المنشور

الشملان وأيامُ الشدّة

نزلت عليّ فجأة كآبة الصمت التي لم أستطع مقاومتها إثر سماعي لخبر نقل أحمد الشملان للمستشفى بعد إصابته بالجلطة الدماغية، يوم أليم استقبله المواطنون المحبّون لأحمد والعارفون بدوره النضالي الجسور في الدفاع عنهم عند كل محطة من محطات مطالبهم المحقة. تقاطروا على المستشفى للوقوف على صحته وليطمئنوا عليه، عادوا بحزن صعب عليهم تخبئته أو تفاديه، داخَلهم الخوف ورسم ملامحه فوق وجوههم.

أبصر أحمد النور وقد تعمدت عائلته بالنضال، هي التي قدّمت الشيخ سعد الشملان ومن بعده عبد العزيز، فإذن لا مندوحة من أن يكون أحمد موضوع هذه المقالة التي نود لها أن تعطي لمحة لا غير عن سيرة مناضل واصَل وأبقي شعاع نضال عائلته مشتعلاً، متوهجاً نوراً لم يهدأ ، منحوه ما شاءوا من ضحكاتهم ودموعهم وحنينهم وحركوا فيه مشاعر الفتوة النابضة بالحياة في الدفاع عن المستضعفين والمحرومين والثكالى كمحام وقبل كل شي إنسان حرّ خبر معترك الحياة وذاق في سبيل ذلك عذابات التشرد والاعتقال لفترات طوال.

هل يجب أن أُذّكر مرة أخرى بما كتبته من سيرة عطرة عنه زوجته وشقيقة روحه فوزيه مطر: “سيرة مناضل وتاريخ وطن” ( 1024 صفحة)، ذلك المتن الذى احتفطت فيه بكل تفاصيل حياة أحمد حيّة ومشتعلة وبأسلوب شفاف وشيق وجميل؟

لا ضرورة لذلك، إذن، لا عبقرية لي فيما أرويه في زمن يركض بسرعة، وما علينا سوى استعادة ألق شخصيات حفرت في ذاكرتنا نبض حياة متجدد لنعيرها اهتماما ووفاءاً لما قدمته لوطننا من تضحيات جسام على حساب الصحة والعائلة والعمل، كان بودي أن أتعرف إلى أكثر الكلمات رقّة وإنسانية وأعظمها معان لكي أصف الشجاعة والثقة التين تخفقان في قلبك يا أبا خالد .

فقد أقسم أحمد على أن يكون في مقدّمة المدافعين ضد الظلم والطغيان الذي استشرى وضبط ساعته النضالية على مواقيت واقعية من أجل تحقيق حلم التحوّلات الاجتماعية والسياسية منذ ستينيات القرن الماضي، وفي سبيل ذلك عمل المستحيل وخاض غمار الحياة بشجاعة نادرة، وعمد إلى تكثيف قرءاته لينتقل من تنظيم إلى آخر يلائم قناعاته بعد أن أعاد النظر بطريقته القديمة في التفكير وأخذ يفتش عن دروب أُخرى ليصبح أحد قيادات جبهة التحرير الوطني البحرانية.

مشى في طريق صعب ووعر وأخذ يردد بئسا لمجد ينشىء الموت والقتل، فلنحيا بشرف ورجولة أو لا مبرر لوجودنا، فالحرية تتطلب أن يهبها الإنسان كل لحظاته، كل قواه، هكذا هم المناضلون أرواحهم على أكفهم لايهابون الصعاب ولا الملمات. لم يرتجف له قلب في وطيس المعارك الحامية من أجل الحرية ولم ينل منه الخوف في أصعب المواقف وأشدّها قسوة.

في سفن الخوف والمنفى والترحال من بلد لآخر القلق والحزن الملازم لكل ذلك عاش أحمد، كانت تنتظره هناك بعينين مليئتين بالحيرة والشوق والخوف زوجته. يصعب عليهما ذلك، ولكن للنضال أكلافه يتحملها المناضلون وأصحاب المبادىء الانقياء والقديسون والأبطال. وبالهمة التي لايدركها الكلل وبحب الحياة وبشروطه الصارمة وضع نصب عينيه مفتاح التغيير المنشود لوطنه ليصبح شخصية من ألمع وأقوى الشخصيات في وطننا، فقد كان أمامي إنسان قوي ذو إرادة ومراس، فبإرادته التي لا تلين أعانت كيانه المتداعي على مغالبة المرض الذي تسببت فيه السلطات أثر الاعتقالات المتتالية والتعذيب والمنع من السفر، ليصاب بجلطة في القلب وجلطة دماغية عنيفة أعاقته عن الكلام والكتابة وكان ذلك في يوليو 1997 ومازال يقاومها ببسالة مما أفقد البحرين قلماً نابضاً بالحس الوطني الإنساني، مثقفاً عضوياً، شاعراً وأديباً مبدعاً، مقدرة فذه في الكتابة والتحليل والتنظير.

حاملة ذاكرتها وقلبها وحنينها والنور الذي يملأ عينيها، بقت زوجته ملازمة له كالظلّ في كل خطوة، فكونوا مطمئنيين عليه، فوزية هي القلب والذاكرة والحنين والحضن الرؤوم وملاذه، إنها لحظة السهرعلى صحته التي تكلف العمر والذاكرة.

صارم وحازم وجاد وعلى قدر بالغ من الحنو والرهافة واللباقة والكياسة والسمو والنبالة. طيب القلب مليئ بعزة النفس والكبرياء صبورعلى الرغم من العذابات وهوالذي نال منها ما لايقاس، فكان له نصيب وافر حيث بدأت عذاباته منذ الستينات حينما تمّ اعتقاله إثر انتفاضة مارس 1965 فلم ينحنِ. تعرّف إلى كل الآلام، وظل ثابتاً ليبقي سجيناً لمدة عامين بعدها تمّ نفيه ليبقى ثلاث سنوات ليعتقل ويسجن في سجن نايف بدبي ولتتوالى الاعتقالات بعد ذلك، لمدة سنتين من 1972حتى 1974 ليعاد اعتقاله مرة أخرى في نفس العام ويطلق سراحه في العام 1975، وبعد تخرّجه من موسكو في العام 1981 ومن المطار يعتقل مرة أخرى ويبقى في المعتقل خمس سنوات ليعاد اعتقاله مرة أخرى في فبراير 1996 لدوره البارز في المطالبة بإعادة الحياة البرلمانية ودوره الفاعل في حراك العريضة النخبوية والشعبية ليطلق سراحه بعد ذلك بثلاثة أشهر وهي أقصر مدة قضاها أحمد في المعتقلات.

فهل لنا أن نتصور حال هذا الانسان الصلب وحال عائلته التي كابدت هذه العذابات، فقد سرقوا منها الاستقرار والفرحة والاطمئنان على مستقبلها ومستقبل طفليهما. وكأن لسان حال أم خالد يقول: أحاول أن أتذكر كل ما فات وما تبقى من المأساة التي جرحت القلب وما تزال حتى اللحظة تعذبني واصطلي بنارها لحظة سقوط أحمد في الحمام فاقد القدرة على فتحه إثر الجلطة الحادة في الدماغ وما أعقبها من معاناة حتى هذا اليوم ،شيء ما يغلي في قلبي بقوة. هل كان حلماً؟ هل كان حزناً؟ هل كانت عاصفةً ؟ شيء من كل ذلك. إنها المأساة بفعل حماقاتهم وقسوة أنظمتهم وأفعالهم غير المبررة في التعامل مع شعوبهم المسالمة التواقة للحرية والعيش الكريم والعدالة الاجتماعية .

الأيام والليالي مرّت طويلة على أم خالد كانت تعد الساعات والدقائق والثواني بعد تلك الحادثة في ذلك اليوم الذي طال كثيرا من شهر يوليو للعام 1979 حتى عاد أحمد من دون أمل في استعادة النطق فهل من قسوة تضاهي هذه القسوة؟

تقول كنت أهجس أن شيئاً حدث لأحمد في الحمام، قرقعة مسموعة ولكن لا صوت له سوى إنه يجر جسده جراً وبصعوبة كبيرة محاولا فتح الباب، وبقى فترة طويلة دون ان يتمكن من ذلك، الا بمحاولات عديدة وبعد أن تمكنا مع جار لنا من نقله للمستشفى بعدها وضعت رأسي بين يدي لاخبئ دموع فائضة انزلقت من عيني في غفلة مني وبقلب مكسور بقيت ملازمة له .. آه من وجع القلب.

هل عرفتم آلآم هذا الرجل وعائلته الذي ناضل من أجل غدٍ أفضل لبلدنا وهو في عزّ عشقه للحياة؟ فلا عجب أن يُهدى كتاب بسيرة عطرة من زوجته لتقول في هذا الإهداء إليه:

“في صمته المهيب
إجلالاً لأيام عمره التي وهبها للوطن
وحباً له سكن الفؤاد وألهمني القوة
لأرفع رأسي بعد كل عاصف
فأضع يدي بيده وقلبي مع قلبه”

أنت يا أحمد وبعض من رفاقك ما تبقى من صدق الزمن الغابر وهذا الوقت الصعب، في عينيك صدق لايخطئ وحنين لايموت، تُفضل الصمت وكأنك تقاومهم بصمتك المهيب فهم يهابونك حتى في صمتك ويخشون صوتك الصادح المطالب بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات جميعها غير منقوصة.

تركت لقلبك وعينيك لغة الوهج التي لا تعرف الكذب أو النفاق أو المهادنة والإنحناء، فكان شرف المبادئ والعمل بالنسبة إليك شرطاً للحياة، ولذلك حاربوك ليسكتوا صوتك، ها أنت تعود محملا بحقيقتنا جميعاً، كنت الحق وكنت النور الذي أخترق الخوف والظلمة، عدت بصفائك وعنفوانك رغماً عنهم. فالخسارات التي تتالت إثر الاعتقالات المتتالية والشهداء الذين قدّموا أرواحهم فداء للوطن لن تثنينا عن مواصلة المسير والدرب الذي اخطيته أصبح مُعّبداً للكثيرين من أبناء شعبك، فمواقفك المبدأية لن يستطع أحد محوّها من الذاكرة.

رسالتك يا أحمد ألهمت الكثيرين وألهبت المشاعر وأوضحت لنا طريق المسير وفتحت أبواباً للأجيال القادمة للتزوّد بما غرسته من حبات البذار. فكما يقول الشاعر المصري نجيب سرور: “نحن حبات البذار/ نحن نعلم أن أطلال القبورستُغطى ذات يوم بالسنابل/ وسينسى الناس أحزان القرون/ وسينسون السلاسل/ والمقاصل والمنافي والسجون/ وسنكسو الأرض يوماً بالزهور/ وستأسوا الفرحة الكبرى جراحاً في الصدور/ فرحة النصر إذا جاء الربيع/ وإذا متنا فمن أجل الربيع”.

فالربيع الذي بشرّتم به قادم لامحالة، فما ضاع حق وراءه مطالب، وها أنت سخرّت وكرّست حياتك كلها من أجل مطالب الناس واسترداد حقوقهم الإنسانية، ونحن نعلم بأن رماد الشهداء حياة لايدخلها الموت أبداً وتضحيات المناضلين لن تذهب هباء، فأبواب جديدة للامل فُتحت مع أن الظلام لم يتوقف لكن شعلة النور قد طلت على وطننا بفضل صمودكم البطولي وتضحياتكم اللامحدودة حيث كان شعارك الذي تردده دوماً على مسامع أم خالد: مسيرة النضال لاترتهن لأفراد ولاتنتهي بتوقف مجموعات، ومادام الظلم والحق مصادراً والإنسان يعاني، فالمسيرة النضالية من أجل غد إنساني أفضل لابد أن تمضي قدما بمن لديه الاستعداد والعزم على المواصلة.

فالحياة لامعنى لها عندما تُباد الأشواق، وتنحر الأحلام، وتقتل المدن، فكانت مهمتك شاقة وعملت بكد وجد لايقاظ العقول لتطالب بأن يكون لوطننا مكان تحت الشمس، فكنت فارساً للأمل وللحرية، فليس بمقدورهم بعد الان أن يجعلوا اليأس يستولي على قلوبنا مهما بلغت كثافة الظلم الذي حاربته بهمة وبجدارة واقتدار.

المصدر: فوزيه مطر – “أحمد الشملان: سيرة مناضل وتاريخ وطن”