لست متخصصاً في الاقتصاد لأعطي تقديراً عن المدة المتوقعة لاستمرار الأزمة الراهنة في أسعار النفط، ولكن الأمر متفاوت التقدير بين الاقتصاديين، فبينهم من يبدو شديد التشاؤم ويتوقع طول أمد الأزمة، بحيث نشهد انهيارات أكبر من هذه، وآخر يعول على أن السوق قادرة على تصحيح نفسها، وأنها لن تتحمل طويلاً هذا التردي، ومن ثم يمكن أن نشهد في الأفق المنظور تحسناً في أسعار النفط، حتى لو لم يعد بها إلى المعدلات التي كانت عليها قبل الأزمة .

المهتمون بالشأن الاقتصادي يكادون يجمعون على أن لا أسباب اقتصادية مقنعة أو مبررة للانخفاض الحالي لأسعار النفط، ويرجحون أن تكون العوامل السياسية في مقدمة أسباب هذا التراجع، وبين العوامل السياسية المشار اليها العلاقات المتوترة بين روسيا والغرب، بسبب الأزمة في أوكرانيا، كون روسيا واحدة من أهم الدول المنتجة والمصدرة للنفط، وبالفعل فإن نتائج انخفاض أسعار النفط انعكست بسرعة على روسيا التي تكبدت خسائر مالية فادحة أدت إلى تدهور وضع الروبل الروسي.

ربما لا تكون الآثار في دول الخليج قريبة المدى، فما لدى هذه الدول من وفرة مالية قد يمكنها من التغلب على الآثار المباشرة لانخفاض أسعار النفط، على خلاف ما حدث مع روسيا مثلاً، ولكن في حال استمرت أسعار النفط في الانخفاض، فستواجه دولنا عجوزات في الموازنات العامة قد تضطرها لإعادة النظر في الكثير من مشاريع البنية التحتية، كما سيتعرض سوق العقار الذي شهد نهضة خيالية في السنوات الماضية إلى صعوبات جدية.

والأخطر من هذا كله أن تضطر الحكومات لإعادة النظر في طبيعة وحجم ما تقدمه من أوجه إنقاق على الخدمات الاجتماعية في مجال دعم أسعار المحروقات والسلع الحيوية، وكذلك على الخدمات الأخرى في مجالات الصحة والتعليم والرعاية وغيرها .

ما نستطيع الحديث عنه، هو ضرورة استخلاص الدروس من هذه التجربة ومن مثيلاتها في السابق، بضرورة ترشيد إنتاج النفط، بما يتلاءم وحاجات دول المنطقة، وكذلك العمل على تنويع مصادر الدخل، وفق رؤية استراتيجية تقلل من الاعتماد المطلق على العائدات النفطية، وتوجيه الفائض من هذه العائدات نحو بناء قاعدة إنتاجية للمستقبل، كون الثروة النفطية ليست ملكاً لأبناء اليوم فقط، وإنما للأجيال القادمة حق فيها، ولم يعد مقبولاً الاستمرار في نمط الحياة الاستهلاكي الشائع في دول المنطقة، فنتائجه مدمرة على حاضر هذه المنطقة ومستقبلها .

madanbahrain@gmail.com
حرر في 29 ديسمبر 2014