المنشور

الديموقراطية ليست انتخابات فقط (1/2)




قلت في مقالي السابق أننا لا نعرف ماذا دار في المحادثة
الهاتفية بين محمد مرسي وأوباما، وها هي المصادر بما فيها البيت الأبيض تكشف ما
دار، والذي يتلخص بطلب مرسي العون والدعم من الولايات المتحدة لدعم شرعية الصندوق
التي أتت به رئيساً لمصر، فكان رد أوباما مستقرئاً مزاج الشارع المصري:” أن
الديموقراطية ليست انتخابات فقط، ولكن يجب إمتصاص غضب الملايين المعارضة من خلال
تحقيق بعض المطالب”، ولكن الغريب بالأمر أن رئاسة الجمهورية غيرت رد أوباما
إلى معنى آخر هو دعم أمريكا للشرعية في مصر، مما حدا بالبيت الأبيض إلى إصدار
تصريح أشبه بالتكذيب، ثم أذاعت المكالمة مع ترجمة لها.



وأمام تظاهرة أعتبرتها بعض المصادر الإعلامية الغربية
أنها “أكبر حشد في تاريخ البشرية” أصر مرسي أن المتظاهرين في الميادين
لا يتجاوزون المئة والستين ألفاً، بينما يبلغ مناصروه الملايين، وقلت في مقالي
السابق أن الصحف نشرت صوراً لمؤيدي جماعة الأخوان في ميدان رابعة العدوية وهم
يلبسون الخوذ ويحملون العصي وهو أمر خطر، بينما إلتزم المتظاهرون في ميدان التحرير
بالسلمية سواء من خلال دعوات القوى الوطنية والديموقراطية والتقدمية، أو من خلال
ما أظهرته شاشات الفضائيات من رقي في التعبير السلمي عن موقفهم من حكم جماعة
الأخوان الذي سعى إلى السيطرة على كل مفاصل الدولة وإتباع سياسة أخونة جميع
المؤسسات، ودخل في خصومة مع القضاء والإعلام والثقافة، واستبدل محافظي المحافظات وكبار
موظفي الدولة وعين الحكم عناصر تابعة له، وسعى إلى مجزرة قضائية تزيح من خلالها
3000 قاضي، كما أزاحت النائب العام وعينت نائباً يتبع الجماعة، وهاجمت جميع وسائل
الإعلام ووضعت قيوداً عليها وغيرت رؤساء تحرير الصحف الرئيسية بموالين لها، هذا
عدا الاستمرار في السياسة الاقتصادية النيوليبرالية التي اتبعها حسني مبارك من قبل.



وقد لوحظ في هذه الموجة الثانية من الثورة المصرية أن
عدد من خرج إلى الشوارع والميادين أكثر بكثير ممن خرجوا يوم 25 يناير إذ انضم لها
من انتخب مرسي أيضاً، كما لوحظ تقارب وتوافق بين القوى الوطنية والتقدمية المنضوية
في جبهة واسعة حول المطالب والأهداف والشعارات المرفوعة، مما يعني أن الشعب المصري
أصبح أكثر وعياً مما كان عليه في 25 يناير 2011م، فلأول مرة ترفع شعارات ضد
الولايات المتحدة والامبريالية وتدخلها في شؤون مصر الداخلية وترفض محاولة فرض
ديموقراطية شكلية وضعت مصر على حافة الانهيار الاقتصادي، ومن أهم الشعارات كذلك هو
رفض حكم العسكر خاصة بعد التجربة الأليمة مع المجلس العسكري الذي أدار المرحلة
الانتقالية بعد ثورة يناير بقيادة المشير طنطاوي وسلم بعدها السلطة لجماعة الأخوان
بالتفاهم مع أمريكا.



ونشرت خدمة الأخبار العاجلة من الموجز الالكترونية وكذلك
بعض الصحف الكويتية أن عصام الحداد مساعد رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية وهو كادر
قيادي في الأخوان، قد وجه نداء إلى الدول الغربية للتدخل العسكري لحماية الشرعية،
وهو ما عدته مؤسستا الجيش والشرطة خيانة عظمى ضد الشعب والجيش المصري، وهو ما نشر
بسببه الجيش والشرطة قَسَماً بحماية الشعب المصري بدمائهم.



وخلال كل ذلك اعتدت جماعات من الأخوان المسلمين بإطلاق
النار على المتظاهرين السلميين استشهد على اثره عدد من المواطنين وضباط الشرطة،
وتم ضبط كميات من الأسلحة النارية والسلاح الأبيض وزجاجات المولوتوف وأجهزة تنصت
متطورة في مقرات الأخوان واعتقال بعض منهم، كما عثر على وثائق تفيد بأن الأخوان
تلقوا مساعدات خارجية بعضها من جهات في الدول الخليجية، وكذلك أوامر بالجهاد ضد
ابناء الشعب المصري من معارضي مرسي ومن ورائه الأخوان.



فهل هي ثورة أم انقلاب عسكري؟ هذا ما سنبحثه في الجزء
الثاني من هذا المقال.


اقرأ المزيد

اخطاء «الاخوان» تقود إلى الثورة المصرية الثانية – شفيق ناظم الغبرا



لم ينجح النظام المصري بقيادة الرئيس محمد مرسي في تقديم استجابة مناسبة
لظروف مصر الجديدة والملتهبة. فقد ظل النظام الجديد، الذي ورث نظام حسني
مبارك بعد ثورة ٢٥ يناير، محل شك وتحت الاختبار من جانب الشعب المصري. وقد
استمرت الاتهامات الموجهة إلى النظام الجديد من المعارضة منذ انتخاب الرئيس
في حزيران (يونيو) ٢٠١٢ مؤكدة وجود حالة استبعاد، فرض للدستور، أخونة،
ارتجال، سوء إدارة، تلاعب في مناطق صناديق الاقتراع، مما شكك في قدرة
النظام الجديد على إدارة وضع بلد بحجم مصر. وفي البداية لم تكن غالبية
المصريين لتستمع الى اتهامات المعارضة بحق الرئيس انطلاقاً من أنها اتهامات
منحازة وأنه يجب تجربة الرئيس. لكن فوز مرسي بنسبة ٥١ في المئة من مجموع
الأصوات عنى موضوعياً ان الـ ٤٨ في المئة الآخرين ممن صوتوا للفريق احمد
شفيق خوفاً من «الإخوان» وعلى حرياتهم الشخصية (قطاع كبير ممن صوتوا للفريق
شفيق كانوا مناصرين ومشاركين في ثورة ٢٥يناير) هم في حالة تشكك دائم، وأن
حصول تفكك في الجبهة التي ساهمت أساساً بفوز الرئيس مرسي و «الإخوان»
سينعكس على مجمل التحالفات، لهذا فالاستقالات والخلافات حول الدستور
وكتابته وبروز جبهة الإنقاذ (وهذه فئات انتخبت الرئيس) كانت بداية النهاية
لأنها عنت تراجعاً كبيراً في وضع رئيس انتُخب بفارق بسيط بعد ثورة لا يزال
الكثير من ممثليها في الشارع وخارج السلطة. 


الرئيس مرسي لم يأخذ في الاعتبار ان السياسة الناجحة بعد فوز ضعيف يجب
ان تكون قادرة على تحقيق إنجازات واضحة لإقناع الذين انتخبوه بصحة خيارهم
ولإقناع من عارضوه من الـ ٤٨ في المئة المتشككين بضرورة الالتفاف حول
سياساته. لكن عدم نجاح مرسي مع الذين صوتوا له في البداية ثم مع الذين لم
يصوتوا له هو الذي دفع بالوضع في مصر إلى هذه الثورة. فمع الوقت وعلى مدى
عام قامت تحالفات جديدة وتم تحفيز فئات المجتمع من الغالبية الصامتة بسبب
سوء إدارة النظام الجديد وضعف قدرته على احتواء الناقدين وبسبب تخبطه. 


الحالة المصرية نموذج بامتياز لما قد يقع بعد ثورة كبيرة وشاملة من نمط
٢٥ يناير ٢٠١١، فمن يتصدر المشهد في البداية ويستعجل حصد نتائج الثورة يدفع
ثمن هذا التصدر ولن يكون موجوداً في الواجهة في مراحل لاحقة ان لم يحسن
الادارة والاحتواء والتحالف والتنازل والمساومة. فالثورة المصرية كانت في
البداية ثورة مشتركة بين فئات عدة، وهي في هذا مختلفة عن الثورتين الروسية
والإيرانية، والثورة المصرية حتى اللحظة ثورة مشتركة بين فئات عدة، لهذا
فمن يسعى للاستحواذ أكان الجيش ام «الاخوان» او غيرهما سيدفع ثمناً كبيراً
من رصيده ومكانته ومستقبله. 


لقد أخطأت الجماعة (تيار «الإخوان المسلمين») إستراتيجياً عندما تراجعت
عن موقفها الأول بعد ثورة ٢٥ يناير والقاضي بعدم الاستفراد وبعدم ترشيح
رئيس للجمهورية منها، وأكدت الجماعة بعد الثورة انها لن تسعى الى أكثر من
ثلث مجلس الشعب حتى لو استطاعت الحصول على أكثر. كنت أعتقد حينها أنها فعلت
كل هذا لأنها تعلم أن الثورة التي وقعت في مصر كانت مدنية ولم تكن إسلامية
وكانت مشتركة ولم تكن لفصيل محدد. هذا التواضع في البداية شجع الكثيرين
على الثقة بحكمة «الإخوان» وإمكانية ان يكونوا جسراً ايجابياً في المرحلة
الانتقالية. لكن موقف «الإخوان» تغير مع الوقت لمصلحة ترشيح رئيس للجمهورية
والسعي لأخذ أكبر عدد ممكن من المقاعد في مجلس الشعب والشورى في ظل
انتخابات شابها الكثير من التساؤلات. وقد سعت الجماعة لفتح عشرات المقرات
في مصر بما في ذلك المقر الذي تم فتحه في المقطم والذي يطل على القاهرة.
وعندما زرت المقر بعد افتتاحه لإجراء حوار مع احد قادة التيار كنت أشعر أن
هذا من حق التيار، لكنني كنت أتساءل إن كان «الاخوان» سيعيدون، من دون قصد،
استنساخ صيغة شبيهة بالحزب الوطني ومقراته وطريقته. 


بعد عام من حكم الرئيس مرسي انتقلت المبادرة الى الشارع بعد أن تبين أن
الرئيس لا يعرف ماذا يريد وكيف يحققه وربما لا يحكم بصورة مباشرة. لقد أدت
حالة التآكل في الدولة المصرية وأزمة كتابة دستور بصورة شبه منفردة وتهميش
للفئات المجتمعية الأخرى بما فيها الثورية التي صنعت الثورة في ظل تراجع
الخدمات والبنزين والكهرباء والعمل والاستثمار الى زيادة منسوب الغضب
الشعبي. بل أدى خطاب الرئيس منذ أسبوع الى أكبر خيبة امل، فقد وضح من خلال
الخطاب ان الرئيس كان معزولاً عن مجرى الأوضاع في الشارع، مما ساهم في
انضمام فئات جديدة الى حركة «تمرد» التي جمعت ملايين التوقيعات مطالبة
باستقالة الرئيس وبانتحابات مبكرة.


وبينما لا يستطيع الجيش في مصر إلا الانحياز الى الشعب بملايينه وذلك
لتفادي انهيار الدولة وتفككها، إلا أن الرئيس مرسي تجاهل في خطابه ليل اول
أمس حجم الحدث المصري الشعبي ومغزاه من منطلق التمسك بالشرعية. كان الافضل
للرئيس القبول بانتحابات مبكرة، لأن البقاء من الآن فصاعداً سيجعل خسائر
الرئيس وحزب «العدالة والتنمية» و «الإخوان المسلمين» أعلى. على الأغلب كان
الخطاب الاخير لمرسي مناسباً لو قيل قبل أسبوع، لكنه جاء متأخراً عن حركة
الشارع وسيساهم في حشد مزيد من الناس ضد الرئاسة. 


إن خطأ الرئيس مرسي هو الانطلاق من أن صراع الشرعية في مصر مرتبط فقط
بصندوق الاقتراع. لكن الأمر أعقد من هذا، بل يرتبط بمدى قبول الناس بالرئيس
بعد ارتكابه أخطاء رئيسة جعلت شرعيته تسقط في أعين المجتمع، والمشهد مرتبط
باستمرار وجود شرعية ثورية نتاج مراحل الثورة المصرية وتحولاتها. لهذا
عندما ينزل ملايين من الناس إلى الشارع من الصعب أن تصمد شرعية مهما كانت
راسخة. إن الشارع لا يلتئم كل يوم بمشهد مثل الذي نراه في مصر. إن تجاهل
نزول ملايين المصريين الى الشارع انتحار سياسي للفصيل الذي يجرؤ على هذا
التجاهل. 


ان الحديث عن دور خارجي في تفسير المشهد المصري فيه الكثير من الاستخفاف
بالشعب المصري وبالأعداد الهائلة التي اندفعت مطالبة بالتغيير، فالظاهرة
في مصر داخلية ومحلية بكل الأبعاد، لكن هذا لا يعني ان أطرافاً عربية
ودولية لم تتداخل، لكن الأهم أن قيمة مواقف او تداخل هذه الاطراف، أكانت
اميركية ام عربية هي ثانوية نسبة الى الوضع الداخلي الرئيسي الذي يحرك
المشهد: فشل تجربة مرحلة الانتقال وبروز أجواء ثائرة على الوضع في الوسط
المصري الشعبي. في امكان الأطراف الخارجية التأثير في فئة وجماعة بهذا
الاتجاه وبذاك، لكنها لا تحرك ملايين الجماهير الواسعة المكونة من ريف
ومدينة وفقراء وأغنياء، وطبقة وسطى من نساء ورجال وشباب وحركات ثورية
ملتزمة بمبادئها. 


ان ما يقع في مصر يؤكد أن الثورة المصرية متجددة كما أنها تمر بمراحل
ودورات. كما يؤكد ما يقع في مصر أن «الربيع العربي» ليس إسلامياً كما يعمم
ناقدو الربيع، بل الربيع في جوهره إنساني ديموقراطي مدني ومشترك يطالب
للشباب العربي وللشعوب بحقوق وتقرير مصير وتداول سلمي على السلطة. التيار
الإسلامي مرحلة من مراحل الربيع العربي، والتيارات المعارضة الرسمية
التقليدية هي الأخرى تيارات آنية وستمثل مرحلة من مراحل الربيع، بل ان
الطبقة السياسية العربية المعارضة الراهنة تمثل مرحلة، بينما جوهر الثورات
العربية شبابي، ويمثل جيلاً جديداً ويحمل روحاً نقدية لمفهوم الدولة
والسلطة كما تنشقتها الأجيال العربية الرسمية. إن فكرة مدنية الدولة
وحياديتها تجاه المجتمع في ظل رفض واضح للاستبداد السياسي والاستبداد
الديني والطائفي تمثل احد اهم روافد الثورات العربية بقيادة التجربة
المصرية. 


هناك تغير كبير في مصر تجاه الاسلام السياسي (على رغم تنوع مواقفه)
وتجاه مظاهر التدين المبالغ بها، وسيزداد هذا الامر حدة إن وقعت مواجهات
وخسائر، لكن تيار «الاخوان» سيبقى تياراً فاعلاً في الحياة السياسية
المصرية، وسيكون لزاماً عليه القيام بمراجعات شاملة للوضع السياسي والفكري
الذي جعله يفقد نسبة كبيرة من الحضن الشعبي الذي قدم له الحماية والدعم
والقوة على مدى سنوات وعقود. فالتجربة خير معلم للشعوب وللتيارات وللقوى
السياسية كما وللأنظمة والسلطات الحاكمة. 


إن تحقيق أماني المصريين سيتطلب العودة ثانية الى ألف باء المرحلة
الانتقالية التي تتضمن انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة وتآلفاً وطنياً
ودستوراً ينسج بإجماع القوى السياسية وتساهم في كتابته كل الاطراف الرئيسة.
ثورة مصر كانت ولا تزال ثورة شباب، لهذا يجب ان تترجم هذه الثورة عند
مأسستها أماني الشباب ويجب أن تسمو الى الروح التي أنتجت شجاعتهم وحركت
تضحياتهم. 
  
  


* استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت 

اقرأ المزيد

برنارد لويس وأردوغان



حين
أعلن بعض أركان الإدارة الأمريكية أن “بلادهم تتابع عن كثب ما يجري في
تركيا”، في حين أن لسان حالهم ينقل عن سريرتهم “متابعتهم المقرونة بقلق
بالغ”، ما بدا لأول وهلة تحرك جماهيري محدود ضد محاولة حكومة رجب طيب
أردوغان التطاول على أحد رموز الدولة المدنية الحديثة التي أشادها مؤسس
تركيا المعاصرة مصطفى أتاتورك، تذكرت الردود المتشنجة التي قابل بها رئيس
الوزراء التركي أردوغان تعبير “الإسلام المعتدل” الذي استخدمته عضوة
الكونغرس الأمريكي جين هارمان للتفريق بينه وبين الإسلام المتشدد، ورده
الغاضب أيضاً على المفكر الأمريكي المتخصص في الشؤون الإسلامية برنارد لويس
– وهو بالمناسبة أحد أقطاب تيار المحافظين الجدد – حين استخدم تعبير
“الإرهاب الإسلامي” وقتها، رد رئيس الحكومة التركي على ذلك بالقول ليس هناك
إسلام معتدل وإسلام متطرف وإنما هناك إسلام وحسب . ولكنه استدرك في الوقت
نفسه وأكد “بأننا في تركيا نسلك طريقاً وسطاً” . 


كان
ذلك خلال مشاركته في ندوة حوارية عُقدت حول الشرق الأوسط في أكاديمية
الإنجاز في شيكاغو في يونيو من العام ،2004 أي بعد عامين من وصول حزب
العدالة والتنمية الذي يتزعمه إلى السلطة في العام 2002 .


ولكن
يبدو أن مثابرة حزب العدالة والتنمية التركي على محاولة إقناع رعاة
التيارات الأيديولوجية الأساسية ذات النفوذ والتوجيه الصريحين في النظام
السياسي المؤسسي الأمريكي، لاسيما تيار المحافظين الجدد ومراكز خزاناته
الفكرية، بتغيير موقفها المتشكك من حركة الإخوان المسلمين وممثلها الصاعد
نجمه آنذاك في الحياة السياسية التركية، حزب العدالة والتنمية، وهي التي لم
تكن تثق يوماً إلا في ورثة أتاتورك من الأحزاب العلمانية التركية، قد
تكللت بالنجاح، حيث حاز الحكم الإخواني التركي الجديد ثقة حلفاء تركيا في
الغرب بعد أن تثبتوا من إقرانهم القول بالفعل، فحازوا ثقة الأجنحة الأقل
أيديولوجية (من برنارد لويس على سبيل المثال)، والأكثر براغماتية في
التيارات المحافظة في أمريكا وأوروبا،  قبل أن يتطور هذا التوجه الغالب إلى قناعة أكثر  تماسكاً
بإمكان تحويل تركيا/حزب العدالة والتنمية الإخواني، إلى رهان ناجح لشرق
أوسط أكثر اندماجاً في البوتقة الاقتصادية والثقافية المنفتحة على قيم
وقواعد لعبة الليبرالية الجديدة .


وبالفعل
نجح أردوغان ورفاقه في حزب العدالة والتنمية في ما كان عجز عنه سلفه في
الحزب، الراحل نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه ورئيس وزراء تركيا خلال
الفترة من 1996 و،1997 ورجائي كوتان زعيم حزب الفضيلة، حيث راح بشكل تدريجي
“يقصقص” أجنحة الجيش، عماد الدولة الأتاتوركية، مستفيداً من المعايير
والمتطلبات التي وضعها الاتحاد الأوروبي شرطاً للبت في طلب عضويتها فيه،
ويزحف على مؤسسات الدولة، مستفيداً من ديناميكية عمل كوادر حزبه، حزب
العدالة والتنمية، ومن الحراك الاقتصادي النشط الذي وفره الاستقرار السياسي
للبلاد على مدى العشرية الأخيرة، قبل أن يتحول خارجياً للعب دور ريادي في
منطقة الشرق الأوسط . وكان من الطبيعي أن تحجب كل هذه الإنجازات الباهرة،
الرؤية عن النزعة الشمولية التي بدأت تكسو وجه الحكومة التركية ورئيسها رجب
طيب أردوغان، خصوصاً في ما خص علاقتهما بالمعارضة والصحافة المستقلة
ونشطاء منظمات المجتمع المدني .


ولوهلة
بدا وكأن الأمور تسير حسبما خُطط لها، حيث نجح حزب العدالة والتنمية في
“تأمين” منصب رئاسة الوزراء، وبقي عليه حجز وتأمين منصب الرئاسة لأردوغان
للفوز به في انتخابات الرئاسة العام المقبل بعد إدخال تعديلات دستورية تحيل
بعض صلاحيات رئاسة الحكومة إلى رئاسة الدولة . ولكن الاندلاع المفاجئ
للاحتجاجات الشعبية ضد الحكومة ورئيسها في الحادي والثلاثين من مايو/أيار
الماضي، ربما ألقى بظلال الشك على إمكان تحقّق هذا المراد .


وكما
يقال، فإن غلطة الشاطر بألف، فلقد وجه أردوغان نعوتاً نابية إلى المحتجين
بدلاً من استيعاب غضبتهم، وأهان رمز تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك
بوصفه إياه بالمخمور، غير عابئ بمعرفة الناس بأن هدفه من وراء هدم متنزه
غيزي ومعه مركز أتاتورك في ميدان تقسيم، إقامة مجمع تجاري مكانهما، وأن
الشركة المنفذة للمشروع هي شركة “غاليك هولندينغ غاليك” التي يشغل فيها
صهره “بيرات البيرق” منصب رئيسها التنفيذي، وأنه قرر إطلاق اسم السلطان
العثماني سليم الأول، المعجب به على جسر على مضيق البوسفور .


لقد
اختار أردوغان أسلوب دولة الشرق الاستبدادية في التعامل مع السخط الشعبي
العارم الذي بات يحاصر سياسات حزبه المنحازة علانية إلى مصلحة القوى
المرتبطة بحكم حزب العدالة والتنمية الإخواني، تماماً كما فعلت مراكز القوى
السياسية والأمنية في إيران إبان الاحتجاجات الشعبية العارمة التي اندلعت
على خلفية شبهة التزوير التي شابت إعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد لفترة
رئاسية ثانية في العام 2009 . 


وربما
حالفه الحظ، كما حالف الإيرانيين، في تجاوز هذا التهديد النوعي الخطر
لحكمه، إلا أن الأكيد أن حكم الإخوان في تركيا بدأ يترنح، وأن البيئة
السياسية والاجتماعية التركية المتغايرة عن البيئة الإيرانية، ستجعل من
الصعب على أردوغان تجاوز محنة المعارضة لاستمراره في الحكم، بسهولة، بغض
النظر عن الدعم السياسي والإعلامي الذي تلقته حكومته من حلفائها الأمريكيين
والأوروبيين الذين يرجحون أهمية دور تركيا في الملفات الإقليمية التي
يركزون عليها، على “سفسطات” برنارد لويس ونبوءاته بشأن ما اعتبره في العام
2004 خرافة مزاعم أردوغان عن الطريق الوسط الذي تسلكه تركيا حزب العدالة
والتنمية الإخواني .
اقرأ المزيد

محاسبة المسئولين عن التعذيب أو تبرئتهم

فيما تؤكد السلطة أنها جادّةٌ في تنفيذ توصيات اللجنة البحرينية
المستقلة لتقصي الحقائق، وتوصيات مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فإن
ما يراه المواطنون على الأرض، لا يشي من قريبٍ أو بعيدٍ بأن هناك جدية
حقيقية، لتنفيذ أهم هذه التوصيات.

من أهم التوصيات التي خرج بها
تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق (بسيوني) هي محاسبة
المسئولين عن عمليات التعذيب والتي راح ضحيتها مجموعة من الشهداء أثناء
فترة السلامة الوطنية وما بعدها، حيث يشير التقرير إلى أن «عدم مُحاسبة
المسئولين داخل المنظومة الأمنية أدى إلى انتشار ثقافة عدم المساءلة والثقة
في عدم التعرض للعقاب داخل تلك المنظومة، وبالتالي لم يقم المسئولون
باتخاذ اللازم لتجنب إساءة معاملة المسجونين والموقوفين، أو لوقف إساءة
المعاملة من قبل مسئولين آخرين».

تقرير بسيوني أورد العديد من حالات
التعذيب التي تعرّض لها المئات من المعتقلين خلال فترة السلامة الوطنية،
بمن فيهم الأطباء حيث أكد أن «تحقيقات اللجنة أثبتت تعرّض الكثير من
الموقوفين للتعذيب ولأشكالٍ أخرى من الانتهاكات البدنية والنفسية داخل
محبسهم… وإن حجم وطبيعة سوء المعاملة النفسي والبدني، يدل على ممارسة
متعمدة كانت تستهدف، في بعض الحالات، انتزاع اعترافات وإفادات بالإكراه،
بينما تستهدف في حالات أخرى العقاب والانتقام. وكان من بين الأساليب الأكثر
شيوعاً لإساءة معاملة الموقوفين تعصيب العينين، وتكبيل اليدين، والإجبار
على الوقوف لفترات طويلة، والضرب المبرح، واللكم، والضرب بخراطيم مطاطية
وأسلاك كهربائية على القدمين، والضرب بالسياط وقضبان معدنية وخشبية وأشياء
أخرى، والصعق بالكهرباء، والحرمان من النوم، والتعريض لدرجات حرارة شديدة،
والاعتداءات اللفظي، والتهديد بالاغتصاب، وإهانة الطائفة الدينية للموقوفين
من الشيعة».

وفي الوقت الذي تشدّد فيه العقوبات على المشاركين في
الاعتصامات والاحتجاجات، ويتم الحكم عليهم بالسجن لمددٍ طويلةٍ، يتم غض
الطرف عمّن قام بتعذيب المعتقلين السياسيين، وفي أغلب الأحيان تتم تبرئتهم
من التهم الموجّهة لهم بالتعذيب.

خلال الشهر الماضي تم تبرئة خمسةٍ
من رجال الشرطة تم اتهامهم بتعذيب وإساءة معاملة الطاقم الطبي، كما تمّت
تبرئة إحدى الضابطات التي قامت بتعذيب الزميلة الصحافية نزيهة سعيد التي تم
علاجها في الخارج نتيجة ما تعرّضت إليه من تعذيب خلال فترة احتجازها.

من
الواضح تماماً أن القضاء لدينا لا يتصوّر حتى الآن أن هناك من يقوم
بعمليات التعذيب داخل السجون، كما أنه لا يثق بما توصل إليه تقرير لجنة
تقصي الحقائق، أو شهادة المجني عليهم حتى وإن دعم ذلك بتقارير طبية معتمدة
من الطبيب الشرعي. وبعد ذلك تؤكد السلطة بأنها جادة في تنفيذ التوصيات!

اقرأ المزيد