المنشور

ثورات الربيع العربي والحاجة للتجديد الفكري

حتى وقت قريب جداً كان العديد من المفكرين يعتبرون أن عهد الثورات
والانقلابات العسكرية، قد انتهى إلى غير رجعة وأن على الشعوب أن تنتظر
العدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقة، لحين تطور مجتمعاتها وأنظمة الحكم
المسيطرة عليها بشكل تدريجي، حتى تصل إلى مصاف الدول المتحضرة
والديمقراطية.

اشتعال ثورات الربيع العربي، أسقط هذه النظرية، حيث
ثبت أن العديد من الأنظمة العربية وصلت لحد التفسخ التام، وليس بإمكان أحد
أن يصلحها، كما لم يكن في نيتها أساساً أن تقدم ولو جزء بسيط من سلطاتها
للشعوب، بل أن بعضها سار عكس تيار التطور الحادث في العالم ليرجع مفهوم
توريث الحكم بدلاً من النظام الجمهوري الذي يتيح للشعوب اختيار حكامها بملء
إرادتهم، ذلك ما كان يدبر له في مصر واليمن.

كما أن الثروات الطائلة
والتي وصلت لعشرات المليارات من الدورات والتي كان يستحوذ عليها الحكام
دون وجه حق تاركين شعوبهم في مستنقع الفقر والحاجة، أثبتت أن هؤلاء الحكام
لم يكونوا غير لصوص لا يمكن أن يؤتمنوا على مصائر الناس.

ومع ذلك ما
حدث في أغلب دول الربيع العربي من حروب أهلية وطائفية وقبلية، بعد أن تخلصت
من حكامها، جعل البعض يردد بأن هذه الثورات لم تكن إلا وبالاً على الشعوب،
وخطأ فادحاً ما كان يجب أن يحدث، حيث كانت نتائجها أسوأ مما كان سائداً في
عهد الحكام الفاسدين، ولذلك يجب على الشعوب الأخرى أن لا تسير في نفس هذا
الطريق، وأن عليها أن ترضى بحكامها حتى وإن كانوا طواغيت وسراقاً، وإلا فإن
مصيرهم لن يكون أحسن حالاً مما يحدث الآن في مصر، والعراق، وتونس، وسورية.

لقد
ظلت الشعوب العربية ولعقود طويلة بعيدة عن الحراك الفكري العالمي، والتطور
التقني والعلمي، بسبب التجهيل المتعمد الذي مورس ضدها، وحتى الآن هناك من
يريد أن يجعل الجهل هو السائد.

وكما أن ثورات الربيع العربي قد أثبتت
حاجة الشعوب العربية للحرية والديمقراطية والعدل، فإن هذه الثورات قد طرحت
الحاجة الملحة لهذه الشعوب للإيمان بالمثل والقيم العليا للإنسانية؛
كالتسامح، والحب، وحرية الرأي، وحرية الآخر في الاختلاف، ونبذ التعصب
والطائفية والعنف، كل ذلك يحتاج إلى ثورة فكرية وتربية مختلفة عن ما هو
سائد الآن، وبحث علمي يقوم به علماء الدين لتقريب الناس من بعضهم البعض،
وتصحيح الموروث التاريخي للأمة، وما دون ذلك هو البقاء في خندق العنف
والجهل والتخلف والطغيان إلى الأبد.

اقرأ المزيد

استهداف مصر



خلف سحب دخان الحرائق التي ملأت سماء مصر، ورائحة الدم المصري المراق في الشوارع، سواء كان دم ضباط ورجال الشرطة، أو دم بسطاء الناس الذين قذف بهم تنظيم الإخوان المسلمين في أتون الموت وقوداً لمعركته الانتحارية الخاسرة، يجب التبصر في المشروع المشبوه لتدمير ما تبقى لمصر من قوة، ولشعبها من عزة، بعد عقود الاستبداد التي غيبت المكانة القيادية لمصر، وأدت إلى تآكل دورها، لينتهي الأمر بالسنة التي حكم فيها الاخوان المسلمون للبلاد، لا لينتشلوها من وهدتها، وإنما ليحكموا الخناق على مفاصل الدولة والمجتمع فيها، عبر سياسة الأخونة التي استفزت المصريين من مختلف المشارب والانتماءات .


أحداث مصر تبرهن فشل الاخوان المسلمين في الحالين، حال إدارة السلطة عندما دانت لهم، حينما استفادوا من خشية المصريين من عودة النظام القديم، فمنحوهم فرصة الوصول للرئاسة، وفي حال المعارضة، فما أن خسروا السلطة بعد طوفان الثلاثين من يونيو الشعبي، حتى وضعوا مصر وشعبها أمام خيارين: إما أن نعود للحكم أو نحرق البلد .


تبدو مصر اليوم مستهدفة عبر العنف الذي يراد له أن يدخلها في حال من الفوضى والتدمير، وفي ذهن رعاة ذلك النموذجان العراقي والسوري، ويستفيد تنظيم الإخوان المسلمين من الرعاية الأمريكية والغربية، التي تتمثل في تكالب دولها على الدولة المصرية خلال الأسابيع القليلة الماضية، والذي زاد منسوبه بعد فض اعتصامات الإخوان في القاهرة، ويتخذ هذا التكالب من يافطات الديمقراطية وحقوق الإنسان عنواناً له، في الوقت الذي تسكت هذه الدول عن انتهاكات أشد لهذه الديمقراطية ولحقوق الإنسان في بلدان تحكمها أنظمة حليفة لها، ولا تتورع هي نفسها عن التدخل بالطائرات والبوارج في احتلال دول وإسقاط أنظمة، وتدبير انقلابات عسكرية .


ويجري ابتزاز الدولة المصرية تارة بقطع فتات المساعدات التي تقدم لها او التلويح بذلك، أو بالغاء مناورات عسكرية مقررة مع قواتها، والأخطر من هذا كله التلويح بتدويل الشأن الداخلي المصري عبر طرحه على مجلس الأمن في تكرار مريب للسيناريو الذي استخدم مع العراق ومع سوريا ومع غيرهما من البلدان، كبوابة لتقنين التدخلات الخارجية في شؤونها .


كل قطرة دم مصرية غالية، ولكن معركة مصر اليوم ليست بين الجيش والإخوان، وانما هي معركة صون الدولة المصرية ووحدتها وسلامة نسيجها الوطني، وتحريرها من قيود التبعية والهيمنة والابتزاز الخارجي مشبوه النيات والغايات .
اقرأ المزيد

استحقاق تطوير الحراك الشعبي إلى حركة ديمقراطية – د.فواز فرحان

في الدول ذات الأنظمة مكتملة الديمقراطية يكون التغيير من خلال العمل
البرلماني بمساندة الرأي العام الجماهيري بينما في الدول ذات الأنظمة شبه
الديمقراطية أو غير الديمقراطية يكون التغيير بالأساس من خلال الشارع عبر
النضال الجماهيري وربما بمساندة العمل البرلماني إن كان له أفق أو هامش
يمكن الضغط من خلاله، والنضال الجماهيري يبدأ كحراك شعبي احتجاجي تكون سمته
العامة ردود الأفعال تجاه ممارسات السلطة وينتقل تدريجياً بحسب ظروف نضوجه
إلى حراك سياسي منظّم يتبنى مشروعاً سياسياً واضحاً ومحدداً تضعه الطلائع
السياسية الواعية ويأخذ زخمه من استجابة الجماهير له. هكذا يجب أن نفهم
طبيعة حركات الإصلاح والتغيير تاريخياً و واقعياً حتى نستطيع التحرك بخطوات
علمية في طريق نضالنا نحو نظام ديمقراطي برلماني كامل في الكويت.


بدأ الحراك الشعبي الكويتي الحالي كحراك احتجاجي على ممارسات السلطة وامتاز
بردود الأفعال تجاه مستجدات معينة، كلنا رأينا ردة فعل الشارع تجاه فساد
الحكومات منذ عام ٢٠٠٦ والمتمثل باستشراء إفساد السلطة لواقعنا من خلال
المال والواسطة والمحسوبية وإثارة الصراعات الفئوية، ورأينا ردة فعل الشارع
ممثلة بمسيرات كرامة وطن تجاه استفراد السلطة بتغيير قواعد اللعبة
الانتخابية من خلال مرسوم الصوت الواحد، ورأينا ردة فعل الشارع من خلال
الاعتصامات  والمسيرات الصغيرة تجاه الملاحقات السلطوية للناشطين السياسيين
المعارضين من نواب سابقين ومن شباب مستقلين أو منتمين لتيارات سياسية، ولا
يمكن فصل هذا الحراك الحالي عن التراكمات النضالية للشعب الكويتي منذ قمع
أعضاء المجلس التشريعي الأول في عام ١٩٣٨ وحتى حركة دواويين الأثنين
بالثمانينات مروراً بالنشاط السياسي المعارض للقوى الوطنية والديمقراطية
والتقدمية في فترة الستينات والسبعينات، ولكن هذا الحراك يظل في إطار
الحراك الاحتجاجي والذي يتصف بشبه العشوائية وتتداخل معه الكثير من
التناقضات والأمراض الاجتماعية المتمثلة بالفئوية والطائفية وكذلك تضعف
تصاعده أحياناً المصالح الشخصية لبعض أطرافه.


أصبح تحوّل هذا الحراك وتطوره إلى حراك سياسي ديمقراطي منظّم أو بوصف أدق
إلى حركة ديمقراطية استحقاقاً تاريخياً تتحمل مسؤوليته الطلائع السياسية
الواعية ممثلة بالتيارات السياسية وكذلك بالحركات الشبابية ذات الشكل
التنظيمي حتى ولو كان محدوداً، هذا التحول والتطور مهم جداً للخروج من
الحلقة المفرغة التي بات يدور بها الحراك الاحتجاجي الحالي ومن حالة اليأس
التي بدأت تلوح بوادرها على الناشطين والفاعلين في هذا الحراك، واستحقاق
هذا التحويل والتطوير يقوم على عاتق الأطراف السياسية المعارضة من خلال
وضعها لمشروع سياسي مرحلي تتوافق عليه لتبدأ نضالها المنظّم على أساسه،
وحتى يكون لهذا المشروع زخم جماهيري يجب أن يركز على النقاط الأساسية
المهمة لتطوير نظامنا السياسي والدستوري نحو نظام ديمقراطي برلماني كامل
والمتمثلة في: وجود أحزاب سياسية، تداول ديمقراطي للسلطة، ضرورة نيل
الحكومة ثقة البرلمان، اختيار رئيس مجلس الوزراء والوزراء من بين أعضاء
كتلة أو حزب الغالبية في البرلمان، أن يكون رئيس الدولة حَكَماً بين
السلطات لا طرفاً في المنازعات السياسية.


إذا تبنت الأطراف السياسية المعارضة هذه المطالبات كمشروع سياسي مرحلي
فإنها ستنطلق موحدةً لتشكيل رأي عام مؤيد لهذا المشروع بهدف تغيير موازين
القوى لصالح الضغط على السلطة بهدف استكمال النظام الديمقراطي البرلماني
الكامل، وهذا الانطلاق يحتاج إلى صبر ومثابرة وابتعاد عما يشتت قوى
المعارضة من مطالبات جانبية غير توافقية مثل المطالبة بتطبيق الشريعة أو
بدستور إسلامي أو غيرهما، وكذلك يتطلب هذا الانطلاق وعياً من هذه الأطراف
السياسية المعارضة بأدوات وأساليب السلطة لضربها وتفريقها من خلال إثارة
النعرات الفئوية والطائفية والقبلية والمناطقية وكذلك وعياً بضرورة تغليب
المصلحة العامة لشعبنا وبلدنا على المصالح الضيقة الخاصة والتي حتماً
ستتضرر بتضرر المصلحة العامة.


نتمنى لحراكنا الشعبي النضوج والتطور تلبيةً لطموحات شعبنا وخدمة لوطننا.

——————————
* عضو التيار التقدمي الكويتي
اقرأ المزيد

تأسيس «الاتحاد العربي للنقابات» “هل تُسقط الثورات «نقابات السلطة»؟”



كارول كرباج




فجّرت
الثورات العربية تناقضات في بنية الأنظمة القائمة، لا على المستويات
السياسية والاقتصادية – الاجتماعية فحسب، بل النقابية أيضاً. تناقضات كانت
موجودة، لكن حاجز الخوف وشبكة المصالح القائمة حالا دون ظهورها. 


فالحركات
العمالية والنضالات النقابية أدتا دوراً ريادياً في الاحتجاجات، لو بأشكال
متفاوتة، مهددةً بذلك الأذرع النقابية للأنظمة، لاسيما في تونس ومصر
والجزائر والمغرب والأردن وغيرها من البلدان (راجع «أهم التحركات منذ بدء
«الربيع العربي»). 


لكن، وبعد سنتين على «الربيع العربي»، لا يزال مسار
التغيير يتأرجح بين محاولات «إسقاط القديم» والتصدي للثورات المضادة. أما
البديل الضامن للحريات والعدالة الاجتماعية، فأصبح حاجةً ضاغطة أكثر من أي
وقت مضى. فغيابه أعطى الفرصة لقوى الأمر الواقع لإعادة فرض معادلاتها.


ففي
موازاة المواجهات الميدانية بين الثوار ورجال الأمن «لإسقاط النظام»،
اندلعت معارك حقيقية، بين الاتحادات النقابية التي وقفت مع حكوماتها في
مواجهة الحراك الشعبي، وتلك التي تناضل من أجل حق التنظيم وتحرير ارادة
العمال من القيود كافة. 


أدى ذلك، في المرحلة الأولى، إلى إرباك
«اتحادات السلطة» نتيجة تهاوي الأنظمة التي تحتضنها. لكن غياب الإطار
النقابي العربي البديل، الذي يوحد صوت الاتحادات العمالية المستقلة
ومواقفها، سمح لها في المرحلة اللاحقة باستغلال الفراغ، ورصّ صفوفها وشنّ
هجمة مضادة على الحركة النقابية العربية المستقلة، عبر حملات تشهير وتخوين
ومحاصرة الاتحادات المستقلة محلياً. 


إزاء تلك الهجمة، بادرت الاتحادات
العربية المستقلة في أيار الماضي إلى تأسيس «الاتحاد العربي للنقابات»،
كإطار نقابي عربي يضمّ النقابات الناشئة بفعل الثورات، وتلك التي شاركت في
صنعها خارج «الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب» (الايكاتو)، المتماهي
كلياً مع الأنظمة. 


وخلف هذا المكسب الذي يعبّر عن رغبة العمال باستعادة
العمل النقابي، وطنياً وإقليمياً، تبرز مجموعة من التساؤلات والتحديات حول
قدرته على القطع مع النهج القديم والتأسيس لحركة نقابية مستقلة وقادرة على
الدفاع عن قضايا العمال في المنطقة. تساؤلات يُتوقع من الاتحاد الجديد
الإجابة عنها في مرحلة التحضير لمؤتمره الأول، وما بعدها. 





ولادة الاتحاد العربي المستقل


رفض،
فتذمّر، فمقاطعة، فتفكير بـ«البديل». هكذا يمكن اختصار ولادة «الاتحاد
العربي للنقابات». انبثق الاتحاد عن الاحتجاجات العمالية والنقابية التي
اجتاحت عدداً من المدن العربية مع بدء الانتفاضات في المنطقة، ونتيجة
تملمُل العمال والنقابيين المستقلين من تحكّم الانظمة، ورجال استخباراتها،
بمفاصل العمل النقابي. 


تم الإعلان عن الاتحاد الجديد في 31 أيار الماضي
في العاصمة الأردنية عمان، داخل «الاتحاد الدولي للنقابات»، وهو اتحاد
دولي يُعدّ الأكثر تمثيلاً في العالم، ويضمّ 315 اتحاداً عمالياً من 156
دولة وإقليماً، ويمثل نحو 175 مليون عامل. ويعتبر «الاتحاد العربي
للنقابات» استثناءاً تنظيمياً داخل «الاتحاد الدولي» اذ يضمّ الأخير
اتحادات قارية فقط (كـ«الاتحاد الأفريقي للنقابات» و«الاتحاد الآسيوي
للنقابات»). ولكن نظراً لخصائص وتحديات المنطقة العربية، تم تأسيس اتحاد
خاص بها «يرقى إلى مستوى المطالب والتطلعات الشعبية»، وفق ما أكّده رئيس
«الاتحاد العربي للنقابات» حسين العباسي.


وأصدر المجتمعون قانوناً
أساسياً مؤقتاً وميثاقاً للمنظمة (إلى حين اعتماد القانون الاساسي النهائي
واللوائح الداخلية وبرنامج العمل للفترة ما بين 2014-2018). كما انتخبوا
رئيس «الاتحاد العام التونسي للشغل» حسين العباسي رئيساً للاتحاد، وأمين
عام «الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين» سلمان محفوظ وأمين عام «الاتحاد
العام لنقابات عمال فلسطين» شاهر سعد كنائبين له، والمدير الاقليمي للمنطقة
العربية في «الاتحاد الدولي للنقابات» مصطفى التليلي سكرتيراً تنفيذياً،
يتولون تسيير شؤونه حتى عقد مؤتمره الأول. كما شكلوا سبع لجان مختصة تتولى
الإعداد لهذا المؤتمر: لجنة الصياغة العامة لمشاريع القوانين ولوائح
المؤتمر الأول؛ لجنة المالية؛ لجنة المرأة؛ لجنة الاعلام والاتصال؛ لجنة
الشباب؛ لجنة العضوية؛ ولجنة العلاقات الدولية والتعاون. 


طرح «الاتحاد
العربي للنقابات» نفسه منذ البداية كـ«منظمة نقابية عربية مستقلة» عن
الأنظمة، وبالتالي قطع كل صلة بـ«الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب»
(الايكاتو). وبالرغم من صعوبة تقييم مدى استقلالية مواقفه وحرية قرارته،
نظراً لولادته الحديثة، هناك مؤشرات تدلّ على رغبته في القطع مع «الماضي
النقابي العربي» الذي يمثّله «الايكاتو».


أولاً: ورد في المادة الرابعة
من القانون الأساسي المؤقت للاتحاد أن: «تسحب (كل منظمة ترغب في الانضمام
اليه) عضويتها رسمياً وبشكل مسبق، من أي منظمة إقليمية أخرى دعمت او تدعم –
من خلال أعمالها أو بياناتها أو مواقفها – حكومات تنتهك بشكل منهجي حقوق
الانسان والحقوق والحريات النقابية». 


لم تفتح المادة المذكورة الباب
أمام تأويل هوية تلك «المنظمة الاقليمية»، حيث أشار الاتحاد في مذكرة
توضيحية أن تلك الفقرة من القانون الأساسي المؤقت «تعني مباشرةً الاتحاد
الدولي لنقابات العمال العرب الذي أصبحت العضوية فيه، في مثل هذه الظروف،
في تعارض تامٍ مع كل مشروع جديد يهدف إلى تأسيس حركة نقابية حرة ومستقلة في
المنطقة العربية». 


ثانياً: يظهر من لائحة الموقعين على القانون
الأساسي المؤقت غياب الاتحادات المنضوية تحت «الايكاتو»، وهي أعضاء في
«الاتحاد الدولي للنقابات»: كـ«الاتحاد العام لنقابات عمال الكويت»،
«الاتحاد المغربي للشغل»، «الاتحاد العام لنقابات عمال اليمن»، و«الاتحاد
العام للعمال الجزائريين» (باستثناء «الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن»
الذي بحكم انضمامه إلى الاتحاد الجديد سيسحب عضويته من «الايكاتو»). 


يُشير
ذلك إلى أن الفرز النقابي العربي طال «الاتحاد الدولي للنقابات» نفسه الذي
يبدو أنه قرّر التخلص من اتحادات الأنظمة المنضوية تحته، أو بالأحرى، يعكس
وقوف «الاتحاد الدولي» مع استقلالية وحرية النقابات عبر تأسيس اتحاد بديل
عن «الايكاتو». 


ثالثاً: يتحدث الميثاق عن «آفاق جديدة لبلدان هذه
المنطقة» في ظل الثورات العربية، حيث «تجد المنظمات النقابية المستقلة
نفسها في مواجهة مسؤوليات جديدة تتطلب منها أن تكون أقرب إلى القاعدة
الشعبية ولعب دور محوري في عملية التحوّل الديموقراطي وتحقيق التطلعات
الشعبية في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية».



غياب الرؤية البديلة


اكتفى
رئيس «الاتحاد العربي للنقابات» حسين العباسي عند سؤاله عن رؤية الاتحاد،
خلال ندوة إعلامية للاتحاد عُقدت في تونس الشهر الحالي، بالردّ على اتهامات
«الايكاتو» وحملات التشهير التي يقوم بها تجاه المنظمات النقابية
المستقلة. ما يطرح علامات استفهام حول قدرة الاتحاد واستعداده لتخطي مرحلة
رد الفعل، والمبادرة إلى صياغة رؤية نقابية بديلة، كما بدا في بعض بنود
ميثاقه. 


أولاً: يُظهر ميثاق المنظمة غياب «مشروعه الاقتصادي –
الاجتماعي البديل». فتضمّنت أهدافه، على سبيل المثال، «ضمان حرية حركة رؤوس
الأموال من دون معيقات» في المنطقة العربية، وهو أحد التوجهات الاقتصادية
النيوليبرالية التي أثبتت تهديدها للأمان الاقتصادي. والأخطر من ذلك، هو
اعتماد وصفات اقتصادية «جاهزة»، من دون أن يسبق ذلك بلورة النموذج
الاقتصادي المنبثق عن حاجات المنطقة العربية وتطلعات شعوبها.


ثانياً:
تشمل أهداف الاتحاد «إقامة حوار اجتماعي في الدول العربية». يثير هذا الهدف
التساؤل حول الدور الذي تقدمه المنظمة لنفسها. هل الحوار الاجتماعي بين
المنظمات العمالية والحكومات وأصحاب العمل هو غايةً بحدّ ذاتها أم وسيلةً
لتحقيق المطالب والحقوق العمالية؟ هل سيبلور الاتحاد الجديد آليات عمل وضغط
تتخطى عقد المؤتمرات والتدريب، إلى تنظيم تحركات عمالية إقليمية، احتجاجاً
على الانتهاكات وعلى السياسات الاقتصادية الاجتماعية في البلدان العربية؟
وهنا أيضاً، هل سيساهم الاتحاد في دعم الاتحادات الوطنية المستقلة، وفي فكّ
الحصار عنها، من خلال تعزيز التضامن العمالي في المنطقة؟


ثالثاً: حول
ضمان «استقلالية» الاتحاد، أكّد السكرتير التنفيذي مصطفى التليلي
لـ«السفير» أنهم سيحاولون ضمّ «إما المنظمات النقابية المستقلة تماماً عن
حكوماتها، وإما المنظمات التي تعمل من أجل رفع القيود عنها، وذلك استناداً
إلى إجراءات قانونية واستقصاء ميداني للتحقّق من مواردها المادية ومدى
استقلاليتها». 


يضيف شارحاً: «من الظلم أن تأتي بنقابة حديثة التأسيس،
وأن تطلب منها أن لا تمتثل نهائياً لحكومتها. النقابات عادة تكون على صورة
النظام السياسي الموجود. هناك أنظمة تعطي مساحة حرية للنقابيين، حرية في
الخطاب والموقف والمطالب، وأخرى لا تسمح في ذلك. لا يعقل أن تطلب من
المنظمة التي تعاني من قيود أن تصبح، بين ليلة وضحاها، منظمة مستقلة». 


وبغض
النظر عن خيارات الاتحاد التكتيكية ورهانه الاستراتيجي على منظمات نقابية
«ملتبسة»، يبقى السؤال حول قدرته على فرض معادلة نقابية وسياسية جديدة في
مواجهة الأنظمة القمعية والخيارات الاقتصادية القائمة في المنطقة، أي من
دون أن يسقط في التسويات الضيّقة أو الهواجس العددية على حساب مبدأي
الاستقلالية والديموقراطية. 


كذلك، لا تقتصر استقلالية الاتحاد على
طبيعة علاقته بالحكومات وأصحاب العمل، بل تتخطاها لتشمل «الاتحاد الدولي
للنقابات» نفسه. فهل سيُسقط الاتحاد الجديد أولويات «الاتحاد الدولي
للنقابات» على أجندته العربية أم سيحدّدها استناداً إلى تجارب الحركات
العمالية والنقابية ونضالاتها في المنطقة؟


أخيراً، هل سيكسر الاتحاد
المنبثق عن الثورات مع نهج «الايكاتو»، من حيث استقلاله المادي، وبنيته
التنظيمية (الديموقراطية والتشاركية)، ومواقفه وقراراته المستقلة والداعمة
لإرادة العمال والشعوب؟ هل سيسعى، عبر اتحاداته الأعضاء، إلى توسيع قواعده
من خلال دعم تشكيل النقابات في كل القطاعات، وبالأخص غير النظامية منها،
وتنظيم فئات مهمشة كالنساء والشباب والعمال المهاجرين؟ 


من الصعب
الإجابة حالياً عن تلك التساؤلات. لكن الاتحاد الذي طرح نفسه بديلاً، مدعو
للإجابة عنها في المرحلة المقبلة، والمحاسبة على أساسها. وهنا تقع
المسؤولية على «الاتحاد الدولي للنقابات»، كما على قدرة الاتحادات الأعضاء
على تخطي تحدياتها الوطنية من أجل لعب دور نقابي إقليمي. 


تأسّس الاتحاد
ليطوي صفحة نقابية مخيّبة، لكن مستقبله لا يزال ضبابياً إلى حدّ كبير. ما
قاله لنا حتى الآن أنه ليس على صورة «اتحادات الأنظمة»، لكنه لم يفصح لنا
بعد عن «ماهيته»، وعن مشروعه البديل. 


وبغض النظر عن نجاح الاتحاد أو
فشله في بناء حركة نقابية عربية مستقلة، المعادلة الأهم التي فُرضت بعد
الثورات هي قدرة العمال على رفض هياكل نقابية تفشل في تمثيل مصالحهم،
ليؤسسوا اتحاداً بديلاً.. عن «البديل». أليس ذلك ما يعنيه مسار التغيير؟
اقرأ المزيد

«14 أغسطس» يمر بسلام

نحمد الله على مرور «14 أغسطس»، يوم الأربعاء الماضي، بسلام من دون وقوع
ضحايا، على رغم تداول أنباء عن إصابات بين المتظاهرين في عدد من المناطق،
بالإضافة لما أوردته وزارة الداخلية حول استهداف أحد العمال الآسيويين
بقنابل «المولوتوف»؛ ما أدى إلى إصابته بإصابات متفرقة، خلال قيامه بإزالة
الحواجز في قرية النويدرات، وهو عمل مدان ولا يخدم القضية أو المطالب
العادلة للشعب البحريني.

لقد كان الجميع متوجساً من هذا اليوم
الغامض، البعض بالغ كثيراً في توقعاته، في حين أثار البعض الآخر المخاوف
لدى الناس من عمليات إرهابية يمكن أن تطال المواطنين والمقيمين، ودعا إلى
التعامل بالقوة لفض أي مظاهر للاحتجاج حتى وإن كانت سلمية، ولا تتعدى
الخروج في مسيرات أو اعتصامات داخل القرى.

الجمعيات السياسية
المعارضة لم تتبنَ أو تدعو إلى التظاهر أو الاعتصام أو إغلاق المحلات في
هذا اليوم وتركت للناس الحرية في التعبير عن آرائهم أو اتخاذ المواقف التي
يرونها مناسبة للتعامل مع الأحدث ودعت إلى انتهاج الأسلوب السلمي في أي
تحرك كان، و «الإنصات إلى صوت الحكمة وتغليب اتجاهات الاعتدال، وضبط النفس،
والتمسك بالحل السياسي، وعدم الانجرار إلى العنف»، بانيةً موقفها من
التعهدات والمواثيق التي وقعتها البحرين والخاصة بحرية المواطنين في
التعبير عن آرائهم السياسية.

وعلى رغم الاستنفار الأمني الذي طال
جميع مناطق البحرين إلا أن هناك من ارتأى الخروج في المسيرات وهناك من
اعتصم وهناك من أقفل محله التجاري، كما أن هناك من لم يشارك في أي من هذه
الاحتجاجات ولازم منزله وهناك من ذهب إلى عمله، وهناك من قضى هذا اليوم
بشكل اعتيادي كسائر الأيام، ولذلك لا يمكن الحديث هنا عن نجاح أو فشل، أو
انتصار أو هزيمة.

الانتصار الحقيقي للبحرين هو حين نخرج من هذه
الدوامة، حين يستمع الجميع لصوت العقل، حين نصل إلى حلول متوافق عليها، حين
ترجع اللحمة الوطنية لسابق عهدها، وحين يشعر الناس أنهم متساوون أمام
القانون، وأنهم جميعاً مواطنون من الدرجة الأولى.

اقرأ المزيد

شتراوس مازال حياً



يقول الأب الروحي للمحافظين الجدد (New Conservatives)
في الولايات المتحدة ولمريديهم في بقية أنحاء العالم ليو شتراوس، “إن
أولئك المؤهلين والمختارين للحكم هم أولئك المتيقنون من عدم وجود مكان
للأخلاق، وإن هناك حقاً طبيعياً واحداً وهو حق المتفوقين في حكم المهمشين” .


على
هدي هذا الداعية الأمريكي من أصل ألماني، في ما يتعلق خصوصاً بمبدأي
التوظيف الدائم للخداع في السياسة، وتوظيف جذوة الدين في خدمة الأهداف
والمصالح السياسية، كقاعدة “ذهبية” لفلسفته السياسية في الحكم، سار أنصاره
من المحافظين الجدد في مهاجمتهم لكل صوت أو قلم يدعو لفصل الدين عن السياسة
وعن الدولة، من وحي إيمانهم “الفلسفي السياسي” الراسخ بالأهمية القصوى
للعاطفة والحماسة الدينية ودورهما المركزي في السيطرة على الجموع، وذلك على
الرغم من أن هؤلاء المحافظين الجدد يمكن أن يكونوا هم أنفسهم غير مؤمنين .
وهذا ما يفسر اصطفاف يهود علمانيين مثل وليام كريستول وواجهات إعلامية
للمحافظين الجدد خلف اليمين المسيحي المتطرف الذي يقوم بوظيفة تجهيل العوام
وتشتيت تركيز وعيهم .


ويبدو
تأثر شتراوس بصاحب كتاب “الأمير” نيكولو ميكافيللي (1469-1527) جلياً
وواضحاً من خلال استنساخه “الرشيق” لأفكاره، ومنها “أن النظام السياسي يمكن
أن يكون مستقراً فقط إذا اتحد في وجه تهديد خارجي، وإذا لم يوجد مثل هذا
التهديد فلابد من اختراعه”، ليتوج هذا “الجهد” التنظيري المتفذلك، ولكن
النافذ لعظم الفكر الإداري السياسي المؤسسي الأمريكي في آن، بالدعوة إلى
جنوح السياسة الخارجية (الأمريكية) نحو الحروب الدائمة عوضاً عن السلام
الدائم، وهو ما روجت له مؤسسات المحافظين الجدد مثل “أمريكان انتربرايز
انستيتوت” (American Enterprise Institute)، و”مشروع القرن الأمريكي الجديد” (Project for the New American Centruy PNAC)،
وصقورها مثل بول وولفويتز وريتشارد بيرل وألن بلوم وجاري شميت ولين تشيني
(زوجة نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني التي تعد من الشخصيات البارزة
في تسويق الفكر المحافظ الجديد في “أمريكان انتربرايز انستيتوت”)، ودونالد
رامسفيلد وزير الدفاع في إدارة بوش الابن الذي كان قد زكّاه نائب الرئيس
تشيني لهذا المنصب، وهو من مؤسسي “مشروع القرن الامريكي الجديد أيضاً”،
وأنه كان يقف شخصياً وراء عمليات التعذيب الممنهجة التي كُشِف النقاب عنها
في سجن أبوغريب وغوانتانامو، إلى جانب عدد آخر وافر من الذين ينتمون
أيديولوجياً إلى هذا المذهب الخطر الذين ضمتهم إدارة جورج بوش الابن . وفي
التدقيق سنجد أن جميع هؤلاء، من سفسطائيي أثينا القرن الرابع قبل الميلاد،
مرورا بنيكولو ميكافيللي، وفريدريك نيتشه، وتوماس مالتوس (1766-1834)
الاقتصادي والباحث السكاني الإنجليزي صاحب نظرية أن سكان العالم يتكاثرون
على شكل متواليات هندسية (،2 ،4 ،8  . . .16 .)، بينما يتكاثر الغذاء على شكل متواليات حسابية (،2 ،4 ،6 ،8  .
.10 .)، ما يستدعي شن الحروب ونشر الأمراض للتخلص دورياً من “الفائض”
السكاني . . وصولاً إلى المحافظين الجدد، جميعهم ينهلون من نبع واحد وهو
حصر الحق في صفوة منتخبة من أولئك الذين يتميزون بخواص نوعية تفوقية
ويحوزون القوة وأسبابها، بما يعطيهم الحق، ترتيباً، في التمتع بخيرات الأرض
وتسخير ما عليها ومن عليها من “الفائض” البشري الهامشي في مصلحتهم وفي
تحقيق غاياتهم . والفرق أن “مالتوس” كان أكثرهم “جرأةً وفصاحةً” في التعبير
الصريح عن هذا المبتغى أو الغاية على حد تعبير ميكافيللي، مثلما كان
“بسمارك” أكثر عملانية في تطبيقاته لرؤية نيتشه، تماماً كما فعل المحافظون
الجدد في الولايات المتحدة الذين تجاوزوا القول إلى التطبيق “البسماركي”
النموذجي لمرئيات شتراوس وأسلافه النظيرين، من دون الاضطرار للتصريح بذلك
والاصطدام بالبوتقة الديمقراطية للنظام المؤسسي .

نعم
لقد فقد المحافظون الجدد سلطة حكم البيت الأبيض بعد أن نجح مرشح الحزب
الديمقراطي باراك أوباما في إلحاق الهزيمة بمرشحهم (مرشح الحزب الجمهوري –
الواجهة الرسمية للحزب الجمهوري وواجهته الفرعية حزب الشاي) جون ماكين في
انتخابات عام ،2008 وهزيمة مرشحهم الآخر ميت رومني في انتخابات عام 2012 .
ولكن التقاليد التي أرسوها في الحكم، والمؤسسة على ثالوث الفلسفة السياسية
للأب الروحي للتيار المحافظ الجديد في الولايات المتحدة والعالم ليو
شتراوس، وهي ضرورة استخدام الخداع (Deception)
في السياسة، لاسيما في السياسة الخارجية، وتوظيف المشاعر والحماسة الدينية
في السياسة، والتوسع في توظيف النزعات القومية في خدمة الأهداف السياسية .
إضافة إلى مبدأ شتراوس الفلسفي السياسي الذي اشتقه على ما هو واضح من
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه ومن نظرائه البائدين من سفسطائيي أثينا
القرن الرابع قبل الميلاد، والمتمثل في أن هناك حقاً طبيعياً واحداً هو حق
الصفوة المتفوقة في حكم كل الفئات المهمشة . . وكل ذلك في إطار الهدف
“الفلسفي” السياسي الأكبر، وهو كيفية التحكم في المجتمعات والسيطرة عليها
وإدارتها بطريقة مستديمة وآمنة .

ورغم
فقدانهم لحكم البيت الأبيض فإن المحافظين الجدد مازالوا محافظين على قاعدة
عريضة من مراكز نفوذهم المفتاحية سواء داخل “السيستم” (النظام المؤسسي
بالإجمال) أو المؤسسات الواقعة خارجه شكلاً والداعمة له (والتابعة له
ترجيحاً) مضموناً . صحيح أن هذا التيار اليميني الذي لا تبتعد أيديولوجيته
كثيراً عن منازل الفاشية، الكلاسيكية منها والجديدة الذي بلور نفسه وبرز
بشكل قوي وصريح، حين أعلن وقوفه الشرس ضد ما سمي ب”الصفقة الجديدة” (New Deal)
التي كانت حزمة برامج اقتصادية نفذتها إدارة الرئيس الأمريكي فرانكلين
روزفلت من 1933 (بداية أزمة الكساد العظيم) حتى 1939 (عشية اندلاع الحرب
العالمية الثانية) بوصمها بالليبرالية، المتعارضة – على ما يذهب إليه
مذهبهم الأيديولوجي – مع القيم الأمريكية المحافظة، قبل أن يحصل على فرصة
ازدهاره إبان ولاية الرئيس الراحل رونالد ريغان، ومن ثم يتحول إلى منظومة
حكم وإدارة كلية مجتمعية شمولية في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، صحيح
أنه قد تلقى هزيمة معنوية ومادية فادحة باستعادة الديمقراطيين سلطة حكم
البيت الأبيض برئاسة باراك أوباما في عام ،2008 إلا أن تطبيقات مذهبهم
مازالت فاعلة بشكل جسور في التوجهات العامة والخاصة للسياسة الأمريكية
الداخلية والخارجية، ومازالت روح ورموز الأب الروحي للحركة حاضرة بقوة في
الحياة الأمريكية، من بينها على سبيل المثال لا الحصر “مركز ليو شتراوس” (Leo Strauss Center)
المختص بترويج أفكار شتراوس وتسويقها عبر نشر مطبوعاته وتسجيلاته الصوتية
على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها . . و”جائزة شتراوس” (Leo Strauss Award)
التي تُمنح سنوياً لأفضل رسالة جامعية في مجال الفلسفة السياسية، وقيمتها
المادية رمزية (750 دولاراً) يتم جمعها من مريدي فكر شتراوس من طلابه
السابقين في جامعة شيكاغو التي درّس فيها من 1949 إلى 1967 .

اقرأ المزيد

المثقفون في «الربيع العربي»: انتماء أو اغتراب


أي دور شغله المثقفون في الربيع العربي؟ كيف نكتشف هذا الدور، هل من خلال مساهماتهم الفكرية، ومجادلاتهم النظرية، أم من خلال انخراطهم في مسار الربيع العربي وأحداثه؟ أم من خلال محاكمة هذا الحراك ونقده، انطلاقاً من كونه لا يتفق مع المنظومات الفكرية والنظرية، السابقة على الحراك.
هذا هو عنوان ندوة، عقدت بدعوة من مؤسسة دراسات الوحدة العربية، فكانت هذه المداخلة.

العنوان الذي يحتضن هذه الندوة، يميل كثيراً إلى التحليق في الميدان النظري والإيجاز في الميدان العملي، أو إلى الانتظام في سياق الأفكار وتعددها وغناها، وسياقات الوقائع التي، بكل فرح، لم تأت وفق ما تحصَّل من قناعات فكرية، مصدرها الفكر ذاته، أكثر من كونه صدوراً متعقلاً ونقدياً لمنطق الوقائع.

لذا، سأحاول الإجابة عن أداء المثقفين في معمعة الأحداث التي أسس لها «الربيع العربي»، وأجد أن أفضل مقاربة، هي التجربة التي عشتها إبان اندلاع ثورة «الربيع العربي»، لحظة بلحظة، بحكم متابعتي الصحافية لها، حيث الجهد كله ينصب على فهم ومتابعة الوقائع، بدلالاتها الجديدة والجدية، أكثر من متابعة اتساق انساق الفكر «القبلية» إذا صح التعبير، مع الوقائع. خصوصاً أن الحدث يقاس بكونه حدثاً تاريخياً حاسماً وفاصلا بين حقبتين وزمنين، كما كان حدث الخامس من حزيران 1967 بجسامته وتداعياته المستدامة حتى اللحظة، إضافة إلى أحداث بحجم اجتياح الكويت وغزو العراق والثورة الإيرانية.

لقد كان التوجه في صفحة «قضايا وآراء» في جريدة «السفير» ان نفهم ما حصل، ان نصف ما حصل، أن نقيس ما حصل بأقيسة جديدة، وأفضل من يعيننا في الحديث والتأمل، هم المفكرون والمثقفون.

الحدث يتسع لكتاب من اتجاهات ومنابع متباينة، ولقد فوجئت بأن قراءتهم النظرية للأحداث ذات دلالة، وإن غلب عليها محاكمة الوقائع على مقدار مواءمتها للأفكار والنظريات… جاءتنا الفائدة أكثر، من خلال اطلاعنا على ما يدونه شباب الثورة على صفحات التواصل الاجتماعي، فلقد كانوا على اتصال مباشر بالميادين، خلافاً للمثقفين، الذين يتفقون مع مقولاتهم ويصدقون معها، ويحاكمون الوقائع بآليات ليست من جنس الوقائع، التي لها جديتها وخصوصيتها التامة. ولقد تبين لي، أن الوقائع الميدانية ومآلاتها وقدرتها على التغيير والاقتحام، لا تتطابق مع النظريات الثورية التي طبعت فكر المثقفين. ولم يتنبه كثيرون أن النظرية ليست سابقة للوقائع، بل لاحقة لها، فالثورة كانت تأتي قبل نظريتها. لقد حاكم معظم المثقفين أحداث الربيع العربي، وحكموا عليها، انطلاقاً من أفكار نشأت بعد ثورات سابقة. وبدا أن الثورات لا تتشابه، ولا تنسخ بعضها بعضاً، وجل ما يتصل في ما بينها، هو التأثير الذي يخلقه المناخ العام المحيط بكل حدث من أحداث الربيع.

النقد الذي وجه للمفكر الفرنسي الصهيوني المعادي برنار هنري ليفي، هو نقد مفيد، غير أني أجد أن ليفي قد تفوق علينا جميعاً، فلقد كان هذا «المثقف» (العدواني جداً) حاضراً في الميادين. كان حاضراً في القاهرة، وفي تونس، قبل حضوره في ليبيا. كان مقيماً في الحدث ومعه، وأحياناً محرضاً عليه وحاضناً له. وقد سجل هذا الحضور، في مجموعة كتابات نشرتها جريدة «ليبراسيون» الفرنسية ومجلة «الأكسبرس» الفرنسية.

أحداث الحادي عشر من أيلول، حملت الباحث الفرنسي جيل كيبل إلى بلاد العرب وليس إلى نيويورك، راح يطوف عواصم ومدن البلاد العربية، بهدف تقصي حقائق المسلمين في بلادهم لفهم ما قبل وما بعد 11 أيلول، وخرج بعد رحلة التقصي هذه بكتاب سجل فيه مناخ المسلمين بعد هذا الحدث، وجعلنا نفهم ونلمس، أن منابع 11 أيلول، موجودة في هذه الأمكنة، بناسها وثقافتها وسياساتها ومذاهبها.

إنه المثقف المتصل، لا المثقف الملتزم، الذي نعرف خصائص التزامه وحدودها. لم نقع في العالم العربي على مثقف متصل، بالميادين، من خارج ساحاتها الوطنية المثقفون المصريون كانوا الأشد حضوراً، ولكن في مصر، والتوانسة كانوا حاضرين، إنما في تونس… المثقف العربي، ظل بعيداً من نبض وفعل وإبداع وخلق الميادين، واكتفى بقياس الأمور، بأقيسته السابقة للحدث، التي ربما تصلح لماض أكثر مما تصلح في حاضر.

لقد فتشنا في الجريدة عن مفكر يحمل معه بضاعته الفكرية ليقيم في الميادين، مراقباً، سائلا، مستفهماً، مفكراً، ناقداً، محاكماً، فلم نجد. المثقف اكتفى بأن يقرأ أفكاره ليلبسها على الوقائع، وقلما جاءت متناسبة مع قياس الأحداث. لم ينتج المثقفون لغة جديدة ورؤية جديدة، ولم يفكروا، في هذا المنعطف، بأن عليهم أن يسائلوا أنفسهم وينقدوا أفكارهم وثوابتهم. لم يفكر أحد باستبدال رأسه، بتنقية عقله مما ترسب فيه من أفكار. أفكاره بنات الكتب وليست نتاج الوعي الجديد بحقائق جديدة.

إن الذين أفادونا كثيراً في فهم ما جرى، هم حملة «الكاميرا»، فهؤلاء قد أبدعوا وأضافوا كثيراً من المعارف من خلال ما جمعوه من وقائع وأحداث، ولقد كانوا منخرطين فيها أكثر من الكتاب والمفكرين.

ما قرأناه ونشرناه في الجريدة أظهر أن المفكرين أوفياء جداً لأفكارهم، ولا يدينون بها إلى المعاينة والتجربة والانخراط والفهم الضروري، لالتقاط اللغة الجديدة، وديناميات الفعل غير المسبوق. الربيع العربي، غير مسبوق في التاريخ. ليس له نظرية، ولا قائد، ولا حزب، ولا مرشد، ولا… فما هو إذاً؟

لدى المفكرين والمثقفين، صدق مع النفس، لا يصدق دائماً مع الحقائق الجديدة. عطب المفكرين، هو في إعطاء الفكر سلطة وحق الإمرة، بحيث يلزم ان تأتي الأحداث طبق النظرية ومتوائمة مع الأفكار. إنها ديكتاتورية مانعة لحرية التخبط والمعاناة والنقد والتفلت، لاكتشاف الجديد… التقيد بالقواعد، يخلق قيوداً للفكر. التفلت الدائم منها، يمنح المفكر حرية اكتشاف الجديد، أو اكتشاف جديد لما تم كشفه بطريقة أخرى سابقاً. الثورة فوضى مثيرة ومبدعة. وفي الفوضى يحصل الابتكار. وهذا ما حصل في يوميات الربيع العربي.

إن مفاهيم الثورة، أتت جميعها بعد الثورات وليس قبلها. فهل يجب أن تستبدل الأفكار بالوقائع؟ المثقف العربي لم يفعل ذلك. فضل الأبراج العالية، على الإقامة في ضجيج الحدث. فضل أن ينسلَ من فكره، فكراً يشبهه ويتسق معه. لم يكن المفكرون على نهج القديس توما، الذي لم يصدق إلا بعد وضع إصبعه في الجرح. فهل وضع أحد من المفكرين إصبعه في الجرح أم اكتفى بما لديه من عقاقير تعفيه من مشقة التوليد.

من خلال تجربتي في التدريس لمادة «المقاربة الفلسفية في المسرح والسينما»، وجدت ما يدهش من وقائع أتى بها الطلاب من خلال آلات التصوير والتسجيل. وقد خلصت إلى نتيجة محتملة فقط، وغير مؤكدة، إلى أنه في زمن التحولات الكبرى، يجب ان تعطى الأولوية للوقائع وليس للأفكار. علينا أن نصغي جيداً لما تقوله الأحداث، وأن نكتشف ما أتت به من جديد.

ماذا حصل؟ أشار سعدالله ونوس في مسرحية حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران، إلى غياب الشعب، هذا الغائب المزمن، حضر بكامله، من دون أي إطار تنظيمي، أو تخصيص حزبي او عقيدة سياسية مستمدة من أيديولوجيا. حضر كشعب وطالب بإسقاط النظام فقط.

من هو هذا الشعب؟ هو مجموع متعدد، توحد حول شعار: «الخبز، الحرية، الكرامة». وضم علمانيين وإسلاميين وليبراليين وطلاباً ومشايخ…

الشعب هو هذا الجمع الملتئم والمختلف معاً. هؤلاء، مضوا إلى انتخابات، بإرادتهم، أو بإرادة الأقوى فيهم، جاءت بالإسلاميين إلى السلطة، عبر صناديق الاقتراع. هل من وسيلة أخرى؟ هل كان ذلك سليماً؟ ولم يتم السطو على الثورة بصناديق الاقتراع. فالذين شاركوا بانتصار «الاخوان» في مصر، هم مجموع من كانوا في الميدان، وأسقطوا مرشح السلطة الساقطة.

حصل بعد ذلك، ان ارتكب الاسلاميون، أخطاء وتجاوزات، وانتهزوا الديموقراطية، ليكونوا هم فقط قادتها، عبر إقصاء من تحالفوا معهم، تحالف الضرورة (وهذا جائز ورائج في السياسة). وحصل بعد ذلك كذلك، أن الناس استعادت الميادين، فإذا كان «الاخوان» احتلوا السلطة، إلا أن الشعب ظل في الميادين. وهذا جديد في علم الثورات. لم تضع الثورة بعد نقطة على سطرها المديد.

أنتقل إلى بعض الملاحظات التي أثارها النقاش مثل الاستثناء العربي واستعصاء التغيير، كما كان يُظن ويُكتب، كما أود أن أشير إلى ضرورة الالتفات إلى الجزئيات المتبعثرة والمهملة، والتي يلزم أن تشكل جزءاً من المشهد التاريخي ورؤية الثقافة إليه، مع ضرورة إعطائه الاهتمام الملائم.

أولاً: كنت مشاركا في ندوة عقدت في دمشق، شارك فيها عدد من المثقفين والمختصين، ولفتني يومذاك الدكتور فيصل دراج، الذي دمعت عيناه تأثراً، عندما تناول الأسباب التي جعلت التغيير ممكناً في بلدان كثيرة، فيما هذه الأسباب، وهي مضاعفة وأشد وطأة عندنا، تخلفت عن أن تكون محرِّضة للتغيير… تساءل بنبرة يائسة: هل العرب استثناء؟ وأضيف: لماذا حصل التغيير في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية ومناطق أفريقية، فيما لبثنا نحن نستعيد ونعيد إنتاج أزماتنا؟ هل الأفق العربي مسدود؟ ما الذي جعل هذا الاستعصاء أمراً طبيعيا؟

جدير بالمثقفين ان يمتحنوا هذا الاستعصاء، وما قد بلغوه من استنتاجات، على ضوء عدم تواصلهم مع الجيل الشبابي، الذي اخترق الاستعصاء وحذف الاستثناء، بأفكار بسيطة متصلة بعمق القضايا، مثل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان ومواجهة الظلم والاستبداد، وبآليات جديدة، استنبطت وسائل نضال، فجرت نظامين استبداديين، وتخطت حدود ولادتها وانتشرت عابرة للحدود والشعوب. جدير ان نتوقف عند ذلك. وجدير أن نتواضع
 
ثانياً: في مسألة الحكم على الظواهر نظرياً، أشير إلى مسألة هامة، هي كيفية التعرف والحكم على الأشياء. فالوهابية مثلاً، مقروءة ومفسرة بطرق مختلفة، وتؤطرها في نطاق معرفي محدد. غير ان للوهابية وجوداً متعدداً، ولا يمكن قصرها على ما نقرأه عنها، بل يلزم أن نعيش الوهابية ونكتشفها على ما هي عليه في الواقع.

ثالثاً: ما الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي الجماهيرية في الربيع العربي. وقع البعض في تعظيم دورها فيما اختار البعض الآخر تبخيس دورها. لا شك ان لهذه الوسائل دوراً، ولكنها ليست أكثر من وسيلة ناجحة جداً، عوّضت عن غياب التنظيم الحزبي، والتوجيه السياسي، وحق الإمرة (القيادي)، التي تميزت بها ثورات شعبية ناجحة.
في غياب التنظيم الحزبي، أو في غياب القائد «الملهم»، أو في انعدام القدرة على اتخاذ الأمر بالتحشيد والتقدم والتأخر، لعبت هذه الوسائط الدور البديل. من دونها، كآلية، لم يكن ممكناً حشد الناس في ساعات معينة، بهدف تشكيل قوة ضغط ميدانية. ومن دونها، ما كان ممكناً تطوير وسائل النضال وكيفيات الصمود والمواجهة، ومن دونها، ما كان ممكناً التوحد حول شعارات محدّدة، احتشد الناس حولها ووافقوا عنها.

رابعاً: لدى كثيرين من المفكّرين الليبراليين والعلمانيين، ميل إلى شيطنة الإسلاميين عموماً. كعلماني، أضع نفسي في مواجهة دائمة مع الإسلاميين. ولكني لا استطيع ان أتعامل معهم على قاعدة الإلغاء. شيطنة الإسلاميين تقود إلى اضطهادهم. الاضطهاد ليس حلا. القمع ليس حلا والشيطنة كذلك.

خامساً: لا بديل عن صندوق الاقتراع. إذا غاب الصندوق حضر الاستبداد. لكن العملية الانتخابية، ليست إلا درجة من السلم الديموقراطي. الخوف من استغلال الصندوق والانقلاب عليه، ممكن نظرياً. أما عملياً، وبعد اندلاع ربيع الحريات في الميادين، لا يستطيع الإسلاميون الانقلاب على صناديق الاقتراع. قد يحدث العكس… الحرية للجميع، تضمن جدوى صندوق الاقتراع… لا يلام الإسلاميون إن فازوا بصناديق الاقتراع، يلامون إذا انقضوا عليها
الديموقراطية التي بدأت في دول الربيع العربي، تحتاج إلى زمن إضافي، ليكتمل نصابها. وقد تتعثر مراراً.
 
 
جريدة السفير
8 أغسطس 2013
 
الكاتب: نصري الصــايغ
nsayegh@assafir.com

اقرأ المزيد

الأهداف السياسية لإلغاء «بلدي العاصمة»

الاتجاه الرسمي نحو إلغاء مجلس بلدي العاصمة والاستعاضة عنه بأمانة
عامّة من عشرة أعضاء يعينون من قبل جلالة الملك، لا يمكن إلا ربطه بسلسلة
محاربة المؤسسات والجمعيات الأهلية والمنتخبة، والتي كان لها دور مهم وموقف
من الأحداث التي جرت على الساحة البحرينية.

لقد بدأ هذا المسلسل بحل
جمعية الممرضين البحرينية واعتقال قياداتها وحل مجلس إدارتها وتعيين مجلس
إدارة من قبل وزارة التنمية الاجتماعية، كما تم حل جمعية المعلمين
البحرينية واعتقال رئيسها ونائب الرئيس، وتم بعد ذلك حل مجلس إدارة جمعية
الأطباء البحرينية وتزوير انتخاباتها بشكل متعمد من خلال مخالفة النظام
الأساسي للجمعية والسماح للأطباء الأجانب بالتصويت في انتخابات مجلس
الإدارة وذلك ما كان يخالف النظام الأساسي، كما حوربت جمعية المحامين
البحرينية وتم حل مجلس إدارتها وتعيين مجلس إدارة آخر.

وفي الإطار نفسه تمّ فصل خمسة أعضاء بلديين منتخبين، كما تمّ خلق بديل للاتحاد العام لعمال البحرين.

لقد
تفاجأت السلطة من موقف السواد الأعظم من مؤسسات المجتمع المدني خلال فترة
الأحداث وانحيازها الكامل للمطالب الشعبية المشروعة، ما أحرجها ليس على
المستوى الداخلي فقط وإنما أمام جميع دول العالم، فغالباً ما ينظر العالم
المتحضر إلى مؤسسات المجتمع المدني على أنها الرديف ولمؤسسات الدولة
الرسمية والأكثر تمثيلاً لفئات الشعب المختلفة، حيث أن هذه المؤسسات إنما
خرجت عبر الإرادة الشعبية الحرة وهي بالتالي تمثل هذه الإرادة.

ولذلك
فإن الإجراءات الانتقامية التي مورست ضد هذه المؤسسات عبر تفتيتها
ومحاربتها وإيجاد بدائل لها لم تنتهِ لحد الآن، وكل ذلك لهدف واحد محدد هو
تحويل جميع المؤسسات الأهلية إلى جمعيات موالية.

التوجه نحو حل مجلس
بلدي العاصمة يأتي على خلفية مقترح نيابي قدمته كتلة المستقلين النيابة
تضمن تعديل قانون البلديات بإلغاء المجلس البلدي في العاصمة واستبداله
بأمانة عامة منتخبة من قبل مؤسسات المجتمع المدني، من أجل إبعاد العاصمة عن
التجاذبات السياسية، ويرجع النواب المستقلون سبب المقترح إلى أن «العاصمة
يجب أن تكون بمنأى عن أجندات الجمعيات السياسية وخاصة أن التجربة أثبتت أن
بعض المجالس البلدية انحرفت عن مسارها الطبيعي الذي أنشئت من أجله وهو
تقديم الخدمات العامة للمواطنين، وأصبحت للأسف الشديد تعمل في السياسة».

وليس
من المستبعد أن يكون هذا المقترح جاء بإيعاز من الحكومة، كما كان فصل
الأعضاء البلديين الخمسة قد جاء أيضاً بإيعاز من الحكومة كما صرح أحد
الأعضاء البلديين بمجلس المحرق البلدي، ولذلك نرى أن وزير شئون البلديات
والزراعة جمعة الكعبي يعلن دعمه للمقترح النيابي دون تحفظ ويصفه بالمقترح
«الجيد لما تتمتع به العاصمة كمركز مالي وتجاري بأمسّ الحاجة إلى مجلس
خبراء متنوع، وأن طبيعة العاصمة تختلف عن بقية المحافظات».

لا أحد
ينكر خصوصية محافظة العاصمة عن باقي المحافظات ولكن ذلك لا يبرر إلغاء
المجلس البلدي؛ ما ينتهك نصاً دستورياً ويلغي حق المواطنين في محافظة
العاصمة من اختيار ممثليهم البلديين؛ فإذا ما أريدَ التطوير في العمل فإن
ذلك يمكن من خلال إعطاء المحافظ المزيد من الصلاحيات والواجبات، كما يمكن
للمحافَظة والتي هي جزء أساسي من المؤسسات الرسمية أن تلعب دوراً أكبر وأهم
من مجرد القيام بنشاطات وفعاليات اجتماعية وترفيهية صرفة.

اقرأ المزيد

كم جميلة وذاتَ عبير وشذى كانت الأزهار !


( خاطرةٌ أدبيةٌ / خماسية ؛ للكاتب الروسي
الكبير: إيفان تورجنيف :   1818  –  1883   )


ترجمها عن الأصل سنة 1976 ، ونقّحها الآن :  حميد 
خنجي


                                             

                                                
###########


 

 

في مكانٍ ما ..  في وقتٍ ما ، من الزمنِ الغابر ، ترنّمتُ
بقصيدةٍ معبِّرة ..  وبعد  بُرهةٍ  نسيتُها … غير أن مطلعها ظلّ عالقاً في
الذاكرة :  كم جميلة وذات عبير وشذى كانت
الأزهار..!


 

                                     
***********************    


                 

والآنْ ؛ الوقتُ شتاءٌ ، حيثُ ينقشُ الصّقيعُ
خطوطاً مشوّشةً زهريّة على زجاجِ النوافذ ، وشمعةٌ يتيمةٌ تضيء الحجرةَ المظلمة
.  وأنا جالسٌ أسترجع الأيامَ الخوالى من سنواتِ
الصّبا ..  وفي الذاكرة كل شيء يرنُّ : …


كم جميلة وذات
عبير وشذى كانت الأزهار ..!




 

                                  
××××××××××××××××××


 

تذكرتُ نفسي أمام النافذةِ الواطئةِ تلك ، في
بيتٍ قابعٍ في إحدى ضواحي مدينةٍ روسيةٍ قديمة.. حيث المساءُ الصيفيّ يهبطُ بهدوءٍ
وسكينة ، وينقلبُ إلى ليلٍ داجٍ .  وفي
الفضاءِ الدّاكنِ ينسابُ عبيرُ الخُزامِ والزيزفون . ومن النافذةِ المقابلةِ تطلُّ
فتاةٌ في عمرِ الربيع .. تنظرُ إلى السماءِ بنظرةٍ متأملةٍ صامتة ، وكأنها تنتظرُ
بزوغَ النجومِ الأولى ! … كم كانت عيناها حالمتين وبسيطتين في آن ، تذكرني بهيئةِ
وجهٍ شرقيٍّ أصيل !.. كم هي بعيدة عني ، وموغلةٌ في الزمنِ السرمديّ ؛ يا لِلَهفي
: …


كم جميلة وذات
عبير وشذى كانت الأزهار..!




 

                                      
÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷


 

و في الحجرةِ يهبطُ الظلامُ رويداً رويداً ..
ويصفعُ الصقيعُ الجدران ..  ونماذجُ بشريةٍ
مختلفةٍ تتجسّدُ أمامي ؛  يتهادى إلى مسمعي
ضجيجٌ عائليّ ممتع ، لحياةٍ ريفيةٍ بسيطة .  ورأسان أشقران يطلان عليّ بخفّةٍ .. وبعيونٍ
طلسميةٍ وخدودٍ قُرمزيةٍ .. ترفرفان بضحكاتٍ مكتومة.  وفي المدى –  قبّالي ؛ تتغنى أصوات شابةٍ عذبة.. وخلف المشهد
؛ أيادٌ تلعبُ على مفاتيحِ “بيانو” قديمة .  وألحانُ “الفالس” لاتتمكن من إخمادِ
همهَمةِ السّماور : …


كم جميلة وذات
عبير وشذى كانت الأزهار..!


 

                                     
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,


 

الشمعةُ تتلاشى .. تتآكل .. وتنطفئ .  ذاب الشمعُ وتلاصقت مادتُه كعجينةٍ بائتة. يرتجفُ
الّلهبُ الخافتُ ، وتنقذفُ قطرات من الشمعِ المذابِ عند أقدام رفيقي الوحيدِ .. الباقي
؛ الكلب العجوز !  أشعرُ ببرودةٍ وقشعريرةٍ
في بدني …  لقد اخطفتْ أيدي الرّدى كلَّ
خلاّني ، واحداً أثر آخر : …


                                       
كم جميلَة وذات
عبير وشذى كانت الأزهار..!


 
اقرأ المزيد

الشيوعي المصري | ثورة 30 يونيو.. طبيعتها ومهامها وآفاقها



1. 

ثورة يونيو وتصحيح مسار
ثورة يناير 



ثورة 30 يونيو 2013 هي الموجة الثانية الأكثر عمقا
ونضجا لتصحيح مسار ثورة 25 يناير 2011 ولإزاحة الخطر الأكبر الذي منيت به مصر في
تاريخها الحديث.. ألا وهو خطر الردة الحضارية والانفصال عن الزمن وتهديد وحدة
الوطن. هذا الخطر الذي تمثله قوى اليمين الديني الفاشي وعلى رأسها جماعة الإخوان، تلك
القوي التي تمثل أكثر شرائح الرأسمالية الكبيرة طفيلية واستبدادا وفسادا وفاشية
وعنصرية ورجعية، فضلا عن التهديد الخطير للأمن القومي المصري الذي مثله استيلاء
جماعة الإخوان على حكم البلاد، وبدء وتنفيذ مخطط التمكين والسيطرة على مفاصل
الدولة لنهب ثروات البلاد، والتآمر لاختطاف الثورة والوطن لصالح مخطط تقوده
الولايات المتحدة الأميركية ويجري تنفيذه برعاية قطرية وتركية، من أجل تفتيت
التراب الوطني وتهديد كيان ووحدة الدولة المصرية بإغراقها في لجة التناحر الطائفي
والصراع الديني والوصول بها إلى النموذجين العراقي والسوري، ضمانا لأمن إسرائيل
التام وحماية لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية والامبريالية العالمية في المنطقة،
وذلك من خلال تفكيك الدول العربية وتدمير الجيوش الوطنية التي تمثل خطرا محتملا
على إسرائيل. 


ولقد كانت الصفقة -المؤامرة- التي تمت لإجهاض ثورة
25 يناير تقوم على تنصيب الإخوان حكاما لأكبر دولة عربية والتمكين لهم سياسيا في
المنطقة في مقابل تطويعهم لخدمة المخططات الأميركية الصهيونية والاندماج في
سياسيات العولمة الرأسمالية واستمرار النهج النيوليبرالي المرتبط بالاحتكارات
العالمية ولقد كان الإخوان علي أتم استعداد لذلك، فهم من ضمنوا اتفاق الهدنة غير
المسبوق بين حماس وإسرائيل، وهم من صمتوا على قرار أوباما باعتبار القدس عاصمة أبدية
لإسرائيل وخرسوا إزاء الانتهاكات الصهيونية للمسجد الأقصى بعد أن كانوا يخدعون
الجماهير بشعاراتهم “خيبر خيبر يا يهود” و”علي القدس رايحين شهداء
بالملايين”، والاخطر هو ما تم فضحه عن استعدادهم للتنازل عن التراب الوطني
والتأمر مع إسرائيل والولايات المتحدة لتنفيذ المشروع الصهيوني للوطن البديل من
خلال توطين الفلسطينيين في سيناء، فضلا عن موافقتهم على منح إقليم حلايب وشلاتين إلى
السودان، والتخلي عن السيادة الوطنية في مشروع إقليم قناة السويس المشبوه، والإسراع
في عقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي وإصدار قانون الصكوك. 


إن أحد أهداف المشاريع الامبريالية في الشرق الأوسط
هو إنشاء دول على أسس دينية مما يخدم بالأساس الخطة الصهيونية لإعلان إسرائيل دولة
يهودية لكل يهود العالم، فضلاً عن النتائج المهمة التي تستتبع ذلك من دخول هذه
الدول الدينية على نحو حتمي في أتون صراع طائفي ومذهبي، وأصبح المطلوب استراتيجيا
تقسيم وتفتيت الدول العربية وإحلال الصراع السني –الشيعي، و الصراع الإسلامي-
المسيحي، والصراع الإسلامي- اليهودي محل الصراع الوطني التحرري العربي الإسرائيلي
وكذلك محل الصراع الطبقي الاجتماعي بين شعوب البلدان العربية والنظم الحاكمة
المستبدة المتحالفة مع الامبريالية العالمية والاحتكارات الدولية. 


ولقد رأينا بوادر ذلك واضحة وماثلة للعيان في مصر
بعد حكم الإخوان في مسلسل الاعتداء على الكنائس وكذلك الاعتداء على الكاتدرائية المرقصية
لأول مرة في التاريخ منذ دخول الإسلام مصر، وكذلك الاعتداء الوحشي على أبناء الطائفة
الشيعية في قرية “أبو النمرس” وقتل وسحل أربعة من أبنائها في سابقة هي الأولى
من نوعها وإعلان الجهاد في مؤتمر الإستاد والدعوة لتوريد المرتزقة الإرهابيين
للحرب في سوريا، فضلاً عن انتشار جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وظهور
أنواع من القتل الوحشي خارج القانون وتعليق الجثث على أعمدة الإنارة إذا أضفنا إلى
ذلك استمرار مسلسل التعذيب في اعتصامات رابعة والنهضة على أيدي ميلشيات الإخوان
وحلفائهم فإننا نجد أنفسنا أمام سيناريو البربرية والتوحش المنفلت من عقال القانون
وحق الاختلاف وأصبح الهدف أن نقضي بأنفسنا على أنفسنا، وأن يرتد بأسنا إلى نحورنا
بدلاً من نحور أعدائنا الحقيقيون. 


هكذا كان مقدراً علينا أن نصل إلى هذا المصير البائس
ولكن وعي ويقظة وعظمة الشعب المصري أنقذ مصر وافسد كل هذه المخططات، فجاءت حملة
تمرد العبقرية التي استطاعت تعبئة كل روافد الرفض الشعبي على حكم الإخوان من خلال
حملة توقيعات فاقت 22مليون توقيع في أقل من شهرين تم جمعها من كل طوائف وطبقات
وفئات الشعب المصري وداخل كل مؤسسات الدولة وهيئاتها في كل محافظات مصر وأعقب ذلك
الخروج الكبير للشعب المصري في الثلاثين من يونيو واحتشاد أكثر من 30 مليون مواطن في
كل محافظات مصر وانحياز القوات المسلحة المصرية للإرادة الشعبية وتبني مطالب الشعب
وإعلان خارطة الطريق بإسقاط نظام الإخوان وحلفائهم من قوى اليمين الديني، مما وضع
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في أزمة حقيقية، فهذه هي المرة الأولى التي
تخالف فيها القوات المسلحة المصرية الإرادة الأمريكية منذ أكثر من 40 عاما وهذه هي
المرة الأولى التي يتوحد فيها الشعب المصري بكل أطيافه وقواه السياسية ومؤسساته
لتصحيح مسار ثورته والبدء في وضع دستور مدني وديمقراطي للبلاد وخروجها من أسر التبعية
والتذلل. 


ولعل هذا ما يفسر تلك الحركة المحمومة والرحلات
المكوكية لأشتون وبيرنز وغيرهم من المسئولين إلى مصر، وبشكل يعد تدخلا سافراً في
شئونها الداخلية من خلال ممارسة الضغوط المتواصلة عليها من أجل إطلاق سراح الرئيس
المعزول المتهم في قضايا تخابر تمس الأمن القومي للبلاد ومن أجل عدم فض الاعتصامات
المسلحة والبؤر الإرهابية في رابعة والنهضة وكل ذلك بهدف ضمان استمرار جماعة الإخوان
في الحياة السياسية المصرية والحفاظ على تنظيمها واستمرار أحزاب اليمين الديني
المتطرف لمواصلة مخطط التفكيك والتفتيت وابتزاز القيادة المصرية الجديدة وإرباك
وتعويق خارطة المستقبل لإجهاض ثورة 30 يونيو. 


إننا نعتبر أن ثورة الشعب المصري في 30 يونيو لتصحيح
مسار ثورة 25 يناير إنما هي امتداد لكل مراحل الثورة الوطنية الديمقراطية التي بدأت
مع الثورة العرابية عام 1881 وتواصلت عبر ثورة 1919 وثورة 1952… وثورة 30 يونيو
جاءت لإنجاز المهام التاريخية لهذه الثورة التي لم تكتمل وتأخرت كثيراً خاصة بعد موجة
الردة الرجعية الشاملة التي اجتاحت مصر والمنطقة منذ منتصف السبعينات واستمرت لأكثر
من 30 عاما وما حدث إثنائها من انهيار لحركة التحرر العربية وكذلك انهيار الاتحاد
السوفيتي وصعود تيار اليمين الديني الفاشي في المنطقة في ظل نظم حكم استبدادية
جثمت على أنفاس شعوبنا لعشرات السنين. 


والتناقض القائم في مصر الآن ليس مجرد تناقض بين قوى
سياسية معارضة وجماعة رجعية مستبدة وصلت إلى السلطة وفشلت في إدارة حكم البلاد، وإنما
يتبدى التناقض في مستواه الأعمق بين الغالبية العظمى من جماهير الشعب المصري وقواه
السياسية الوطنية الديمقراطية من ناحية وبين قوى اليمين الديني الفاشية بقيادة الإخوان
والتي تمثل الخطر الأكبر على مستقبل الوطن والثورة من ناحية أخرى. 


 ولذلك فإن
ثورة يناير وموجتها الثانية في يونيو تسعى إلى استكمال الاستقلال الوطني عن كل أشكال
التبعية والإذعان للأمريكان والدول الامبريالية، والذي لن يتحقق بدون تحقيق تنمية
اقتصادية اجتماعية وثقافية شاملة معتمدة على الذات أساسا. ومن ناحية أخرى فإنها
ثورة ديمقراطية تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية على أساس دستور يحمي الحريات والحقوق السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين ويكفل الرقابة والمشاركة الشعبية
ويضمن حرية تشكيل الأحزاب والنقابات والجمعيات مع التأكيد على فصل الدين عن
السياسة وحظر الأحزاب الدينية.ثم إن هذه الثورة وهذا هو الأهم لها جانبها الاجتماعي
الذي يقوم على أساس إعادة توزيع الدخل والثروة في المجتمع بما يحقق مصالح الأغلبية
من الجماهير الكادحة ويحمي حقوق الفقراء والفئات الضعيفة في المجتمع وتمكين العمال
والفلاحين من تشكيل نقاباتهم واتحاداتهم لضمان استمرار الثورة في تحقيق أهدافها والانتقال
بها إلى مرحلة أرقى في مسار الثورة الاجتماعية لصالح الطبقات الكادحة. 


وتحليلنا لطبيعة التناقض في اللحظة الراهنة وطبيعة
المهام الأساسية لثورة 30 يونيه باعتبارها مرحلة هامه وحاسمة من مراحل الثورة الوطنية
الديمقراطية ينتقل بنا إلى ضرورة وضع خريطة سياسية صحيحة للتحالفات في المرحلة
الراهنة ونحن نرى ضرورة استمرار تحالف كل القوى الوطنية والديمقراطية لمواجهة خطر
الفاشية الدينية وبالتالي ضرورة الحفاظ على جبهة الإنقاذ الوطني وعلى الأحزاب
والتيارات السياسية الأساسية بها (الليبرالي – القومي – اليساري)، والتصدي
لمحاولات حل هذه الجبهة أو إضعافها بدعوى انتهاء مهمتها التي لن تتحقق إلا بعد
النجاح في تصفية خطر القوى الفاشية، مع استمرار تأكيدنا على أن تحالف القوى
الاشتراكية والتقدمية ووحدة نضالها هو الضمان لاستمرار هذه الجبهة الواسعة وشل
تردد كافة القوى التي لا تريد مجابهة حكم الإخوان، كما إن وحدة الحركات
والتنسيقيات الشبابية الثورية وتجنب تصعيد أي تناقضات داخلية بينها هو مسالة في
غاية الأهمية لضمان وجود بوصلة صحيحة أثناء المرحلة الانتقالية مع ضرورة إشراك
الشباب بشكل فعال في مؤسسات الحكم لتدريبهم على تولي المسئوليات الأساسية في
المرحلة القادمة. 


ولا بد من تقييم ما حدث
في 30 يونيه بشكل موضوعي وصحيح، ورفض أي مواقف مغرضة تريد تشويه هذا الانجاز
التاريخي للشعب المصري من قوى الثورة المضادة ممثلة في الإخوان وحلفائهم من قوى
اليمين الديني الفاشي في الداخل وحلفائهم في الخارج من الدول الإمبريالية في
الولايات المتحدة وأوروبا تلك القوي التي سارعت في وصف ما حدث بأنه “انقلاب
عسكري”.. وإذا كان هذا أمر طبيعي من أعداء الثورة كما أنه أمر يمكن فهمه
حينما تطرحه العديد من القوى والحركات التي تمسك العصا من المنتصف لتحقيق مصالحها
الضيقة وأهدافها الأنانية، إلا إنه من الغريب أن تلتقي معهم في نفس الطرح بعض
القوى التي تدعي الثورية واليسارية استنادا إلى مقولات تاريخية جامدة وقوالب
محفوظة وأكليشيهات ثابتة تظل ترددها حول العسكر وحكم العسكر والانقلابات العسكرية
دون تحليل الواقع العيني الملموس والتحقق من الوقائع الحية والممارسات الفعلية على
الأرض التي تؤكد على أن ما حدث هو ثورة شعبية إنحاز لها الجيش المصري كما إنه لابد
من تحليل المواقف التاريخية للجيش المصري بدلاً من تطبيق النصوص الجامدة بشكل
تعسفي على الواقع وعلينا في بعض اللحظات أن نتعلم من الدروس والخبرات التي يقدمها
لنا الشعب المصري بفطرته السليمة وحسه الثوري، والاخطر أن هذا الموقف الخاطئ يحرف الأنظار
عن العدو الرئيسي للجماهير الشعبية قي اللحظة الراهنة، وهو خطر اليمين الديني
الفاشي ومخططاته الإرهابية في سيناء وتجييشه لأنصاره في محاولات يائسة ولكنها
خطيرة بالانقضاض على ثورة الشعب المصري والالتفاف على إرادته لإسقاط حكم الإخوان
وتصحيح مسار الثورة ووضع دستور جديد واتخاذ إجراءات اجتماعية عاجلة. 


ومن ناحية أخرى علينا أيضا أن نقف بحسم في مواجهة
رموز أنصار نظام مبارك وأبواقهم الإعلامية الذين يريدون شطب ثورة يناير من التاريخ
وتشويهها بهدف تبرير خطايا نظام مبارك والتنصل من مسئوليتهم عنها وتحميل الإخوان
بكل سلبيات المرحلة السابقة ونحن نؤكد أنه لولا ثورة يناير 2011 لما استطاع الشعب
أن ينجح في القيام بثورة 30 يونيه ولما أستطاع أن يكشف جرائم القوى الظلامية
المتاجرة بالدين ولذلك فإننا نكرر تأكيدنا على أن ثورة 30 يونيه هي الموجة الثانية
الأعمق والأنضج لثورة 25 يناير وهي تصحيح لمسارها وإن إسقاط حكم الإخوان لا يعني أبداً
العودة إلى ممارسات وجرائم نظام مبارك، وعلى ثورة 30 يونيو أن تنجز ما عجزت عن
إنجازه ثورة 25 يناير وأن تناضل من أجل كنس كل مساوئ نظام مبارك ونظام الإخوان وهي
تأكيد على أننا نريد إسقاط جوهر هذه الأنظمة وهدم الأسس التي قامت عليها وبناء
نظام جديد يحقق أهداف وطموحات شعبنا وما يقتضيه ذلك من تغيير جذري في السياسات
والممارسات والمؤسسات لإرساء دعائم أوضاع جديدة تقوم على ثقافة وطنية تحررية
مستنيرة تحرر الشعب من كل مظاهر الإفقار والاستغلال والتخلف والجهل والتطرف وإنهاء
التمييز على أساس الدين أو الجنس أو العرق. 




2. 

موقفنا من المرحلة
الانتقالية واستحقاقاتها





نحن نرى أن المرحلة الانتقالية وإعلان خارطة
المستقبل، رغم تحفظاتنا على بعض جوانبها وكذلك على نقاط أساسية في الإعلان الدستوري
الأخير، إلا أننا نؤكد على أنها تؤسس لمرحلة جديدة وتستند على الشرعية الثورية لثورة
الملايين من الشعب المصري في 30 يونيو. إذاً هي شرعية ثورية هدفها الرئيسي إسقاط
حكم الإخوان وحلفائهم، وفي نفس الوقت تعمل من أجل بناء نظام جديد يستكمل تحقيق أهداف
ثورة يناير الوطنية الديمقراطية. 


وبناء على ذلك يجب إلا يغيب عن بالنا أن النضال من
أجل تصفية نظام الإخوان وبقايا نظام مبارك هو المهمة الأساسية لهذه الشرعية
الثورية إلى جانب السعي لتشكيل نظام بديل وإجراءات ملموسة لتثبيت وتوسيع القاعدة
الاجتماعية للثورة، ويجب أن يكون مفهوماً أن الحكومة التي تشكلت استنادا لهذه
الشرعية الثورية يجب أن يكون ولاءها الأول لمطالب الإرادة الشعبية التي خرجت في 30
يونيو و26 يوليو ودورها الأساسي هو استخدام كل الوسائل لتنفيذ هذه الإرادة وإزاحة
أي عقبات في سبيل تحقيقها، ونحن نرى أن سياسات الحكومة الانتقالية مازالت بعيدة عن
روح هذه الشرعية الثورية، وما زال إيقاعها تقليدي وبطئ كما لو أنها جاءت في ظروف
عادية، ويتبدى ذلك أيضا في مواقف واضحة لعدم الحسم والتراخي في مواجهة قوى الإرهاب
والتطرف، ويتحدث بعض المسئولين الكبار في مؤسسات السلطة الانتقالية عن المصالحة
الوطنية وضرورة دمج الإخوان في العملية السياسية دون تمييز بين كوادر وقيادات الإخوان
القتلة الإرهابيين وبين جماهيرهم العادية وبأسلوب يتنافى مع الشرعية الثورية ويتناقض
مع الإرادة الشعبية.. ونحن نؤكد على ضرورة تصحيح هذه الأوضاع بسرعة لان الاستمرار في
هذه الحالة وهذا التردد والتباطؤ سوف سيؤدي إلى تأكل الثورة وإضعافها وإعطاء
الفرصة لخصومها وأعدائها لاستعادة توازنهم بشكل تدريجي وهو ما لن يسمح به الشعب
المصري وقواه السياسية الثورية والشبابية والتي يجب أن تظل متواجدة في ميادين
الثورة لمراقبة الحكومة ولضمان تنفيذ إرادتها الثورية. ومن جانب آخر لا بد من
التعبير القوي والواضح من السلطة الانتقالية عن استقلالية القرار المصري واحترام
السيادة الوطنية والتحرر من التبعية لأمريكا والبدء في تنويع مصادر السلاح والتوجه
إلى التكتلات الأخرى العالمية من أجل إحداث توازن في علاقاتنا الدولية بشكل يساعد
على حماية ثورتنا في المرحلة المقبلة. 


ولا بد من الاستمرار الحاسم في مواجهة الإرهاب وفض
الاعتصامات المسلحة في رابعة والنهضة، لأن التأخر في مواجهة هذه البؤر الإرهابية
سوف تكون نتائجه وخسائره أكبر بكثير من حسمها السريع في إطار القانون. ونحن نتفق
مع القوى التي تطالب بحل جماعة الإخوان المسلمين غير الشرعية، وضرورة مواجهة الإرهاب
والتطرف الديني والفكر الظلامي وسياسات التمييز ضد المرأة والأقباط مواجهة شاملة أمنية
وسياسية وثقافية وإعلامية، وداخل كل مؤسسات الدولة، وذلك لضمان النجاح في بناء
دولة مدنية ديمقراطية حديثة وبناء نظام وطني ديمقراطي يحقق أهداف وطموحات الشعب
المصري. 


إن حسم أمر هذه البؤر الإرهابية المسماة بالاعتصامات
إنما يتطلب التفافاً شعبياً حول السلطة الجديدة، وهو ما تأكد مبدئيا بصورة واضحة
في السادس والعشرين من يوليو. إلا أنه لن يتأكد بصورة نهائية وقاطعة إلا إذا أبدت
هذه السلطة حسماً واضحاً في تنفيذ القانون على الأرض، وحزما ملموسا في حفظ الأمن
وانتظام الخدمات، ورفع المعاناة عن الكادحين من أبناء الشعب المصري في هيئة إجراءات
ملموسة وعادلة على نحو مباشر: مثل إقرار قانون الحد الأدنى والأقصى للأجور، على ألا
يتجاوز الحد الأقصى 15 ضعف الحد الأدنى، والرقابة الصارمة على الأسعار، وإعفاء
صغار ومتوسطي الفلاحين من الديون المتراكمة عليهم، وتثبيت العمالة المؤقتة، واستعادة
وتشغيل الشركات المملوكة للقطاع العام والتي صدر بعودتها حكم قضائي إلى آخر الإجراءات
الممكنة والتي تضمن إحساس الغالبية العظمي من الشعب المصري بأن الثورة التي قاموا
بها إنما جاءت نتائجها لصالحهم فيزدادون التفافا حولها. 


ونحن نؤكد على ضرورة إعادة كتابة الدستور كاملاً دون
ترقيع أو تنقيح أو تعديل. ويأتي هذا في صدارة مهمات المرحلة الانتقالية. فدستور
2012 الإخواني – السلفي إنما هو دستور مشوه طائفي معادٍ للحريات الشخصية والعامة،
ولحرية التفكير والتعبير، ولحقوق المرأة والطفل، ولحقوق العمال والفلاحين
والكادحين. ويجب في الدستور الجديد إعادة المادة الثانية في دستور 71 التي تقول بأن
مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع دون أي زيادة أو إضافة. كذلك
لا بد من النص على ضرورة عدم تكوين أحزاب على أساس ديني، وإلغاء كافة الأحزاب
القائمة التي لا تستوفي تلك الشروط إلى جانب التأكيد على فصل الدين عن السياسة.
كما لابد من النص الواضح والصريح على الحفاظ على الملكية العامة والتعاونية
وحمايتها بالنصوص الدستورية اللازمة، ويجب احترام حق الشعب في اختيار طريق تطوره
الاقتصادي والاجتماعي وعدم النص على تأبيد النظام الرأسمالي أو أي نظام آخر في
الدستور. ونحن نرى ضرورة النص في الدستور الجديد على وسائل فعالة للرقابة الشعبية
على مؤسسات السلطة التنفيذية، وتفعيل دور المشاركة الشعبية، وضمان عدم افتئات
القوانين على الحقوق والحريات الدستورية. وأخيراً يجب التأكيد على الحقوق
الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين بشكل واضح وإلزام الدولة بها وخاصة الحق في
الصحة والتعليم والعمل والسكن وحماية حقوق العمال والفلاحين منتجي الثروات
والخيرات في ربوع البلاد. 




3. 

توحيد جهود وقوى اليسار




إن كل هذه التحديات والإجراءات والفعاليات التي
تتطلبها المرحلة القادمة وخاصة الفترة الانتقالية إنما تحتم وجودا فعالاً وجهوداً
موحدة لقوى اليسار المصري في مواجهة قوى اليمين الفاشي، وكذلك في مواجهة اليمين
الرأسمالي بشكل عام. ولن يكون لأحزاب وقوى اليسار أي قدرة على التأثير والفاعلية
بدون وحدتها وتماسكها. ونحن نؤكد على ضرورة الإسراع بخطى الوحدة وتكوين قيادة
موحدة للأحزاب الاشتراكية باعتبارها الخطوة الأولى الضرورية والعاجلة التي تتطلبها
الظروف الراهنة. إن أي تأخير في تكوين هذه القيادة سوف تكون نتائجه خطيرة على
مستقبل قوى اليسار بل وعلى مستقبل الثورة المصرية. 


عاشت ثورة الشعب المصري العظيم      وعاشت ثورتا 25 يناير و30 يونيو! 


3 أغسطس 2013                        اللجنة
المركزية – الحزب الشيوعي المصري.
اقرأ المزيد