المنشور

أرمينيا… تجربة تستحق الدراسة



سافرت
في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى جمهورية أرمينيا، وهي إحدى البلاد
التي كانت تشكل جمهوريات الاتحاد السوفييتي الخمس عشرة حتى سقوط الاتحاد
السوفييتي في ديسمبر/كانون الأول 1991 (استقلت عن الاتحاد السوفييتي في 21
سبتمبر/أيلول 1991 أي قبل سقوطه الرسمي) . وهي بلد قوقازي أوروآسيوي، إذ
تتموضع عند ملتقى غرب آسيا وشرق أوروبا . تبلغ مساحتها 7 .29 ألف كيلومتر
مربع، ولا يتجاوز عدد سكانها 5 .3 مليون نسمة، يجمعون سنوياً من خلال
مزاولة أعمالهم على مدار العام في التعدين وتحديداً مناجم النحاس والزنك
والذهب والرصاص، وفي الزراعة (التي تستوعب نحو 40% من العمالة)، وصناعة
الآلات والمنسوجات، وصناعة المنتجات الكيماوية والإلكترونيات، وصناعة
الأغذية والمستحضرات الطبية والصيدلية، إجمالي ناتج محلي يقارب 20 مليار
دولار (بمعيار القوة الشرائية للعملة الوطنية) .


ما
يدهش في الأمر أنك وبعد مشاهداتك ومعاينتك عن قرب لأوجه ومعالم التحضر
والتحديث التي تقارب المستويات الأوروبية، ليس في عاصمة البلاد “يريفان”
فقط، وإنما في البلدات الأخرى المجاورة مثل فانادزور (أو وادي الورود)، سوف
تُسائل نفسك كيف لبلد أصيب بزلزال مدمر (زلزال سبيتاك) في عام 1988 قُتل
فيه 25 ألف شخص وشُرِّد نصف مليون شخص، ودخل في أواخر عام 1992 في حرب مع
أذربيجان لاستعادة إقليم ناغورنو قره باغ ذي الغالبية الأرمنية حتى شهر
مايو/أيار ،1994 نتج عنها تشريد 80 ألف أرمني، فضلاً عن معاناة البلاد من
وضعها الجغرافي الطبيعي، من حيث كونها بلداً جبلياً غير ساحلي محاطاً ببيئة
جيوسياسية غير صديقة (تركيا في الغرب وأذربيجان في الشرق)، كيف لبلد يتعرض
لمثل هذه الصواعق دفعة واحدة، أن ينهض ويعيد إنتاج حياته السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بتصميم وكفاءة، تشهد عليهما علائم
التعافي والرقي الذي يليق حقاً بمجتمعات المراكز الحضارية المتقدمة .


الجواب
عن هذا التساؤل الاستغرابي يكمن، كما نعتقد، في عراقة تاريخ وثقافة الشعب
الأرمني وحيويته التي تمكنه من التعامل مع أصعب التحديات . وتكفي زيارة
لمتحف التاريخ الوطني في العاصمة يريفان، للتيقن من هذه الحقيقة . وبهذا
الصدد قد يكون مفيداً الإشارة إلى أنني كنت محظوظاً أن تتزامن زيارتي
للعاصمة الأرمنية مع احتفالات البلاد بذكرى مرور 1795 سنة على إنشاء
المدينة . حيث وفد كثيرٌ من الأرمن المنتشرين في بلاد المعمورة لمشاركة
أبناء شعبهم الاحتفال بهذه الذكرى، وكان ذلك في يوم الجمعة الموافق 12
أكتوبر/تشرين الأول ،2013 وكانت مناسبة أظهر خلالها الأرمن اعتزازهم البالغ
برابطتهم القومية وتمسكهم بانتمائهم لوطنهم ولثقافتهم، مهما أخذتهم
المسافات بعيداً عنها في بلدان المهجر على تعددها وتنوعها . فلقد فرضت مآسي
الغزو والاحتلالات والمجازر التي تعرض لها الأرمن على امتداد تاريخهم من
قبل الغزاة المجاورين لهم، وأبشعها وأكثرها إيلاماً وحفراً و”استيطانا”
للذاكرة الجمعية الأرمنية، المذابح التي تعرض لها الأرمن على أيدي الأتراك .


ومع
ذلك فإن من مدهشات الشعب الأرمني نجاحه الباهر في تحويل هجراته القسرية
والاختيارية ووجوده في بلدان المهجر المختلفة، إلى قوة مجتمعية محلية قوية
ونافذة، لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا . فلقد كان اللوبي
الأرمني في كل من الولايات المتحدة (يبلغ تعداد الجالية الأمريكية من أصول
أرمنية فيها نحو نصف مليون نسمة)، وفي فرنسا التي يصل تعداد الأرمن
الفرنسيين فيها إلى 600 ألف أرمني .  لقد
كان هذا اللوبي الأرمني وراء تصويت كل من الكونغرس الأمريكي والجمعية
الوطنية الفرنسية (البرلمان) على قانون يعد ما قامت به تركيا بحق الأرمن في
عام ،1915 إبادة جماعية سوف تجبر تركيا على دفع أثمانها عاجلاً أو آجلاً .
حصل ذلك رغم أن تعداد أفراد الجالية التركية في عدد من الدول الأوروبية
يزيد 20 ضعفاً على عدد أفراد الجالية الأرمنية . ومع ذلك فإن الاتحاد
الأوروبي وكندا إضافة إلى الولايات المتحدة رأت ما حدث للأرمن في عامي 1915
و1916 على أيدي الأتراك العثمانيين، إبادة . كما أن الكثير من الدول
الأوروبية بما فيها تلك التي لا تتوفر على جاليات أرمنية موزونة مثل
هنغاريا وسلوفاكيا، أعلنت يوم 24 إبريل/نيسان من كل عام ذكرى أليمة في
أجندات تواريخها الوطنية .


أرمينيا تجربة شعب ووطن تستحق الدراسة والتأمل .
اقرأ المزيد

سـيرة العنف المدمر ( وثيقة إعلان مبادئ اللاعنف)


نظمت الجمعيات السياسية المعارضة ندوة بعنوان ” سيرة العنف المدمر” وذلك يوم الاربعاء 6 نوفمبر الماضي في جمعية وعد شددت فيها على أن وثيقة اللاعنف التي أصدرتها الجمعيات الست هي معتقد سياسي راسخ واستراتيجي وليس تكتيكا تتراجع عنه او تغيره.
نعرض أدناه ورقة المحامي حميد الملا الذي كان أحد المتحدثين في الندوة بالإضافة الى النائب المستقيل خليل المرزوق والمحامي حافظ حافظ
 
 




سيرة العنف المدمر
(وثيقة إعلان مبادئ اللاعنف) 


 
الأخوات، الأخوة،،،
الحضور الكرام،،، أسعد الله مسائكم جميعاً
 
في البدء أود أن أشكر جمعية العمل الوطني الديمقراطي على إستضافتها هذه الندوة، والشكر موصول للأخوة المنظمين وما قاموا به من مجهود في سبيل إنجاح العمل المشترك بين جمعيات المعارضة.
 
قبل عام أقدمت الجمعيات السياسية المعارضة على خطوة مهمة وتاريخية في إصدار وثيقة اللاعنف، وبذلك فوتت الفرصة على كل من يدعي بأن هذه الجمعيات لها أجندات أخرى غير معلنة وبأنها تدعم الإرهاب كما تروج له السلطة والصحف الصفراء من أجل حرف الأهداف الحقيقة للعمل الوطني السلمي المطالب بالديمقراطية وإحترام حقوق الإنسان.
 
فالحكم وعلى مدى أكثر من نصف قرن وهو يعمل على إشاعة فكرة بأن أي من المطالبين بالديمقراطية هم إرهابيون أو يعملون لحساب دول تدعم الإرهاب، وفي الآونة الأخيرة قد جند من الإعلاميين والإذاعة والتلفزيون وكل وسائل التواصل الإجتماعي لترويج مثل هذه الأكاذيب، ودفع لهم مالاً سخياً من أجل إثبات هذه الأكذوبة.
 
أما الحركات السياسية فمنذ تاريخ نشوء تلك الحركات وبرامج عملها وأهدافها والتربية الحزبية التي أنشأت أعضائها ومناصريها سنجد بأن ما تعمل عليه لم يخرج عن إطار العمل السلمي اللاعنفي.
 
فعندما أصدرت الجمعيات المعارضة وثيقة اللاعنف وحددت اهداف عملها في المبادئ الواردة في الإعلان قطعت الطريق كليا ًعلى أي تقولات يقوم بها الحكم في إلصاق تهمة الإرهاب بها، فالمبادئ كانت واضحة وتحددت في إحترام الحقوق الأساسية والأفراد والقوى المجتمعية وأخذت على عاتقها الدفاع عنها، وكان ذلك هو المبدأ الأول من الإعلان.
 
أما المبدأ الثاني فقد تمثل في الإلتزام بمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية.
 
أما المبدأ الثالث فقد أكد على أن تلك القوى أي المعارضة أن تأخذ على عاتقها في نهجها السياسي بأن لا تلجأ إلى العنف أو تجاوز حقوق الإنسان والآليات الديمقراطية.
 
أما المبدأ الرابع فقد أكد على الإدانة الواضحة والصريحة للعنف بكل أشكاله ومصادره وأطرافه.
 
وفيما يتعلق بالمبدأ الخامس، فقد أكدت قوى المعارضة على أهمية الدفاع عن حق المواطنين في حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات.
 
وأخذت القوى السياسية المعارضة على عاتقها أن تكرس وتدعوا في أدبياتها وخطاباتها وبرامجها إلى ثقافة اللاعنف وإنتهاج السبل السلمية والحضارية.
 
وقد أستمدت تلك المبادئ من المواثيق والإعلانات والقرارات الدولية كالقرار رقم 61/45 والخاص بالعقد الدولي لثقافة السلام واللاعنف من أجل أطفال العالم والصادر في 4 ديسمبر 2006م، والقرار رقم 61/271 والخاص باليوم الدولي اللاعنف والصادر في 15 يونيو 2007م.
 
فكلا القرارين يؤكدان على أهمية العمل السلمي وعدم اللجوء إلى أي نوع من أنواع العنف ويحثان منظومة الدول على أهمية التسامح والإحترام الكامل لجميع حقوق الإنسان والحريات السياسية للجميع والديمقراطية والتنمية والتفاهم المتبادل وإحترام التنوع وتأمين ثقافة السلام ونشر رسالة اللاعنف عن طريق التعليم وتوعية الجمهور.
 
وقد أشار القرار رقم 61/45 والخاص بالعقد الدولي لثقافة السلام واللاعنف في ديباجته إلى الميثاق التأسيسي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم على أنه لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام.
 
ومن هنا تأتي أهمية هذه الوثيقة في ضرورة تربية الأجيال على التسامح والولوج إلى أفئدتهم وعقولهم وقلوبهم حتى تصبح هذه الثقافة جزء من كيان تفكيرهم، كل ذلك يعزز من دور القوى المطالبة بالتغيير في المجتمع ويعزز من مكانة الحركة الوطنية المطالبة بالديمقراطية وإحترام حقوق الإنسان وصولاً إلى التداول السلمي للسُلطة.
 
وعلى هذا الأساس فإن المبدأ الأساسي لفلسفة العمل السياسي هو بناء مجتمع خال من العنف، وهذا ليس بالإمكان تحقيقه في ظل الدول القمعية والتسلطية أو في ظل الديكتاتوريات.
 
فالبيئة الحاضنة للتفكير في اللاعنف والنهج السلمي في أي مجتمع لا يتأتى إلا من خلال وجود الديمقراطية وإحترام حقوق الإنسان.
 
وعلى خلاف ذلك نرى بأن الحكم يحاول إلصاق التهم بالحركات السياسية المعارضة ويفبرك المسرحية تلو الأخرى للنيل من قوى المعارضة وتصويرها بأنها إرهابية أو ترعى الإرهاب، بينما لو رجعنا إلى التاريخ سنجد بأن من يقوم بالإرهاب هي الدولة ذاتها من خلال القيام بأعمال القتل والتعذيب والتعدي على حقوق المواطنين وإنتهاك حرمات المنازل وإعتقال الأطفال والنساء وتدمير دور العبادة.
 
وعلى خلاف ذلك، فأن القوى السياسية كانت وما زالت وفي بياناتها المتتالية تدين أي أعمال تدعو إلى العنف أو تحرض عليه أو تفكر بالقيام به من أي جهة كانت، ومع ذلك لم يشفع لها من قبل الحكم أو الموالين أو الصحف الصفراء الذين يكيلون التهم ليل نهار إلى قوى المعارضة ويوصمونها بالإرهابية.
 
فثقافة اللاعنف ترسخت وأصبحت تدرس في الجامعات كما هو حاصل في إحدى الجامعات اللبنانية، حيث تأسس في العام 2009م مؤسسة أكاديمية تدعى (أونور) تقدم شهادات متخصصة في درجة الماجستير وتخرج سنوياً المئات من الخبراء في مناهضة العنف من مختلف الدول العربية، وهي بذلك أي الجامعة تؤسس لمناهج رائدة في تعليم اللاعنف وحقوق الإنسان واللاطائفية في المدارس والجامعات،
 
إذن، اللاعنف قبل أن يكون منهاج عمل هو أولاً وأساساً موقف درجت عليه القوى السياسية منذ أمد بعيد وما زالت مستمرة فيه من أجل نيل المطالب بالطرق السلمية والحضارية إيماناً منها بأن العنف هو إنتهاك لحرمة الحياة بل بالعكس بأن القوى المعارضة قد تصدت في بياناتها ومواقفها إلى أي دعوة أو دعوات تدعو إلى عدم السلمية في المطالبات.
 
وفي هذا الإطار فإن الجانب الأخلاقي الذي تستمد منه القوى السياسية في تبنيها لمبدأ اللاعنف يكمن في إستفادتها من خبرات الشعوب الأخرى في مطالبتها بالحرية والديمقراطية بالطرق السلمية إعتماداً على قوة الجماهير وكثرتها كما فعل قادة عظام كالمهاتما غاندي في إستقلال الهند ومارتن لوثر كينغ في دفاعه عن السود ومن أجل الحقوق المدنية للأفروأمريكيين.
 
كما أنه يمكن لنا القول بأن الأديان السماوية وغيرها من الأديان الوثنية كالهندوسية والبوذية والسيخية كانت تدعو إلى اللاعنف.
 
فالعمل اللاعنفي هو أجدى وأنفع للقوى السياسية من أي عمل آخر والذي يدخل في إطاره التظاهر السلمي وتسيير المظاهرات والتجمعات العامة وله أدوات مثل اللافتات، الشموع، والزهور. كما أن له شكل آخر إذا إستدعت الحاجة وهو العصيان، الإمتناع أو عدم الطاعة. ليتدرج حتى الإعتصام، إحتلال المواقع، الإضراب عن الطعام، والإضرابات، والتجمعات، والعرائض، والتواقيع، والإمتناع عن دفع الضرائب، والإمتناع عن الخدمة العسكرية والمظاهرات العامة كوسيلة من الوسائل التي إعتمدتها الحركات اللاعنفية.
 
كل ذلك، يؤخذ في الحسبان في العمل السياسي بإختلاف الظروف السياسية والثقافية للشعوب ومدى ملائمة أي من تلك الوسائل للبلد المعني.
 
من هنا نجد من أن الشعوب في حركتها عبر التاريخ وفي كفاحها اللاعنفي لعبت دوراً وما زالت في تقليل سلطة الأنظمة الديكتاتورية ولذلك نجد في العام 1989م شهد ما يزيد على مليار ونصف مليار من البشر ثورات لاعنفية حققت نجاحات تفوق التصور وعلى الأخص في بلدان ما يعرف بالكتلة الشرقية السابقة، وإذا ما أضفنا (الفلبين، جنوب إفريقيا، إيران، حركة التحرر في الهند) فإن الرقم سيزيد عن ثلاثة مليارات مما يعني نسبة خمسين بالمائة من البشر، وتبع ذلك ما حدث في العام 2011م من ثورات الربيع العربي وما حققته في كنس الأنظمة الديكتاتورية كتونس ومصر واليمن وليبيا.
 
من هنا يجب التنويه من أن العنف السياسي يحرم الإنسان من حقه في الحياة التي نصت عليه جميع المواثيق الدولية، فقد ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إن “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه” ونجد الأمر عينه في الإتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية، في المادة (6) الفقرة (1) ” لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة ويحمي القانون هذا الحق ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي”.
 
فالعنف السياسي في المجتمعات الحديثة وبسبب الطبيعة الفتاكة للسلاح الحديث وتأثيره الواسع النطاق يؤدي إلى قتل وجرح أشخاص آخرين لا علاقة لهم بالخصم الذي يستخدم ضده العنف. ولذلك فإن القوى السياسية في إنتهاجها لمبدأ اللاعنف بإمكانها التركيز على المطالب التي تأمل تحقيقها لمواجهة عنف الحكم بالوسائل اللاعنفية وهي الأجدى والأقوى والأمضى في المواجهة.
 
وبناء عليه، تم اللجوء إلى لغة تدعو إلى تبني تدوال السلطة بشكل سلمي، بعيداً عن وسائل العنف والإكراه، وإجراء إنتخابات دورية، يشارك فيها الشعب ويؤخذ بنتائجها، وإعتبار مبادئ الشفافية والعدالة والنزاهة هي الأساس لتحقيق رخاء سياسي وإقتصادي ومجتمعي.
 
ومن هنا، يأتي دور الإعلام السياسي الذي يستهدف من خلال ما يقدمه من أخبار وموضوعات وتعليقات وتحليلات وصور خلق المناخ الذي يهيئ مساندة الرأي العام لتوجهات العمل السياسي عبر تزويد الجماهير بالمعلومات والقرارات السياسية التي تساعد على تكوين رأي عام موحد يدعم رؤية القوى السياسية والإرتفاع بمستوى وعيها وحشد طاقاتها في بوتقة العمل السلمي اللاعنفي.
 
وفي سبيل تحقيق الأهداف، فإنه من الضرورة أن يكون هنالك سنداً دولياً لمتابعة ما يحدث على أرض الواقع ولن يحدث ذلك إلا من خلال إدانة العنف بكل أشكاله وألوانه ومسبباته ومبرراته من أي طرف كان، وهذا ما لمسناه في بيانات الدول كموقف من الوثيقة الصادرة عن الجمعيات السياسية المعارضة، حيث أفرد المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية بتاريخ       9 نوفمبر 2012م ترحيبه بـ (وثيقة اللاعنف) التي أصدرتها المعارضة البحرينية، وكذلك فعلت الدول الأخرى وطالبوا حكومة البحرين بالكف عن ممارسة عنف السٌلطة في مقابل المطالبات المنادية بالديمقراطية.
 
وفي الختام، نود أن نؤكد على أهمية العمل المشترك للجمعيات السياسية المعارضة في بلورة رؤى للعمل السياسي يخرج البلد من دائرة العنف ويبني أسساً للعمل السلمي المنظم ذو الأهداف الواضحة ورفض أي تفكير في جرّ البلاد إلى مستنقع العمل ذو الطابع العنفي، بل إستنكاره وإدانته.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
 
الأربعاء 06/11/2013م
المحامي/ حميد علي الملا
 
المصادر:-
1-   قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 61/45 – العقد الدولي لثقافة السلام واللاعنف من أجل أطفال لعالم 2001،2010م .
2-   قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 61/271 – اليوم الدولي للاعنف/ 15 يونيو 2007م.
     موسوعة ويكيبيديا.
3-   د. السيد أحمد مصطفى عمر (الإعلام المتخصص دراسة وتطبيق).
       بيان صحافي صادر عن المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية.

اقرأ المزيد

سيادة القانون تختلف عن الانتقام

أولى جلسات محاكمة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي و14 متهماً آخرين
بدأت أمس في قضية التحريض على قتل متظاهرين، وكانت السلطات المصرية قد قررت
فجأة نقل مقر المحاكمة من مجمع سجون طرة، جنوبي القاهرة، إلى أكاديمية
الشرطة، شرقي المدينة، فيما أعلنت أسرة الرئيس المعزول عدم حضورها المحاكمة
«لعدم شرعيتها». وكانت محاكمة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك تجرى في
أكاديمية الشرطة، ولربما لم يكن ذلك صدفة.

وبحسب ما ذكرته الـ «بي بي
سي»، فإن المواطنين المصريين يشعرون بالقلق مما قد تأتي به الأيام
المقبلة، ويتوقعون أن تعمِّق محاكمة مرسي الخلافات بين المصريين، وأن
تسبِّب المزيد من التوتر والصدامات، مع دوامة من العنف السياسي. إن
المحاكمات التي تجرى هكذا لا تؤسس لحكم القانون، فالقانون يأتي لحماية حياة
سياسية متفقٍ عليها، أمّا إذا تحول القانون والقضاء إلى أداة بيد طرف داخل
الوطن ضد طرف آخر، فإنه يتحول إلى وسيلة انتقام.

في زمن مضى كانت
الحياة تسير على أساس «العين بالعين والسن بالسن»، لكن هذا الطرح في زماننا
يؤدي إلى أن تفقد مؤسسات الدولة قيمتها؛ لأنها تتحول لمجرد أسلحة يلجأ
إليها من بيده السُّلطة للانتقام من خصومه، ولتذكير الآخرين المخالفين له
بأن لا أحد يمكنه أن يقف أمامه. في هذه الحال؛ فإنَّ المجتمع لا يعيش تحت
سيادة القانون، وإنما تحت نقمة السُّلطة التي تربط إنزال العقوبات، أو عدم
الاكتراث بتطبيق أية عقوبة، بحسب متطلباتها السُّلطوية الهادفة إلى إحكام
هيمنتها على حياة النَّاس، لكن الانتقام لا ينشر العدالة في أي مجتمع،
وإنما ينشر الرعب، ويتسبب في انعدام الاستقرار.

ولذلك، فإنَّ البلدان
التي تمرُّ بمشكلات سياسية ينقسم عليها الناس، فإن الأفضل لها أن تنتهج
عملية سياسية تعتمد على قول الحقيقة والتصالح، ومن ثم الانطلاق على أرضية
موحدة للتقاضي أمام مؤسسات لا تميز بين الجماعات والفئات، وإنما تستهدف
إحقاق العدالة وتثبيت سيادة القانون بصورة متساوية للجميع.

اقرأ المزيد

جاسوس العالم



تحيلنا فضيحة التجسس الأمريكي على الهواتف الشخصية لقادة أقرب الدول الحليفة لها، مثل فرنسا وألمانيا، إلى رواية جورج أورويل “1984” التي كان عنوانها تنويعاً ذكياً على السنة التي كتب فيها أورويل روايته ونشرها، وهي سنة ،1948 حيث أراد تخيل ما ستفعله الدولة في الفرد بعد نحو أربعين عاماً .


سكّ الدارسون مصطلح “العالم الأورولي” نسبة إلى جورج أورويل نفسه، وهم يتحدثون عمّا تفعله الدولة الاستبدادية الحديثة من هيمنة على أذهان البشر وأرواحهم . والتفريق واجب بين صورة الدولة الاستبدادية التي نعرفها في الشرق، فالدولة الاستبدادية المعاصرة في الغرب ربما لا تحتاج إلى أقبية التعذيب وقوانين الطوارئ .


إنها تُحكم الخناق على المجتمع كله من خلال أدوات “مخملية”، يلعب الإعلام وأجهزة الاتصال الحديثة دوراً مهولاً في تكييف الرأي العام كله وفق النموذج الذي تشتهيه .


على جري أورويل كان أحد الكتاب قد تصور العيش في “بيت من الزجاج”، حيث يكون تحت أعين الجميع، ويرى الناس كل ما يقوم به . كيف يأكل وكيف يشرب، كيف يعمل وينام . ولكن ذلك حلم لا يمكن تحقيقه . ليس بوسع الإنسان أن يعيش داخل قمرة زجاجية أو من زجاج أبداً . هذا في المعنى الحرفي للموضوع، أما في المعنى المجازي فإن العالم المعاصر قد حقق ذلك، حيث إن الإنسان من حيث هو فرد باتت حياته منتهكة في أدق خصوصياتها .


ميلان كونديرا يمسك بمفارقة مُرة، حين يزيح الدثار الذي أحيطت به كلمة الشفافية، ملاحظاً التناقض الصارخ بين حقيقة أن شفافية الحياة الشخصية للفرد هي المنتهكة، فيما تبقى شؤون الدولة مكتومة وعصية على الكشف أو المعرفة . إن شؤون الدولة من حيث هي شأن عام تظل مجهولة وسرية، أما الإنسان الفرد فإنه مطالب بكشف كل التفاصيل التي تخص حياته .


لكن ما لم يخطر ببال جورج أورويل ولا ميلان كونديرا ولا كل الذين ذهب بهم الخيال مذهبه حول ما ستبلغه وسائط انتهاك أدق التفاصيل الشخصية للأفراد هو أن تقوم دولة تقدم نفسها كقائدة للعالم، بمثل هذا الانتهاك لحياة قادة وزعماء دول وأحزاب حليفة، وليست دولاً مصنفة على نحو ما بات متداولاً في الأيام الأخيرة .


لعل أمريكا بهذا أضافت إلى اللقب المتداول عنها كشرطي للعالم توصيفاً جديداً لنفسها هو: جاسوس العالم .
اقرأ المزيد

نعي دولة الرفاه




نعت الحكومة الكويتية إلى شعبها “دولة
الرفاه”، من خلال برنامج عملها وعلى لسان رئيسها سمو الشيخ جابر المبارك
الصباح، هذا البرنامج انطوى على كثير من السلبيات التي تمسّ معيشة المواطن،
وبالأخص الطبقة العاملة والفئات المحدودة الدخل والمهمشة.



كان أبناء الشعب يأملون -لكن دون أوهام-، بأن الحكومة ومن
خلال تصريحاتها المتكررة ووعودها ستعود إلى نهج بناء الدولة الديموقراطية الحديثة،
وإعادة الاعتبار للدستور وإن كان في حده الأدني الحالي، وتطبيق مواده التي تحقق
دولة المواطنة والقانون والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.



نقول دون أوهام لأن الشعب الكويتي اعتاد التصريحات
الطنانة عن توجهات حكومية إصلاحية وخطط تنموية رُصدت لها مليارات الدنانير، ولم
يعد يصدق أو يعتدّ بهكذا تصريحات بعد إخفاق الحكومات المتعاقبة بتنمية مستدامة
يكون محورها الإنسان الكويتي.



لقد كان مصدر فخرنا ككويتيين أننا كنا نعيش في دولة
الرعاية الاجتماعية والرفاه، حيث كان المواطن سابقاً مركز اهتمام لتوجهات وسياسات
الحكومة، لكن الحكومة فاجأتنا ببرنامج عملها الإنشائي الذي يحمل سياسات هجومية على
المكتسبات الاجتماعية ورعاية الدولة لمواطنيها وتقديم الخدمات المتطورة تعليمياً
وصحياً وإسكانياً وبرامج الدعم للسلع والخدمات في ظل إيرادات نفطية تفوق بأضعاف إيرادات
ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.



وبالضد من ذلك تنحاز الحكومة وتوجهاتها إلى القطاع الخاص
الريعي والطفيلي غير المنتج، من خلال الدعوة وتنفيذ سياسات الخصخصة رغم كل هذه
الأموال، ورغم أن شعوب العالم أجمع رفضت مثل هذه السياسات التي تُحمّل أعباؤها على
كواهل الطبقات العاملة والمهمشة والمحدودة الدخل، هذه السياسات التي رضخت لأوامر
وتوصيات صندوق النقد الدولي وأفقرت الشعوب وزادت من نسب البطالة ونسب من يعيشون
تحت خط الفقر، بينما ينعم قلة متنفذة فاسدة بأموال الشعوب حتى في البلدان ذات
الثروات الهائلة، وهذا ما سيحصل للشعب الكويتي إن نفذت الحكومة برنامج عملها
المعادي للتقدم والتنمية المستدامة.



فبدلاً من أن تفرض ضريبة تصاعدية على الشركات والدخول
الكبيرة، تضع ضمن برنامج عملها التوجه لفرض ضرائب القيمة المضافة و”تعديل
نظام الرسوم والأسعار على السلع والخدمات العامة”، وهو ما يهدد بتخفيض بنود
الإنفاق الاجتماعي وتحميل غالبية الشعب أعباء إضافية، دون المساس بمصالح أصحاب
الدخول الكبيرة بل وإعفائهم من أي التزام ضريبي مستحق.



وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة من خلال برنامج عملها
عن “الشراكة في المسؤولية لاستدامة الرفاه، وشراكة “سياسية” مع
مختلف الأطياف السياسية الوطنية” يتكرس كل يوم نهج الملاحقة السياسية وتقديم
الشخصيات ومئات الشباب من المعارضين إلى محاكمات بتهم ملفقة، وبدلاً من تطوير
الديموقراطية باتجاه تحقيق النظام الديموقراطي الكامل وتطوير النظام الانتخابي بما
يحقق أقصى قدر من العدالة، تستمر في نهج الانفراد بالسلطة والقرار، رغم أن الدستور
أكد على أن الأمة مصدر السلطات جميعاً، فكيف تتحق الشراكة السياسية في ظل هكذا نهج
وفي ظل انتقاص حقوق إنسانية لقطاع كبير من أبناء الكويتيين البدون؟



وبدلاً من أن تنتقد الحكومة أداءها السابق الذي أدى إلى
تدهور في جميع مناحي الحياة، تضع اللوم وتتهم المعارضة المطالِبة بالإصلاح السياسي
والقضاء على الفساد، بأنها تهدد الأمن وزعزعة الاستقرار السياسي الذي يعيق عملية
الإصلاح والتنمية للنهوض بالكويت، وهو ما ينفي ويتناقض مع الدعوة للشراكة السياسية
مع الأطراف السياسية الوطنية ولا يؤدي بالتالي إلى نزع فتيل الأزمة السياسية التي تمر
بها البلاد منذ سنوات.



هذا البرنامج الذي لا يتسق مع طموحات الشعب الكويتي بل مخيّب
لآماله، يعكس فشل في الإدارة السياسية وعجز حكومي عن حل المشكلات الرئيسية التي تعانيها
الأغلبية الساحقة من المواطنين، كما يحمل البرنامج في طياته إنحيازاً طبقياً
للفئات المتنفذة والفاسدة، مما ينذر بتهدور أكثر في الأوضاع السياسية والاجتماعية
المعيشية لأبناء الشعب وبالأخص الفئات محدودة الدخل، وأزمات تجر أزمات لا نهائية.


اقرأ المزيد

البحرين… أين المنتهى؟ – يعقوب سيادي

المراقب من خارج المشهد، وعبر النقل، يتوه في تحديد المشكلة، خصوصاً أنه
يرى ويسمع تصاريح طرفي الأزمة البحرينية، المعبرة كما طفل يمسك بتلابيب
راشد، ويقول (هِدْ إنته أول وآنه باهد)، غير مقدر قوة خصمه، ليست العضلية
بل قوة الحق والحكمة والإرادة، ولتعذرنا حكومتنا الرشيدة، على التشبيه.

فالجانب
الحكومي بكل مكوناته الرسمية وشبه الرسمية، وكل صدى مواويلها الذي تردده
بعض القوى بتلبسها عباءة الحكومة، ترى تارةً أن الحراكات الشعبية، هي
تحديداً مخطط إيراني للاستيلاء على البحرين، وأن المعارضة الوطنية هي
وسيلتها في ذلك، وكأنها تأتمر بأوامر من إيران، على خلفية المذهب الشيعي،
في ولاية الفقيه، في كل صغيرة وكبيرة. وتارةً ترى أن أميركا متحالفةٌ مع
إيران لتحقيق ذات الهدف، وقبل التارة الأولى والثانية، من بعد خضم الجموع
الشعبية المتنوعة الخلفية السياسية والمطالب، في دوار اللؤلؤة، تردّد صدى
أن الحراك المحلي البحريني طائفي، يسعى للإنقلاب على الطائفة الأخرى،
فالويل لهذه الطائفة، ما لم تذد عن نفسها، خصوصاً أن فض تجمعات الدوار، في
فبراير 2011 أسقط شهداء وجرحى، فكانت الاستجابة بالحراك المقابل في ساحة
مسجد الفاتح، وتشكيل المليشيات، وبما أجفل المسئولين الحكوميين، للنزول
المباشر إلى تجمع تلك المليشيات، لتطمينهم بأن الطائفة الأخرى، لا تنوي
مهاجمتهم، وأن الحكومة بصدد حماية طائفتهم، المشتركين وإياها فيها، وما كان
ذلك إلا تجنباً لاحتمال أن يصل الأمر إلى الاحتراب الطائفي، المحطم لكل
الأطراف بما في ذلك الحكومة.

وتمهيداً لإجراءات حكومية قادمة، لعب،
ونقول لعب الإعلام الرسمي من التلفزيون والصحافة، باستفراده بالساحة
الإعلامية، لعب على العامة من الناس، وخصوصاً المراهقين، في العمر وفي
السياسة وفي الحقوق، وبسبب علم الحكومة بأن جميع شعب البحرين بطائفتيه،
يعيش في ضنك الحياة المادية والحقوقية والسياسية، فقد عمد إعلامها إلى
ترغيب أفراد طائفةٍ لقاء التمييز للاستعاضة عن أفراد الطائفة الأخرى، فوجد
ذلك صدى في النفوس الضعيفة، التي لا يفرق عندها أن تقتات على حرمان الغير
لقمة عيشه، مستندين على أن الحكومة هي حاميتهم بما لديها من قوة ومن رباط
الخيل، مقارنة بضيق ذات اليد لدى الطرف الآخر، فهلّلوا ورقصوا على أشلاء
الموتى، ونحيب الجنازات، وجوع الآخرين بفصلهم من أعمالهم، واعتقدوا سوءًا،
بأن رفاهيتهم وحريتهم لا ينالونها إلا من ضنك الآخرين.

فكان الانشقاق
السياسي الأول، نتيجة الإعلام، بتوجيه التهم للمعارضة، بتجهزها بالسلاح،
المخبأ في أسقف المستشفى وفي نفق الدوار الواصل إلى إيران مروراً بالمرفأ
المالي، وبالمناسبة تم اعتقال وتهديد شاهدةٍ أدلت بشهادتها النافية لذلك،
والمصحّحة لحقيقة محاولة بعض الجهات دسّ السلاح في سيارات الأطباء
والممرضين الذين شغلهم واجبهم الطبي والإنساني، للبقاء في حرم المستشفى،
إنقاذاً للأرواح، بما لم يمايز بين المواطنين، ما دعا بعض المرهوبين
الجافلين، من رؤية تجمع أهالي الشهداء والمصابين من أفراد الطائفة الأخرى،
في طوارئ السلمانية، ومن بعيد، ليعتقدوا سوءاً أن علاج أفراد طائفتهم، بات
في خطر، ولم يتورع البعض، عن تلفيق القصص.

ثم جاء الخيار الآخر، بما
فيه ما قيل عن حماية المنشآت الحيوية، ربما استحثاثاً لإيران الدخول على
الخط، استتباعاً باليقين المخدوع، أو المُرَوّج له كذباً، بأن الحراك
الشعبي البحريني، هو تلبية لأوامر إيرانية، فهلّل المهللون، بل زادوا على
جرمهم الجاهل في حق الوطن والمواطنين، برفع أعلام وصور يمنع رفعها القانون،
وجاءت اللحظة المرسومة، بضرب متظاهري الدوار للمرة الثانية في مارس 2011،
من بعد إقرار الحكومة بحق الشعب في التظاهر، والسماح للمتظاهرين بالعودة
إلى الدوار، احتساباً من ثورة شعبية عارمة… فتجدّدت عمليات استخدام القوة
المفرطة بما زاد عنها في فبراير2011.

اقرأ المزيد

أوباما و”حزب الشاي”



بعد
ستة عشر يوماً من الإغلاق الجزئي للدوائر الحكومية الأمريكية، عاد آلاف
الموظفين الأمريكيين إلى أعمالهم يوم الخميس 17 أكتوبر/تشرين أول 2013 بعد
ساعات من توقيع الرئيس باراك أوباما الموازنة العامة لعام 2013 لتصبح
قانوناً إثر موافقة الجمهوريين على تمريرها مؤقتاً بعد فشلهم فشلاً ذريعاً
في ليّ ذراع الرئيس وإدارته الديمقراطية بابتزازهما سياسياً . عاد الموظفون
والأمل يحدوهم لأن يكون هذا الاتفاق مقدمة لتجاوز الطريق السياسي المسدود
الذي وصل إليه الطرفان المتصارعان، الجمهوريون والديمقراطيون، في واشنطن .
إلا أن عودة الحياة إلى طبيعتها، كما كانت عليه قبل “الإضراب العام” الذي
فرضته الحكومة على موظفيها بصورة غير مسبوقة في التاريخ، تتناقض مع مؤسسة
الحكم التي مازالت مخضوضة بفعل حدة التجاذبات والغضب الشعبي الذي لم يتم
استيعابه بالكامل بعد .


لقد
حاول الرئيس أوباما التخفيف من مخلفات وآثار هذا الصراع الخطر في واشنطن
في خطاب ألقاه في البيت الأبيض بعد ابرام الاتفاق مع الجمهوريين، بالقول
“ليس هناك غالب في هذا الصراع”، وإن بدا غاضباً حين وجّه كلامه للجمهوريين
قائلاً: “أنتم لا تطيقون الرئيس، هيا اذهبوا وفوزوا في الانتخابات”،
معتبراً “أن الاسابيع القليلة الماضية قد ألحقت ضرراً كنا في غنى عنه
بالاقتصاد الأمريكي ولطخت سمعة نظامنا السياسي . ولعل أكثر ما أضر
بمصداقيتنا تلك المسرحية التي شهدتها واشنطن، وأن الشعب الأمريكي قد ضاق
ذرعاً بواشنطن (يقصد مقر الحكومة حيث صناعة القرار)” . جدير بالذكر هنا أن
وكالة التصنيف الائتماني “ستاندر أند بورز” قد قدّرت خسائر الاقتصاد
الأمريكي من وراء الإغلاق الحكومي بنحو 24 مليار دولار بمعدل 5 .1 مليار
دولار يومياً .


وكان
الرئيس أوباما قد رد بغضب إبان احتدام الأزمة حين حاول الجمهوريون تمرير
صيغة معدلة من مشروع قانون الميزانية مستغلين أغلبيتهم في مجلس النواب،
بالتأكيد على “إنني لن أستقيل من منصبي، وإنه لا داعي لخلط الأمور، وإن من
غير المسموح به للسياسات الداخلية تدمير الاقتصاد الأمريكي والعالمي” . وفي
حينه لخص النائب الديمقراطي ديفيد سكوت الوضع السياسي المتأزم بالقول “إن
قانون أوباما – كير أيدته المحكمة العليا، ونوقش خلال انتخابات الرئاسة عام
،2012 موضحاً أن الشعب قال كلمته، وأن هذا الشعب لن ينسَ أبداً للجمهوريين
أنهم أوصلوا البلاد إلى حافة الإفلاس . وقد أيده الرئيس أوباما في ذلك” .


ولوهلة
بدا كأن الرئيس يسير نحو طلب تفويض الشعب الأمريكي لمواجهة الجمهوريين،
لاسيما متطرفي “حزب الشاي” . فالموضوع ليس مزحة بعد أن كشفت معركة الإغلاق
الحكومي الأخيرة وجوهاً عدة على حقيقتها، ومنها قيادات الصف الأول في الحزب
الجمهوري مثل نيوت غينغريتش، ونائب الرئيس السابق ديك تشيني الذي لم يتردد
في مقابلة أجرتها معه سافانا جوثري بمحطة “إن بي سي” في مدح حزب الشاي
واعتباره “موجة جديدة في السياسة الأمريكية” . في ذات الوقت الذي وجه فيه
انتقادات لاذعة للرئيس أوباما، معتبراً إياه “راديكالياً”! ولم ينس تشيني
خلال المقابلة تسويق ابنته ليز تشيني التي تتملق بدورها حزب الشاي
للاستفادة من نشاطه العدواني في دعم ترشحها لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية
ويومنغ Wyoming  ضد الديمقراطي مايك اينزي .


ما
الذي يعنيه ذلك؟ إنه يعني أن كهول ومخضرمي زعماء الحزب الجمهوري المتشربين
إيديولوجيا بفكر اليمين التقليدي المغرق في محافظته، قد استحضروا تراث
ماضيهم الحزبي واختاروا منه بعض الكلاشيهات المثيرة للذكريات والعواطف مثل
الاسم القديم لحزبهم الجمهوري “الحزب القديم الكبير” The Grand Old Party و”حزب الشاي” Tea Party الذي
يُذكّر بأيام المقاومة للاحتلال البريطاني لأمريكا . وشتان ما بين حزب
الشاي الأصلي في بوسطن وحزب الشاي الحالي . فقد أُنشىء الأول للتصدي للوجود
الاستعماري البريطاني والشركات البريطانية التي تستغل امتياز استعمار
بلادها لأمريكا لاحتكار أسواقها المحلية . أما حزب الشاي الحالي فهو ربيب
الشركات والبليونيرات .


ورغم
أن عصبة “حزب الشاي” لم تطرح ما يسهم في مساعدة البلاد على التخلص من
اختناقاتها المالية (عجز الموازنة الفلكي وجبل الدين العام)، وإنما هي تعمل
على إفشال أنشطة وبرامج الرئيس أوباما وإدارته لحصد النقاط، إلا أن هنالك
من المحللين الأمريكيين من يذهب في توقعاته إلى أن “حزب الشاي” سوف يسيطر
على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ . وهذه فرضية ممكنة الحدوث، إذا ما
علمنا أن الاختناقات المالية التي تعانيها البلاد، تشكل بيئة خصبة لصعود
المزايدين الغلاة .


 في
الجانب الآخر، فقد اعتبر بعض أنصار رؤية الرئيس أوباما في التغيير
والإصلاح، أن هزيمة عصبة “حزب الشاي” وغلاة الجمهوريين في هذه المعركة،
فرصة مواتية للرئيس للاستنجاد بالشعب ضد هذه الكتلة اليمينية الصاعدة التي
لا تتورع عن القاء أرباب الأسر الأمريكية خارج أعمالهم لخدمة أجنداتهم
الخاصة .


ولكن هذا لن يحدث، فهناك حدود وضوابط لإدارة الصراع داخل صفوف الطبقة السياسية الأمريكية الحاكمة، يصعب على أي من الطرفين تجاوزها .
اقرأ المزيد

شرعيتان مطلوبتان في آنٍ واحد – د.علي فخرو

لا يتعب الناشطون في الحياة السياسية العربية من وضع الأمة أمام خيارين،
ومن الإصرار على أن تختار الأمة أحدهما. لقد ساهم هؤلاء في دفع الإنسان
العربي نحو العيش في لعنة الثنائيات الأبدية.

على هذا الإنسان أن
يختار بين الدّين والعلم، بين النَّقل والعقل، بين العروبة والإسلام، بين
الوحدة العربية والقطرية المتزمّتة، بين القبلية والوطن. عليه أن يعيش
مشدوداً إلى قطبين متعارضين لا يلتقيان ولا يتعايشان.

نتيجة كل ذلك كانت فوضى فكرية سياسية وصراعات مجتمعية لا تنتهي في ساحة إلا وتبدأ في ساحة أخرى.

اليوم
في خضم سيرورة ثورات وحراكات الربيع العربي، يطرح البعض ثنائية جديدة تحت
شعاري «الشرعية الثورية» و»الشرعية الانتخابية»، وعلى الأمة أن تختار
أحدهما، وهذا طرح فيه الكثير من سوء الفهم الذي لا مبرّر له، إذ أن هناك
حاجة ملحّةً للشرعيتين.

ذلك أن مجتمعات عاشت أشدَّ أنواع التخلف
الحضاري عبر العديد من القرون، واستباح الاستعمار والاستبداد ثرواتها
المادية والمعنوية بلا شفقة، وتواجه الآن الاستيطان الصهيوني في قلبها
الجغرافي والمؤامرات الخارجية والداخلية لتفتيتها ولإذكاء الصراعات
المذهبية والدينية والقبلية والعرقية في جميع أصقاعها، وتبتلع أنظمة الحكم
الاستبدادية الفاسدة كل مكوّنات هذه المجتمعات لتبقيها ضعيفةً عاجزةً،
وتصعد فيها بشكل مذهل وباسم الدين قوى تكفيرية عنفيَّة بالغة القسوة تجاه
الأبرياء الغافلين من سكانها، ويتدخّل القاصي والدّاني في كل شأن داخلي من
شئونها.

إنّ مجتمعات كهذه ستحتاج إلى شرعية نضالية شعبية سلمية ثورية
في فكرها واستراتيجيات عملها، فالمشي كالسلحفاة لمواجهة كل تلك الأوضاع
المفجعة لن يكون أكثر من علاجات جزئية مؤقّتة تتوجّه لتخفيف أعراض الأمراض
وليس إلى اجتثاثها وشفائها.

إذن هناك حاجةٌ لتغييرات ثورية، بمعنى
الحاجة لتغييرات جذرية في الكثير من مظاهر الحياة العربية الخاطئة
والمتخلفة. وبالتالي فأي حديث عن التوجه العربي نحو المستقبل خارج إطار مثل
هكذا شرعية تغييرية جذرية، أي ثورية، سيكون مسرحية أطفال لاعبين، لا ملحمة
أبطال محاربين.

لكن هل يعني تبنّي تلك الشرعية رفضاً للشرعية
الأخرى، «الانتخابية»؟ لو تّمت حماقة الرّفض تلك فإنّ أحد أهم أهداف ثورات
وحراكات الربيع العربي سُيتخلَّى عنها، بل سيضاف إلى ذلك تخلٍّ عن وسيلة
مفصلية من وسائل النضال الثوري.

نعم، لقد لاقت وسيلة الشرعية
الانتخابية شتّى أنواع التشويه والاستغلال العبثي من قبل بعض القوى الرجعية
والعسكرية العربية. نعم، هناك نقاط ضعف وعلل في ممارسات هذه الوسيلة حتى
في البلدان التي تدّعي بأنها معاقل وحاضنات الديمقراطية. لكن، على الرغم من
كل ذلك، أثبتت البرلمانات عبر عدة قرون من تاريخها الحديث بأنها كانت
ساحات لتغييرات كبرى في الكثير من المجتمعات. ثم إنّ تحسين أدائها وإبعادها
عن الإغواء يمكن أن يكون أحد الأهداف الثورية.

إذن نحن أمام خيار
واحد وليس أمام خيار فيما بين ثنائيتين. المظلة الكبرى هي الثورية التي لن
تتوقف حتى تنقل مجتمعات أمة العرب من وضعها الحضاري البائس إلى وضع تحقًق
مشروع الأمة النهضوي في الوحدة والاستقلال والتنمية والديمقراطية والعدالة
الاجتماعية والتجديد الحضاري. لكن أحد أهدافها ووسيلتها في آن واحد، هو
نظام برلماني ديمقراطي فاعل كامل الصلاحيات ومستقل الإرادة، ومدافع في
الوقت ذاته ودائماً عن أهداف الشرعية الثورية التغييرية الجذرية.

إنّ
أية مقابلة بين الشَرعيتين ستخلق البلبلة والشكوك كما فعلت أخوات لها من
قبل في شتّى ساحات الأرض العربية. والمطلوب الآن، وفي المستقبل القريب هو
إغناء وتعميق وتوضيح مفهومي الشرعية الثورية والشرعية الانتخابية، لإبعاد
أولاهما عن جنون العنف وسفك الدماء العبثي الفاشي المبتذل، ولإبعاد
ثانيتهما عن الوقوع في أيدي من يخطّطون لثورات مضادة، أو في أيدي من
يحاولون بانتهازيةٍ، أكل صيد قام به وضحَّى من أجله غيرهم.

هذه ليست
مهمةً أكاديميةً لمفكّري وكتّاب وإعلاميّي وقادة المجتمع المدني السياسي
العرب. إنها مهمّة نضالية وفكرية يومية لإبعاد ملايين الربيع العربي عن من
يحاولون ليل نهار إدخالهم في صراعات الولاءات الفرعية، ليبعدوهم عن الولاء
الثوري الديمقراطي للوطن، وليس غير الوطن.

اقرأ المزيد