإشراف وزارة العمل فهو خاطئ، ونؤكد له خطأ هذا الاعتقاد بدليل أنه في مجال الصحة لا يجوز للمفتش العمالي التابع لوزارة العمل التفتيش على كل ما يتصل بالأمور الصحية (ومنها مساكن العمال) إلاّ بصحبة مفتش من وزارة الصحة العامة، وذلك طبقاً لنص المادة رقم (22) من القرار الوزاري رقم (28) لسنة 1976 في شأن تنظيم أعمال التفتيش، التي تنص على أن «يتم ضبط المخالفات وتحرير المحاضر في مجالي الصحة والسلامة المهنية عن طريق مفتش العمل… وعلى مفتش العمل مصاحبة مسئول السلامة المهنية ومسئول الصحة المهنية بوزارة الصحة في هذا النوع من التفتيش كل بحسب اختصاصه».

فإذا كان الأمر ذلك، وجب قانوناً تحديد اشتراطات ومواصفات مساكن العمال، وتحديد أصناف وكميات الطعام التي تقدّم للعمال بموجب قرار يصدره وزير الصحة – وإنْ لزم الأمر أن يكون ذلك بالاتفاق مع وزير العمل – لا بقرار يصدره وزير العمل، وعلى ألاّ تُحشر غرفة تجارة وصناعة البحرين ومعها الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين في هذا الشأن باعتبارهما ليسا جهة اختصاص وغير مؤهلين لذلك.

وعليه فإن الفقرة الثانية من المادة رقم (11) من قانون العمل الجديد محل البحث هي إحدى الصور المقلوبة في هذا القانون، ولا نماري من يعتقد أن انقلاب هذه الصورة يعود إلى أن المشرعين الجدد يفتقرون إلى الميزة الثانية التي أشرنا إليها في بداية الكلام (الخبرة في مجال العمل)، ولذلك غاب عليهم معرفة الوزارة أو الوزير المختص في هذا الشأن.

ولنا لقاءات أخرى في الحلقات القادمة لنكتشف من خلالها المزيد من الإجحاف والحيف الواقعين على العمال من قبل قانون العمل الجديد واعوجاج نصوصه شكلاً وصياغةً، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهد مملكة البحرين، على أننا سنخصص الحلقة القادمة في شأن الأحكام الخاصة بالنساء العاملات وما طرأ على حقوقهن من تغيير في هذا القانون في غير صالحهن.


 

(5)

في تعليقنا على نصوص قانون العمل الجديد الصادر بالمرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2012 بدأنا الحلقات السابقة بالإشارة إلى وجوب أن تتوافر في القائمين على إعداد مسودة القوانين أو تعديلها ثلاث مميزات: معرفة القاعدة القانونية من حيث الإحاطة بأبعادها وشروطها وكيفية صياغتها؛ والخبرة في مجال العمل المرتبط بالقانون المراد تعديله أو إصداره؛ ومعاصرة الواقع بالتوطن أو الإقامة الطويلة.

وقد وقفنا في الحلقات الماضية على بعض نصوص قانون العمل المذكور ورأينا كيف أن تلك النصوص مجحفة بحق الأجَراء، وكأن المشرِّع مال إلى جانب أصحاب الأعمال وأخذ موقفاً سلبياً نحو العمال على ضوء ما انتهينا إليه.

وفي هذه الحلقة (الخامسة) سنقف على جانب آخر من نصوص القانون المذكور، وذلك في جانب من الجزء المتعلق بالنساء العاملات لنثبت من خلاله مجدداً صحة مآخذنا على هذا القانون وعلى القائمين على إعداد مسودته، وذلك فيما يلي:

أولاً: تنص المادة رقم (30) من قانون العمل الجديد «يصدر الوزير قراراً بتحديد الأعمال والمناسبات التي لا يجوز فيها تشغيل النساء ليلاً». هذه المادة تقابلها المادة رقم (59) من قانون العمل القديم لسنة 1976 التي تنص على أنه «لا يجوز تشغيل النساء ليلاً…. ويستثنى من ذلك دور العلاج والمنشآت الأخرى التي يصدر بشأن العمل بها قرار من وزير العمل».

وبمقارنة النصين نلحظ أن قانون العمل القديم اعتبر حظر تشغيل النساء ليلاً هو الأصل، وأن ما يقرره وزير العمل بجواز تشغيلهن ليلاً في حالات معينة هو الاستثناء، ذلك لأن المشرِّع كان قد نظر إلى النساء العاملات نظرة خاصة فمنع تشغيلهن ليلاً من حيث الأصل نظراً لتكوين المرأة الجسماني والصحي من جانب، ونظراً للتقاليد الموروثة في المجتمعات الإسلامية التي تتجه إلى وضع ضمانات لحماية المرأة خلقياً وتربوياً من جهة أخرى. بينما قانون العمل الجديد قلب الصورة رأساً على عقب فجعل جواز تشغيل النساء ليلاً هو الأصل، وما يقرّره وزير العمل بمنع تشغيلهن في حالات معينة هو الاستثناء. وهذا الانقلاب في الصور له تداعيات خطيرة على النساء العاملات لم يفطن إليه المشرّعون الجدد بالتأكيد. ومن تداعيات هذا الانقلاب:

سيكون من الآن وصاعداً لأصحاب الأعمال الحق في تشغيل النساء العاملات ليلاً في كل الأعمال وفي كل الأماكن دون استثناء إلى أن يصدر وزير العمل قراراً يستثني فيه الأعمال والأماكن التي لا يجوز فيها تشغيلهن ليلاً.

ولذلك نلتمس العذر من السيدات العاملات إنْ قلنا لهن عليكن الانتظار طويلاً إلى حين صدور هذا القرار.

إذا افترضنا جدلاً أن وزير العمل أصدر القرار المنتظر بشكل عاجل، والذي سيحدد فيه الأعمال والأماكن التي لا يجوز فيها تشغيل النساء ليلاً استثناءً من الأصل، غير أنه من المعروف أن الاستثناء هو من حيث الكم أقل من الأصل، بمعنى أن النساء سيجبرن على العمل ليلاً في كل الأعمال وفي كل الأماكن إلاَّ القليل فيما يستثنى منها.

وحيث ان الاستثناء لا يقبل القياس ولا التشبيه إنما هو محصورٌ فيما حُصر فقط، فإنه والحال ذلك يلزم حصر الأعمال والأماكن المستثناة التي لا يجوز تشغيل النساء فيها ليلاً وتحديدها تحديداً دقيقاً ومتكاملاً ووافياً.

وهذا التحديد الدقيق والمتكامل والوافي هو من الصعوبة بمكان إدراكه أو حصره، بل من الصعوبة التنبؤ بثباته واستقراره في ظل ظروفٍ ومناخٍ مهني وصناعي مُعقَّد ومتقلب غير ثابت. وبالتالي فإن القرار الوزاري المنتظر صدوره في شأن تحديد الأعمال أو الأماكن التي لا يجوز تشغيل النساء فيها ليلاً سيكون قاصراً عن احتواء هذه الأعمال وهذه الأماكن إلاّ في منظور زمني قريب، وإنْ احتواها فإنها ستظل بالطبع في حدود دائرةٍ ضيقة، وسيبقى الأصل (تشغيل النساء ليلاً) في الدائرة الأكبر والأوسع، بخلاف لو أن حظر تشغيل النساء ليلاً كان هو الأصل – على نحو ما كان عليه قانون العمل القديم – فإن الاستثناء بتشغيل النساء ليلاً سيبقى بالتأكيد في حدود دائرته الضيقة.

وعليه نخلص إلى أن قانون العمل الجديد حيث قلب الصورة على نحو ما تقدّم، فإن هذا الانقلاب سيرتد على النساء العاملات بضرر اجتماعي وجسدي لا تحمد عقباه.

ثانياً: جاء في المادة رقم (32) من قانون العمل الجديد لسنة 2012 على:

أ – «تحصل العاملة على إجازة وضع مدفوعة الأجر مدتها ستون يوماً، تشمل المدة التي تسبق الوضع والتي تليه…، ويجوز أن تحصل على إجازة بدون أجر بمناسبة الوضع مدتها خمسة عشر يوماً علاوة على الإجازة السابقة».

ب – يحظر تشغيل العاملة خلال الأيام الأربعين التالية للوضع…».

والمتأمل إلى النص السابق بفقرتيه يُقدِّر أن المشرِّعين الجدد غير محيطين بأبعاد القاعدة القانونية وشروطها، وهذه إحدى الميزات التي أشرنا إليها في بداية الحلقة.

فالقاعدة القانونية هي إمّا أن تكون قاعدة قانونية آمرة تتعلق بالنظام العام لا يجوز مخالفتها مطلقاً أياً تكن الأسباب وإنْ برضى العامل وصاحب العمل معاً. وإما أن تكون غير ذلك، أي لا تتعلق بالنظام ويجوز مخالفتها بالتراضي.

ومن المسلم به أنه عندما يضع القانون قاعدة قانونية لا تتعلق بالنظام العام بحيث يجوز مخالفتها بالتراضي فإن هذه القاعدة لن تكون بذات قوة القاعدة القانونية المتعلقة بالنظام العام التي لا يجوز مخالفتها، وبفقدانها هذه القوة سوف لن تحمي الطرف الضعيف كالعامل مثلاً، إذ قد يرضخ العامل أو يُجبر على قبول مخالفتها قسراً.

بعد هذه المقدمة نعود إلى النص السابق، فنلحظ في الفقرة (أ) أن القانون وضع قاعدةً قانونيةً منح بموجبها المرأة العاملة إجازة وضع مدتها ستون يوماً، وفي الفقرة (ب) حَظَرَ القانون تشغيل المرأة العاملة خلال الأربعين يوماً من تاريخ ولادتها.

وهذا يعني أن قاعدة «حظر تشغيل المرأة خلال الأربعين يوماً من تاريخ ولادتها» قاعدة قانونية آمرة لا يجوز مخالفتها وإنْ برضى صاحب العمل والعاملة. أما بعد الأربعين يوماً تنقلب هذه القاعدة إلى قاعدة قانونية لا تتعلق بالنظام العام فيجوز مخالفتها. وهنا تكمن الخطورة على العاملة، إذ قد يضغط عليها صاحب العمل بطلب العودة إلى العمل بعد مضي مدة أربعين يوماً من تاريخ ولادتها، أي قبل عشرين يوماً من انتهاء مدة الإجازة المقررة قانوناً، فترجع مرغمةً، وإن قبلت بذلك من حيث الظاهر لكي ترضي صاحب العمل خشية ألاّ يتخذ ضدها موقفاً سلبياً لاحقاً، طالما لا توجد أمامه قاعدة قانونية آمرة تتعلق بالنظام العام تردعه أو تمنعه من الضغط عليها.

ومن ثم نخلص إلى القول إن الفقرة (ب) من المادة رقم (32) من قانون العمل الجديد سابقة الذكر ليست موفقة، من حيث أنها قد تشكل ضرراً بالغاً على العاملة بخسارتها ثلث إجازة الولادة المقرّرة لها قانوناً للأسباب التي أشرنا إليها، وللأسف أن يكون سبب هذه الخسارة عائداً لحكم القانون.

وهذا يعني أن قانون العمل الجديد بعد أن منح المرأة العاملة إجازة ولادة تزيد عمّا منحها قانون العمل القديم عاد وأخذ منها هذه الزيادة بطريقة قانونية، كالذي يُعطي باليد اليمنى ويسترجع ما أعطاه باليد اليسرى، وهذا هو منتهى الإجحاف.

ولنا لقاء متواصل في حلقات قادمة متتابعة، وسنخصص الحلقة القادمة للوقوف على بقية النصوص الخاصة بالنساء العاملات لنكتشف من خلالها المزيد من الإجحاف والحيف الواقعين على العمال والعاملات من قبل قانون العمل الجديد واعوجاج نصوصه شكلاً وصياغةً وتنظيماً، ولنثبت مجدداً أن هذا القانون هو أسوأ قانون عصري تشهد مملكة البحرين.


 


 

اقرأ المزيد

ثقـوب في ملف شائك..!


نترك الموجة الجديدة للتداعيات التي فجرتها كارثة حريق فريق المخارقة ونبتعد عن التبريرات التي توجع القلب، لنذهب الى ثلاث خلاصات شديدة الاهمية اراها تعيد تذكيرنا بجملة من العناوين الظاهرة والمضمرة التي تتفيأ في ظلها ملفات مثقلة بأثمان باهظة وركود مزمن وفرص ضائعة وطلاسم لم تفك لتفهم، وكأن هناك علة لم يستطع احد ان يكتشفها..!
 
 الخلاصة الاولى: ان ردود الفعل ذاتها تتكرر عقب كل كارثة.. اجتماعات تعقد وتبحث في التداعيات والمعالجات، ولجان تشكل تتدارس في الآليات والاجراءات الواجب اتخاذها، وبيانات تصدر من عدة جهات وهيئات حقوقية وعمالية ونقابية مقرونة بعبارات المواساة ومشفوعة بمطالبات بحقوق العمال الوافدين الفقراء ورفض استغلالهم، وتصريحات لا يجد المعنيون عبرها اي حرج في التحدث عن صون ورعاية حقوق العمالة الوافدة والتأكيد على الاهتمام بتوفير معايير المعيشة اللائقة بهم تحقيقا لتعهدات البحرين الدولية، وقد نجد نوابا يقحمون انفسهم على الخط مشمرين سواعدهم بالتلويح بالسؤال والاستجواب، او مبشرين او داعين الى اجراءات اوتشريعات للالتقاء بالاوضاع المعيشية للعمالة الوافدة.
 
الخلاصة الثانية: ان ما لا يمكن تجاهله ان هذه الكارثة الاخيرة التي راح ضحيتها 13 عاملا آسيويا قدموا الى البحرين بحثا عن لقمة العيش وعن فرصة عمل وتحت اية ظروف ليست الاولى من نوعها، فهناك سلسلة الحوادث المميتة المشابهة التي حدثت على مر السنوات القليلة الماضية والتي لم تسقط من الذاكرة التي راح ضحيتها عمال آسيويين اما حرقا او اختناقا، هل نذّكر مثلا مأساة حريق القضيبية الذي اودى بحياة 16 عاملا، ام حريق جدحفص الذي راح ضحيته 3 عمال، ام نذّكر حادث سوق واقف الذي ادى الى وفاة 4 عمال اختناقا، ام نذكر حادث حريق منزل بالرفاع الشرقي كانت نتيجته مصرع عشرة عمال آسيويين.
جميع تلك الحوادث وربما غيرها يجمع بينها قاسم مشترك واحد هو عدم اعطاء ملف سكن العمال الوافدين وحقوقهم ما يستحقه من اهتمام..
هذا اولا (هذه المساكن كشف بان عددها بلغ 3000 مسكن تضم 138 الف عامل اجنبي..)، وعدم ظهور جهة واحدة تحملت مسؤولية ما حدث!
 ثانيا وهذا وجه آخر للمشكلة وجوهرها، وثالثا عدم المضي بجدية الى المعالجات السليمة ومنها ذلك الاقتراح الذي طرحته قبل سنوات الحركة النقابية بتشكيل مجلس اعلى للصحة والسلامة المهنية يمثل اطراف الانتاج الثلاثة يمتلك الصلاحيات في الرقابة والتفتيش على المنشآت ومساكن العمال وظروف العمل والمقاضاة، وها نحن اليوم نجد لجنة وزارية سارعت الى بحث آلية جديدة للترخيص لسكن العمال، وتبحث في سن تشريعات تنظم استئجار المباني الخاصة.


تبقى الخلاصة الثالثة: هو انه ليس واضحا تماما حتى الآن ما هي الجهة التي تتحمل المسؤولية الكاملة لهذه الكوارث التي تحدث. والمسؤولية الجنائية والادبية وحتى السياسية لهذه النوعية من الحوادث، ولهذا الاهمال والقصور الذي لا يلتفت اليه احد الا اذا وقعت كارثة، هل هي حصرا مسؤولية وزارة العمل باعتبارها المعنية بالتفتيش العمالي، ام وزارة البلديات التي لا يهمها سوى استحصال الرسوم البلدية، ام هي المجالس البلدية التي لم تضع ملف سكن العمال في دائرة اهتماماتها، ام هي دائرة الدفاع المدني كونها مختصة باجراءات ونظم الحريق والسلامة، ام هي هيئة سوق العمل التي لم تضبط ظاهرة العمالة السائبة، ام المتاجرون بهذه النوعية من العمالة وبتأشيرات دخولها وبقائها و” بعرق جبينها “، ام اصحاب اعمال لا يبالون بتكدس عدد كبير من العمال في مساكن غير قابلة للسكن «الآدمي» وفي وضع مزرٍ للغاية، ام هو المؤجر الذي لا يجد من يولى اهتماما بمراقبة اوضاع مساكن العمال ولا بضوابط التأجير ولا اي شيء من هذا القبيل.
 
نعلم بان ملف العمالة الاجنبية ملف شائك، ونعلم ان حقوق العمالة تعتبر مسألة حقوقية واخلاقية وسياسية واقتصادية، ونعلم ان هناك تصريحات منشورة وموثقة لوزراء ومسؤولين في اكثر من موضع ومحفل بشّرتنا باجراءات وقرارات تستهدف توفير الضمانات التي تحسّن من اوضاع العمالة والمحافظة على حقوقها، لعل آخرها تصريح وزير الدولة لحقوق الانسان الذي اكد بأن صون ورعاية حقوق العمالة الوافدة جزءا اساسيا من صلب اهتمام الدولة مطالبا ببذل الجهود لتطوير المنظومة التشريعية للارتقاء بحقوق هذه العمالة. ذلك معلوم بقدر ما هو معلوم ان المحك هو المضي بتلك الوعود والالتزامات على سكة التنفيذ، وان لا تتوقف جهود الدولة عند ذلك الكلام الطيب او عند الاطار القانوني الذي يدعم حقوق العمال في حدود التشريعات فقط، ولكن الاخذ بها على ارض الواقع هو الاهم والمحك، كما هو ضروري وملح اتخاذ خطوات جريئة وحاسمة لانفاذ القانون وتوفير مساعدات وتدابير في مجال الصحة والسلامة في مساكن العمال ومواقع اعمالهم وفقا للمعايير الدولية الحقيقية التي ما ينفك مسؤولين كثر يذكروننا بها، ومراعاة ان حقوق العمالة لا تتضمن فقط ما يقتصر على الاجور وعقود العمال، بل ايضا عدم الانتقاص من حقوقها بتوفير اوضاع معيشية لائقة و” آدمية “، وفي توفير معايير اكثر شمولا للسلامة والامن، وقد يكون مناسبا ان نلتفت الى التجارب القريبة منا في تشييد مجمعات سكنية نموذجية للعمال تحتوي على مرافق صحية وخدمات طبية وكافة وسائل تدابير الامن والسلامة، ويبقى مهما جعل ملف العمالة الاجنبية بكل ابعاده في بؤرة الاهتمام وعلى طاولة البحث والدراسة والحوار، اما الاهم فهو ضرورة التوقف عن تغييب عنصر المساءلة والمحاسبة على الاخطاء والاهمال والتقاعس والتبريرات البالية، والا سنظل نمارس العلاجات المنقوصة التي لا تقدم ولا تؤخر.. المطلوب ان نجد المسؤول.. ولكن هل نجده؟!.
 
 
22 يناير 2013

اقرأ المزيد

تجربة آيلة للسقوط..!


بين الوقت والآخر لا تضر مثل هذه الأخبار والتصريحات كي نتذكر أن تجربة المجالس البلدية ليست على ما يرام، وأن فيها من الشوائب ما عطل مسيرتها إلى الدرجة التي تكاد تفقد هذه التجربة معناها، أو افقدتها وانتهينا..!! هي أخبار وتصريحات كشفت عن إعاقات واتهامات ومناكفات فيما بين أعضاء بعض المجالس ووزارة البلديات تارة، وفيما بين بعضهم البعض تارة أخرى، وكلها خرجت سافرة إلى العلن وإن عبرت عن شيء فإنما تعبر بأن تجربة المجالس البلدية بالصورة التي هي عليها الآن تكاد أو كادت أن تكون مضيعة للوقت والجهد والمال..!
 
هل نتوقف عند إعلان تعليق بلدي الشمالية أعماله احتجاجاً على قرار بإنهاء خدمات موظفين وما يعنيه هذا التعليق، وهذا الاحتجاج في مسار العلاقة المتوترة بين المجلس ووزارة شؤون البلديات، أم نتوقف عند هذا الذي يجري في مجلس بلدي المحرق فهو مثير حينا ومحير حينا آخر فالخلافات والاتهامات المتبادلة بين بعض أعضائه لا تتوقف إلا لتبدأ من جديد وكأن هناك إمعاناً في عرقلة تجربة هذا المجلس أو تشويه التجربة البلدية برمتها، وهناك شواهد كثيرة وكلها موثقة ومنشورة تستحق التأمل، وباعثة على الأسف والأسى والدهشة وكأننا امام مشاهد مسرحية هزلية بكل معنى الكلمة رديئة الإخراج والتأليف.
 
الذين تابعوا مجريات الأمور في هذا المجلس البلدي لابد انهم يتذكرون تلك الخلافات والمشاكل والاتهامات التي طفت على السطح ولن يكون مستعصياً عليهم تذكر ذلك اللغط المتكرر، مرة حول عدم حضور المدير العام للبلدية لاجتماعات المجلس، ومرة حول آلية اعتماد عضوية اللجان، ومرة حول انسحاب بعض الأعضاء على طريقة تشكيل اللجان، ومرة عن صدامات بين كتلتين على طرفي نقيض في التعاطي مع الشأن البلدي، ومرة حول زوبعة الغياب المتكرر لبعض الأعضاء عن حضور اجتماعات المجلس ومرة حول عودة العضو البلدي المفصول.
 
القائمة طويلة منها ما لا يخلو من مفارقة في المضمون والتفاصيل، كتلك الخلافات والانسحابات على خلفية ما عرف بقضية التنصت وتلك الاتهامات التي أثيرت حول مشروع حديقة المحرق الكبرى، ثم اتهام عضو بلدي لآخر بتزوير محاضر الاجتماعات، ولا نعلم إن كان آخرها سلسلة الاتهامات المتبادلة بين بعض الأعضاء أحدهم يتهم الآخر بتعطيل عمل المجلس وعرقلته وثان يتهم آخر بسرقة أفكاره وثالث يتهم آخرين بـ” فركشة ” أو تعطيل مشاريع استثمارية و”هلمجرا”.
 
يمكن أن نسترسل وأن نستحضر القديم والحديث على السواء وبالتواريخ اذا أردنا في عرض كل ما اعترى تجربة هذا المجلس البلدي من شوائب، فذلك موثق ومنشور، والباعث على الأسى والأسف الشديد أن أحداً لم ينتبه إلى أن هذه الشوائب في مجموعها تمثل استهانة بقيمة المسؤولية بل هتكاً مروعاً لأبسط قواعدها، ولازلنا نذكر ذلك التصريح اللافت الذي لم يتردد فيه أحد أعضاء المجلس باتهام رئيس المجلس وأعضاء لجنة الخدمات والمرافق بأنهم اتخذوا قرارات تهدد بعض المواطنين بخراب بيوتهم..!!، وهذا في حد ذاته اتهام ما كان ينبغي أن يمر مرور الكرام..!

ما هو المطلوب؟..

– المطلوب أن لا يغفل كل المعنيين جانباً مهماً وهو أنهم جميعاً يتحملون الانزلاق بتجربة العمل البلدي وجعله مكشوفاً على احتمالات لا تسر وهو أمر يصل الى حد اليقين المطلق إذا لم ينصلح حال هذا المجلس البلدي بوجه خاص، والمجالس البلدية بوجه أعم..!
– المطلوب أن يضع المعنيون بأمر التجربة البلدية أيديهم على مواضع الخلل ويبدؤون محاولة العلاج بعقل علمي رشيد، والا سيبقى كل حديث طيب عن التجربة البلدية والتقدم والمصلحة العامة مجرد كلام لن يغير من واقع الحال شيئاً.

بقيت نقطة أخيرة.. أن تتوقف محاولات تهميش وتقزيم هذه التجربة وألا تكون العلاقة تصادمية بين المجالس البلدية ووزارة البلدية، وأن تنتفي علاقة سحب البساط من جانب النواب وهي العلاقة التي لم تكن تكاملية في يوم من الايام، المطلوب أولاً وأخيراً تقييّم التجربة تقييماً دقيقاً حتى لا تظل تجربة ناقصة غير مكتملة الملامح تمضي الى المجهول، خاصة وأن قراءة مبسطة للتجربة البلدية برمتها قد تذهب بنا الى أن هذه التجربة ايلة للسقوط مادام هناك اعضاء يصرون بان لا يقف التدهور عند حدود.
 يبقى أمر يتعلق بالمسؤولية، مسؤولية الخلل والخطأ الحاصلين.. هل هي مسؤولية أشخاص، أو مسؤولية قانون انشاء المجالس البلدية، ام نظم معيقة في العمل والإدارة البلدية، أم في علاقة هذه المجالس بوزارة البلديات؟. قد يكون من الصعب أن نفصل تلك العناصر عن بعضها البعض، ولكن لا ينبغي أن ننسى دور ومسؤولية المواطن الناخب، فهو الذي يمكن أن يعوّل عليه في إعادة الاعتبار للتجربة البلدية، حيث يتوجب أن يحسن الاختيار للأعضاء وأن يتابع أداءهم ويحاسبهم، لعل ذلك كفيل بأن يلبس التجربة البلدية ثوباً جديداً.
 
18 يناير 2013

اقرأ المزيد

الموقف من الحريات لا يتجزأ! – د. بدر الديحاني


من المؤسف أن هامش حرية الرأي والتعبير الذي كان يميز الكويت عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي قد بدأ يضيق في الآونة الأخيرة بالرغم من وضوح المواد الدستورية التي تكفل حرية الرأي من جهة مثل المادة 36 التي تنص على أن “حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما…”، وبالرغم من توقيع الكويت على اتفاقيات دولية تلزمها بضرورة احترام حرية الرأي والتعبير من جهة أخرى.


لقد كثرت في الآونة الأخيرة الملاحقات السياسية التي طالت عدداً من النشطاء السياسيين الشباب والنواب السابقين حيث أضحى لدينا، ولأول مرة، سجناء رأي وضمير وسجناء سياسيون، بل رأينا مظاهر غير مألوفة مثل تشديد الحراسة حول “قصر العدل” بشكل يوحي وكأن الذين يحاكمون هم من عتاة عصابات المافيا أو العصابات الإرهابية وليسوا من أصحاب الرأي الذي لا يسجن صاحبه في الدول المتقدمة، بل يكتفى بالغرامات المالية.


هل لذلك علاقة بتوقيع الكويت على الاتفاقية الأمنية الخليجية التي لا تزال سرّية، ولما تستكمل بعد الإجراءات الدستورية لكي تصبح قابلة للتنفيذ؟ ربما! لكن الشيء المؤكد هو أن الحريات العامة كحرية الرأي والتعبير تعتبر مبادئ عامة وقيماً إنسانية سامية والمبادئ والقيم الإنسانية لا تجزأ ولا تعرف أنصاف المواقف أو الانتقائية ولا تفصّل بحسب المقاس، فأنت إما معها على طول الخط أو ضدها.


لهذا فإنه شيء رائع أن ينتصر الإنسان للحريات العامة والشخصية ويدافع عن حرية الرأي والتعبير لكن هذا الانتصار يجب أن يكون انتصاراً  للمبدأ وليس للأشخاص أو الفئة أو الجماعة أو الطائفة أو العائلة وإلا فقد معناه وقيمته.


بعبارات أخرى الحرية كل لا يتجزأ، فهي ليست “منيو” تختار منه ما يناسب ظروفك النفسية أو علاقات القربى أو موقفك السياسي الذي قد يتغير بتغير ظروف الزمان والمكان.


لقد فضحت الأحداث الأخيرة زيف ادعاء من كان يتشدق بالدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات العامة والشخصية لاسيما حرية الرأي والتعبير، وأسقطت الأقنعة عن شخصيات عامة وكتاب صحافيين ومثقفين وأدباء وبعض الجماعات السياسية وجمعيات النفع العام عندما صمتوا بشكل مريب بينما قوى الأمن تعتدي بالضرب على أناس أبرياء يعبرون عن آرائهم بشكل سلمي، بل أيدها بعضهم علنا وقام بعضهم الآخر بكل صفاقة ومن دون حياء بتبرير الإجراءات البوليسية والاعتقالات التعسفية التي استهدفت الشباب الوطني المخلص والنشطاء السياسيين والنواب السابقين الذين سجن بعضهم بعد أن لفقت لهم تهم معلبة، بعضها لمجرد الشك بالنوايا، وبعضها الآخر لمجرد اعتراضهم على انفراد الحكومة بالقرار وتعبيرهم عن آرائهم المطالبة بالإصلاح السياسي والدستوري!

د. بدر الديحاني

منقول عن جريدة الجريدة تاريخ 1322013.

اقرأ المزيد

محاولات تفتيت المعارضة


لا نظن أن نهج الملاحقات السياسية واقحام القضاء في الصراع السياسي والانفراد بالقرار ستستمر للأبد، لكن لا توجد ضمانة لذلك سوى توافق جميع القوى السياسية والمجاميع الشبابية والكتل النيابية على قضية وطنية واحدة وعلى أهداف محددة تغير من موازين القوى وتدفع بالبلاد إلى طريق التطور الديموقراطي.





فكل سلطة لها معارضة واسعة تتمنى ضعف وتشرذم واختلاف هذه المعارضة، وتستخدم أساليب متعددة لهذا الغرض، منها وسائل الإعلام التي تقلب الحقائق وتصور للمواطن العادي أن للمعارضة أغراضا مشبوهة وهذه المعارضة هي مجموعة من المندسين الذين يهدفون إلى زعزعة الأمن والاستقرار في البلد أو هي – المعارضة – عبارة عن مكون اجتماعي واحد.





وتضع هذه السلطات المواطنين أمام خيارين اما مع وإما ضد، وهذا ما تفعله قوى الإسلام السياسي أحياناً عندما تخير الإنسان ما بين الإسلام والكفر أو ما بين الجنة والنار دون إتاحة الفرصة لهذا الإنسان المغلوب على أمره للتفكير والمناقشة واستخدام المنطق العقلي في القضية المعروضة أمامه.





وبالطبع هناك قوى سياسية ومكونات اجتماعية تقف ضد المعارضة كأشخاص ومكونات اجتماعية وليس كمبادئ وأهداف، وهو موقف تعصبي بغيض ومتعال يسهم من دون شك في شرذمة المعارضة واضعافها ويصب في صالح السلطة ونهجها المرفوض.





بل ان السلطة في الكويت استخدمت أطرافاً من المعارضة لإيقاف زخم الحراك الشعبي والمطلب الوطني الديموقراطي، هذه الأطراف اجتمعت سراً مع أطراف حكومية وتعهدت لها بحصر الحراك في ساحة الإرادة، وهو ما رفضته القوى الشبابية وبعض القوى السياسية التي شبهت هذه الأطراف المشبوهة من المعارضة بـ«متعهد الحفلات» في ساحة الإرادة.





كانت وما تزال إحدى نقاط الضعف عند المعارضة هو قلة الوعي السياسي وحصر الصراع في جزئيات مثل مرسوم الصوت الواحد والتباس الشعار السياسي وبالتالي ارتباك الأهداف السياسية وهذا بالتأكيد يفرق ولا يجمع، ناهيك عن تضارب المصالح بين بعض القوى السياسية والحسابات الانتخابية عند البعض الآخر ومحاولات الاستئثار بقيادة الحراك الشعبي عند طرف ثالث، هذا إذا استثنينا الاستقطابات الطائفية والقبلية.





ومن يملك حداً أدنى من الوعي السياسي يدرك أن الجبهات والائتلافات يجب أن تقوم على أسس وطنية وهذا يعني أنها تحالفات غير أرثذوكسية أو أبدية، كما لا يعني هذا أن القوى المؤتلفة يجب أن تكون متفقة على كل الأهداف التي قامت من أجلها هذه القوى، ومن المعروف أن هناك حلفاء قريبين وهناك حلفاء بعيدين قد لا تتفق معهم وتعرف نواياهم وتكتيكاتهم وقد لا تثق بهم ثقة عمياء وقد يخفون عداء لك، ولكنك تضطر في مرحلة ما من التوافق معهم لصالح القضية الوطنية المشتركة.





فمن مصلحة جميع القوى السياسية على اختلافها الفكري والمجاميع الشبابية والكتل النيابية ومؤسسات المجتمع المدني الانضواء تحت مظلة عمل واحدة من أجل التصدي للقضية الوطنية بأساليب راقية وسلمية مع الانتباه لمحاولات تفتيت وحدتها، أما التمسك بالخلافات الجانبية على حساب مصلحة الوطن فهو سذاجة سياسية وقلة خبرة بالعمل السياسي المنظم والسليم.




 

اقرأ المزيد