المنشور

لماذا ندعو لحوار وطني شامل؟!

لم يكن الأمر مستغربًا لدى شرائح واسعة ومهمة من المجتمع البحريني، أن تأتي دعوتنا المخلصة منتصف شهر يونيو المنصرم لحوار، أو منتدى وطني موسع، لبحث تحديات ما بعد جائحة كورونا، وهي دعوة فرضتها جملة من المعطيات التي سنتحدث عنها هنا بكثير من التكثيف والاختصار نظرًا لضيق المساحة، تاركين للجهات المعنية بالقرارات الاقتصادية والاجتماعية، والنخب الاقتصادية والتجارية والمجتمعية، التي رحبت بشكل واسع بمبادرتنا هذه، أن تتفاعل مع تلك الدعوة التي نجد أن توقيتها علاوة على أهميتها لا يمكن أن يغيبا عن بال واهتمامات من يعنيهم مستقبل الوطن.
وبالفعل فإننا نرى ان التعاطي مع مرحلة ما بعد جائحة كورونا وما خلفته وتخلفه من تراجعات مرعبة لجميع دول العالم دون استثناء، وإن بشكل متفاوت، يزكي أهمية الدعوة لحوار وطني شامل حول مختلف القضايا المفصلية التي تشكل في مجموعها ملفات سيحين استحقاقها عاجلا أم آجلا، وهذه المرحلة ستكون بلا ريب مختلفة بكل المقاييس عما سبقها من مراحل وتحديات، فالعالم مقبل، بحسب التوقعات المتاحة، على تحولات كبرى ونوعية، اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، وستتبعها حتمًا ارتدادات لا نعلم حتى اللحظة مدى سطوتها وتأثيراتها، وبكل تأكيد هناك تحولات جارفة احدثتها ثورة المعلومات والتكنولوجيا، لن تقتصر كما يعتقد البعض فقط على ما أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي من وفرة في المعلومات وسرعة تداولها واقتحامها لأبسط خصوصيات وأسرار الدول والأفراد والمجتمعات التي لم تعد محصنة كما كانت من قبل.
لذلك، ليس ترفًا أن تأتي دعوتنا لحوار وطني شامل يناقش مختلف القضايا ويرسم بشكل جماعي معالم توجهاتنا المفترضة لعالم ما بعد كورونا، خاصة وأننا اضطررنا، وباعتراف اصحاب القرار إلى التخلي مرغمين عن كل ما وضعناه من ميزانيات وخطط وبرامج ورؤى، وحتى لا نترك لوطننا سمة الضياع والتخلف عن مواكبة الركب العالمي، فإننا اصبحنا مطالبين بشدة للإذعان لتعاطٍ مختلف في الكيفية والمضمون، فلم تعد لفوقية القرارات من جدوى ومكان للنجاح، ولم يعد لدى حكومات وبرلمانات ومؤسسات المجتمع القدرة منفردة على صياغة وفهم المستقبل، بصورة تحقق النجاحات المأمولة، وأضحى العلم ومعايير القياس وتسخير العقول والطاقات الكامنة في المجتمع تزكي جميعها نجاعة الاعتماد على روح الفريق والعمل الجماعي والتشاركي في صياغة قرارات الأمم قبل الأفراد.
وفي هذا الإطار، فإن نظرة سريعة لما سجلته البحرين خلال الفترة القليلة الماضية من نجاحات متميزة لفريق البحرين الوطني بقيادة سمو ولي العهد في التعاطي مع جائحة كورونا، بمشاركة وتلاحم مختلف فئات وشرائح المجتمع، واسترعت اهتمام العديد من دول العالم ومنظماته، حين سخرت الدولة بكل مكوناتها كافة طاقاتها المالية والاقتصادية والاجتماعية والبشرية للتصدي لهذا الوباء، ولما يمكن ان ينتج عنه من تداعيات، تؤكد لنا جميعا مغزى وأهمية ان يكون لنا فريق وطني، لا يجب ان تنتهي مهمته مع انتهاء فترة الجائحة التي نتمنى ألا تطول، لكي نبني عليها نحو المستقبل المشرق الذي نتمناه لبلادنا وشعبنا، ونحن نحاول جاهدين أن نعبر جملة من التحديات التي نراها ونتوقعها قادمة إلينا سريعا.
وعلينا أن نقول بوضوح إن المهمات التي تنتظرنا قريبًا ومستقبلًا لن تكون سهلة أبدًا ، بل هي شائكة ومعقدة للغاية، وعلينا أن نعرف كيفية التعاطي معها بعلم وموضوعية وواقعية بعيدًا عما اعتادت العديد من جهات القرار عليه في العمل بشكل منفرد وغير مدروس في أحايين كثيرة، وذلك يحتم ضرورة الإهتداء لفكر مختلف وتعاط يرقى لحجم تلك التحديات، فلا أحد بإمكانه اليوم أن يتوقع حجم ونوعية التحولات العالمية من حولنا، أو أن يتوقع مآلات اسعار النفط على المديين المتوسط والقريب، أو التوجهات الاقتصادية القادمة لأسواقنا وانعكاساتها على سوق العمل المشوه أصلا في البحرين، وما هي وظائف المستقبل وطبيعة الأسواق والفرص الاستثمارية القادمة، وانعكاساتها على مؤشرات البطالة وسوق العمل وأنظمة التقاعد، وكيف سنتعامل مع ما خلفته عجوزات الميزانية والدين العام من تشوهات اجتماعية وهيكلية، وطبيعة الهيكلة المنتظرة لاقتصادنا الوطني الذي يشكل علينا حتى اللحظة تحديد ملامحه بوضوح بعد سنوات من التخبط وسوء الادارة والفساد، وهذا الأخير كيف سيصبح بامكاننا كدولة ومجتمع مواجهته بصدق في ظل اعلان البحرين رسميا عن تقليص النفقات العامة بنسبة 30% ، وربما تستبعه تخفيضات أخرى قادمة وربما ضرائب ومعالجات مؤلمة اقتصاديا واجتماعيا..
اسئلة نطرحها برسم الجميع لنحاول الاجابة عليها بشكل جماعي، ليس إمعانا في المزيد من التشاؤم وانما سعيا منا لخلق رؤية مجتمعية تشاركية تسهم ايجابا في صياغة ورسم معالم المستقبل وما سنواجهه من تحديات ومصاعب جمة.. تلك وغيرها مهمات أطرحها بكل تواضع أمام ما اقترحته حول الحوار الوطني الشامل، حتى نستطيع معًا رسم مستقبل وطننا بروح جماعية وتشاركية مختلفة.