المنشور

المبادئ العامة للعمل النقابي (1)

من ضمن
المبادئ التي يقوم عليها العمل النقابي هي عشرة مبادئ أساسية أطلق عليها أدبيات
العمل النقابي وهذه المبادئ هي قوانين مقرة ومعترف بها من قبل المنظمات الدولية
مثل منظمة العمل الدولية  ومنظمة العمل
العربية والإتحادات العربية وعلى رأسها الإتحاد العام لنقابات العرب  وكذلك المنظمات 
الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني وبدون هذه الأعراف أو المفاهيم لا يكتمل
العمل النقابي وربما غيابها يقود إلى انهيار التنظيم النقابي، ولكي تكون المنظمة
النقابية ناجحة وقادرة على الاستمرار لا بد أن تلتزم بهذه المبادئ وهذه المفاهيم
والتي سأ تطرق إلى بنودها ببعض التفاصيل وربطها يخصوصية واقعنا وهي كالتالي  : –



أولاً ميزة الاجتماع:


من الضروري
جداً من رئيس أي نقابة أن لا يمارس ديكتاتوريته على إدارة النقابة أو يفرض عليها
ايدولوجيته الفكرية دون أن يكون لأعضاء النقابة رأي في ذلك، فعلى سبيل المثال: –

اتخذت إدارة
بعض النقابات بالانسحاب من اتحاد تقابي  والالتحاق باتحاد نقابي  آخر

وهنا نتساءل
هل تم أخذ موافقة القاعدة العمالية لهذه النقابة حول هذا القرار، أم جاء القرار
نتيجة موقف سياسي أو حزبي بعيداً عن مصلحة الطبقة العاملة بعيداً عن المبدأ
النقابي وهذا الموقف ينطبق أيضاً في حال إحلال النقابة، لا بد من قرار واضح من الجمعية
 العمومية لأي نقابة  حول تحويل كل املاكها الى النقابة المحددة
الأخرى ، حسب القانون وتحت اشراف وزارة العمل .

 



ثانياً مبدأ
الذاتية الإيجابية: –


عندما تؤسس
نقابة ما، فعضو النقابة عند التحاقه بالنقابة لا بد أولاً أن تكون لديه قناعة تامة
بالعمل النقابي ودوره  في تحسين ظروف
المعيشة وتحقيق المطالب الأساسية التي يناضل العمال من اجل الحصول عليها.

ثانياً أن
تكون لدى العضو النقابي الاستعداد الكامل لمواجهة كل الظروف المحتملة والعقبات
التي ستواجه المنظمة النقابية في ظل الانحسار التي سيترتب عليها احياناً،
المواجهات مع ادارة الشركات واحياناً مع سلطة الدولة  بهف انتزاع مكاسب جديدة للطبقة العاملة
والمحافظة على المكاسب القديمة، وفي حالة فصل النشطاء النقابيين، لابد من الوقفة
الجادة من ادارة  النقابة وقاعدتها
للمحافظة على عناصرها وبالذات  في حالة
الفصل .

 



ثالثاً مبدأ
الديمقراطية المركزية: –


هذا المبدأ
بمثابة العمود الفقري للنقابة، من حيث تطبيق القرارات المنبثقة أساساً من الجمعية
العمومية لأي نقابة ، التي اختارت بمحض إرادتها قيادتها التي تمثلها، والتالي كل
الأوامر الصادرة من قيادة النقابة هي قرارات نابعة من الجمعية العمومية، وبالتالي
يأتي القرار مركزياً ساهم فيه الافراد والتزم فيها الجميع قيادةً وقاعدة بدون
استثناء.

 

 



رابعاً مبدأ
العمل الجماعي أو الشورى: –


القرارات
الفردية دائماً تأتي ناقصة، وربما تقود إلى أخطاء جسيمة تدفع فيها النقابة ثمن
باهض لذلك القرار الجماعي من قبل إدارة النقابة وقاعدتها أيضاً يأتي قراراً
متكاملاً وحتى لو كانت فيه بعض الشوائب، تتحمل فيه الإدارة كاملة المسؤولية حول
ذلك.

أما القرارات
التي تصدر بشكل فردي ممثلاً برئيس نقابتها ضارباً بعرض الحائط كل من معه في مجلس
الإدارة فهو قرار فردي مبني على ديكتاتورية الفرد الواحد والقرار الواحد.

وهنا يتحمل
المسؤولية كاملة وليست إدارة النقابة وإذا جسدنا هذا العامل ضمن تجاربنا النقابية
والعمالية فعلى سبيل المثال عندما انسحب العاملون في نقابة ألبا من اللجنة
العمالية بالمنبر التقدمي هل كان انسحابهم قراراً صائباً، هل كان القرار الجماعي
بقناعة تامة، هل كان الانسحاب بمحض إرادة أعضاء اللجنة أم كان الموقف عاطفياً مع
رئيس نقابتهم الذي اتخذ هذا الموقف مسبقاً لأسباب الكل يعرفها.

ونتيجة
القرارات الفردية البعيدة عن مصلحة الطبقة العاملة ماذا انتجت.

مريداً من
الانقسام في صفوف الطبقة العاملة البحرينية، وتحولت النقابة الى نقابيين في الموقع
الواحد، الاتحاد الى اتحادين بالرغم قناعتي كنقابي وككاتب بالتعددية النقابية
كمبدأ دولي تقره القوانين الدولية ومنظمات حقوق الانسان وكان فرضه دوليا لمراعاة
حقوق الجاليات الأجنبية التي لا يوجد لها تمثيل ضمن الهياكل النقابية في دول
الخليج  ، ولكن لكل  قاعدة استثناء … قلنا أيضاً إذا  التعددية تم توجيهها  بهدف سلبي على وحدة الطبقة العاملة فنحن ضدها وإذا
كانت أيضاً  ذات نزعة طائفية فلسنا معها
فموقفنا واضح وهو ضد التعددية التي تقصم ظهر البعير  … فهذه هي فلسفة العمل النقابي…

 


 


علي الحداد

 

اقرأ المزيد

أمريكا وعُقدة الثقافة

في زمن
سابق اشترى ثري أمريكي ديراً قديماً من إسبانيا ونقله قطعة قطعة إلى أمريكا
بعد أن فككت أجزاؤه حجراً حجراً وأعيد بناؤه في فلوريدا، ثم حوَّله إلى
متحف يدخل إليه الزائرون بأجر ليستعيد هذا الثري ما أنفقه من مال على
الشراء والنقل وإعادة التشييد، ثم يجني الأرباح. هذه حكاية أوردها د. زكي
نجيب محمود في كتابه: «أيام في أمريكا»،الذي دوّن فيه وقائع رحلة قام بها
إلى الولايات المتحدة، واستشهد بها أمام مضيفيه الأمريكان لتعضيد فكرته من
أنه لا يوجد لأمريكا تراث ثقافي نابع من بيئتها يمكن الاعتداد به، لذلك
يلجأون إلى «استعارة» أو حتى «شراء» آثار من أوروبا على نحو ما فعل هذا
الثري مع الدّير الإسباني القديم، وإذا تعذر الشراء فربما يأتي التهريب.


علينا
ملاحظة أنه حتى في التعامل مع إرث ثقافي كالدير المجلوب من إسبانيا، لا
يتحرر الأمريكي من ذهنية وسلوك «البيزنس»، فالغاية لم تكن فقط في «افتعال»
تراث ثقافي ليس قائماً، وإنما تحويل هذا الافتعال إلى وسيلة تَكسب للمال.
يقول د. زكي نجيب محمود في كتابه إن الفن لا يتغلغل عميقاً في حياة
الأمريكي، فالأمريكيون «يضيفون» الفن إلى حياتهم إضافة من خارج، من دون أن
يمس منهم القلب والصميم، وإذا حدث أن تبرع أحد ممن يملكون الملايين بشراء
صور أو تماثيل يهديها إلى هذا المتحف أو ذاك، فإن ذلك غالباً ما يأتي من
باب التكفير عن خطيئة إهماله للثقافة والفن طوال سنوات لهثه وراء الثروة.


ألا
يفسر ذلك أن الأمريكان لم يظهروا أي حساسية ثقافية أو فنية تجاه الآثار
العائدة إلى عصور سحيقة في البلدان التي احتلوها أو حاربوا فيها؟ ومع أن
الاستعمار في كل صوره من قماشة واحدة، فلا يوجد استعمار جيد وآخر سيئ، لكن
هل بالوسع أن ننجو من المقارنة بين الطريقة التي تصرف بها الفرنسيون مع
الآثار المصرية في حملة نابليون، وطريقة تصرف القوات الأمريكية مع مقتنيات
المتحف العراقي بعد سقوط بغداد في أيديهم؟
لقد أحكموا السيطرة على منابع
النفط وما زالوا، وأمَّنوا الحراسة الشديدة على مبنى وزارة النفط والبنك
المركزي، فيما تركوا المتحف العراقي من دون حراسة حيث كانت الفضائيات
تُصَور الجنود الأمريكان يتفرجون على الرّعاع وعصابات الاتجار بالآثار وهم
يسرقون مقتنيات المتحف من قطع ثمينة ونادرة. 
اقرأ المزيد

تقرير المصير والأمريكان

تقرير المصير حق أصيل إلى أي شعب من شعوب العالم ، ولكن ليس على إسس  تفتيت
الدولة الوطنية المستقلة إلى دول من أجل أطماع استعمارية قديمة جديدة
لمحاصرة شعوب ودول  تعتبر  ( مارقة ) بمعنى لا تتفق مع الإمبريالية
الامريكية والكيان الصهيوني ، لهذا يعملون على قيام دويلات في العراق
وسوريا وغيرها من البلدان العربية ، حتى العراق ، الذين بشروا العالم بعد
احتلاله وإسقاط نظام صدام ، بالديمقراطية والحريات العامة والرفاه
الاقتصادي للإنسان فيه، وأنهم قادمون لتأسيس عراق جديد نموذج ( كوريا
الجنوبية ) بعد رحيل الاحتلال الياباني عن كوريا بعد انتهاء الحرب العالمية
الثانية في عام. 1945م ، كانت كذبة أمريكية صدقها البعض حينها ، هم لا
يريدون قيام نظام عربي قوي وديمقراطي ، ربما يكون بدأية لوحدة اقتصادية
عربية على غرار الاتحاد الاوروبي ، بالتأكيد لا يريدون أي وحدة مابين أي
دولة عربية وأخرى ، فالعراق اليوم يعيش صراع مذهبي وعرقي ، بدلا من
الديمقراطية ، إبراز وأضح للانتماءات الأثنية والمذهبية بشكل متطرف ، ربما
يقول قائل أنتم العرب والمثقفين مسكونين بنظرية المؤامرة ، ولكنها الحقيقة
التي لا يراد  الاعتراف بها أصحاب القرار السياسي و نخبة من المثقفين
والكتاب والسياسيين في البلدان العربية عندما هرولوا و  راهنوا  على
الأمريكان والغرب ، في الدعم والتأييد ، كل جهة تعمل بطريقتها ولكنه الوهم
،الأمريكان معروفون منذ أن اطلق هنري كسينجر ، وزير الخارجية الامريكي.
الأسبق بعد حرب أكتوبر عام 1973م ، نظريته المعروفة ، بأن الأمريكان  ليس
لديهم   أصدقاء دائمين  ، بل مصالح دائمة . يتعاملون مع العرب وبلدانهم وفق
تلك النظرية ، 

العرب يحتاجون إلى وحدة شعوبهم وبلدانهم بدلا  الرهان على الأمريكان وهو
رهان  خاسر  ، العدالة الإجتماعية والمساواة و الديمقراطية الحقيقية   تبدو
لفترة ما سوف تكون غائبة عن المشهد السياسي في بلداننا العربية . 
اقرأ المزيد

للفكر موضات



الموضة لا تزيلها سوى موضة أخرى. أشدّ ما تظهر هذه الظاهرة في عالم الأزياء. حين تسود موضة ما يصعب على الجميع عدم مجاراتها. سيغدو ما يرتديه من لم يُجارها من ملابس نشازاً، أو علامة عجزت عن مواكبة الجديد. ونضع «الجديد» هنا بين مزدوجين، لأن نظرة على تاريخ الأزياء ستظهر أن ما هو جديد، ليس كذلك حقيقة، إنما هو «تدوير» لموضات سادت في عقود ماضية، ربما لم يدركها أبناء اليوم.


لو أن الأمر وقف عند حدود الأزياء وحدها لهان الأمر. المشكلة أن الفكر والثقافة، هما الآخران، يعانيان سطوة الموضة. حين يسود تيار فكري أو سياسي معين، فإنه يمارس سطوته على الجميع، ويصبح الرافضون له أو المتحفظون عليه ضحايا إرهاب «الوعي» الجمعي المأخوذ بالدرجة السائدة، أو الصاعدة.


في خمسينات القرن العشرين سادت موجة الوجودية في فرنسا، فغدا لها منتدياتها ومنابرها ومريدوها على أوسع نطاق، وبلغ تأثيرها الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، لا في صفوف الأساتذة وحدهم، وإنما الطلبة أيضاً.


الفرنسيون بالذات بارعون في أمر الموضات هذه. ولا همّ إذا أدى ذلك إلى انغلاقهم على أنفسهم، بوجه الثقافات «الآنجلو سكسونية»، لكنهم يقرون بتأثرهم بالألمان، لكن، حتى في هذا، لا يخلو الأمر من نرجسية ثقافية، فهم يرون أن كانط وهيغل وماركس ونيتشه يدينون في شهرتهم لشارحيهم الفرنسيين.


لكن الموضة، أي موضة، حتى لو كانت فلسفية أو فكرية لا تدوم. تأتي موضة أخرى فتزعزع مواقعها وتقصيها عن الواجهة، لا بل تهمشها كلياً أحياناً. فرنسا، أيضاً، هي المختبر النموذجي لذلك. بعد أن أمسكت «الوجودية» بمفاصل رئيسية في الحركة الثقافية هناك، كان عليها أن تخلي مواقعها أمام موضة جديدة صاعدة بقوة، هي «البنيوية»، وحسب تعبير د.جورج زيناتي في تقديمه لترجمته كتاب بول ريكور «التاريخ، الذاكرة، النسيان»، فإنه «فجأة أصبح كل شيء بنيوياً»، لا بل حتى «الفرويدية» و«الماركسية» وجدتا لهما نسخاً بنيوية.


في عالمنا العربي ينطوي الأمر على مفارقة ساخرة. «الوجودية» راجت عندنا، بعد أن انحسرت في مسقط رأسها، حين تعرف إلى بعض مبادئها مثقفونا وأدباؤنا عن طريق الترجمة، يوم تولت «دار الآداب» في عهد مؤسسها د. سهيل إدريس نقل مؤلفات بعض رموزها إلى العربية. سيتكرر الأمر مع «البنيوية»، التي جاءتنا بعد أن كانت فرنسا انعطفت إلى ما بعدها.


اقرأ المزيد

ماذا جرى لنا؟

ما من كتاب حرضني على التأمل في أحوالنا مثل هذا الكتاب الذي سآتي على ذكره أدناه، حيث لسان حال كل واحد منا يقول، ماذا حدث لنا؟، كيف تبدلت أحوالنا ومظاهر سلوكنا؟

الكتاب الذي أعنيه من أكثر الكتب التي صدرت خلال السنوات الماضية تشويقاً وفائدة، كتاب د. جلال أمين، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في القاهرة الموسوم: «ماذا جرى للمصريين؟». والحق أن مؤلفات أمين جميعها تستوقفنا وتفتح لنا مسالك جديدة نحو المعرفة، لكن هذا الكتاب بالذات من أكثر الكتب التي اشتغلت بذكاء وبعمق شديدين على التحولات التي جرت في بلد مفصلي بالنسبة لنا جميعاً وليس لأهله وحدهم، ونعني به بالطبع مصر.


وجلال أمين لم يُرد لكتابه هذا أن يكون تمجيداً لمصر فحسب، فهو كتبه بعين راصدة ناقدة، أراد بها تتبع وتشخيص ما حدث للمصريين من تغير في السلوك والعادات وأنماط التفكير والعيش تحت تأثير التبدلات الاقتصادية والاجتماعية والتغير في طبيعة النظم السياسية التي تعاقبت على مصر في تاريخها المعاصر، من دون أن يغفل علاقة ذلك بالتحولات في محيط مصر الإقليمي وبتأثيرات العولمة التي لم ينج منها بلد في العالم، حتى لو كان بلداً بعمق مصر الحضاري والبشري وفرادة تطورها منذ عصورها المبكرة.


وأنصح القارئ بأن يعود لهذا الكتاب مراراً، إذا أراد تلمس التأثيرات الجارية في حياتنا جميعاً، لا في حياة المصريين وحدهم، لأنه يحملنا على الاعتقاد أنه بالإمكان أن تكون هناك كتب أخرى لمؤلفين آخرين تحمل عناوين من نوع: «ماذا جرى للخليجيين؟»، أو «ماذا جرى للسوريين؟»، أو «ماذا جرى للبنانيين؟» وعلى هذا المنوال يمكن مواصلة القياس. 


والفكرة، على كل حال، ليست في العنوان، وإنما في منهج البحث الذي به تناول جلال أمين موضوعات الكتاب، فهو لم يكتب على طريقة بعض أساتذة الاقتصاد الذين لا يستطيعون قول شيء خارج جداول الإحصاء والأرقام، وإنما وظف عدته الفكرية، كمثقف موسوعي يقف على تخوم علوم عدة في تشريح موضوعاته.
وهكذا طاف بنا الباحث في شؤون السياسة وأهمية التحولات الديمقراطية، وتتبع تبدل عادات المصريين من طريقة اللبس إلى شكل السياحة والتصييف، إلى منظومة القيم التربوية والثقافية والأخلاقية، وهو بذلك يستفزنا جميعاً لمراقبة كل مجتمعاتنا العربية، ما الذي تغير فيها، ويضعنا وجهاً لوجه أمام السؤال الكبير: كيف فعلنا بأنفسنا كل هذا؟
اقرأ المزيد

الأفكار الرديئة تطرد الجيدة



في مقال
الأسبوع الماضي «سرّ الانجذاب لمنظمة إرهابية»، حاولنا تتبع أسباب ذلكم
الزخم غير المنقطع لإقبال المعجبين والمفتونين «بعضلات وبطولات» تنظيم
«داعش» «الفرانكشتاينية» على التقاطر من كل أصقاع الأرض للانخراط في صفوفه
والقتال معه في جبهات «فتوحاته» في سوريا والعراق، وفي أماكن تواجده
الأخرى، على الرغم من جهالة البدع التي يدعو إليها ويطبقها قسراً على ضحايا
المناطق التي تجتاحها جحافله، ورعب ممارساته المستجلبة من مجاهل عصور
الغاب والوحشية. 


وهذا بحد ذاته مثار حيرة واستغراب لدى الكثيرين في بلدان العالم قاطبة
الذين صاروا يتابعون، بدوافع مختلفة، بعضها نابع من الاشتغال والاهتمام
بالشؤون الدولية، وجلّها ناتج من احتلال أخبار “داعش” صدارة نشرات الأخبار
ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى أضحت متابعتها اضطراراً، جزءاً متمماً
للوجبات اليومية الروتينية التي يتناولها المرء مع فارق الشكل واللون
والمذاق. 


وقد عرضنا لشبه إجماع المراقبين والمحللين والمتابعين على
نسبة انجذاب مجاميع غفيرة من الشباب حول العالم لتنظيم «داعش» إلى تأثيرات
المال وإلى مغريات النعم الحسية التي يروج لها التنظيم على مدار الساعة عبر
منتدياته المتكاثرة كالفطر دونما حسيب أو رقيب. وقلنا إن مثل هذا التفسير
ينطوي على جانب من الصحة، وكان يمكن أن يكون هو التفسير الأرجح لهذه
الظاهرة، لولا أن تنظيم «داعش» يستقطب أيضاً النخب المتعلمة إلى جانب
اجتذابه للدهماء. وهو ما يدعونا هنا للبحث عن سبب أكثر وجاهةً وإقناعاً. 


من دون التقليل بأي شكل من الأشكال من أهمية وجوهرية التفسيرات سالفة
الذكر، المعقولة للغاية، فإننا نقترح إضافة التعليل التالي الذي نزعم أن
الإمعان في مزيد من غربلة عديد إشكاليات الظاهرة المعقدة لظهور و«تعملق»
هذا التنظيم وسرعة انتشاره كالوباء المهلك للحرث والنسل، يدل على أثره
ويبلوره. التعليل المقصود هو التعليل المستند إلى قانون اقتصادي شهير يختص
بضرب النقود وتداولها، عُرف حينها باسم قائله السير توماس كريشام (Sir
Thomas Gresham 1519-1579)، مستشار ملكة إنجلترا، ومفاده أن النقود الرديئة
تطرد النقود الجيدة من السوق، ذلك أنه في البلاد التي يجري فيها تداول
عملتين نقديتين كليهما معتمَدة قانوناً، بيد أن إحداهما رديئة (متآكلة بفعل
التقادم) والأخرى جيدة، فإن الرديئة تطرد الجيدة من التداول الجاري بين
الناس. فقد لاحظ كريشام هذه الظاهرة في بلاده إنجلترا كلما ضربت نقود جديدة
لتحل محل نقود قديمة متآكلة، حيث إن النقود الجديدة لا تلبث أن تختفي من
التداول، ويعود السبب في ذلك إلى أنه طالما كانت للنوعين من النقود نفس
القوة الشرائية تجعل الشخص مخيراً في أن يسدد مطلوباته النقدية بالعملة
الرديئة أو الجديدة (بغض النظر عن انخفاض القيمة السلعية للعملة الرديئة
بفعل التقادم مادامت محتفظة بقيمتها الاسمية المصكوكة بها)، فإنه يختار
تسديدها بالعملة الرديئة مستبقياً العملة الجديدة لديه بعيداً عن التداول
في السوق، مادام الدائن ملزماً بقبول العملة القديمة. ولو رفض الدائنون ذلك
وطلبوا العملة الجديدة لعمل القانون بشكل عكسي، بحيث تصبح العملة الجديدة
هي التي تطرد العملة الرديئة. 
الآن لو أسقطنا هذا القانون المستنبَط من ظاهرة سلوك الناس تجاه
العملتين سالفتي الذكر، الرديئة والجيدة، على ظاهرة إقبال الكثيرين على
سلعة (عملة) «داعش»، رغم رداءتها، سنجد أنفسنا أمام السياق العام نفسه
للظاهرتين (سيادة وازدهار العملتين)، مع فارق أن تفضيل الناس تداول العملة
الرديئة على العملة الجيدة، لا ينطوي على أي نوع من الأخطار، لا على
الإنسان ولا على الأشياء الجامدة ولا حتى على آلية عمل النظام النقدي،
وبالتالي على سلامة الاقتصاد. بينما ينطوي تفضيل مجاميع من الناس «تداول
عملة» «داعش» الرديئة، على أهوال محيقة بالبشر والحجر. 


فكيف تطرد عملة «داعش» الرديئة العملة الجيدة؟ وأين هي العملة الجيدة أصلاً القابلة للتداول؟ 


يوماً ما كانت هناك في العالمين العربي والإسلامي عملة جيدة يتم تداولها
على نطاقات واسعة، حين كانت النخب والقوى المجتمعية الريادية فيهما، تعمل
بجد واجتهاد على سرعة اللحاق بركب الأمم التي سبقتها في مضمار الإنشاء
والتعمير والتحديث والتمدين، وكانت الطبقة الوسطى الناشئة والشّاقّة طريقها
آنذاك في خضم ذلكم الحراك التنموي الديناميكي، والموزعة على إطر سياسية
ونقابية وأندية ومراكز ثقافية واجتماعية مختلفة، تشكل الرافعة الأساسية
لذلك المشروع النهضوي التحديثي.


وكانت هذه القوى الاجتماعية النهضوية،
بمشاربها الليبرالية المنفتحة على العالم أجمع، هي العملة الجيدة التي كان
الطلب العام عليها عالياً، بحيث عكست «قانون كريشام»، بطردها العملة
الرديئة ضعيفة التكوين آنذاك، المتمثلة في القوى المُسيِّسة للدين التي
كانت تتحايل وتراوغ التيار التمديني العام وتعمل دونما كلل أو ملل على
مراكمة جهودها للقفز الى صدارة المشهد لإعادة عقارب الساعة الى الوراء.


وهذا
ما حدث للأسف الشديد، إذ أدى تراخي وتراجع أداء قوى التحديث وتآكل شعبيتها
بسبب خبو الدافعية والافتقاد إلى الواقعية والانضباط والمثابرة، وشيوع
الهشاشة الغريزية أمام مغريات الفساد والاستبداد، إلى تدحرج عملية استحواذ
جماعات الإسلام السياسي بأطيافها المختلفة على الرقعة الأعظم من أضواء
المشهد السياسي ثم استيلائها على مفاتيح الحياة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية في بلدان العالمين العربي والاسلامي. فكان لابد
والحال هذه، من أن تطرد العملة الرديئة العملة التي كانت يوماً جيدة قبل
تواريها من التداول الشعبي والنخبوي العام.


وعلى ذلك يصبح من المنطق
بمكان أن السبيل الوحيد لاستعادة العملة الجيدة بريقها ووهجها وجاذبيتها
لدى الجمهور، يكمن في إعادة الاعتبار للمشروع النهضوي التحديثي ولآلياته
ودينامياته المحركة.
اقرأ المزيد

يوميات عبدالله العروي



شغفتني
يوميات المفكر عبدالله العروي التي صدرت في عدة مجلدات موسومة ب «خواطر
الصباح». وكان الصديق نور الدين صدوق، الناقد المغربي، حرضني على قراءتها
في أخر لقاء لنا في الرباط منذ شهور، حين حدثته عن أنني دونت يوميات
استغرقت أسابيع في العام 2011، وأنني بصدد التفكير في نشرها، فاستحسن
الفكرة، وقال لي: عليك بقراءة يوميات العروي، فستستفيد منها كثيراً. 


للأسف الشديد لم أتوافر إلا على مجلد واحد من هذه اليوميات، لكنه كاف
لتكوين فكرة عن المنهج المشوق الذي اختطه الرجل في تدوينها، فهو لا يكتفي
بتدوين تفاصيل يومه فحسب، بل لعله لا يفعل ذلك دائماً، وإنما يتناول قضايا
مهمة من واقع قراءاته للصحف، أو متابعته للأخبار أو من مشاركته في ندوات
ومؤتمرات داخل المغرب وخارجها، أو تلقيه رسائل من أصدقائه أو دعوات لأنشطة
ثقافية خارجية.


لاحظت أن المغرب كبلد ينطوي على مقادير كبيرة من التنوع
في تضاريسه الطبيعية وفي أنوائه الجوية ما ينعكس تنوعاً على طبيعة الحياة
بين مدينة وأخرى، وفرت للعروي فسحة للمقارنة بين مكان وآخر حين يحل على
مدينة ما تلبية لدعوة أتته، لنشاط يقام فيها، ومن ذلك مثلاً ما ذكره عن
تطوان التي رأى أن الجو فيها مازال إسبانياً، استقبالاً وخدمة، وكذلك في
طعم الخبز وتهيئة القهوة.


العروي إذ يبدأ بهذه الملاحظة، سرعان ما ينتقل
إلى المؤتمر الذي أتاه، فيتحفنا بملاحظات فكرية عميقة عما يراه حول موضوع
المؤتمر والمداولات فيه، فنخرج، كقراء، بحصيلة تجمع بين المتعة والمعرفة،
فلا نكون إزاء تفاصيل تتكرر في حياة أي منا، وإنما بصدد تأملات وأفكار
تثرينا وتحفزنا للمزيد من البحث.


تبدأ خواطر العروي في مجلدها الأول في
الثامن من يونيو/حزيران 1967، أي بعد شهر من هزيمة الجيوش العربية في ذلك
العام في الحرب مع «إسرائيل»، إذ يقول معلقاً : «بعد 19 سنة قضي الأمر
وضاعت فلسطين بكاملها، مؤقتاً في أحسن الاحتمالات، نجحت خطة العدو: حرب
قصيرة وسلام مفروض».


وتنتهي يوميات المجلد في العام 1973 في أعقاب حرب أكتوبر/تشرين الأول.


في 22 من ذلك الشهر كتب العروي: «تم الاتفاق بين روسيا وأمريكا على وقف إطلاق النار.


ستعم
الشعوب العربية الخيبة لأنها كانت تحلم بحرب طويلة»، من دون أن ينسى
الإشارة إلى أن الحكومات، على خلاف الشعوب، كانت سعيدة بالاتفاق.
اقرأ المزيد

محفوظ بين الفلسفة والموسيقى



كان
عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين يترأس لجنة مقابلة الطلبة المتقدمين
للانتساب إلى جامعة القاهرة، لتقييم مهاراتهم واستعداداتهم، والتأكد من
أنهم اختاروا لأنفسهم التخصص المناسب، حين صادف أن أحد الطلبة المتقدمين
أجاب بعد سؤاله عن التخصص الذي ينوي دراسته بالجامعة، بأنه يرغب في دراسة
الفلسفة. 


سأله طه حسين: ولماذا الفلسفة بالذات؟ فأجاب الطالب بأنه يريد معرفة أسرار الوجود والكون وما وراء الطبيعة وأشياء من هذا القبيل.


ويبدو
أن العميد طلب منه أن يشرح أكثر ماذا يقصد بذلك، فقال كلاماً مطولاً، ما
إن انتهى منه حتى رد عليه طه حسين، بين الجد والهزل: «أنت فعلاً تصلح
لدراسة الفلسفة لأنك تقول «كلام محدش فاهم منه حاجة». لم يكن هذا الطالب
سوى الشاب نجيب محفوظ، قبل أن تعرفه مصر والعالم روائياً كبيراً، حمل مصر
والعرب إلى جائزة نوبل.


ولم تذهب الفلسفة التي درسها عبثاً، فهي انبثت
بين ثنايا رواياته. ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن طه حسين كتب فيما بعد
دراسات نقدية عالج فيها البعد الفلسفي في بعض روايات نجيب محفوظ.


لكن
سنندهش حين نعلم أن نجيب محفوظ، إضافة إلى دراسته الفلسفة، ارتأى أن يتعلم
الموسيقى أيضاً، ففي ثلاثينات القرن الماضي، وهو لما يزل طالباً في السنة
الثالثة بكلية الآداب دخل فعلاً معهد الموسيقى وتعلم العزف على القانون.


وفي
حواره مع عادل ناشد يقول محفوظ إن صوته حسن الأداء لدرجة أن صديقه
الموسيقار عبدالحليم نويرة كان يقول له: «مفروض تدرب صوتك وتغني». ومن
الأشياء اللافتة في سيرة محفوظ أن الفنانة ليلى مراد حين كانت لم تزل صبية
عاشت في بيت والدها زكي مراد ليس بعيداً عن البيت الذي نشأ فيه محفوظ، وقد
استوحى حكايتها في مجموعته القصصية «صباح الورد»، حيث اختار لها اسم وداد،
التي قال عنها في القصة: «مع الأيام راحت تنضج وتحلو، ويعذب صوتها، فتهفو
له القلوب والأبصار والأسماع وعلى عهد الإذاعات الأهلية فاجأتنا بإذاعة
أغنية من أغاني سيد درويش، فطربتُ وفرحتُ كأنما أنا الذي نجحت».


وذكر
قول والدها مرة: «هذه البنت ستخلف أم كلثوم على عرش الغناء». وحين سئل
محفوظ ما إذا كانت وداد صابر مكي في حكايته هذه هي نفسها ليلى مراد، أجاب
بنعم، و«لكن بالطبع مع إضافات من الخيال».
اقرأ المزيد

سر الانجذاب لمنظمة إرهابية



كثيرة
جداً هي علامات الاستغراب والدهشة والاستغراق المحير في التفكير، تلك التي
يثيرها هذا الزخم المتدفق والمتواصل الذي يحظى به تنظيم «داعش» الإرهابي،
متمثلاً في السيل الجارف للمتطوعين الذين يتقاطرون من كل أصقاع الأرض
للقتال في صفوفه في سوريا والعراق وفي أماكن تواجده الأخرى! 


فما الذي يجعل إيديولوجية «داعش» المقطوعة الصلة بالحياة المعاصرة.. وما
الذي يجعل ممارسات هذا التنظيم التي أعادت إحياء الحياة المرعبة لإنسان
عصر الوحشية، وطقوس عصر وحشية أباطرة وأمراء ونبلاء روما القيصرية في دفعهم
للمصارعين البؤساء إلى داخل حلبة الموت والتفرج عليهم وهم يفترسون بعضهم
بعضاً كضواري القفار، ووحشية عصر البرابرة في أوروبا العصور الوسطى وما
قبلها، حيث قامت «القيم» والعادات والأعراف القبلية البربرية على ضرورة
الأخذ بالثأر عندما تلحق إهانة بأسرة المرء أو قبيلته مع تسيد طقوس قطع
الرؤوس البشرية كنوع من استعراض القوة، ووحشية سكان وقبائل الجزر النائية
في جنوب شرق آسيا التي اقتحمتها طلائع الاستعمار الأوروبي في بداية القرن
السابع عشر، والتي كانت عبارة عن عالم بالغ الوحشية بكل معنى الكلمة، فكان
يكفي أن يضل شخص طريقه في إحدى هذه الجزر والأدغال المجهولة لينتهي به
المطاف كوليمة شهية لأفراد قبائل ال «كوروايا» الوحشية في جزر بابوا غينيا
الجديدة، أو أن يتدلى رأسه كزينة جميلة في أحد بيوت قبائل «الن كوت» في
الفلبين، أو أن تقدم جمجته كمهر لعروس جميلة لدى إحدى القبائل البربرية في
تايوان القديمة.. نقول ما الذي يجعل إيديولوجية وجرائم «داعش» الطقوسية
التي تعيد إنتاج كل تلك الأعمال الهمجية وتزيد عليها «لمسات طبعتها
المعصرنة»، براقة إلى هذا الحد الذي صرنا نعرف من خلال الدفق غير المنقطع
«للمهاجرين» إلى جبهات قتالها؟


سؤال محير فعلاً! والمثير والمحير أكثر
أنه حتى مواطنو البلدان المتقدمة (الأصليين غير المجنسين) في أوروبا
الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، قد بدأوا هم أيضاً
بالالتحاق برهط « أرض الخلافة»، مدفوعين بالإعجاب الفضولي والانجذاب
المسحور لما يفعله «جنود داعش» بالبشر والحجر في المناطق التي يفترسونها.


فتجدهم
يسارعون للاستجابة لنداء « البغدادي»، فيهجرون أهاليهم وأصدقائهم ومقاعد
دراستهم والأماكن الدافئة التي احتضنت طفولتهم وصباهم، ويزوغون عن الأعين
ليظهروا فجأة في تركيا، محطة ترانزيت نقل االمسلحين إلى سوريا أساساً
والعراق تالياً!


كيف للعقل أن يهضم ويستوعب ويفسر قراراً مصيرياً يتعلق
ليس فقط بتغير نمط الحياة وإنما بالحياة والموت أيضاً، يتخذه إنسان
بالانتقال الدراماتيكي من الحياة المدنية المعاصرة، في أرقى صور تمظهرها
الحضاري، ونعني بذلك مجتمعات الغرب الصناعي، إلى المجتمع الحيواني الذي لا
يقام فيه وزنٌ لا للإنسان باعتباره القيمة الأسمى في هذه الدنيا التي كرمها
الله (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ
عَلَىكَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا – سورة الاسراء)، ولا للحضارة
المعاصرة التي نظمت حياة البشر ورفعت شأنهم ومراتبهم من أسفلها إلى أرقاها؟ 


سوف ينسب البعض ذلك بطبيعة الحال إلى تأثيرات المال وإلى مغريات النعم
الحسية التي يروّج لها التنظيم على مدار الساعة عبر منتدياته المتكاثرة
كالفطر دونما حسيب أو رقيب.


دعونا نُقِر بأن هذا التفسير ينطوي على بعض
الصحة، ذلك أن كثيراً ممن ينجذبون للقتال في صفوف «داعش» هم من الفقراء
المعدمين الذين تجتذبهم مرتبات و«غنائم» التنظيم ومحفزات أوهامه الأخرى.


فضلاً عن عوامل الإثارة والتشويق التي يضفيها على أعماله البهلوانية الاستعراضية.


فهنالك
سوق رائجة لهواة المغامرة وأفلام الرعب، ومثل هؤلاء سيجدون، بلا ريب
ضالتهم في أفلام الرعب الحقيقية التي «ينتجها ويخرجها»«داعش».


وهنالك
مجاميع من الناس الذين لم يعودوا يطيقون العيش في المجتمعات التي أنجبتهم
وتربوا ونشأوا في كنفها، فصاروا، بفعل سنوات من التحضير الروحي والنفسي،
المشفوع بضخ إيديولوجي ذي نزعة انعزالية، يشعرون بأنهم غرباء وسط البيئات
التي يتحركون في دوامتها اليومية، ويتحينون الفرصة للفرار والهجرة إلى
البيئات «المثالية» الحالمة التي أنشأوها في مخيلاتهم السارحة.


وما دام
الشيء بالشيء يذكر، فلعلنا نتذكر بهذا الصدد كيف أن بعض سكان المناطق غير
الحضرية في بلاد الغرب، لاسيما في ولايات الجنوب الأمريكي، مازالوا يكرهون
الحياة الحضرية المعاصرة، حيث يعيشون في معازل يمارسون فيها طقوسهم
الحياتية التي يهيمن عليها الاقتصاد الطبيعي القائم على الفلاحة وتربية
الماشية.ويكملون هذا الجو بممارسة طقوس دينية انغلاقية لا تتسامح مع
«الغرباء». وظهر من بينهم أدعياء نبوة وتمرد على الحياة المعاصرة، انتهى
بهم وبأنصارهم المطاف إلى عمليات «انتحار جماعي» مازال يلفها الغموض.


وهناك
أناس أيضاً اختاروا الهجرة إلى الغابات والصحاري والقفار لاعتزال صخب
الحياة المدنية و«دنسها ورجسها والتحلل من أدرانها»! ومن ذلك الحركة
الهيبية (Hippies) التي نشأت في الولايات المتحدة بين طلاب بعض الجامعات
كظاهرة اجتماعية شبابية احتجاجية في ستينات وسبعينات القرن العشرين الماضي،
ثم ما لبثت أن انتشرت في بقية الدول الغربية.


وهي حركة عُرفت بمناهضتها
للقيم الرأسمالية ولمظاهر المادية والنفعية وثقافة الاستهلاك، والدعوة
لعالم تسوده الحرية والمساواة والحب والسلام.
وقد ميز نشطاء وأنصار
الحركة أنفسهم بإطالة شعورهم وارتداء الملابس البالية والفضفاضة والإقامة
في مخيمات منصوبة في العراء كتعبير عن قربهم من الطبيعة وانتمائهم لها.


وقد استطاعت هذه الحركة استقطاب ملايين الشباب في الغرب، لكنها سرعان ما بدأت في التراجع والزوال.


قلنا
إن بعض المحللين اختار نسبة انجذاب مجاميع غفيرة من الشباب حول العالم
لتنظيم «داعش» إلى تأثيرات المال وإلى مغريات النعم الحسية التي يروّج لها
التنظيم على مدار الساعة عبر منتدياته المتكاثرة كالفطر دونما حسيب أو
رقيب.


وقلنا إن مثل هذا التفسير ينطوي على جانب من الصحة، وكان يمكن أن
يكون التفسير الأرجح لهذه الظاهرة، لولا أن «داعش» يستقطب أيضاً النخب
المتعلمة إلى جانب اجتذابه للدهماء.


وهذا أدعى للبحث عن سبب أكثر وجاهةً وإقناعاً. 
اقرأ المزيد

وحدة الطبقة العاملة مع سائر الشغيلة بمثابة الصخرة التي تتكسر عليها اطماع الراسمالية وحلفائها



بات اليوم من الضروري ان تتوحد الطبقة العاملة و معها  الشغيلة اليدوية و الفكرية ليشكلوا في مابينهم
القوة الضاربة, ذلك من اجل خوض النضالات المشتركة من اجل تحسين الظروف المعيشية
الصعبة و القاسية المفروضة,  على جماهير
الكادحين والتي تشمل بالاساس  الحياة المعيشية
الصعبة’ الاخذة في الافقار و التي تشمل  الملايين
 من الكادحين. ايضاً  ومن اجل توحيد الصفوف لتعزيز الحراك العمالي و
النقابي وحمايته من تربص الاعداء الطبقيين, و العمل  في سبيل  الدفاع عن المكتسبات و الحقوق التي تحققت, ذلك  عبر نضالات وتضحيات جسام,  و ايضا  في سبيل انتزاع الحقوق الاخرى التي تساوم عليها
البرجوازية و حلفائها الطبقيين, ومنها الحقوق  الوطنية و السياسية  في كل الاقطار, مثل الاقطار العربية. 
و في ظل الواقع الصعب الذي تعيشه الطبقة العاملة  نرى ان التحركات للبرجوازية و الرجعية و القوى
العسكرية التابعه للنظام  الراسمالي في
العالم يعملان معا على تقليص الدور الريادي للكادحين, و المحاولة لجعل الشغيلة ان
تبقى و تعيش على الهامش, الا ان نشطاء الحركات العمالية و النقابية و القوى
اليسارية  الحليفه للكادحين  مدركون تماماً  اكثر من غيرهم 
لمثل هذه النوايا الخبيثة للنظام  الرأسمالي  العالمي, و من يتحالف معهم من برجوازية وطنية
عربية  و عسكر و رجعية حاكمة, او منهم  في وسط المجتمعات  المدنية  من قوى رجعية و هي التي تسمم افكار الجماهير
الكادحة و تحرفها عن المسار الصحيح كي  تبعدها عن حلفائها في الساحات, و هم القوى
اليسارية والتقدمية,  ثم العمل على انحراف
الانشطة في صفوف الكادحين, ذلك عبر تغلغل الانتهازية و الانهزامية في صفوف العمال
لتغييب وتحجيم دور الطبقة العاملة  في  النضال الطبقي و السياسي و المطلبي, و الى جر
الجماهير للنزاعات الدموية الطائفية و العنصرية من خلال تقسيم مجتمعاتنا العربية
الى طوائف متصارعة لحساب الانظمة الشمولية الحاكمة وهيمنة الاستعمار الجديد. 


الا ان المناضلين  في صفوف
الحركات العمالية و النقابية من القوى اليسارية  و حلفائهم يجب ان يكونوا باقون في الساحات و
الميادين, وهم اليوم يحققون انتصارات في نضالهم اليومى المطلبي و ايضا السياسي, في
ظل تحالفات القوى اليسارية  و الاشتراكية و
الوطنية الديمقراطية,  التي تعتمد على قوة
جماهير العمال وسائر الشغيلة ذلك من اجل احداث التوازن السياسي و الاقتصادي الذي
يخدم المصالح الاوسع لقوى الجماهير  الشعبية و الكادحة, في سبيل  انتزاع الحقوق من ايدي البرجوازية الرأسمالية بعد
تحجيمها سياسيا و اجتماعيا على الاقل. و هنا نضرب المثل  مثلما يحدث في فنزويلا و جنوب افريقيا, وما
احوج الشعوب العربية لمثل هذه الانظمة ذات البعد الوطني الديمقراطي اليساري. ايضا
هناك مهام  امام نشطاء الحركة العمالية و
النقابية  وجب  العمل لتحقيقها  في مسالة وحدة الطبقة العاملة. 


نحن لا نريد ان نتحدث عن انتصارات قبل ان نتحدث عن خلق الفرص لخوض
النضال في مسألة ماهو العمل لطرح الافكار و من ثم وضع  الاهداف التي تقتنع بها الجماهير و في المقدمة
جماهير الطبقة العاملة في سبيل التخلص من الهيمنة للراسمالية على مفاصل الحياة, و
التحكم بمصير البشرية عبر توظيف انظمة شمولية, بل وجب ان نقنع الجماهير الكادحة بكوننا
 نحتاج لنضال سياسي تتحقق من خلاله الارادة
الشعبية في بناء مجتمعات ونظم عربية ديمقراطية تعددية بعيدا عن الهيمنة للبرجوازية
و فلولها الرجعية برعاية الامبريالية و الصهيونية. 


هنا يجب ان نقنع  الجماهير على
ان النظام الراسمالي العالمي  استغلالي و
عدو طبقى للكادحين  مع شرح اسباب هيمنة
البرجوازية الراسمالية على مقاليد السياسة من خلال التحكم في الاقتصاد الراسمالي,  و استمرار هيمنتها الاقتصادية و التحكم في
الاسواق التجارية و النقدية و العقارية و البنكية و الخدماتية و الغذائية, ذلك بفرض
نفسها بقوتها العسكرية, بمعنى  انه بقي من
الضروري ان تستخدم الجانب التثقيفي و التعليمى و التنظيمي في  سبل النضال, و من ثم  اقناع الجماهير بأن هناك نظام اقتصادي اخر, و هو
تطوير الاقتصاد الوطني على نمط اشتراكي في عملية تعزيز للقطاع العام و ابعاد شبح
الخصخصة,  و ان نعلم الجماهير ان الوطن العربي
ونتيجة لهيمنة الانظمة البرجوازية و العسكرية و الرجعية اصبحنا في وضع خطير جدا
بكوننا فريسةً سهلة لهيمنة الاحتكارات الغربية و الامريكية, في ظل سياسة
الليبرالية المتوحشة التي اخضعت القرار العربي المربوط بسياسة العولمة  التي يراد بها اخضاع الشعوب العربية لسياسات
الاستعمار الجديدة, وفرض كيف  ان تتحالف  الانظمة العربية  مع  الصهيونية و الرجعية  من المحيط الي الخليج والتلاعب بثروات الشعوب
العربية من خلال تكديس الاموال في ايادي القلة من افراد الاسر الحاكمة العربية و
افقار الاكثرية من الجماهير العربية,  ومن
ثم جعل جماهير الشغيلة في مقدمة الجماهير الاخرى التي دوما  تعاني من ظروف معيشية غاية في الصعوبة, و فيها
الكثير من  الإذلال و الخوف من المستقبل
المجهول الغارق في الفقر و التشرد و الجوع تحت ظل انظمة تعسفية تستخدم الهيمنة
بغرض نهب  خيرات الشعوب العربية, و تبذير
لثرواتها و في المقدمة النفط و مشتقاته,  و
تدمير لتاريخها, و قيام السجون للمناضلين الشرفاء لاملاء المعتقلات  بمن يقول لا لسياسات القهر و الاستعباد و الظلم و
الفساد المالي والاداري, و التهميش للقوى الوطنية الفاعلة و منهم القوى اليسارية. 


اذاً ان القوى اليسارية العربية هي المعنية بالنهوض والعمل في صفوف
الحركة العمالية و النقابية  العربية اينما
كانت لوضع الاستراتيجية لتحرير الشغيلة من الاستغلال, وهذا حتما يحتاج الى  نضال و كوادر مؤمنه بذلك لبناء عمل متفق عليه,
ومن ثم يترجم الى اهداف تنفذ  ذلك حسب
الظروف لكل بلد عربي, و عليه وجب ان تبني علاقات قوية بين كوادر العمال  و الحراك النقابي,  و القوى المناصرة للعمال, وتطوير الانشطة في
اجواء ديمقراطية, و قيام  انشطة نقابية
مستقلة لكسب جماهيرية اوسع بعيدا عن التاثيرات القومية و المذهبية, من اجل لعب
الدور الحاسم و المنظم في لملمة و رص صفوف الطبقة العاملة وسائر الشغيلة, و
توحيدها لان في ذلك سوف تتكسر مشاريع البرجوازية الراسمللية و الرجعية. 


ايضا في هذا السياق لابد وان نحصر 
القوى التي تعمل على اضعاف وحدة الطبقة العاملة في مجتمعاتنا العربية و العالمية,
 و تعريف الكادحين بمن  هم اعداء الطبقة العاملة وسائر الشغيلة. وقد
لخصتها في مايلي: 


1_  من الذ الاعداء للطبقة
العاملة هي الطبقة البرجوازية الراسمالية الاحتكارية, هذه الطبقة التي لا يمكن ان
تتوافق مصالحها و المصالح للطبقة العاملة وسائر الشغيلة, بكون ان الراسمالية تعيش
على الاستغلال البشع للقوى العاملة, وان اكبر المكتسبات المالية للبرجوازية  تأتي من خلال  استغلال قوة العمل للكادحين, ذلك  من خلال امتلاك البرجوازية  الادوات و الالات و المصانع في المفهوم
الاقتصادي الراسمالي, وهو  الامتلاك لادوات
الانتاج,  وعليه هنا يصبح التحكم في مصير
العمال وان على قوى  اليسار الاشتراكي هم
من  يدعون لهيمنة القطاع العام كي تصبح
الارباح للدولة, و يستفيد منها الشعب في مسالة التوزيع العادل للدخل القومي,  اذاً هنا مهمة العمل السياسي لقوى اليسار على
مستوى العالم العربي لتحرير الاقتصاد من قبضة البرجوازية الراسمالية الاحتكارية و
بناء اسس التطور الاشتراكي من اجل ابعاد شبح استغلال الانسان لاخيه الانسان بصورته
البشعة التي تدار من قبل البرجوازية الراسمالية. 


2_   القوى الاخرى و التي لاتقل خطورتها عن القوى
الراسمالية المعادية للحقوق و المصالح للطبقة العاملة نحصرهم في مايلي: 


أ‌-       
الانظمة الدكتاتورية
التي تكتوي بنارها  الشعوب في العالم خصوصا
الوطن العربي من المحيط حتى الخليج. 


ب‌-    القوى المذهبية الطائفية التي تفرق الشعوب و في المقدمة جماهير العمال
على شكل طائفي. 


ت‌-     الافكار ذات النزعة القومية
الشوفينية وتتمثل فى الجماعات  شبه النازية,
و الشبيهه بالهتلرية و الصهيونية  المتمثل
في النظام الاسرائيلي, و الحركات الانفصالية 
القومية, و العرقية المذهبية, وهم عملة واحدة لا تقل خطورتهم على الجماهير
الكادحة.   ايضا يجب تحجيم  ظاهرة المد للافكار المتطرفة في الوطن العربي
وهي  جزء من هذه المشكلة في سوريا و العراق
و ليبيا و اليمن, واقطار عربية اخرى. 


ث‌-   
 القوى الانتهازية  بأشكالها المختلفة  في صفوف الحركة العمالية و النقابية المرتبطة
بالمصالح للبرجوازية و الانظمة الدكتاتورية و الرجعية. 


ومن ثم ان  مقومات اسس القوى
للطبقة العاملة وسائر الشغيلة هي  الوحدة
التي لا تنفصم في اهمية  التحالف بين
اليسار  و الحركة العمالية و النقابية,  وهذا ينطبق على كل البلدان لان النظرية
الماركسية هي الوحيدة التي يحاول منظروها ومن قبل مؤسسوها ماركس و انجلز الذين
ناضلوا من اجل تحرير الطبقة العاملة من وحشية النظام الراسمالي و استبداله بالنظام
الاشتراكي. 


– عن الرفيق فلاديمير لينين. 


قال لينين  اننا لا نعتبر
نظرية ماركس كشيء كامل و مقدس, بل على العكس نحن مقتنعون ان ماركس قد وضع فقط
احجار الزاوية للعلم الذي على الاشتراكيين ان يطوروه في كل الاتجاهات حتى لا يتأخروا
عن تطور الحياة. اذاً من هذه الكلمات الخالدة لمطور الماركسية الرفيق لينين وجب
علينا نحن ايضا ان نختار الطرق التي من خلالها نسعي لتطوير وتفعيل احزابنا و
تثبيت  لوجودنا في صفوف الطبقة العاملة,
لنجعل من قوتها و وحدتها ان تكون  قادرة كي
تتكسر عليها الاطماع للبرجوازية و الرجعية و الانتهازية, و لا يمكن ان نتخلى عن
ذلك لان هناك في العالم يوجد اتحاد عالمي للبرجوازية الراسمالية, وليس هناك معوقات
في ما بينهم لا قومية, و لا حزبية, و لا مذهبية,  فقط هم متحدون لاستغلال شعوب العالم اجمع, وعلينا
نحن ان نعلم الاجيال الكادحة وجوب انشاء اتحادات بين العمال بدون فوارق قومية, او
دينية, او سياسية لمقارعة طغيان الانظمة الراسمالية و حلفائهم  الرجعية و الصهيونية و النظم الدكتاتورية. 
 
اقرأ المزيد