المنشور

ذاكرة أحمد البوسطة

بين المقالات التي جرى تداولها للفقيد العزيز أحمد البوسطة بعد رحيله، مقالان نُشرا في جريدة “الوسط” في نفس العام، عام 2005، وإن كان يفصل بينهما بضعة شهور، فأحدهما نشر في يونيو، والآخر نشر في نوفمبر. وأمام المقالين نودّ أن نقف في هذه العجالة، كون كل واحد منهما يُعرفنا على جوانب من شخصية أحمد.
عنوان أحدهما هو: “الخنجر الأول كان في خاصرة رأس الرمان”، ويسعفنا في التعرف على البيئة التي ولد فيها ونشأ، في منطقة الرأس رمان، التي كانت واحدة من أهم رئات العاصمة المنامة على البحر، وكان الجسر الأول بين المنامة والمحرق يصل إليها. والمقال المذكور هو بمثابة رحلة في الذاكرة، ذاكرة المكان تحديدًا، حيث يستعيد الكاتب صورة المكان الذي فقدنا الكثير من ملامحه، بسبب التغيرات العمرانية الكثيرة، التي لم تخل من العشوائية، ولم تصن، في الكثير من صورها، البيئة البحرية المحيطة، لا في رأس الرمان وحدها ولا في المنامة وحدها، وإنما في مناطق كثيرة من البحرين.
المقال الثاني هو الآخر رحلة في الذاكرة، ولكن هذه المرحلة ذاكرة الأفراد، بمن فيهم ذاكرة أحمد البوسطة نفسه. وعنوان هذا المقال هو: “هو مشاغبات طلابية ولكن..”، حيث يعود بنا الكاتب فيه إلى مدرسة الحورة الثانوية للبنين في السنوات الأولى من السبعينات، وهي المدرسة التي أنهى أحمد فيها الثانوية العامة، حيث يذكرنا بزملاء له في تلك المدرسة، كنت واحدًا منهم، فيأخذنا، وقد بتنا كهولًا، إلى ذلك الزمن الواعد، الذي لم يكن فقط زمن “المشاغبات” بتعبيره، وإنما زمن الوعود والآمال الكبيرة، في مناخ مختلف عاشته البحرين يومها في اختمارات الوعي وإرهاصات التحولات.
من لم يقرأوا المقالين، كما مقالات كثيرة للبوسطة، متاحة على مواقع الصحف البحرينية على الإنترنت، عليهم أن يعودوا إليها، ففيها لا يمكن قراءة قضايا الحاضر الشائكة بكل ما تنطوي عليه من تعقيدات، وإنما مقدمات هذا الحاضر التي نشأت في رحم الماضي، وكان قدر جيلنا، جيل أحمد وجيلي وجيل المئات مثلنا، أن نشأ في خضمها.
“ليس كبار السن فقط في حي رأس الرمان، يقول أحمد، حتى الشباب منهم، يسجلون ذكرياتهم عن أيام مضت، ولا يزالون يحنون “للدود البحري” الذي اختفى، ولأمواج البحر التي كانت تلاطم “دولاب الباليوز” ومحطة الكهرباء ومسجد بن ساعد أو المسجد الكبير”.
المقال الثاني كتبه أحمد في صبيحة يومٍ كانت نفسه فيه، كما كتب في مقدمته، “مفتوحة لتنشيط الذاكرة حول وجوه تجمعت في صف واحد في مدرسة الحورة الثانوية”، ليرينا مصائر تلك الوجوه بعد هذا العمر الممتد، ويلتقط بحاسته اللمّاحة حكايات، ما كنا ننتبه لها في حينه، لأنها كانت تفاصيل عادية في حياتنا يومذاك، فإذا بالزمن يضفي عليها حكمة ومعنى ودلالة، فأتى أحمد ليمسك بكل ذلك، ويقدّمه مقطرًا في كلمات عذبة.
في المقال يذكر أحمد أسماء من زاملوه في تلك المدرسة، الذين كانوا يتبادلون الكتب التي صنعت وعيهم، مثل رواية “العقب الحديدية” لجاك لندن، وكتب سلامة موسى وجورج حنا، كما يتبادلون أشرطة الشيخ إمام، وفرقة “الطريق” العراقية، وأغاني “جعفر حسن، وجعفر علي، وفؤاد سالم، وعدلي فخري، وفرقة حب مصر وغيرها، ويحفظون عن ظهر قلب قصيدة الشاعر العراقي محمد صالح بحر العلوم: “أين حقي”. كان ذاك زمن آخر، له مذاق آخر، نحاول أن نستعيد بقاياه بعد أن فصلتنا عنه السنوات الطوال.
عاش أحمد البوسطة حياته كاملة حتى رحيله، بعد معاناة مريرة مع المرض، وهو وفيٌ لتلك الذاكرة بكل ما تمثله. ظلّ أميناً للوعي الذي زرعت بذوره في عقله الفتي آنذاك، وخاض الاختبارات الصعبة في الحياة، كما في الصحافة، التي راكم فيها خبرة طويلة تمتد عقودًا، بين الامارات والبحرين، وسيظل اسمه ناصعًا في تاريخ الصحافة البحرينية، كاتبًا صاحب عبارة ساخرة، شجاعة، جديرًا بأن يقدّم كأبرز مثال على الصحفي الوفي لرسالة الصحافة، التي لم يرها يوماً منفصلة عن الحياة، وراهن دائمًا على اشتباكها مع قضايا وطنه ومجتمعه وأمته، هو الذي ظلّ في خضم تلك القضايا، ولم يقعده عنها إلا المرض.

اقرأ المزيد

لماذا حقق فريق البحرين الوطني الإلتفاف حوله؟

منذ بداية انتشار وباء فيروس كورونا في العالم، وقبل أن تعلن منظمة الصحة العالمية عنه، وتحوّله إلى جائحة على المستوى العالمي، خطت البحرين خطوات متقدمة، وذلك عبر تشكيل فريق البحرين الوطني بقيادة سمو ولي العهد الأمير سلمان بن حمد، مما أعطى معنى لجدية جهاز الدولة لمواجهة هذا الوباء بالتفاف ومساندة منقطعة النظير على المستوى الوطني من جميع فئات شعب البحرين، فمكّنه ذلك من التصدي لهذا الوباء بأقل الخسائر رغم محدودية امكانيات البحرين مقارنة بدول متقدمة علينا في الإمكانيات العلمية والمالية.

ولقد كان لتضافر العديد من العوامل وتكاملها دور أساسي في تمكين هذا الفريق من أداء مهماته بنجاح، وهناك أيضاً من الجهات أو القطاعات ممن تحمل العبء الأكبر في هذه المواجهة.

ومن أهم هذه العوامل:

أولاً: ليس خافياً على العيان أن هذا الفريق اعتمد على العنصر البشري الوطني، بدءاً من مستوى القيادة حتى المستويات الأخرى في الادارة وجميع الخدمات المساعدة؛ فكلنا عايش وتواصل مع أعضاء هذه الفرق من أطباء وممرضين وأفراد الدفاع المدني ومتطوعين في المراكز المختلفة من محاجر ومراكز فحص وغيرها من الأماكن، بما فيهم فرق الخدمات المساعدة حيث كان للعنصر الوطني الدور البارز في هذا الجهد الكبير.

ثانياً: التكاتف والعمل بروح الفريق الواحد، وتوحيد جهود القطاعات والوزارات المختلفة، حيث برزت فيها أدوار لعدة جهات كوزارة الصحة مع وزارتي الدفاع والداخلية والمستشفيات الثلاثة: السلمانية، العسكري، والملك حمد وتكامل عملها بهدف خدمة البحرين.

ثالثاً: سرعة اتخاذ القرار والشفافية التي تميّز بها عمل هذا الفريق عبر تواصل مستمر مع الجمهور في مؤتمرات صحفية، تطلع الجميع منذ بداية الأزمة على أخر المستجدات والتوجيهات، وهذا ما شدّد عليه سمو ولي العهد؛ مما ساهم في بث الطمأنينة لدى المواطنين وتخفيف هواجس الهلع لديهم.

رابعاً: الشراكة المجتمعية مع كل المؤسسات الرسمية بسلطتيها التشريعية والتنفيذية من جانب، والمؤسسات المدنية والأهلية، وتفعيل هذا المبدأ على أرض الواقع، بدءاً من عملية تسجيل المتطوعين إلى إعداد وتأهل فرق التعقيم وغيرها، التي ساهمت فيه وزارات عدة من ضمنهم وزارة الداخلية التي كان لجهودها دور كبير، والمؤسسات الأهلية كالجمعيات المجتمعية من خيرية ومدنية.

الجهات التي تحملت العبء الاكبر

في مواجهة الجائحة تحملت العديد من الجهات العبء الأكبر من الأدوار والمسؤوليات، ومن أهمها:

• المؤسسات التي يمكن أن نطلق عليها منظومة الحماية الاجتماعية مثل (صندوق التأمين ضد التعطل وصندوق الضمان الاجتماعي عدا صندوق العمل تمكين).
• قطاع الخدمات العامة الذي تديره الحكومة، وبالذات الخدمات الصحية والخدمات المساعدة، فهي من تحمل العبء الأكبر؛ مما أكد دورها كخط دفاع أول ورافعة يعتمد عليها في أساسيات حاجات المجتمع.

وبالتأكيد هناك عدة عوامل لا مجال الان لذكرها، ولكن المهم ماذا نتعلم من هذا النجاح؛ لنعممه، ونبني عليه مسيرة التنمية والتطور؟

نعتقد أن من ضمن ما يمكن استخلاصه من هذه الجائحة جملة من الدروس من ضمنها:

1. الاعتماد على الطاقات الوطنية التي طالما تمّ، وللأسف، تعطيلها وتهميشها عن طريق الاعتماد على العمالة الوافدة، وتعطيل هذه الطاقات، وما تبعه من مسؤولية على الجهات الرسمية وخاصة في الوزارات التي طالما اعتمدت على بقاء العمالة الوافدة بدلاً من تهيئة وإدماج القوة البشرية البحرينية بحجج لم تعد مستساغة.

فليس من المعقول أن تعتمد البحرين على أكثر من 3600 مدرس وافد في وزارة التربية. وكذلك وجود عدة آلاف آخرين من ذوي التخصصات الفنية والإدارية من العمالة الوافدة في القطاع الحكومي؛ كالأشغال والبلديات والكهرباء والصحة وغيرها من القطاعات المختلفة، وبالذات في الشركات الوطنية الكبرى، يقابلهم عشرات الآلاف من الخريجين الجامعيين في التخصصات الفنية والإدارية والتعليمية، من خريجي الجامعات في البحرين وخارجها، وبمعدلات متفوقة، وهم على قوائم الباحثين عن عمل لدى ديوان الخدمة المدنية ووزارة العمل لسنيين طويلة.

2. قطاع الخدمات العامة، أي المدار من قبل الحكومة؛ وبالذات الخدمات الصحية والتعليمية، مما يتطلب إجراءات تساهم في حمايته وتدعيمه وعدم التضحية به أو جعله ثانوياً أمام أطماع بعض الشركات الاستثمارية عن طريق الخصخصة أو أية برامج أخرى، بل إن هذه الأزمة أكدّت على أهمية دوره وحاجة المجتمع اليه.

3. منظومة الحماية الاجتماعية بجميع أفرعها (التأمينات الاجتماعية، التأمين ضد التعطل، الضمان الاجتماعي وصندوق العمل تمكين) من المهم المحافظة عليها وعدم تحميلها تبعات برامج وخطط أخرى، كما كان متبعًا، كمثال التقاعد الإختياري أو عمليات التخلص من العمالة البحرينية، ومراجعة القوانين والإجراءات المتبعة في حالات التخلص من العمالة في بعض القطاعات العامة والخاصة.

اقرأ المزيد

لماذا ندعو لحوار وطني شامل؟!

لم يكن الأمر مستغربًا لدى شرائح واسعة ومهمة من المجتمع البحريني، أن تأتي دعوتنا المخلصة منتصف شهر يونيو المنصرم لحوار، أو منتدى وطني موسع، لبحث تحديات ما بعد جائحة كورونا، وهي دعوة فرضتها جملة من المعطيات التي سنتحدث عنها هنا بكثير من التكثيف والاختصار نظرًا لضيق المساحة، تاركين للجهات المعنية بالقرارات الاقتصادية والاجتماعية، والنخب الاقتصادية والتجارية والمجتمعية، التي رحبت بشكل واسع بمبادرتنا هذه، أن تتفاعل مع تلك الدعوة التي نجد أن توقيتها علاوة على أهميتها لا يمكن أن يغيبا عن بال واهتمامات من يعنيهم مستقبل الوطن.
وبالفعل فإننا نرى ان التعاطي مع مرحلة ما بعد جائحة كورونا وما خلفته وتخلفه من تراجعات مرعبة لجميع دول العالم دون استثناء، وإن بشكل متفاوت، يزكي أهمية الدعوة لحوار وطني شامل حول مختلف القضايا المفصلية التي تشكل في مجموعها ملفات سيحين استحقاقها عاجلا أم آجلا، وهذه المرحلة ستكون بلا ريب مختلفة بكل المقاييس عما سبقها من مراحل وتحديات، فالعالم مقبل، بحسب التوقعات المتاحة، على تحولات كبرى ونوعية، اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، وستتبعها حتمًا ارتدادات لا نعلم حتى اللحظة مدى سطوتها وتأثيراتها، وبكل تأكيد هناك تحولات جارفة احدثتها ثورة المعلومات والتكنولوجيا، لن تقتصر كما يعتقد البعض فقط على ما أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي من وفرة في المعلومات وسرعة تداولها واقتحامها لأبسط خصوصيات وأسرار الدول والأفراد والمجتمعات التي لم تعد محصنة كما كانت من قبل.
لذلك، ليس ترفًا أن تأتي دعوتنا لحوار وطني شامل يناقش مختلف القضايا ويرسم بشكل جماعي معالم توجهاتنا المفترضة لعالم ما بعد كورونا، خاصة وأننا اضطررنا، وباعتراف اصحاب القرار إلى التخلي مرغمين عن كل ما وضعناه من ميزانيات وخطط وبرامج ورؤى، وحتى لا نترك لوطننا سمة الضياع والتخلف عن مواكبة الركب العالمي، فإننا اصبحنا مطالبين بشدة للإذعان لتعاطٍ مختلف في الكيفية والمضمون، فلم تعد لفوقية القرارات من جدوى ومكان للنجاح، ولم يعد لدى حكومات وبرلمانات ومؤسسات المجتمع القدرة منفردة على صياغة وفهم المستقبل، بصورة تحقق النجاحات المأمولة، وأضحى العلم ومعايير القياس وتسخير العقول والطاقات الكامنة في المجتمع تزكي جميعها نجاعة الاعتماد على روح الفريق والعمل الجماعي والتشاركي في صياغة قرارات الأمم قبل الأفراد.
وفي هذا الإطار، فإن نظرة سريعة لما سجلته البحرين خلال الفترة القليلة الماضية من نجاحات متميزة لفريق البحرين الوطني بقيادة سمو ولي العهد في التعاطي مع جائحة كورونا، بمشاركة وتلاحم مختلف فئات وشرائح المجتمع، واسترعت اهتمام العديد من دول العالم ومنظماته، حين سخرت الدولة بكل مكوناتها كافة طاقاتها المالية والاقتصادية والاجتماعية والبشرية للتصدي لهذا الوباء، ولما يمكن ان ينتج عنه من تداعيات، تؤكد لنا جميعا مغزى وأهمية ان يكون لنا فريق وطني، لا يجب ان تنتهي مهمته مع انتهاء فترة الجائحة التي نتمنى ألا تطول، لكي نبني عليها نحو المستقبل المشرق الذي نتمناه لبلادنا وشعبنا، ونحن نحاول جاهدين أن نعبر جملة من التحديات التي نراها ونتوقعها قادمة إلينا سريعا.
وعلينا أن نقول بوضوح إن المهمات التي تنتظرنا قريبًا ومستقبلًا لن تكون سهلة أبدًا ، بل هي شائكة ومعقدة للغاية، وعلينا أن نعرف كيفية التعاطي معها بعلم وموضوعية وواقعية بعيدًا عما اعتادت العديد من جهات القرار عليه في العمل بشكل منفرد وغير مدروس في أحايين كثيرة، وذلك يحتم ضرورة الإهتداء لفكر مختلف وتعاط يرقى لحجم تلك التحديات، فلا أحد بإمكانه اليوم أن يتوقع حجم ونوعية التحولات العالمية من حولنا، أو أن يتوقع مآلات اسعار النفط على المديين المتوسط والقريب، أو التوجهات الاقتصادية القادمة لأسواقنا وانعكاساتها على سوق العمل المشوه أصلا في البحرين، وما هي وظائف المستقبل وطبيعة الأسواق والفرص الاستثمارية القادمة، وانعكاساتها على مؤشرات البطالة وسوق العمل وأنظمة التقاعد، وكيف سنتعامل مع ما خلفته عجوزات الميزانية والدين العام من تشوهات اجتماعية وهيكلية، وطبيعة الهيكلة المنتظرة لاقتصادنا الوطني الذي يشكل علينا حتى اللحظة تحديد ملامحه بوضوح بعد سنوات من التخبط وسوء الادارة والفساد، وهذا الأخير كيف سيصبح بامكاننا كدولة ومجتمع مواجهته بصدق في ظل اعلان البحرين رسميا عن تقليص النفقات العامة بنسبة 30% ، وربما تستبعه تخفيضات أخرى قادمة وربما ضرائب ومعالجات مؤلمة اقتصاديا واجتماعيا..
اسئلة نطرحها برسم الجميع لنحاول الاجابة عليها بشكل جماعي، ليس إمعانا في المزيد من التشاؤم وانما سعيا منا لخلق رؤية مجتمعية تشاركية تسهم ايجابا في صياغة ورسم معالم المستقبل وما سنواجهه من تحديات ومصاعب جمة.. تلك وغيرها مهمات أطرحها بكل تواضع أمام ما اقترحته حول الحوار الوطني الشامل، حتى نستطيع معًا رسم مستقبل وطننا بروح جماعية وتشاركية مختلفة.

اقرأ المزيد

“كورونا” والعولمة الهشّة

ليس قليلاً عدد من كانوا يموتون يومياً في مختلف بلدان العالم قبل انتشار فيروس كورونا أو ما سبقه من فيروسات قاتلة، لأسباب شتى بينها: التقدّم في العمر والأمراض المزمنة والسرطانات وما إليها. ورغم كثرة من ماتوا ولا يزالون يموتون كل يوم منذ أن أعلن عن اكتشاف كورونا، لكنه لا يزيد عن عدد حالات الوفاة قبله، في مختلف البلدان، خاصة منها كثيرة السكان، أو التي تعاني من الفقر وتدّني الخدمات الطبية. فضلاً عن ضحايا الحروب المدمرة، أهلية كانت أو بين الدول، وضحايا المجاعات والقحط والكوارث الطبيعية كالفيضانات والحرائق وغيرها، ومن المحرومين من العناية الصحية الضروية، ومن ظروف المعيشة اللائقة، ومتطلبات الحياة الكريمة.

ليست الغاية التقليل من خطر “كورونا” الذي يجتاح البلدان، بلدًا وراء آخر، ويستنفر العالم كله لمواجهته، وتعمل المختبرات ليل نهار للوصول إلى لقاح يمنعه وعلاجات تشفي منه، ولكن الماكنة الإعلامية العالمية، التي تغطي أخبار الجائحة في كل مكان، وتقدّم بيانات منتظمة عن أعداد المصابين والمتوفين جراءها، تكاد تصمت عن كل المشاكل الأخرى التي تعاني منها البشرية، بسبب صور التمييز الطبقي والعرقي والديني وغيرها، وبسبب جشع الرأسمال خاصة في صورته النيوليبرالية.

ما لا يحظى بالتغطية الكافية هو ما كشف عنه تفشي “كورونا” من عاهات تنخر عالم البشر. بعضها ظاهر لا يتوارى أبداً، وبعضها كامن ينتظر الفرصة فقط ليطل برأسه، كما لا يجري الوقوف عند ما أظهره تفشي الفيروس من “هشاشة” العولمة، رغم أنها، في وجهها الاقتصادي خاصة، بلغت مديات واسعة، ولكنها اليوم تتعرض لاختبار حقيقي حول مدى صلابتها وقدرتها على تحدي الصعاب الماثلة، لا في تحقيق الأرباح والمنافع لأساطين المال والسلطة، وإنما في تحقيق حياة كريمة للبشر لن تتأمن بالتقسيم الدولي الراهن للعمل، كأن الجائحة سلطت الضوء على ما لم يكن بحاجة لبرهان.

حتى الآن يجري الحديث عن فقدان الأسواق العالمية لمئات المليارات من الدولارات، وهبوط التعاملات في البورصات، وانكماش حركة السياحة والسفر. وبمقدار ما أظهر “كورونا” من جهة إلى أي مقدار هو العالم قرية كونية بالفعل، فإنه أظهر أيضًا أن هذه “الكونية” ترتد اليوم إلى أكثر صور الأنانية والانغلاق على الذات، وإزدراء المعاناة المشتركة للبشر على تعدد انتماءاتهم ولغاتهم ومعتقداتهم.

اقرأ المزيد

دعت لوضع استراتيجية من خلال حوار وطني لبحث تداعيات أزمة كورونا ومتطلبات ما بعد الأزمة الجمعيات السياسية تدعو إلى فتح آفاق جديدة للعمل الوطني دعماً للمشروع الإصلاحي نقدر حوافز الدعم المالية وندعو إلى الشفافية ودعم المواطنين المهددة أرزاقهم

إنطلاقاً من حس المسؤولية والدور الذي تلعبه الجمعيات السياسية الموقعة على هذا البيان
واستتباعاً لجهودها فى خدمة الوطن، وما تتبناه هذه الجمعيات من أهداف وبرامج منطلقها الاهتمام بقضايا المجتمع والناس وتحسين أوضاعهم وتعزيز مسيرة العمل الوطني، وفى ظل التنسيق الدائم والمستمر فيما بينها خدمة لتلك الأهداف، فإن هذه الجمعيات قد توافقت على عدد من المواقف التي تجد فى ظل الظروف الراهنة واستمرار تداعيات وباء كورونا كوفيد 19 التأكيد عليها وهي:

أولاً: إن الأزمة الاقتصادية التي تعمقت بسبب تدني أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، وجاءت تداعيات وباء كورونا لتذهب بهذه الأزمة إلى منحى باعث على القلق، فإن الجمعيات السياسية ترى أن ذلك يقتضي الترتيب لحوار وطني يضم كل الأطراف وقوى المجتمع المدني، وهي الحكومة، والسلطة التشريعية، والغرفة والشخصيات الوطنية والنخب الفكرية وممثلي العمال والمحامين والاقتصاديين والجمعيات المهنية والسياسية، هدفه الخروج برؤية واستراتيجية ترسم لنا طريق النهوض الاقتصادي والتنموي والسياسي وتفتح آفاق جديدة فى كل تلك المجالات التي باتت الحاجة إليه مطلوبة وملحة على أن تأخذ فى الاعتبار ما يضمن عدم المساس بالمستوى العام لمعيشة المواطنين، خصوصاً صغار الموظفين والمتقاعدين والعمال وأصحاب الدخول المتدنية.

ثانياً: إن الجمعيات السياسية الموقعة على هذا البيان سبق لها وقبل أزمة كورونا أن شددت وفى أكثر من بيان مشترك، وأكثر من فعالية مشتركة، على الحاجة للانتقال بالعمل الوطني إلى مرحلة جديدة تنسجم مع التطلعات الوطنية حالياً ومستقبلاً، وعليه فإن هذه الجمعيات تجدد رفضها محاولات البعض التضييق على العمل السياسي خاصة بإعاقة عمل هذه الجمعيات وعدم تمكينها كما يجب من القيام بواجبها الوطني الذي يستظل بأهداف وأسس المشروع الاصلاحي لجلالة الملك، وتستذكر هذه الجمعيات ما حملته من رؤى فى هذا الصدد والتي رفعتها قبل عدة شهور الى كل من معالي رئيسة مجلس النواب، ومعالي وزير العدل والشئون الإسلامية، وتتطلع الجمعيات السياسية مجدداً إلى سرعة النظر في مرئياتها تلك لتعزيز مسيرتها فى الفترة المقبلة. خاصة بالنظر إلى ما نشر مؤخراً بخصوص ميزانيات الجمعيات السياسية والتي أظهرت الحاجة إلى الدعم الملح لبعضها، آملة في سرعة النظر في هذا الموضوع.

ثالثاً: إن الجمعيات السياسية وهى تتابع بكل اهتمام وتقدير مساعي الحكومة وجهودها فى تقديم الدعم المالي لمختلف القطاعات للتخفيف من وطأة التأثيرات السلبية على هذه القطاعات، ومنها حزمة الدعم الجديدة التي وفقاً لما أعلن ستركز على المنشآت والأطراف الأكثر تضررًا من تداعيات فيروس كورونا، وهي إذ تثمن ذلك فإنها فى الوقت ذاته تؤكد على أهمية الالتزام بالشفافية في عملية توزيع كل حصص الدعم، وترى أنه تجنباً لأي لغط على غرار ما أثير فى شأن حزمة الدعم السابقة من عدم أحقية الدعم المالي لبعض الجهات، ومنها البنوك التي نالت جزءاً كبيراً من الحوافز المالية السابقة، ترى أن الأحق والأولية أن يوجه الدعم إلى المواطنين العاملين فى القطاع الخاص الذين كانوا ومازالوا مهددين فى أرزاقهم.

وبناءً عليه، فإن الجمعيات السياسية تؤكد على أن حزمة الدعم الجديدة التي تمثلت في استمرار دعم فواتير الكهرباء والماء، ودعم قطاعات أخرى بنسبة 50 ‎%‎وهي المطاعم والفنادق والصالونات ومكاتب السفر والصالات الرياضية ومعاهد التدريب ودور السينما، إلا أنه يلاحظ عدم الإشارة إلى المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر وقطاع الإنتاج الأسري وتجارة السياحة الداخلية، والمواطنين من الحرفيين والمهنيين والعمال وأصحاب الورش والمخيمات وبرك السباحة وسواق الأجرة والدلالين وشرائح أخرى مماثلة، وتؤكد الجمعيات على ضرورة شمول هذه القطاعات الحوافز المالية، مع عدم اغفال أهمية بلورة الرؤية المستقبلية لوضع مختلف شرائح المجتمع وقطاعاته الاقتصادية ولا سيما التي باتت عرضة للتعثر وحتى الإفلاس موضع عناية ودعم واهتمام .

رابعاً: إن الجمعيات السياسية الموقعة على هذا البيان تؤمن أن بقاء واستمرار نهج إدارات الدولة على ما كان عليه قبل أزمة كورونا، والاكتفاء بقرارات مؤقتة لإدارة الأزمة، يكشف مدى الحاجة إلى رؤية اقتصادية وتنموية سليمة وبعيدة المدى وتمتلك كل مقومات الكفاءة والفاعلية وتأخذ في الاعتبار التخطيط الاستراتيجي، وإعادة هيكلة الجهاز الحكومي وتفعيل المساءلة ومحاربة الفساد وهدر المال العام، بما يعطي زخماً للانطلاق بثقة نحو المستقبل، ويدفع من جهة أخرى إلى الوحدة الوطنية، والتماسك الاجتماعي، ويؤكد معنى المواطنة الحقيقية في الممارسة الفعلية.

أخيراً ناقشت الجمعيات السياسية العديد من التصورات حول العمل المشترك في الفترة المقبلة، كما وضعت تصورات حول قانون الجمعيات السياسية ومرئيات الجمعيات على بعض مواد القانون، وجددت هذه الجمعيات اعتزازها وتقديرها للجهود الطيبة التي تبذلها مختلف الكوادر الطبية والصحية وغيرها في مواقع العمل والانتاج لمواجهة جائحة كورونا.

2 يوليو 2020

الجمعيات الموقعة على البيان:
1- المنبر التقدمي
2- التجمع القومي الديمقراطي
3- الصف الإسلامي
4- التجمع الوطني الديمقراطي الوحدوي
5- الوسط العربي الإسلامي
6- المنبر الوطني الإسلامي
7- التجمع الوطني الدستوري
​​​

اقرأ المزيد