المنشور

في سبعينية اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي مشاركات البحرين في مهرجانات الشبيبة العالمية

بعد انتهاء  الحرب العالمية الثانية في عام 1945، ودحر  النازية على أيدي قوات الحلفاء وبروز الاتحاد السوفياتي  كقوة عظمى في العالم  وتشكيل دول المنظومة الاشتراكية، واتساع رقعة النضال الوطني ضد الهيمنة الاستعمارية  والقوى الاستبدادية في العديد من بلدان العالم بقيادة حركات التحرر الوطني التي سوف تحصل على الدعم والمساندة من قبل الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية  وتصاعد  دور اليسار  وتحديداً الأحزاب الشيوعية والعمالية والتحفيز لقيادتها للتحولات الثورية والديمقراطية لاحقاً في أكثر من بلد في أوروبا وآسيا وأفريقيا  وأمريكا اللاتينية، بسبب تصاعد حركات التحرر الوطني التي كان الشباب يشكلون الثقل الأساسي فيها  لهذا تشكلت العديد من المنظمات والاتحادات الخاصة بالشبيبة  في تلك القارات، لهذا تداعت لعقد اجتماع لها في مدينة  لندن  لتعلن عن تأسيس اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي WFDY، في نوفمبر من عام 1945 كمنظمة شبابية تقدمية عالمية  معادية للامبريالية  تناضل من أجل الديمقراطية والتضامن الأممي والسلام العالمي، وتضم  في صفوفها منظمات الشباب اليساري والديمقراطي  من مختلف بلدان العالم، واختار الاتحاد مدينة بودابست  عاصمة هنغاريا مقراً له.

سوف يقوم اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي في السنوات اللاحقة على تأسيسه بالعديد من الفعاليات والأنشطة، و أهمها على الإطلاق   تنظيم مهرجانات  الشباب والطلبة العالمية، بدءاً من المهرجان الأول في مدينة براغ   عام 1947، من أجل السلام  والصداقةوالتضامن الأممي بين شعوب وبلدان العالم، لتستمر  حتى موعد تنظيم  مهرجان الشباب والطلبة العالمي التاسع عشر  في مدينة سوتشي  في روسيا في الفترةمن 14- 22 أكتوبر 2017 تحت شعار (من أجل السلام والتضامن والعدالة الاجتماعية نناضل ضد الإمبريالية)  .

ويصادف تنظيم المهرجان التاسع عشر للشباب والطلبة العالمي في سوتشي الاحتفال بالذكرى المئوية  لانتصار ثورة أكتوبر الاشتراكيةالعظمى في روسيا عام 1917 ، ويأتي انعقاد المهرجان في مدينة سوتشي  الروسية بالذات للتأكيد على رمزية وأهمية تلك الثورة الاشتراكية  التي غيّرت وجه العالم  ووقفت إلى جانب الشعوب والبلدان التّواقة للحرية والاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي والسلم  لتخلصها  من نير الاستعمار  والدكتاتوربة.

 

شبيبة البحرين والمشاركة في مهرجانات الشباب والطلبة العالمية

أول مشاركة للشباب البحريني في مهرجانات الشباب والطلبة العالمية كان في المهرجان السادس في موسكو عام 1957، أي بعد ضرب هيئة الاتحاد الوطني في عام 1956 من قبل المستعمر البريطاني والرجعية، تقريباً بعد عام أو أقل، تكوّن  الوفد من حوالي ستة إلى سبعة من الشباب الأغلبية محسوبين على اليسار  أو من أصدقاء اليسار ، أما  المهرجان السابع  فقد انعقد في فيينا (النمسا) في عام 1959، وشاركت شبيبة البحرين  بشخص واحد، وهو المناضل الوطني والقائد الراحل علي دويغر، وعندما مشى في ساحة  المهرجان وهو يرفع  علم البحرين تضامن معه بعض الحضور و مشوا معه.

.

تلت ذلك مشاركة في مهرجان الثامن في   هلسنكي ( فنلندا ) عام 1962م ، والتاسع في صوفيا  بلغاريا  عام  1968، والمهرجان  العاشر  في برلين  في ألمانيا الديمقراطية  عام 1973، حيث كان وفد البحرين مكوناً من ثلاثة أطراف الحركة الوطنية ( التحرير، الشعبية، البعث )، أما المهرجان الحادي عشر  فقد أقيم في في هافانا عاصمة كوبا  عام  1978، في حين انعقد المهرجان الثاني عشر  في موسكو عام 1985 وضمّ في قوامه ممثلين عن الشبيبة الطلابية والعمالية البحرينية، كما شاركت شبيبة وطلبة البحرين  في المهرجان الثالث عشر في بيونج يانج عاصمة كوريا الشمالية في 1989، ويعتبر هذا المهرجان هو الأخير في ظل وجود الاتحاد السوفياتي  ودول المنظومة الاشتراكية،  بعدها توقفت حركة المهرجان  لمدة  ثمان سنوات قبل أن تعود من  جديد في عام 1997 بالمهرجان الرابع عشر  في هافانا  بكوبا، والمهرجان الخامس عشر  في الجزائر  في عام 2001، ولكن لم تسمح الظروف لشبيبتنا بالمشاركة فيهما.

ثم جاءت مشاركة شبيبة البحرين في المهرجان السادس عشر في كراكاس  فنزويلا  عام  2005، في ظل الانفراج السياسي في البحرين، لتكون ولأول مرة  بشكل علني، وتلى ذلك مشاركتها في المهرجان السابع عشر  في جنوب إفريقيا في عام 2010، فيما تغيبت عن المهرجان الثامن عشر  عام 2013في الأكوادور.

عضوية شبيبة البحرين  في وفدي 

منذ مشاركة الشبيبة الأولى  في مهرجان  موسكو عام 1957، برز  اسم البحرين في المحافل الدولية ولكن المشاركة الثانية لشبيبة البحرين في مهرجان فيينا عام 1959، وإن كانت في شخص واحد  سوف تعزز العلاقات مع “وفدي” والمنظماته الشبابية التقدمية  العضوة فيه، وهذا يعود لمشاركة  أحد مؤسسي جبهة التحرير الوطني البحرانية  الرفيق الراحل علي دويغر في المهرجان، حيث عمل على توطيد أواصر العلاقات الرفاقية مع ممثلي اتحادات ومنظمات الشبيبة العالمية المشاركة والتي تواصلت معها الشبيبة فيما بعد من خلال المشاركة في المهرجانات والمؤتمرات  والاجتماعات، وسوف تتعمق بشكل أقوى في فترة اتحاد الشباب الديمقراطي البحراني( أشدب) الذي تأسس في 16 مارس من عام 1974 إبّان مرحلة المجلس الوطنيفي أعوام 1973- 1975، حصل أشدب على عضوية عاملة  باتحاد الشباب الديمقراطي العالمي عام 1976، ونسج علاقات  واسعة مع اتحادات الشبيبة في العديد من بلدان العالم  وبسبب تواجد ممثلين عنه في الخارج توسعت وتعمقت تلك العلاقات الرفاقية طوال تلك السنوات وكان له حضور بارز في المؤتمرات والاجتماعات  واللقاءات والمهرجانات الشبابية في العديد من البلدان العربية والعالم ، ساهمت تلك المشاركات الفعالة في توصيل صوت الشبيبة البحرينية  بجانب الحركة الوطنية الديمقراطية  البحرينية  المطالبة بعودة الحياة النيابية وإشاعة الديمقراطية والحريات العامة في البلاد أثناء مرحلة قانون أمن الدولة التي استمرت حوالي  ربع قرن  منذ حل المجلس الوطني في أغسطس عام 1975 حتى مرحلة الانفراج السياسي  وميثاق العمل الوطني في فبراير من عام 2001.

بعد مرحلة الانفراج السياسي  وتشكيل العديد من منظمات المجتمع المدني ومن ضمنها جمعيات شبابية، حيث تم أشهار أول جمعية شبابية في البحرين(جمعية الشبيبة البحرينية) في أبريل من عام 2002،  بالإضافة إلى أنشطتها و فعالياتها في داخل البحرين، حصلت على عضوية في اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي، وفي سنوات لاحقة كانت ممثلة لدورة أو أكثر  في المجلس المركزي  (الإقليمي) لمنطقة الشرق الأوسط.

اقرأ المزيد

المشاكل المعيشية تتفاقم .. والمستقبل غامض

هل يستطيع المواطن أن يتنبأ  لمستقبله، ويخطط لمراحل عدة  ما بعد  الجامعة / العمل  (إن وجد) / الزواج / السكن / …الخ ؟ والمصيبة الأعظم  فكيف هو حال المواطن الذي غادر تلك المحطات وأوضاعه المعيشية لازالت أكثر  تعقيداً، فهو لا يفكر في المستقبل بل كيف يستطيع العيش في الحاضر،  كيف يعمل ويكدح ليوفر  لقمة العيش لأسرته، يقول ماركس (العمال لا يستطيعون العيش بغير قوة عملهم)، وفي ظل  صعوبات وأوضاع  لا يستطيع تجاوزها بيسر  بل بالمشقة والتعب، السؤال الذي يطرح في هذه الأيام  لماذا  يتحمل المواطن  أعباء إضافية في حياته المعيشية  وراتبه أو الراتب التقاعدي بالكاد  يغطي مصاريفه  حتى  منتصف الشهر، هذا إذا لم يكن مرتبطاً بقروض بنكية أو سلف من فلان أو  علان.

 والسؤال الأهم  ماذا فعلت الدولة للمواطن؟ الذي تحمّله أعباء مالية إضافية، وكأنه هو المسؤول عن تراجع أسعار النفط وتزايد الدين العام في البلاد، ألا يكفي تدني الرواتب للمواطنين والقروض العديدة التي عليهم وإذا بهم يصحون كل صباح ليتفاجئوا بإصدار رسوم (ضرائب) جديدة عليهم، ولا نعرف من هم المستشارون الذين ساهموا في تلك الاستشارة الخارقة، لكن المعلوم إن ذلك تنفيذ لنصائح البنك الدولي وهي الكارثة بامتياز، وإذا أردتم الدليل فانظروا إلى ما فعلته هذه الاستشارات باليونان، ولا تكفي الضغوطات والأعباء المتفاقمة على المواطنين، فتطلق بالونات (جس نبض) كل يوم لمعرفة ردة فعل المواطنين وآخرها الحديث عن رفع سن التقاعد إلى 65 سنة، وهذا ما يؤكده بعض النواب، بالرغم من أنه لم يحدد متى سيطبق ذلك، فوحده من لديه القرار يعرف اليوم والشهر والسنة.

التعليم / الصحة / العمل / الإسكان / البطالة

هذا الخماسي يشكل قلق دائما للمواطنين. نبدأ  بالتعليم حيث يتطلب توفير بيئة صحية لتعليم الأبناء، فبالعلم ترتقي الشعوب وتتقدم وتتطور وتزدهر، فإذا  قرأت عن التنمية المتطورة في هذه البلد أو ذاك، تأكد بأن مخرجات التعليم فيها تطبق وفق استراتيجية واضحة  المعالم، ولكن ما يجري في البلدان العربية بعيداً عن التخطيط الاستراتيجي،  ففي بلادنا  تحولت مخرجات التعليم طوال السنوات الماضية لحقل من التجارب  الفاشلة بالرغم من النتائج الإيجابية  التي يحققها العشرات وربما المئات من الخريجين من الطلبة المتفوقين في الثانوية العامة الذين يجب الاستفادة من طاقاتهم في توفير  التخصصات العلمية والعملية لهم لكي يبدع كل طالب وطالبة في تخصصه الذي كرس سنوات تعليمه من أجله ولكي  يساهموا بعد التخرج من الجامعة في بناء  وتطور وتقدم  بلادهم  مثلما حدث في البلدان المتقدمة التي بدأت نهضتها بتطوير التعليم، فيما واقع البعثات وتوزيعها على الطلبة المتفوقين عندنا بات في حال يرثى لها.

–    كان يضرب المثل بالبحرين  في الخليج في ثمانينات  القرن الماضي  في تطور خدماتها الطبية  المقدمة، وفي  مستوى الأطباء الاستشاريين العاملين في مجمع السلمانية الطبي  المتطور في تخصصات متعددة، امأ اليوم فقد تغيّر الحال اليوم وأصبحت المستشفيات والعيادات الخاصة  تستنزف أموال المواطنين الذين لا يستطيع الأغلبية منهم تسديد فواتيرها إلا من خلال  الديون أو  التأمين الصحي إن وجد، وفي العام المقبل سوف يطبق  التأمين الصحي وهي بداية خصخصة المستشفيات والمراكز الصحية، فعلى المواطن أن يكون جاهزاً لدفع فاتورة جديدة، تضاف إلى ما نعاني منه الآن من تردٍ في مستوى الخدمات الصحية التي تقدم للمواطنين ويشكي  العديد منهم تأخيراً في المواعيد ولشهور عدة بالرغم  من الأمراض المزمنة التي يعانون منها  ويحتاجون لعناية خاصة لكي  لا يسوء وضعهم الصحي بسبب بُعد المواعيد،  علاوة على تقاعد الأطباء الاستشاريين أصحاب الكفاءات والمؤهلات وتفرغ البعض لعياداتهم الخاصة، وتأثير تداعيات أحداث 2011 م وتزايد أعداد المراجعين بما فيهم المجنسين الجدد ما أثّر على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمرضى  والمراجعين لمجمع السلمانية الطبي .

–  العمل / البطالة: تنص المادة 13 ( ب) من دستور مملكة البحرين على: ( تكفل الدولة توفير فرص العمل للمواطنين وعدالة شروطه)، فيما العديد من المواطنين وبالأخص  الخريجين منهم لا يحصلون على وظائف  سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، وهم ليسوا بالمئات  بل بالآلاف، حيث  لا يوجد رقم محدد لدى الجهات الحكومية أو المدنية، ولا تستطيع أي جهة  تحديد النسبة المئوية، إلا من خلال  جهة محايدة  ودقيقة وبشفافية لمعرفة الرقم الحقيقي وليس التقديري للعاطلين عن العمل بما فيهم غير المسجلة اسمائهم في سجلات وزارة العمل .

 –  الإسكان أو السكن، حق مكفول دستورياً في المادة 9 ( و) التي تقول (تعمل الدولة على توفير السكن لذوى الدخل المحدود من المواطنين) بالرغم من المحاولات التي تبذل من قبل  وزارة الإسكان منذ أكثر من عام ، إلا  أن الموضوع يحتاج لسنوات  لتقليص عدد مدة الانتظار إلى أقل من عشرين عاماً كما هو حاصل حالياً،  فعدد مقدمي الطلبات للإسكان يفوق 54 ألف طلب  وفقاً لما أعلن  من قبل وزارة الإسكان في الصحافة المحلية.

سوء الخدمات المقدمة للمواطنين ترجع لأسباب عدة منها عدم وجود تخطيط واستراتيجية واضحة، الفساد والمحسوبية والتجنيس، إضافة للوضع السياسي المتأزم والمستمر، المعالجات الخاطئة للعديد من القضايا والملفات، فكل هذا كلّف الدولة أموالاً طائلةً بدلاً من أن يستفيد منها المواطنون وتحل مشاكلهم وهمومهم المذكورة أعلاه.

أصبح العديد من المواطنين يشعرون بقلق كبير في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية والمالية منذ أن تمّ رفع الدعم عن العديد من السلع والمحروقات في العام الماضي 2016 م، والعجز في ميزانية 2017/2018 وتزايد الدين العام حتى وصل 13 مليار دينار بحريني وفي السنوات المقبلة سوف يتضاعف هذا الدين  مما يعني أنه على المواطنين شد الأحزمة استعداداً للأسوأ القادم.

اقرأ المزيد

داعش.. والديمقراطية..!!

ـ1ـ
يحظى بالرواج الآن ان تنظيم «داعش» هزم أو يكاد أن ينتهي في العراق، وانه على وشك ان يلفظ انفاسه الأخيرة في سوريا، كما ان وجوده في لبنان وليبيا يوشك على الانتهاء، وربما الهدف ذاته بات على مرمى حجر في بلدان اخرى وجد داعش وتوابعه ومشتقاته موطئ قدم فيها.
الحديث السائد الآن عن النصر المبين على داعش، وهزيمة ما تبقى من الذئاب الداعشية، وقرب نهاية داعش وتوابع داعش وأشباه داعش من الجماعات التكفيرية المتطرفة هنا او هناك في معارك هي من أشرس المعارك في التاريخ الحديث، خلقت كوارث مريرة، وفرضت اثمانا باهظة من الدم والمال والتضحيات، وهذا الحديث عن النصر يكثر الآن، ربما من فرط الحاجة اليه في بلدان العرب والمسلمين، مع عدم التقليل من أهمية أصوات ترى ان اعلان موعد دفن داعش لازال بعيدا وانه من غير المستبعد ان نشهد مرحلة جديدة من القبح والتوحش بصور وأنواع واشكال ومعان وأسماء مختلفة تخلق من جديد أفخاخا وكمائن جديدة خاصة مع استمرار وجود من يتصارعون من الداخل والخارج على العقائد والمذاهب، او على المواقع والمصالح والهيمنة والنفوذ..!!
سيكون من السذاجة والتبسيط والخداع في اي حديث عن النصر على داعش الدولة والتنظيم، او الحديث عن مرحلة ما بعد داعش، اذا تجاهلنا ان أفكار داعش التكفيرية لازالت منتشرة في دول إسلامية وأوروبية، وخطر الاعمال الإرهابية لازال قائما هنا او هناك، بدليل مانشهده بصورة مستمرة ويومية تقريبا من اعمال دهس وطعن وتفجير، وهذا النصر سيكون ناقصا مالم يتم معرفة الظروف الموضوعية التي أفرزت داعش، وتمدد خطر داعش والفكر الداعشي والمدى الذي بلغه في استغلال النصوص الدينية والتكالب على الشراسة والعدوانية وفرض الوصايات وفرز الناس والقتل والذبح، وما لم يتم الانتصار على الأسباب التي أنتجت داعش وتوابعها والتصدي لمكامن الخلل ومصادر الخطر التي أوجدت كل هذه النفسيات المعطوبة والموبوءة التي شحنت لتكون منتجة لجرثومات التعصب والفتن والكراهية وتكفير الآخرين وأبلستهم، واذا لم يتم التصدي للمصانع التي تفرخ العقول الداعشية من عملية تعليمية ومدارس ومناهج وجمعيات وجماعات الغلو والتعصب والتطرف وكل ما يخلق بذور ثقافة داعشية يريد البعض ان تتغلغل في بنية مجتمعاتنا، اذا لم نفعل ذلك سيظل خطر اعادة انتاج داعش قائما على الدوام، ربما بأسماء اخرى، ومؤسسين آخرين، وتشكيلات اخرى، واذا لم نبحث في كيفية تأسيس تنظيم داعش، ومنابع تمويله بالمال والسلاح والرجال، وكيف طور أدواته في التسويق والتجنيد، من رعاه، وسهل له، ومن وفر له الإمكانيات وكل التجهيزات للاتصالات والإنترنت، ومن هم اصحاب الأجندات والحسابات والقوى والمخططين في الكواليس والأتباع والأنصار وكل الذين تواطئوا او انخرطوا في صناعة الدمار..!!، دون ان ننسى او نتجاهل اهمية البحث في دور الدولة العادلة التي تسود فيها المواطنة وحقوق الانسان وحرية الأديان والمساواة وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد والفاسدين وعدم المتاجرة بالدين واستغلاله بوسائل وغايات ومآرب لم تعد تخفى على ذوى الألباب والفطنة وإلا ستذهب كل الجهود في محاربة داعش وكل فكر متطرف هباء منثورا، وسنظل امام واقع مختل يجعلنا عرضة بصورة او بأخرى امام حالة جديدة من التوحش، والمسؤولية تطال في النهاية الجميع.
التساؤلات الحائرة كثيرة تظل تبحث عن اجابات مقنعة، لكن السؤال الملح الآن، هل انتهت داعش فعلا، وهل خلا واقعنا من الدواعش وصناع الدواعش..!!

ـ2ـ
الخامس عشر من الشهر الجاري، يصادف الجمعة القادم، يحتفل العالم باليوم العالمي للديمقراطية، وذلك استجابة لقرار اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 نوفمبر 2007 ودعت فيه الدول الأعضاء ومؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والأفراد للاحتفال بهذا اليوم باعتباره يوما عالميا للديمقراطية وذلك بالإسلوب الذي يسهم في إذكاء الوعي بالديمقراطية..
ربما اهم ما يمكن ملاحظته هو حالة اللامبالاة بهذه المناسبة، تمر مرور الكرام، ويبدو واضحا ان الدول العربية ليس لديها الاستعداد والجاهزية لكن تنشغل في إذكاء الوعي بالديمقراطية بالرغم من كثرة استهلاك لفظة الديمقراطية الى درجة الابتذال الى الحد الذي أفرغت الكلمة من مضمونها، ومن كل المعاني التي تحملها، وبالتالي لم تعد هناك حاجة لدى هذه الدول الى ترجمة الديمقراطية في حياتنا السياسية والاجتماعية، والمعضلة ان هذه الدول او بعضها ترى أنها تمارس الديمقراطية، عبر ما تراه من انفتاح سياسي، وبرلمانات نعلم كيف تتشكل، وغير ذلك مما يقتضيه الديكور الديمقراطي.. وتنسى او تتناسى هذه الدول ان الديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم، وهي تعني في الأصل حكم الشعب لنفسه، ومن ضمن اهم أركانها المواطنة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين والتعددية السياسية، وحرية الرأي والتعبير، وفصل السلطات، واستقلالية القضاء ومجتمع مدني فاعل وبرلمان منتخب بمنتهى الحرية والنزاهة.
ذلك من اهم ما تفرضه الديمقراطية الحقة، ولكن من يعايش ويتابع واقع حال الديمقراطية في جل بلداننا العربية حتما يدرك كيف تضافرت قوى كثيرة محلية وخارجية لإجهاض المشروع الديمقراطي وبعث حالة من القنوط من حدوث تغيير، وكأن ثمة من يريد لنا ان نتوقف عن الجري وراء حلمنا بالديمقراطية، وفي أحسن الأحوال نشغل وننشغل وراء حملات التبشير بالديمقراطية دون اي خروج آمن لها..!!، لذلك ليس غريبا او مستغربا ان تمضي مناسبة اليوم العالم للديمقراطية مرور الكرام، مع احتمال ان يظهر لنا من ألفناهم مثابرين على اعادة انتاج الكلام في دول المنطقة العربية يسوقون لنا الوهم اننا نعيش الديمقراطية، ويكيلون المدح لها ولمزاياها، وبالمقابل هناك يروجون لكلام آخر من نوع «اعاهدكم على المضى في طريق الديمقراطية»..!!، المعضلة ان هؤلاء يفهمون الديمقراطية بطريقة خاصة لاعلاقة لها بالأصول الديمقراطية والأسس التي يجب ان تقوم عليها، والأسوأ حين تكون الديمقراطية شعارا يرفع بوجه الخصوم او حسب المشيئة والأهواء والمناسبات التي تجعلنا نتفنن في تزيين تمسكنا بالديمقراطية.. !!

اقرأ المزيد

العمالة البحرينية السائبة..!!

بديهيات مكررة باتت جزءًا من أساسيات التعاطي مع أكثر من ملف، يهمنا منها اليوم ملف سوق العمل، ما آل إليه وضع السوق، ووضع العمالة البحرينية، والخلل في هيكل العمالة، وتحديات توظيف البحرينيين، والنمو المطرد في اعداد العمالة الوافدة، والأنظمة والسياسات والتوجهات التي توالت تباعًا بذريعة مواجهة بعض التشوهات والممارسات السلبية التي يزخر بها سوق العمل..!!

مؤسف أننا لم نكتفِ بالمراوحة تجاه هذا الملف، بل وجدنا أننا نمضي نحو حالة من التخبط والتوهان تزداد في ظلها الهواجس والمخاوف والتحديات التي باتت تداهمنا بأسرع مما نظن، وفرضت إجراءات وسياسات استهدفت تحرير سوق العمل من بعض القيود والضوابط والاعتبارات التي صبت بالنهاية في التخلي عن هدف جعل العامل البحريني الخيار المفضل للتوظيف وجعلت بالنهاية العمالة البحرينية هي العمالة السائبة..!!

نعم.. العمالة البحرينية هي التي تكاد أن تكون عمالة سائبة، إن لم تكن قد أصبحت كذلك وانتهى الأمر، وهذا كلام طرح في أكثر من ندوة انعقدت مؤخرًا لوحظ غياب حضور أي جهة رسمية معنية فيها، رغم الدعوة التي وجهت الى إحداها، في واحدة من هذه الندوات وجدنا من عبَّر وبأكثر من شكل عن قناعة، بل واقع بأن ما جرى تحت مظلة إصلاحات سوق العمل والحرية الاقتصادية وما فرضته من متغيرات في سوق العمل جاءت متوافقة مع شعار «دعه يمر، دعه يعمل»، وهذا يعني ان هذه المتغيرات تمت على حساب العمالة الوطنية، وخلقت قدرًا كبيرًا من المزاحمة لها، كان نتيجتها ان البحريني لم يعدْ يحظى لا بالحماية اللازمة ولا بأولوية التوظيف، ولم يعدْ الخيار الأمثل، بل بات الأكثر عرضة للتسريحات، واذا كنا نذكر ونذكر بمشروع إصلاح سوق العمل وثيقته المرجعية التي أطلقت في عام 2007 وما تلاها من إعلان للخطة الوطنية لسوق العمل وكيف أنها تضمنت اهدافًا عدة تركز على تحقيق التوافق الوطني بين الأطراف الثلاثة لسوق العمل، والتركيز على العمالة الوطنية وتمكين البحرينيين ليكونوا الخيار المفضل في السوق وجعل نسبة البطالة في أدنى مستوياتها، الى جانب هدف الحد من العمالة السائبة، ونستطيع كذلك ان نمضي في التذكير بمشروع توظيف وتأهيل 15 ألف بحريني، وبنظام إلغاء الكفيل، وقبلهما نذكر بمبادئ الرؤية الاقتصادية 2030 التي أطلقت في 2008، وبالمبادرات التي أعلن عنها، ومعها الاجتماعات التي تمت على أكثر من مستوى والتصريحات الرسمية التي أريد منها تأكيد التناغم والتوجهات المحددة والخطط المرسومة التي تجعل البحريني الخيار الأمثل للتوظيف، وأحسب انه يمكن وبسهولة الرجوع الى كل المبادرات والخطط، وكل التصريحات وكل ما كان يصب باتجاه التأكيد على أهمية ذلك الخيار والالتزام به، واعتباره خيارًا وطنيًا لا تفريط فيه..!

إلا أن الوضع اليوم بات مختلفًا، وأصبح علينا أن نتابع وبتوجس، بل وبقلق غير مسبوق هذه المستجدات المتسارعة والمعاكسة التي طرأت في سوق العمل في الآونة الأخيرة وبقدر غير قليل من الإصرار كأنها حكم القدر المحتوم، اصرار في ابتكار ما يوأد او على الأقل يشوه هدف البحرنة والخيار الذي لم يعد الأمثل، وإلا بماذا نفسر شرعنة وجود العمالة السائبة تحت مظلة نظام العمل المرن، وهو النظام الذي يستهدف 48 ألف عامل وافد من العمال الذين يتواجدون بشكل غير نظامي ولا يحملون رخص عمل سارية المفعول، بمعدل 200 تصريح عمل كل شهر، وقبل ذلك ماذا نفسر نظام البحرنة الموازي الذي يمنح الشركات التنصل من نسب البحرنة المقررة بإعطائها المزيد من تصريحات العمل لغير البحرينيين لقاء مبالغ إضافية على كل تصريح، وعلينا أن نلاحظ أن ذلك يحدث في الوقت الذي تشح فيه فرص العمل أمام البحرينيين، ومنهم حملة شهادات عليا من أطباء ومهندسين ومحاسبين، وقد تابعنا يوم الاحد الماضي تلك المناشدة من مجموعة من الاطباء العاطلين عن العمل من خريجي الطب للاعوام 2013 – 2014 – 2015  يناشدون فيها ادراجهم في برنامج التدريب تمهيدًا لانخراطهم في الحق الطبي، كل ذلك وغيره موثق ومنشور، ايضًا تمعنوا في أرقام التوظيف للعمالة الوطنية والنمو المطرد للعمالة الوافدة، وحللوا ما يعنيه تصريح وزير العمل بأنه لا توجه لوضع سقف للعمالة الأجنبية، وتصريح رئيس هيئة تنظيم سوق العمل بأن “ما يجري يأتي في إطار نظرة جديدة لتطوير سوق العمل ومده بأدوات النهوض والنمو وفق معايير عالمية حديثة”..!!

جيد إقرار المسؤولين المعنيين بأمر سوق العمل بأن من أكبر التحديات التي تواجه هذا السوق هو القدرة على توليد الفرص الوظيفية النوعية للمواطنين والمحافظة على معدلات البطالة في حدودها الطبيعية الآمنة، كما هو جيد أن يبشرنا وزير العمل في تصريح له لهذه الجريدة بأن معدلات البطالة في البحرين هي في حدود آمنة جدًا ولا تتجاوز‎%‎4.2 وتنخفض أحيانًا الى‎%‎3.8، ولكن سيكون أكثر من جيد لو أدركنا أن سوق العمل في البحرين أصبح حقلًا للتجارب، وأن العامل البحريني هو من تقع عليه هذه التجارب وهو أولًا وأخيرًا ضحيتها..!!

تبقى تساؤلات مهمة أثيرت في الندوات وفي أكثر من مناسبة: لماذا نعالج الفشل بالفشل..؟ لماذا لا يحاسب من عجز عن تحقيق هدف «البحريني هو الخيار الأفضل»..؟ والى أين نمضي بسوق العمل في البحرين..؟ ولماذا كل المتغيرات في هذا السوق لا تؤدي إلا الى تقليص مساحة فرص العمل للبحرينيين..؟ ولماذا يكون هؤلاء هم الحلقة الأضعف..؟ وهل جرى في كل ما اتخذ من إجراءات تخص تنظيم سوق العمل تطبيق مبدأ التشاور مع العمال وأصحاب العمل، او على الأقل هل أخذ برأيهم..؟ ثم هل من جهة قيمت ودرست وبحثت في تبعات إصلاحات سوق العمل وتقهقر البحرنة..؟ ثم لماذا هذا الصمت المطبق ازاء من استقدموا العمالة الوافدة، وتاجروا بها «فوق اللزوم»، هؤلاء الذين كان استقدامهم للعمل بطرق شتى للمتاجرة بهم متحايلين على القانون وكل الضوابط الموضوعة، ومنهم متنفذون، وكل هذا معلوم ومعاد ومكرر، كما هو الحال مع القول إن حماية العمالة الوطنية، وجعلها الخيار الأول في التوظيف وتنمية البلد لا تتحقق بحسن النوايا، ولا بعقد ملتقيات (للشو الإعلامي العابر) او افتتاح مكاتب للتوظيف في شتى المحافظات في الوقت الذي تتقلص فيه مساحة فرص العمل النوعية والمجزية ونشهد بطالة في صفوف من يفترض ان تتوفر لهم هذه الفرص، أحسب أنها تتحقق بالارادة الحازمة والجدية الكافية والرؤية الواضحة لجعل المواطن الخيار الأول حقًا وفعلًا.

اقرأ المزيد

مانديلا.. من ثمارهم يعرفون..!!

“الشجعان لا ينسون التسامح من أجل الآخرين.. وبلادنا لن تشهد اضطهاد وعنصرية البعض للآخر، العنصرية همجية سواء جاءت من رجل أسود او رجل أبيض، همجية تذهب بنا الى لا مكان غير المستنقعات، والى حروب عبثية يستحيل الانتصار فيها..”.

“ما يمكن أن يفرقنا ليس هو تنوعنا وأدياننا ولا ثقافاتنا، بل الذي يفرقنا هو أولئك الذين يتعلقون بالديمقراطية وأولئك الذين لا يتعلقون بها، بين أولئك الذين يؤمنون بالسلام كأقوى سلاح يمكن ان يتسلح به أي مجتمع او دولة لتحقيق التنمية والعدالة، وأولئك الذين لا يهمهم إلا أن نعيش في كوابيس تقض مضاجعنا وخلق أجواء تنغص حياتنا ولا تشعرنا بالسلم والطمأنينة”.

الكلام لرجل ليس من الإنصاف حصره في تعريف محدد، فهو لم يكن مجرد مناضل، او داعية للسلام، او مدافع عن حقوق الإنسان، او مجرد أول رئيس أسود في جنوب أفريقية، بل هو يجمع كل تلك الصفات، والأهم من ذلك انه كان بشكل خاص الإنسان الذي تكثفت إنسانيته الى حدود إيمانه بأن الديمقراطية وحماية حقوق الانسان صيغة إنسانية وحضارية ينبغي العمل والتضحية من أجلها والتمسك بها وحمايتها، حلم بالحرية، وبشرعية الحرية بدل «شرعية اليأس»، الحرية للجميع، وقاد ثورة الحرية في بلاده وأشعل جذوتها وتحول أيقونة للحرية في العالم، ربط العمل الوطني بالممارسة الصحيحة وبأرقى التعبيرات الإنسانية والأخلاقية، تجرد عن الأنانيات واحتكم الى ضميره ومصلحة وطنه وابتعد عن عقلية المزرعة والمنطقة والعرقية والعنصرية والطائفية، وكل ما يثير الفرقة والانقسام في بلاده، وركز على نشر ثقافة السلام وحقوق الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تحقق المساواة التي قال إنه بدونها “لا يتحقق حق ولا نصرة لمبدأ، بل بغيابها لا يتحقق سوى الإعاقة الدائمة للشعوب”.

 نيلسون مانديلا، حياته مليئة بالثمرات والإنجازات التي لامست الأعماق وتلمست الآفاق، وكلما كانت الأعباء تتراكم على كاهله ازداد عنادًا في تحملها، يكفي التمعن فيما يمكن ان يقال في شأنه في هذا اليوم تحديدًا فهو يصادف اليوم الدولي لنيلسون مانديلا، فالأمم المتحدة أقرت 18 يوليو من كل عام، وهو يوم مولده، يومًا دوليًا لإحياء ذكراه، والتذكير بإرثه ودوره في إحياء ثقافة السلام والحرية والعدالة الاجتماعية، وخدمة الانسانية، وأي ثروة، وأي عطاء، وأي إنجاز يمكن ان يجمع المرء بأنه لا أغلى وأهم من تلك القيم والمبادئ رؤية وتأسيسًا وتوجيهًا وقيمة وفعلاً، وليس كما نراها الآن قيم ومبادئ يتمسك بها البعض في المناسبات ومواقف يطرحونها في الخطابات بديناميكية وحركة لا تمل، دون مرسى لها ولا عمل ولا إنجاز ولا أفق.

الرجل صارع نظامًا عنصريًا بغيظًا، نظام مارس سياسة تمييز عنصري غير مسبوق، سياسة اعتبرت كل من يركب باصًا للبيض جريمة، وكل من يدخل بابًا للبيض جريمة، وكل أسود يدرس او يسكن او يتواجد في الموقع الذي يتواجد فيه البيض يرتكب جريمة، وكل تدخل في شأن او اختصاص البيض جريمة، جرائم تلو جرائم تسجل ضد غير البيض، سجن نحو 27 عامًا، خرج من السجن وتولى حكم البلاد لفترة رئاسية واحدة (1994 – 1999) ضاربًا المثل والقدوة لغيره في عدم التشبث بالحكم تحت أي ذريعة او شعار، لإيمانه بأنه لا بد من نبض جديد لجيل جديد يتسلم الراية ويقود دفة البلاد وسفينتها الى الوضع الأحسن على الدوام، وبذلك وغيره أرسى الأسس السليمة الراسخة لقيام دولة ديمقراطية تكاد ان تكون الوحيدة في القارة الافريقية، وصف بأنه رجل قارة وليس رجل دولة واحدة.. وسجل اسمه على لائحة أبرز شخصيات التاريخ المعاصر.

في كتابه الشهير «رحلتي الطويلة في طريق الحرية» يقول مانديلا: «عندما خرجت من السجن ماشيًا على قدمي كانت مهمتي تتمثل في تحرير الظالم والمظلوم معًا، لقد مشيت في تلك الطريق الطويلة من أجل بلوغ الحرية، محاولاً ان أحافظ على رباطة جأشي، صحيح أنني ارتكبت بعض الأخطاء وفي تقدير خطواتي أحيانًا، لكني اكتشفت سرًا مفاده ان المرء ما ان ينتهي من تسلق تل شامخ، إلا ويتبين له ان هناك العديد من التلال الأخرى بانتظاره»، هل وجدتم سياسيًا او زعيمًا عربيًا يعترف بأنه أخطأ، او أساء تقدير خطواته تجاه عمل ما او وعد أهمل، او فساد اكتشف، او ذنب ارتكب، او التزام وئد، او حق لم يوضع في خانة الجعجعة والمضامين والنصوص المتشابهة المبرمة وشبه الأبدية التي لا تتغير ولا تبدل من واقع الحال شيئًا..!!

هل وجدتم من يدعو الى تحرير الظالم والمظلوم معًا، المنتقم والمنتقم منه، الجلاد والضحية، من يهتم بالسود ومعاناتهم، وفي نفس الوقت لا يغفل او يتجاهل مخاوف وهواجس البيض، من كافح ضد هيمنة البيض وضد هيمنة السود على حد سواء، انه مانديلا الذي لم يرد ان يستفيد طرف على حساب الطرف الآخر، كان يؤمن بأن العنصرية تفسد المذنب والضحية معًا، وبأنه لن يكون حرًا اذا أخذ حرية شخص آخر ظالمًا او مظلومًا، فذلك برأيه يجرد الإنسان من إنسانيته ويجعله سجينًا للكراهية والحقد وضيق الأفق، تعامل مع هذا الوضع على انه معركة مهما كانت ضراوتها ومشقتها لا يجب الاستسلام لها مهما استغرقت من وقت وتضحيات والمطلوب برأيه «إرادة وان نكون صادقين في التزامنا بالمعركة»، كان يرى ان مجرد حصول جريمة فصل عنصري آفة لا تمحى، ولا يجب السماح بها، وبتلك الرؤية والقناعة والروحية والارادة والنضال انتصر على التمييز العنصري، جنب بلاده حربا أهلية، وقادها الى بوتقة المصالحة الوطنية والتسامح وخطى بها خطوات جريئة على طريق التحرر والتقدم والديمقراطية والعيش بين كل مكونات الوطن في سلام، بصرف النظر عن دينهم او لونهم او عرقهم، يستذكر له قوله “إننا في جنوب أفريقية مقتنعون بأن المصالحة وبناء الدولة ستظل كلمات جوفاء اذا لم تكن مبنية على تصميم وعمل منظم وجهد منسق لاجتثاث جذور حقبة مقيتة من تاريخ جنوب أفريقية”..

نستذكر مانديلا في يومه الدولي ونستذكر كل نضالاته، وكيف تغلب على من أرادوا إهالة التراب على فكرة التسامح والقيم التي آمن بها ودافع عنها وحاولوا دفنها الى غير رجعة لاعتبارات ومصالح ليس بينها مصلحة الوطن، ومهم، بل بالغ الأهمية في ظل الظروف والأوضاع التي نعيشها اليوم، والصراعات المحيطة حولنا، والمحاولات التي لا تتوقف لجرنا الى حالة من الانشطار والفتن المستدامة، وخلق نزاعات ومحن ومآسٍ وفواجع ودمار يقف وراءها تجار حروب وانتهازيون، وحمقى، ورجال دين ينازعون سياسيي الطوائف وساروا في غيهم وانهمكوا ولا زالوا في كل ما يشكل اغتيالاً للمبادئ والقيم التي آمن بها وعمل من أجلها مانديلا.. نستذكر هذا الرجل وكيف حمل قضية وطنه وعرَّف العالم بها، وما يرتكبه النظام العنصري من همجية وجرائم، وقاد عملية بناء متواصلة مع التقويم والتصحيح المهم فيها. انها لم ترتكز على أي شكل من أشكال العفن الفكري والعبثي او الانفعالات التي ترفض تقبل الآخر والحوار مع الآخر والتسامح مع الآخر، وتنحاز الى الكراهية والعنف والإيمان بالأحادية وازدراء الحوار، وكيف انه لم يلجأ الى إعلام «رداح» ووسائل تتقن فن التفرقة بين المواطنين، بل لجأ الى كل ما يعزز الحوار والمصالحة والعيش المشترك بين مكونات المجتمع، لم يرَ فيمن عارضوه في فترة من الفترات ازاء موقفهم من البيض والدعوة الى إقصائهم بأنهم خونة او جهلة او كفرة، بل شركاء في الوطن، متساوون في الحقوق والواجبات، وملتزمون بالولاء للوطن، وليس للولاءات الصغيرة التي هي مجرد عالات على الوطن، ولذلك فضل الرجل ان يرتكن الى خيارات وطنية صرفة وليس انتهازية صرفة للتخلص من حقبة شهد العالم على ظلاميتها وانعدام إنسانيتها، وكم هو جميل، بل كم هو مهم ان نتمعن في الدروس والعبر التي يمكن ان نخرج منها من خلال سيرة مانديلا، ونقارن مع ما يجري في واقعنا العربي ومحيطنا المأزوم الذي يزدحم فيه هزليون واصحاب مآرب يريدون ان يمثلوا دور الأبطال فيما هم لا قيمة لهم ولا اعتبار ولا حضور ولا «رزة» متى استعاد المنطق شجاعته، وكذلك نقارن مع أفعال وممارسات وكتابات ومواقف وبرامج وارتباطات ورهانات وحسابات واهداف ليس لها برهان واحد على صلاحيتها، الخطورة فيها انها لا تؤدي إلا الى أنفاق لا نهاية لها، وأخطاء وخطايا لم نعد قادرين على عدها وحصد نتائجها وأثمانها، وفي المقدمة منها تلك التي تريد لنا العيش وسط حرائق يرقص حولها المجانين، او وسط جعجعات لا تقنع أحدًا ولا تقرب حلاً، ولا تقرب أحدًا من احد، مجتمع يزداد تفككًا وانفلاتًا للمشيئة الطائفية، وكلها أمور لم تعد تحتمل..!!

نكرر قصة كفاح مانديلا حافلة بالدروس والعبر، فقد كان الرجل القدوة والمثل ورائدا في المصالحة الوطنية وقاد بلاده الى بر الأمان، هي قصة هامة خاصة لمن يهمه ان تستعيد أوطاننا عافيتها، ولكل من يؤمن بأن الحلول السلمية لمعضلات الأوطان حتى وإن بدت مستحيلة تظل هي الأرخص، ولكل من لا يريد ان يكون مخدوعًا او مسايرًا للخديعة التي لا تفعل شيئًا سوى حشد المخلفات ولكل من يريد ان يكون له موطئ قدم في سجل التاريخ، هل يمكن ان يستفيد أولئك وغيرهم من تلك الدروس والعبر..؟

في الختام يراودني سؤال: كم مانديلا نحن فى أمس الحاجة إليه في عالمنا العربي..؟!

اقرأ المزيد

من المســـــؤول..؟!

المسؤول غير مسؤول.. !!

لا أحد يسأل عن المسؤول.. لا أحد يراجع.. لا حد يسأل.. ولا أحد يحاسب.. ولا أحد يبحث عن المسؤولية..!

ولا أحد يجيب على الأسئلة الكبيرة المثارة التي تخرج الى العلن دون تحفظ ودون جدوى ولم يصدر جواب على اي منها يطمئن، هذا هو واقع الحال تجاه أكثر من ملف، وأكثر من قضية، وطالما الحديث هذه الأيام ينصب على الميزانية العامة للدولة، والإجراءات والتدابير الصعبة والمؤلمة التي على المواطن ان يبتلعها برحابة صدر كما ابتلع غيرها بعد ان فوض أمره لله، وطالما ان التركيز ينصب على البحث عن تنمية الموارد المالية لدعم الميزانية بكل الطرق والوسائل فلا بأس من التذكير بموارد مالية عامة منسية، وهنا نتناول ملف المستحقات المالية المتأخرة لوزارات وجهات حكومية ظلت سنوات وسنوات دون مطالبات مستحقة، أموال تتراكم لتتجاوز مئات الملايين من الدنانير، دون ان تحرك اي جهة يفترض انها معنية ومسؤولة ساكنًا، وهذا أمر يقتضي أقصى درجات الانتباه والتحليل والمعالجة، والمحاسبة، خاصة بالنظر الى الوضع المالي الراهن، ووضع الموازنة العامة للدولة التي أصبح الكل على علم بحالها، وما نحن أمامه اليوم يؤدي بنا الى استنتاج بأن اللامبالاة وحتى التسامح عندنا لا حدود لهما لدرجة تفويت مساءلة اي مخطئ او مقصر عن أخطائه وكأن المسؤولية تبخرت من كل ناحية، وأحسب أن هذا كافٍ ليثير أسئلة تتزاحم مقرونة بشكوك في أمور مكشوفة..!!

نختار عينة، عينة ليس إلا، فالملف كبير وعريض وزاخر بوقائع كثيرة ويمكن تناوله او النظر اليه من اي جهة او منحى، ولا نخالنا نخطئ حين نكتفي بعينة هي أولاً من واقع ما نشرته ووثقته مؤخرًا صحافتنا المحلية ويمكن الرجوع اليها والى تفاصيلها في اي وقت، اللافت فيها انها لم تقابل بأي نفي او توضيح من أية جهة كانت يفترض انها معنية او مسؤولة، وثانيًا ان منها ما هو وارد ذكره في تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية، ذلك يكفي ويزيد، مع ملاحظة انه قد يكون هناك حالات ووقائع اخرى مشابهة لم ترصد او تكتشف بعد، او لم يحين أوان رفع الغطاء عنها، لذا دعونا نكتفي ببعض ما هو منشور، فالقائمة طويلة وهي إجمالاً تحتمل أسئلة حساسة يتهامس بها الناس..

يمكن أن نبدأ بالإشارة الى متأخرات رسوم الإعلانات التجارية التي لم تدفعها شركات الإعلانات لوزارة الأشغال والبلديات التي بلغت 42 مليون دينار بحسب رئيس لجنة التحقيق البرلمانية في ملف الإعلانات، الرجل كشف عن ذلك في مؤتمر صحفي عقده بتاريخ 27 ابريل الماضي، إلا أن وزير الأشغال والبلديات أوضح في مداخلة له امام مجلس النواب بأن الأموال غير المحصلة من إعلانات الشوارع والطرقات بلغت 1.8 مليون دينار لا غير..!!

لا يقل من ذلك غرابة ما قرأناه بخصوص قيمة المستحقات المالية المتأخرة لوزارة الأشغال والبلديات على شركة خليجية تستثمر منتزه عين عذاري والتي تراكمت منذ توقيع العقد مع الشركة فى عام 2004، تصوروا، منذ نحو 13 عامًا دون مطالبة بالمستحقات المالية المطلوبة، او دون آلية تضمن استلام هذه المستحقات، وعلينا ان نلاحظ ثانيًا ان العقد يمتد حتى 2036 وهو ينص على ان تكون قيمة الانتفاع السنوي للمنتزه 9900 دينار وتزداد بنسبة 20‎%‎ كل خمس سنوات، وعليكم الحسبة..!!

أمر مدهش آخر لا ينبغي الاستهانة بدلالته، فقد قرأنا ان 2.6 مليون دينار هي مستحقات مالية لشركة نفط البحرين «بابكو» نظير تزويد شركة بمنتجات بترولية، وان الشركة لم تسدد ما عليها، بل وأغلقت مصنعها وغادرت البلاد، و«بابكو» لم يكن أمامها إلا رفع دعوى مستعجلة مطالبة بسداد المبلغ..!! دون ان يشار الى اي شيء عن الضمانات التي تم على اساسها البيع، وعلى اي أساس سمح بتراكم المستحقات المالية لتصل الى ذلك الرقم..!!

في السياق ذاته، نتوقف عند هذا الرقم، 3 ملايين و200 ألف دينار حجم المتأخرات المالية المتراكمة من قبل مستثمر مجمع تجاري والمستحقة لوزارة الأشغال والبلديات..!! واللافت للانتباه في هذا الملف هو إعطاء ذات المستثمر فرصة لتأجير مجمع تجاري آخر في منطقة سلماباد، ذلك ما أوضحه عضو مجلس بلدي بالمنطقة الشمالية..!! ويمكن ان نضيف الى ذلك هذا الرقم، 17 مليون دينار أعلن بأنها قيمة رسوم رعاية صحية لم يتم تحصيلها منذ سنوات..!!

ذلك قليل من كثير، وقائع موثقة ومنشورة ولم يمضِ على نشرها مدة طويلة، وإذا مضينا في التقليب في ذات الملف يمكن ان نضيف شيئًا مما ورد في تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية ففيها شهادات وتفاصيل كثيرة كانت صادمة في الفعل وفي رد الفعل على السواء وكلها من النوع الذي لا ينبغي ان تمر دون حساب، فتقرير عام 2014-2015 يشير الى ان قيمة متأخرات فواتير الكهرباء بلغت 170 مليون دينار، ومبلغ 730 مليون دينار متأخرات مستحقة للدولة على شركتي نظافة لقاء استخدام مدفن عسكر، ومبلغ قدره 307 ملايين دينار ايرادات غير محصلة من عقود الإعلانات، وفي تقرير عام 2015 نجد أمثلة اخرى يمكن ان تكون سندًا وذخرًا لواقع الحال الذي نحن بصدده، ومن بين ما زخر به هذا التقرير اشارة الى مبالغ لم تستحصل عن الذمم المالية المستحقة لشؤون العدل والتي بلغت 5.3 مليون دينار حتى يونيو 2014، يضاف الى ذلك ديون مستحقة لوزارة المواصلات من شركات طيران بلغت حتى 31 أكتوبر 2013 نحو 8.8 مليون دينار وذلك يوضحه تقرير 2015، أما تقرير 2016 فهو يشير الى ان المتأخرات في رسوم وإيجارات املاك بلدية غير محصلة قد بلغت 41 مليون دينار، و12.6 مليون دينار قيمة تعرفة المياه الجوفية غير المحصلة منذ عام 2006..!! كما يشير التقرير الى ان 259 مليون متر مكعب من الرمال استغلت دون مقابل..!!

كل تقرير من تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية يكشف عن أحمال ثقيلة من المتأخرات والمستحقات المالية للدولة، وما عرضناه إلا عناوين لعينة منها من الخطأ الفادح ان تطوى، واللافت أننا لم نجد نائبًا واحدًا راجع وبحث ونقب وسأل عن مصير هذه الأموال، ولماذا هذه الاستهانة الفجة في التعامل مع المال العام، ومن يتحمل المسؤولية عن هذا القصور والخلل، وعلينا ان ننبه كل نائب وكل مسؤول انه سيكون من السذاجة ان يظن بأن المواطن البحريني يبتلع وينسى مثل هذه الوقائع وما تعنيه، او انه يهضم فكر التماس الذرائع..!!

دعونا نتفق على شيء، أن المال العام لا ينبغي التعامل معه وكأنه حق ضائع، وان يكون التعامل معه مفتقدًا الى الجدية اللازمة والمسؤولية المفترضة، ولابد ان يكون هناك اجهزة رقابية على أعلى مستوى تراجع عملية التحصيل، وتضمن حسن ونزاهة مسارها، وتراجع العقود أولاً بأول، وتسأل وتحاسب وتضع الأمور في نصابها الصحيح، اجهزة حازمة لا تهادن ولا تدلل ولا تربت على الأكتاف، ولا تصرف النظر عن الأخطاء.. أخشى أننا ننفخ في «جربة» مثقوبة..!!

اقرأ المزيد

الماركسية بين الأمس واليوم – 6

شبحها ما زال يطارد الرأسمالية

الماركسية بين الأمس واليوم – 6

الدولة

          إن الدولة هي قوة قمع خاصة تقف فوق المجتمع وتعزِل نفسها عنهُ بشكل مُتزايد. وهذهِ القوة يوجد أصلها في الماضي البعيد. إلا إن أصول الدولة تتباين حسب الظروف. من بين الألمان والمواطنين الأمريكيين الأصليين ظهرت من الحرب عِصابة تجمعت حول شخصية زعيم الحرب. وهذا ما حدث أيضاً مع اليونانيين، كما نرى في الملحمة الشعرية لهوميروس Homer.

          في الأصل، يَمتع زُعماء القبائل بالسُلطة وذلك بسبب شجاعتهم وحِكمتهم وصِفات شخصية أخرى. أما اليوم، فإن سُلطة الطبقة الحاكِمة ليس لها علاقة بالصِفات الشخصية للقائد كما كان عليه الحال في عصر الهمجية. إنها مُتأصِلة في علاقات الإنتاج الاجتماعية الموضوعية وسُلطة المال. ربما تكون صِفات الحاكِم الفرد جيدة أو سيئة أو عادية، ولكن ذلك ليس هو المُهِم.

          لقد سبق أن أظهرت الأشكال الأولية للمجتمع الطبقي الدولة كالوحش، تلتهم كميات كبيرة من العمل، عن طريق تنظيم المُجتمع وترفع التعاون إلى مستويات أعلى من أي فترة سابِقة، لقد مَكَنت كميات كبيرة من قوة العَمل بأن تحتشد، وبهذا رفعت عمل الانتاج البشري إلى مُستويات لم يحلم بِها الإنسان.

          وفي الأساس، كُلُ هذا اعتمد على عمل جماهير الفلاحين. احتاجت الدولة إلى عدد كبير من الفلاحين لدفع الضرائب وتقديم عُمال السَخَرة – العامودين اللذين يتكأ عليهما المجتمع. أيٌ كان من يُسيطر على نظام الانتاج هذا يُسيطر على الدولة. إن أصول سُلطة الدولة مُتجذِرة في عِلاقات الإنتاج، وليس في صفاتٍ شخصية. إن سُلطة الدولة في مثل هذهِ المجتمعات كانت بالضرورة مركزية وبيروقراطية (دواوينية أو… حُكم المكاتب). في الأصل، كان لها صِفة دينية وكانت مُتداخِلة مع سُلطة طبقة الكُهان. ويقف على قِمتها الإله – المَلك، وتحت إمرتِهِ جيشٌ من الرسميين، كِبار الموظفين والنواميس والمراقبين، وإلى آخره. كانت الكِتابة تُعتبر في حد ذاتها رَهبة وفنٌ غامض ليس معروفاً إلا عند القِلة.

          ولهذا مُنذُ البداية كانت مكاتب الدولة غامِضة. وتظهر العلاقات الاجتماعية الحقيقية على شكل تكلف غريب. وهذا لا يزال قائماً. ففي بريطانيا تَتِمُ العناية بهذا الغموض بقصد من خلال الاحتفال والفخامة والتقاليد. وفي الولايات المتحدة تَتِمُ العناية بهذا الغموض بوسائلٌ أخرى: الإعجاب الشديد بشخص الرئيس، الذي يُمثّل سُلطة الدولة في شَخصة. إلا أنهُ بطبيعة الحال، أن كل شكل من سُلطة الدولة يُمثّل هيمنة طبقة واحدة على بقية المجتمع. وحتى في أكثر أشكالهُ ديمقراطية، فإنهُ يُمثّل دكتاتورية طبقة واحدة – الطبقة الحاكِمة – تلك الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج وتُسيطر عليها.

          إن الدولة الحديثة هي وحشٌ بيروقراطي يلتهمُ كمية ضخمة من الثروة التي تَنتِجُها الطبقة العامِلة. يتفق الماركسيون مع الفوضويون بأن الدولة أداة وحشية للقمع يجب التخلُص منها. والسؤال هو: كيف؟ وبواسطة مَنْ؟ وما الذي سوف يحلُ مكانها؟ إن هذا سؤال أساسي لأية ثورة. وفي خِطاب لتروتسكي حول المذهب الفوضوي أثناء الحرب الأهلية التي تَلَت الثورة الروسية، لخص فيه بشكل جيد الموقف الماركسي من الدولة:

”يقول البُورجوازيون: لا تقترب من سُلطة الدولة؛ إنها الامتياز المُتَوارَث المُقدس للطبقات المُتعلِمة. ولكن الفوضويون يقولون: لا تقترب منها؛ إنها اختراع جهنمي، جِهازٌ شيطاني. اقطع صلتك بها. ويقول البرجوازيون، لا تلمسها، إنها مُقدَسة. ويقول الفوضويون: لا تلمسها، لأنها نَجِسة. وكِلاهُما يقول: لا تلمسها. ولكن نحنُ نقول: لا تلمسها فحسب، بل خُذها بيديك، واجعلها تعمل لمصالحك، من أجل التخلص من المُلكية الخاصة وعِتق الطبقة العامِلة.“ (كيف تتسلح الثورة، المُجلد الأول، 1918، ليون تروتسكي).

          توضِّح الماركسية بأن الدولة تتكون أساساً من اجسام مُسلحة من الرِجال: الجيش والشرطة والمحاكِم والسجون. ويُجادل ماركس ضد الأفكار المُشوَشة للفوضويين، حيثُ قال، بإن العُمال في حاجة إلى الدولة للتغلُب على مقاومة الطبقات المُستَغِلة. ولكن تلك المُحاججة لماركس حرفها البرجوازيون والفوضويون كلاهما. لقد تحدث ماركس عن ”دكتاتورية البروليتاريا“، وهو مُجرد مُصطلح دقيق وأكثر عِلمية للتعبير عن ”الحُكم السياسي للطبقة العامِلة“.

          واليوم لِكلمة دكتاتورية دلالات لم تكُن مَعروفة لماركس. وفي عصر قد أصبح مُتآلفاً مع جرائم هيتلر وستالين الوحشية، تستحضر رؤى كابوسية لوحش شمولي ومُعسكرات الاعتقال والبوليس السِري. ولكن مثل هذهِ الأشياء لم يكُن لها وجود بعد حتى في الخيال في عصر ماركس. فكلمة الدكتاتورية بالنسبة لكارل ماركس جاءت من الجمهورية الرومانية، حيثُ كان معناها وضعاً، في زمن الحرب، يتم تنحية القوانين المُعتادة جانباً لفترة مؤقته.

          إن الدكتاتور الروماني (”الشخص الذي يُملي)، كان قاضياً إسثنائياً لدية سُلطة مُطلَقة للقيام بمهام أوسع من سُلطة القاضي الاعتيادية. وكان المكتب في الأصل يُسمى سيد الشعب، بمعنى سيد جيش المواطنين. وبتعبير آخر، كان دوراً عسكرياً والذي دائماً تقريباً يتضمن قيادة الجيش في ساحة المعركة. وحالما تنتهي فترة التعيين، فإن الدكتاتور يتنحى عن منصِبهِ. إن فكرة الدكتاتورية الشمولية مثل دكتاتورية ستالين في روسيا، حيثُ تقمع الدولة الطبقة العامِلة من أجل مصلحة طبقة مُتَميّزة من البيروقراطيين، لو شَهِدَ ماركس تلك الفترة لصُعِق.

          ما كان من المُمكن أن يكون نموذجه مُختلِفاً. لقد أسس ماركس فكرَتُهُ لدكتاتورية البروليتاريا في كومونة باريس للعام 1871. وهنا للمرة الأولى، الحشود الشعبية وعلى رأسها العُمال أسقطوا الدولة القديمة وبدؤوا على الأقل بِمُهِمة تحويل المُجتمع. وبالرغم من عدم وجدود خطة عمل مُحددة وواضِحة، ولا قيادة أو تنظيم، إلا أن حشود الجماهير أظهرت درجة مُدهِشة من الشجاعة والمُبادرة والابتكار. وتلخيصاً لتجربة كومونة باريس، شَرَحَ ماركس وأنجلز: ”هناك شيء واحد قدمتهُ الكومونة على نحوٍ خاص وذلك أن الطبقة العامِلة لا يمكنها ببساطة أن تُمسك بزِمام الأمور آلة الدولة الجاهِزة، وتستخدمها لأهدافها الخاصة..“ (مُقدِمة الطبعة الالمانية 1872 من البيان الشيوعي).

          إن الانتقال إلى الاشتراكية – شكلٌ أعلى من المجتمع يرتكز على الديمقراطية الحقيقية والرخاء للجميع – لا يمكن تحقيقه إلا بالمُشاركة النشطة الواعية للطبقة العامِلة في إدارة المجتمع والصناعة والدولة. إنهُ ليس شيئاً يُسَلِمهُ البرجوازيين أو كِبار الموظفين البيروقراطيين الطيبين للعُمال عن طيب خاطر.

          تحت قيادة لينين وتروتسكي، اُقيمت الدولة السوفيتية لتسهيل جذب العُمال إلى مهام السيطرة والمُحاسَبَة، لضمان التقدم المُستمر لتخفيض ”المهام الخاصة“ للموظفين الحكوميين ولِسُلطة الدولة. وقد وُضِعت قيود حصرية على المعاشات والسُلطة وامتيازات كِبار الموظفين لِمَنع تشكيل طبقة مُتميزين.

          لم تَكُن دولة العُمال التي أسستها ثورة 1917 البلشفية بيروقراطية ولا شمولية. على النقيض من ذلك، قبل أن يستأثر ستالين Stalin بالسِلطة ويُبعد الجماهير، كانت أكثر دولة ديمقراطية وُجِدَت. إن المبادئ الأساسية لسُلطة السوفيت لم يخترِعها ماركس أو لينين. فهي تأسست على التجربة الملموسة لكومونة باريس، وعمل لينين على التوسع فيها فيما بعد.

          كان لينين العدو الدائم للبيروقراطية. كان دائماً يقول أن البروليتاريا لا تحتاج إلا إلى دولة ”دستورية التي سوف تبدأ بالاضمحلال فوراً ولا تستطيع إلا أن تضمَحِل.“ إن دولة العُمال الحقيقية لا تشبه الوحش البيروقراطي الموجود اليوم، وحتى الدولة التي كانت موجودة أيام روسيا الستالينية أقل منهُ وحشية. لقد تم وضع الشروط الأساسية لديمقراطية العُمال في واحدٌ من أهم أعمال لينين: الدولة والثورة:

  1. انتخابات ديمقراطية حُرة مع حق إعادة جميع الموظفين الرسميين.
  2. يُمنع منح موظف رسمي مرتباً أعلى من مُرتب العامل الماهر.
  3. لا يُسمَح بوجود جيش أو شُرطة مُتفرِقة، عدى الشعب المُسلح.
  4. تدريجياً، يجب أن يقوم الجميع بالمهام الإدارية بالتناوب. ”كُلُ طباخ يجب أن يكون قادراً أن يُصبح رئساً للوزراء – حينما يكون كُلُ فرد ’بيروقراطي‘ بالتناوب، لا أحد يستطيع أن يكون بيروقراطياً.“

كانت هذهِ هي الشروط التي وضعها لينين، ليس من أجل الاشتراكية أو الشيوعية المُكتَمِلة، وإنما من أجل المرحلة الأولى لدولة العُمال – مرحلة التحوّل من الرأسمالية إلى الاشتراكية.

          إن نواب مجالس سُوفيتات العُمال والجنود المُنتخبين لم يتشكلوا من سياسيين مُحتَرِفين وبيروقراطيين، وإنما تشكلوا من العُمال العاديين والفلاحين والجنود. لم يكُن جسماً غريباً أو سُلطة تقف فوق المجتمع، وإنما سُلطة ترتكز على المُبادرة المُباشِرة للشعب من الأسفل. إن قوانينها لا تُشبه القوانين التي تسُنها سُلطة الدولة الرأسمالية. إنها نوع من السُلطة مُختَلِفة كُلياً عن تلك الموجودة عموماً في الجمهوريات البرجوازية الديمقراطية البرلمانية من النوع الذي لا يزال سائداً في الدول المُتقدِمة في أوروبا وأميركا. كانت هذهِ السُلطة من نفس نوع كومونة باريس في عام 1871م.

          صحيح، في ظروف التخلف والفقر والأمية المُرعِبة، لم تتمكن الطبقة العامِلة الروسية الإحتفاظ بالسُلطة التي استولت عليها. لقد عانت الثورة من عملية الفساد البيروقراطي الذي أفضى إلى قيام الستالينية. وعلى النقيض من أكاذيب المؤرخين البُرجوازيين، لم تَكُن الستالينية نتاج البلشفية وإنما كانت عدوها اللدود. كانت عِلاقة ستالين بماركس ولينين شبيهة بعلاقة نابليون باليعقوبيين، أو عِلاقة البابا بالمسيحيين الأوائل.

          إن الاتحاد السوفيتي المُبَكر لم يَكُون في الحقيقة دولة على الاطلاق بالمعنى المُعتاد الذي نعرِفهُ، وإنما كان مُجرد التعبير المُنظم للسُلطة الثورية للشعب العامل. وبتعبير ماركس، كان ”شبه دولة“، تلك الدولة التي صُمِمَت كي تضمحل في نهاية المطاف وتذوب في المجتمع، لِتُمَهد الطريق للإدارة الجماعية للمجتمع من أجل مصلحة الجميع، دون قوة أو إكراه. ذلك، وذلك فقط هو المفهوم والتصوّر الماركسي لدولة العُمال.

اقرأ المزيد

وقفتان من أجل الحرية والسلام

الوقفة الأولى: إضراب الأسرى الفلسطينيين

لا  أعرف وأنا أكتب هذه السطور عن الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال الصهيوني منذ يوم الثلاثاء 17 أبريل من الشهر الماضي، عما إذا كان إضرابهم سيستمر  أم يتوقف وتتحقق مطالبهم المشروعة، ومن المعروف بأن تاريخ  17 أبريل تم إقراره من قبل منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1974 كيوم للأسير الفلسطيني، ولكن هذا العام قرّر  الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الصهيوني بأن لا يمر اليوم  دون أن تكون لهم وقفة احتجاجية على أوضاعهم في تلك السجون، ليسمع العالم صرختهم  المدوية.

 يقول القائد الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي في بيان أصدره من سجنه الإنفرادي بتاريخ 4 مايو 2017 بعد  مرور ثمانية عشر يوماً من الإضراب: “يأتي هذا الإضراب للتصدي لسياسات الاحتلال الغاشمة المستمرة والمتصاعدة ضد الأسرى وذويهم. وإننا نؤكد على قرارنا على خوض هذه المعركة مهما كان الثمن، ولا شك لدينا أن أسرى فلسطين قادرون على الصمود والثبات والانتصار، ويتشرفون بالانتماء لهذا الشعب العظيم، صاحب المخزون النضالي الذي لا ينضب، كما يفتخرون بالتضحية من أجل هذا الوطن، مؤمنين بحتمية النصر”.

ويضيف: “إن الاستعمار الإسرائيلي يحاول من خلال الاعتقال اليومي الذي يطال آلاف الفلسطينيين سنوياً وعلى مدار سنوات الإحتلال، استنزاف الشعب الفلسطيني وشلّ قدرته على النضال ضد الإحتلال وحشي يستبيح مقدساتنا ومدننا وقرانا ومخيماتنا ويستبيح مدينة القدس الشريف، ويعتقل العشرات يومياً، ويخضع المعتقلين للتعذيب والتحقيق القاسي، ويلفق لهم لوائح اتهام، ويصدر بحقهم الأحكام الجائرة في المحاكم العسكرية والمدنية غير الشرعية والظالمة، ويمارس سياسة تشّكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي وجرائمَ يجب مساءلة ومعاقبة المسؤولين عنها).

إنها بالفعل إرادة شجاعة تصدر من مناضل وقائد فلسطيني قضى سنوات طويلة في سجون الإحتلال الصهيوني، ومضى على سجنه الأخير منذ انتفاضة الأقصى في عام 2000، حوالي 17 عاما، يتحدى فيها  السجان الذي لم يستطع أن ينال من إرادته وصموده  وزملائه الأسري الفلسطينيين،  ولكن المخزي مواقف الدول العربية التي لم تفعل شيئاً لقضية الأسرى الفلسطينيين المضربين في سجون الاحتلال الصهيوني وهذا ليس بجديد بدول تهرول نحو التطبيع وإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع كيان محتل لا يقرّ حتى هذا اللحظة بقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، و الأمم المتحدة لا تفعّل قراراتها الصادرة منذ قيام دولة الكيان الصهيوني في عام 1948، ولا تستطيع إرغام الكيان على الانصياع  للقرارات الأممية في ظل هيمنة الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها على هيئة  الأمم المتحدة ، وأنظمة عربية لا تستطيع الدفاع عن  بلدانها وشعوبها، فهي غير قادرة على التصدي لدولة الإحتلال الصهيوني ووفق ممارساتها الوحشية والفاشية بحق الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل دحر الاحتلال الصهيوني وإقامة دولته الوطنية المستقلة.

الوقفة الثانية: السلام العالمي

 منذ الحرب العراقية الإيرانية في شهر سبتمبر  من عام 1980، حتى  هذه  الأيام لم تنعم منطقتنا بالأمن والسلام، حرب  تلي حرباً  والأكثر من هذا تزايد الإرهاب في المنطقة العربية بشكل لا مثيل له، في بداية الحرب طرح الرئيس السوفييتي الراحل ليونيد بريجنيف  عقد مؤتمر دولي للسلام  وأن تتحول بحيرة  الخليج  والمحيط الهندي إلى بحيرة سلام،  لكن لم تلقَ هذه المبادرة  الترحيب  من قبل الإمبريالية الأمريكية ودول الخليج العربي، وهذا يعود إلى الانقسامات في العالم بسبب الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والراسمالي في حينه، وانحياز بعض الدول لهذا المعسكر أو ذاك، لهذا  رفضت مبادرة أو  فكرة انعقاد المؤتمر الدولي للسلام في منطقتنا، لأن ليس من مصلحة الإمبريالية الأمريكية بأن يعم السلام والاستقرار فيها، طالما مصالحها لم تتضرر، و براميل النفط المحملة في البواخر الكبيرة تصل إلى موانئ  الولايات المتحدة الأمريكية بسلام، والأهم أن تستمر  بؤر التوتر والحرب في المنطقة وفي بلدان عديدة في العالم لكي تشتغل  مصانع الأسلحة الأمريكية والتي يعمل بها آلاف الأمريكان ويسيطر عليها ملاك الكارتلات المالية والصناعية الكبيرة.

تغير العديد من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية ولكن الإستراتيجيات  والسياسيات لم تتغير.  فمبدأها الثابت هو المصالح الدائمة، حيث  لا يهم  من هم الأصدقاء أو الحلفاء، طالما المصالح لم تمس ، وحتى لو تغيرت الأنظمة فالمهم هو المحافظة على المصالح، والرئيس الأمريكي الحالي  ترامب   مدافع أمين عن مصالح أمريكا، ويزايد على سلفه أوباما  في الدفاع عنها ، ولا يتورع في الإعلان عن موافقه الشعبوية واليمينية المعبرة عن جوهر وحقيقة الإمبريالية المتوحشة التي تريد أن تحافظ على وجودها الدائم في أكثر من بلد من بلدان العالم حتى لو اضطرّت أن تستخدم القوة العسكرية ضد هذا البلد أو ذاك لتفرض هيمنتها عليه.

 هاهي اليوم تثير القلق والتوتر في فنزويلا لإسقاط الرئيس والحكومة هناك لأنها لا تسير في فلكها، مثلما أسقطت من قبل مخابراتها “سي. آي. إي” حكومة السلفادور الليندي اليسارية  في عام 1973 في تشيلي، ودعمت العسكريين  الفاشيين، والعديد من الحكومات الوطنية في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، كما أسست ودعمت العديد من المنظمات الإرهابية والمتطرفة في العالم هذه طبيعة الإمبريالية الأمريكية، الهيمنة على الشعوب والبلدان بالقوة العسكرية الغاشمة التي لديها لتصبح القطب الأوحد في العالم تفرض إرادتها وشروطها، و تناهض وتعادي  أي دولة أو شعب يرفض نهجها وتحيك المؤامرات ضده لتعزز نفوذها وتحافظ على مصالحها بالضد من إرادة الشعوب في الحرية والاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي والسلم.

اقرأ المزيد

نظرية الميزة التنافسية

يتميز اقتصاد السوق باحتدام المنافسة بين المؤسسات الاقتصادية في مختلف قطاعات الإنتاج الصناعي والخدمي والتجارة. وهذا يتطلب من كل شركة في أي قطاع من هذه القطاعات، بأن تحافظ على وجودها في السوق، ويتم ذلك عبر الاستمرار في ربحيتها وتنامي حصتها في السوق وبأقل تكلفة ممكنة.

 أما إذا تقاعست الشركة عن الابداع وتطوير منتجاتها السلعية، أو الخدمية وعن المثابرة في توظيف كل ما هو جديد في التكنولوجيا والأفكار الخلاقة المبدعة والتسويق النشط، من اجل ان تخلق لنفسها ميزة تنافسية تؤدي الى تفضيل العملاء منتجاتها عن سائر منتجات المؤسسات المنافسة لها في السوق، ومن أجل ضمان استمرار ربحيتها وبقاءها في الصدارة في المنافسة مع مثيلاتها من الشركات، وإذا لم يتم ذلك فإن المؤسسة ستجد نفسها في وقت ما خارج المنافسة ومن ثم خارج السوق، ومن ثم الافلاس.

لكن من واقع الممارسة في اقتصاد السوق، فإن هذه الميزة التنافسية سرعان ما يتم تقليدها من قبل المؤسسات المنافسة الأخرى. وهذا ما يستلزم من الشركة ان تخلق لها ميزة تنافسية لمدة أطول وأكثر استمرارية ((sustaining competitive advantage وعند حديثنا في مجال أدبيات الميزة التنافسية  يبرز دور المفكر والكاتب والخبير مايكل بورتر (المحاضر في جامعة هاربر) صاحب نظرية الميزة التنافسية، التي ناقشها في كتابين، والتي تهدف إلى إيجاد “استراتيجية الميزة التنافسية“، حيث يشرح فيها رأيه، كيف يمكن لكل مؤسسة أن تخلق لها ميزة تنافسية خاصة بها  تتميز بها عن غيرها من الشركات المنافسة لها في السوق، وتؤدي هذه الميزة لأن تكون منتجات هذه الشركة أكثر جاذبية وتفضيلاً من قبل العملاء، مما ينتج عنه  زيادة في أرباحها واستمرار بقائها في صدارة المؤسسات المنافسة لها في السوق. ولتوضيح تلك الميزة التنافسية نقدم للقارئ بعض الأمثلة التوضيحية.

  • تاجر يتميز عن غيره من المنافسين في السوق بالمثابرة دائما في سرعة استيراد ملابس حديثة متميزة، متماشية مع آخر ما استجد من الموضات الحديثة الجذابة وتلبي اذواق العملاء.
  • مطعم يتميز بتقديم اطباق طعام محددة وبمذاق فريد وشهي بأسعار معقولة، مقارنة بالمطاعم الأخرى المنافسة والمجاورة له في نفس المجمع.
  • يتميز أحد بنوك التجزئة الذي يتواجد مع عدد آخر من البنوك التجزئة في نفس الموقع ويمتلك مثل البنوك المنافسة له شبكة من الفروع في جميع المناطق من البلاد، وفي المجمعات ومزودة بأجهزة الصراف الآلي، إلا أنه يتميز عنهم باجتذاب نسبة أعلى من الزبائن، بسبب تميزه باحتساب عمولات الخدمة وأسعار فائدة أقل على القروض والتسهيلات المصرفية الأخرى المصاحبة وسهولة إجراءات المعاملات المصرفية من قبل موظفين أكفاء.
  • تتميز إحدى وكالات بيع الأجهزة الكهربائية المنزلية بجودة خدمة الصيانة ما بعد البيع عن مثيلاتها المنافسة في السوق مما جعل الزبائن أكثر تفضيلا لمنتجاتها.
  • تتميز إحدى مؤسسات انتاج السيارات بميزة تنافسية أكثر تفضيلا عن مثيلاتها المنافسة في جودة سياراتها الأكثر جاذبية للعملاء وبيعاً في الأسواق المحلية والعالمية مثل شركة تويوتا.

لذلك فإن أي مؤسسة اقتصادية تريد أن تحتفظ لنفسها بميزة تنافسية، فلابد أن تتضافر عوامل داخل المؤسسة تتمثل في نوعية الموارد والقدرات الإدارية الخاصة بالشركة، التي بها تبني عليها الميزة التنافسية التي تؤثر في سهولة أو صعوبة تقليدها. فكلما كانت هذه الموارد يصعب نقلها ويصعب تقليدها، ما يؤدي إلى أن تستمر الميزة التنافسية لمدة أطول. فإن اعتماد الميزة التنافسية على العديد من الموارد والقدرات الخاصة بإدارة الشركة، يجعل من الصعب معرفة أسباب هذه الميزة التنافسية وكيفية تقليدها. اما التأثير الخارجي يتمثل في ان التغير في احتياجات العملاء، أوفي التغيرات في التطبيقات التكنولوجية أو الاقتصادية أو القانونية، كل هذه المتغيرات الخارجية التي ترصدها ادارة الشركة وتعمل على الاستجابة والتكيف معها، والعمل على توظيفها في خلق الميزة التنافسية للمؤسسة لأنها تتمتع بالقدرة السريعة في رد فعلها على التغيرات الخارجية. التاجر الذي يستورد التكنولوجيا الحديثة والمطلوبة في السوق أسرع من غيره، يستطيع خلق ميزة تنافسية له عن طريق سرعة رد فعله على التغير في التكنولوجيا واحتياجات السوق. من هنا تظهر أهمية قدرة المؤسسة على سرعة الاستجابة للمتغيرات الخارجية.

 الميزة التنافسية التي تحققها المؤسسة قد تبقى لمدة قصيرة أو قد تبقى لمدة اطول. إذ ان المؤسسات المنافسة الأخرى سرعان ما تبادر الى تقليد تلك الميزة، ما يؤدي الى تلاشي تلك الميزة التنافسية. ونتيجة لذلك يستلزم من المؤسسة صاحبة الميزة التنافسية التي تم تقليدها، ان تعمد الى السعي الجاد لتبني ميزة تنافسية جديدة يكون تقليدها ليس سهلا. إذ يتطلب جهودا وقدرات في الموارد المالية والادارية، وتطبيقات تكنولوجية حديثة، التي قد لا تكون متيسرة لكل شركة منافسة لها في السوق، وبذلك تتمكن الشركة من الاستمرار في الميزة التنافسية لمدة اطول، ونجاحها في الاستمرار في الصدارة وتحقيق الأرباح.

أما عن واقع السوق المحلي فإن بعض المؤسسات التجارية والخدمية، تتفنن وتبرع في تضليل الزبائن وبيعهم بضائع معيوبة أو منتهية الصلاحية. إذ يعمد البعض الى تزوير الصلاحية. وبعض المؤسسات تتبارى في قدرتها على فرض مبالغ فيها مقابل اعمال الصيانة. كذلك المماطلة وتدني المستوى في تقديم الخدمة ما بعد البيع المتوقعة، وسببه الرئيسي هو الجشع والجهل بأدبيات المنافسة والتميز. أما السبب الآخر هو عدم وجود قانون حماية المستهلك التي تحمي مصالح المستهلكين وتجبر المؤسسات أن ترقى وتتطور في أساليب نشاطها الاقتصادي وتتميز في أداءها لجذب العملاء في بيئة تنافسية حرة ومنضبطة، تقوم على ارضاء الزبون، وعلى روح المبادرة والمغامرة المحسوبة، والذي بدوره يسهم في الازدهار الاقتصادي بشكل عام.

اقرأ المزيد

العودة إلى هيغل؟

سلافوي جيجك وديالكتيك التاريخ

العودة إلى هيغل؟

في كتابه (أقل من لا شيء: ظِل المادية الديالكتيكية)، الذي تجاوز الألف صفحة، ينتقد سلافوي جيجك ما يسميه بـ “كوننة الكلينامين” أو ما أطلق عليه آلتوسير بـ “المادية التصادفية”. في مثل الفصل المعنون بـ : (هيغل، وسبينوزا.. وهيتشكوك)، يضع هيغل في المجابهة مع سبينوزا ليقدم هذا النقد بشكل أكثر نسقي. المشكلة، بالنسبة له، متعلقة بكوننة الكلينامين، وفي طباق الجوهر السبينوزي بالكلينامين نفسه، أو: الجوهر هو هو عملية الكلينامين التي هي “ما – يقع -علينا”، هي أساساً أن هذه الكوننة تُعيد موضعة الرتابة في الكلينامين الذي من المفترض أن يكون “إنحرافاً”، ايّ شذوذاً، على ما هو قائم. رتابة الكلينامين، عبر كوننته، يفقدهُ معناه ومغزاه الحقيقي، أو قل: يجعل منه طبيعة مغايرة لطبيعته. هكذا تتحول الفجأة من جوهرها المفاجئ إلى شكلها الممل، حيث كل شيء يكون وفقاً لجيجك: “.. صدفي، بإستثناء الصدفة نفسها التي هي ضرورية إطلاقاً – الضرورة، إذن، تصبح ضامن خارجي للصدفة الكونية.”

لكنه لا يطرح نوعاً من كوننة الضرورة في مقابل كونية الصدفة، بل أنه يقدم: “اللا – كلي “النسوي” للصدفة: ليس هناك شيئاً ليس تصادفياً، ولهذا السبب ليس- كل-شيء تصادفي. وفي مثل الوقت، هناك اللا- كل للضرورة: ليس هناك شيئاً ليس ضرورياً، ولهذا السبب ليس-كل-شيء ضروري”.

لا يرى جيجك أن هناك أي أساس منطقي وراء وضع هيغل في خانة المثاليين، بل كان على آلتوسير إعتباره واحداً من الشخصيات البارزة للتيار السري لمادية الصدفة، حيث لهيغل مفهوم تصادفي إزاء الصيرورة. يرى جيجك أن الديالكتيك الأصلي لهيغل )بالتعديلات المادية) غير مضر إطلاقاً بالمادية، وإنما هناك مفهوم عام خاطئ متمحور حول هيغل، وهذا المفهوم الذي يجب أن يُنتقد وليس نسبه إلى فكر هيغل بشكل عام.

للمفارقة، مأخذ جيجك على المفكرين والكتاب الذين ينتقدون هيغل هو أن نقدهم مبني أساساً على سوء فهم عام، كونه مفكرين اخرين أو تراكمات لأخطاء نظرية شائعة، حول فلسفة ( ديالكتيك) هيغل. لكنه لا يلاحظ أن نقده الموجه لسبينوزا، في خضم وضعه في هذه المجابهة، مبني على سوء فهم هيغل نفسه للفلسفة السبينوزية ككل، أو كما أحبَّ بيار ماشيري أن يقول: فلسفة هيغل هي العائق الاساسي الذي يحول دون فهمه لفلسفة سبينوزا التي أتت، كما يقول آلتوسير، بشكل إستباقي للهيغلية نفسها.

في كتابه ( الإرتداد المطلق) ينتقد جيجك سبينوزا بتلك الكلمات المطابقة التي استخدمها هيغل ضد سبينوزا في كتاباته: إن الجوهر الاسبينوزي هو جامد ثابت لا حركة فيه، أو قد يضاف إلى ذلك: ممل. سبينوزا لا يعرف السلبية ولا النفي السالب، كل ما في “الجوهر” ما هو إيجابي محض دون أية سلبية، بينما هيغل، أو مقولات : النفي السالب والتناقض، هو المخرج الوحيد للبرود الإسبينوزي، أو فشله النفيي هذا. بإختصار: يعالج جيجك فلسفة سبينوزا بمثل طريقة معالجة هيغل لها .. عبر أن تكون الفلسفة عائقاً لهذه المعالجة، لأنها تقدم، بالفعل، هذه الحدود التي تموقع ذاتها في المكان المناسب للنقطة العمياء، أو قل: منطقها هو هو التموقع هذا بالذات.

هذا يذكرنا كثيراً بما قاله عبدالناصر في خطاب النكسة” “إن العدو الذي كنا نتوقعه من الشرق .. جاء من الغرب”، ما بين النقطتين “نقطة عمياء” تُظهر شيئاً بمظهر مرئي (أو غير مرئي) ولكنه ليس حقيقياً. وضع الديالكتيك الهيغلي نفسه في هذه النقطة، أو بالأحرى الديالكتيك الهيغلي هو النقطة هذه. إن المادية الحديثة إما تكون مشتقة من الإسبينوزية أو لا تكون، أو إذا كان علينا أن نكون أكثر صراحة: المادية إما تكون سبينوزية أو لا تكون.

يوظف جيجك تعبير “ليس – كل- شيء” لدعم مقولاته الفلسفية.. فإذا كان ليس- كل- شيء ضرورياً، وفي مثل الوقت ليس- كل- شيء تصادفياً، فهذا يعطي جيجك القوة الفلسفية في أن يسمح للـ “مستحيل” أن يحدث في فضاء “المحتمل”، وهذا برأيه ما لا تقدر عليه كوننة الكلينامين.. أيّ إنها تفقد عامل “الصدفة” أو “الفجأة” عبر جعلها ضرورة. إذا كان كل ما يحدث هو المستحيل، فإذن تنتفي إستحالته ويصبح المحتمل دائماً في إستحالته.

يبدو هنا أن جيجك يعاني من قصور في فهم آلتوسير المتأخر.. صحيح، أن المادية التصادفية (أو كوننة الكلينامين) تضع “الإستثناءات”، و”ألفجأة”، “والصدفة”، و”الحدث” أولية على كل شيء آخر، وأن هذه الأولية ثابتة، إلا أن شكلها قد ينزاح أو يبدو بأنه آخر.. ولو أنها كذلك بشكل أثري. لا بد من وضع لعبة الأوليات في البال هنا: حين نقول أولية الصدفة على الضرورة، أولية الغياب على الحضور، أولية الإيجاب على السلب، أولية العناصر على البنية.. إلخ، هذا لا يعني أن هذه الأولية ينقصها عامل الإنزياح.

فبينما يضع جيجك قوانين مطلقة للكون عبر تعبير “ليس- كل- شيء”، فإن المادية التصادفية تضع هذه المقولات في لعبة الصيرورة نفسها.. للصدفة أولية على الضرورة، ولكن حالما “تمسك” الصدفة في “فجأتها” فإن علاقة الأولية تتبدل لتكون هناك أولية الضرورة على الصدفة. هناك قوانين، هناك أشياء تحدث بنمطية، هناك ضرورات يمكن قياسها وتحديدها .. هنا يمكن للمرء أن يضع أولية للضرورة، ولكن ليست لهذه الأولية أية ثبات بما أنها في الحقيقة “شكل” زائف لأولية الصدفة على الضرورة. كل ما هناك هو إستثناءات، وتقطعات، وتجذمرات.. لكن بعد “انجاز” الشيء تنقلب الصورة لتبدو في شكلها الضروري، ولهذا السبب تظهر الصدفة بشكلها “المفاجئ” رغم أن لها أولية دوماً.

هذا جلي تماماً حين قال فيتغنشتاين إن العقل دائماً في حدود الجنون؛ المرء قد يجن في أية لحظة. الجنون يظهر دائماً بشكل “مفاجئ”، رغم أننا دائماً على حدوده. بل كان يمكن ليفتغنشتاين أن يقول جميعنا مجانين فعلاً  لكننا نبدو “عكس” ذلك.. إلى اليوم الذي نجن فيه؛ هذا لا يبطل “فجأة” الجنون على الإطلاق. مثال آخر، وهو مثال غير محبذ لدى جيجك: حين يضع فرويد في المجابهة الوعي واللاوعي، فإن للاوعي (الإيجاب المطلق الذي يخلو من أي تناقض وسلب) أولية على الدوام، وإن كان الوعي، ظاهرياً وعلى نحو زائف، يبدو أولي؛ المكبوت من اللاوعي دائماً يباغت الوعي، ينقض عليه من وراء ظهره، ومن بعد سلسلة من الإنكار “لكن.. لا يمكن أن تكون المرأة التي أحلم بها هي أمي، تظهر الحقيقة المفاجأة “أنها كانت، دوماً، أمي”، رغم أنها كانت موجودة هناك دائماً- بالفعل. ومع أن اللاوعي يتم إنكاره، وطمسه، وكبته عبر الوعي نفسه، إلا أنه دائماً يلاحق، بشكل شبحي، الوعي نفسه.. مثلما يلاحق الموت الحياة.. مثلما يلاحق الذوبان الجليد.. مثلما يلاحق الجنون العقل، إلخ. ما عليك سوى أن تستدير إلى الوراء لترى ما يلحقك منقضاً عليك بشكل مباغت.

يجد جيجك في أطروحاته الفلسفية مشروعاً جديداً لمادية ديالكتيكية مبنية على أسس جديدة؛ على  ديالكتيك المادية الديالكتيكية أن يكون ديالكتيكاً إرتجاعياً. هنا يرجع إلى توظيف آخر لمفهوم الكلينامين، أو الـ “اقل من لا شيء” (أو ما يسمى باليونانية بالـ “دِن”: المشتقة من كلمة “ميدِن” التي تعني لا شيء، وبذلك يكون “دِن” بلا أي معنى.. كأنما يقول المرء “يء وليس “لا شيء”.. أو hing وليس nothing).  جيجك يبحث عن مادية  “أقل من لا شيء”، ولهذا السبب يبحث عن لحظة “غير ديالكتيكية” تدخل في الحركة الديالكتيكية نفسها، هذه اللحظة تتمثل في ما هو “زائد”؛ الزائد الذي ينتج عن عملية ديالكتيكية التي لا تعطي نتيجة إيجابية كلية، بل نتيجة لا- كلية غير متوقعة؛ تأثير أدورنو هنا واضح جداً. مثال على ذلك سيكون حركة رأس المال عند ماركس: نقد-سلعة- نقد` (هذ الزائد الذي يطرح مستلزمات وجوده). التاريخ يبقى مفتوحاً على إحتماليات تصادفية متعددة لا يمكن توقعها ولا يمكن فهمها إلا بشكل إرتجاعي، أيّ بدءاً من الأقل من لا شيء.

يمثل نفي النفي ما يسميه جيجك نفياً فاشلاً، من حيث يتم فرض النفي الأول الذي ينتهي بفشل، ليحمله النفي الآخر نحو “تصحيح إيجابي” الذي يولد ما هو اللامتوقع دوماً؛ الذي يسميه أدورنو “اللا- كلية”.  نفي الشيء هو اللاشيء، ولكن نفي اللاشيء المنفي هو ليس شيء آخر بل أقل من لا شيء. يجد جيجك دعمه لهذا المفهوم عبر مفهوم آخر وهو الـ “أوفنبانغ السفلي” المنسي عند هيغل بدلاً من الإلتزام بالـ “أوفنبانغ التصاعدي” المشهور عنده، الأخير ينطلق، إستعمالاً المثال الذي يقدمه جيجك، على النحو التالي: الحياة – الموت – الحياة ما بعد الموت في الذاكرة الجمعية، بينما الأول ينطلق على هذا النحو: الحياة – الموت- اللاموت.  هذا يعني أن الـ “أوفنباغ السفلي” أو “التركيب-السفلي لا ينتهي بخلاصة كاملة بل بأدنى نقطة للسلب الذي يولد لماهو “متبقي” (أدورنو يطلق عليه مثل التسمية كذلك).

لكن ينعكس هذا المنطق في فهم جيجك للتاريخ؛ إن التاريخ دائماً يأخذ الوجهة  الخاطئة، لا يتم الوصول أبداً إلى المقصد الأصلي؛ فالثورة الروسية أدت إلى الكارثة الستالينية أو صعود التطرف الديني في ظل الحرية الإستهلاكية. وبذلك المعنى الحركة الثورية دائماً محتومة بالفشل أولاً، وعليها أن تتكرر مرة أخرى، مستفيدة من كل دروس الفشل، لتنجح.

الآن فقط تكسب الحركة الشيوعية أهميتها في تكرارها بما أنها فشلت في المرة الأولى، حيث بإمكان هذه الحركة الإستفادة من دروس الماضي. هكذا، يجب أن يكون هناك جرحاً في البداية، ومن ثم الجرح سيلتئم بنفسه. لكن تترتب عدة أخطاء على الإستنتاجات التي يستخلصها جيجك، فهو أولاً، مع ديالكتيكه هذا، لا يرجع الفشل إلى الأوضاع الملموسة التي تترتب عليها الكارثة أو الفشل الأعظم لأنه يتجاوز الأوضاع الملموسة لفشل الحركة الشيوعية ويرجع بها إلى ما يشبه الحتمية الكونية (على الحركة أن تفشل أولاً)، وعن غير قصد يستبدل غائية بأخرى.. فحين يبقى التاريخ مفتوحاً إلا أن تحقيق المشروع يبقى هو هو- اللهم عليه أن يفشل أولاً كي ينجز فيما بعد. ثانياً، بهذه الرؤية لا نجد عند جيجك أي تنسيق مفهومي للتلقي، أو ردة الفعل، الذاتية الثورية للـ  اللحظة الراهنة (ما يتضمن ذلك من إستراتيجيات سياسية واضحة).

بل يمكننا أن نقول أننا نادراً ما نجد عند جيجك أي مفهوم يتضمن اللحظة الراهنة، أيّ اللحظة المفردية التي تطرحها الحالة؛ ليس للأمير الحديث – كما يسميه غرامشي- أي حضور كالمتلقي الذاتي لمتطلبات اللحظة الراهنة في التحول الثوري نحو الشيوعية عند جيجك (أو كما عند ماكيافيلي: على الأمير أن يجسد المشروع البورجوازي لتأسيس دولة قومية إيطالية). غياب هذا المفهوم، أو قل: تغييبه، يجعل من فكرة “الفشل المحتوم” فكرة ميتافيزيقية غير قائمة على أي أساس فعلي، بل على أساس أنطولوجي ضروري. ثالثاً، يعزز هذا المنطق إستحقار واضح للذوات الفاعلة الثورية؛ ليس لتجاربها، أو سيرورة عملها، أي معنى- بما أن هناك أساس أنطولوجي ديالكتيكي للفشل الأول (النفي الفاشل) فقط ليأتي من بعده نفياً أخر ليصحح هذا الفشل بشكل إيجابي. لكريستاين فوكس ملاحظة مهمة جداً: لماذا هذا الفشل الجيجكي محكوم بالحركة الثورية نفسها؟ ألا يعني ذلك أنه يمكن للرأسمالية (أو البنية الإجتماعية القائمة) أن تصحح نفسها دوماً كذلك؟ يبدو لي أن هذه الملحوظة صحيحة تماماً، لماذا يفترض جيجك أن منطقه يطبق فقط على الحركة الثورية؟ بمعنى آخر: ديالكتيكه هذا، بما أنه يطبق على كل جوانب الحياة (إلا إذا إفترضنا أن هناك ما يسمى بديالكتيك أعرج)، يفترض -عن غير قصد- أن يمكن للرأسمالية أيضاً أن تصحح نفسها دوماً وتستفيد من فشلها الدوري، وبذلك تتأبد.

يرفض جيجك الـ “كلينامين” ويختار الـ “دِن”، حيث الكلينامين يمثل تدخلاً ما بين الواحد والفراغ، أيّ يفترض مسبقاً وجود كينونات أرسطية “واحدة”. المادية التصادفية، في الجانب الآخر، تفترض أمراً آخر: المسألة هي ليست، كما عند باديو، أن في البدء كانت هناك ذرات (واحدة) تتساقط بتواز في الفراغ (الواحد/الفراغ) ومن ثم يأتي الكلينامين ليفعل التصادم والتصادف. على العكس تماماً، وجود الذرات والفراغ السابقة على الكلينامين هي ليست موجودة سوى بشكل موهوم أو شبحي، ليس لها أي وجود حقيقي على الإطلاق؛ الكلينامين هو الذي يعطي الذرات والفراغ السابق عليه حقيقتها، ولهذا السبب للكلينامين أولية على الخط المستقيم.

ما تنقصه الفلسفة الديالكتيكية عند جيجك هو ما نسميه في لغتنا المفهومية الواقع الذي عليه أن ينجز (كما نجده عند لينين، وماو، والقديس بول، وماكيافيلي، وأبا بكر الرازي أيضاً) فهو يبقى مفهومياً ما بين صيرورة المنجز والواقع المنجز وحسب، ويغيب عنده تحقيق هذا الواقع، أيّ بالضرورة التحقيق الثوري له. ومهما حاول جيجك توظيف التصادفية ما بين صيرورة المنجز والواقع المنجز فإنه سيبقى في رحاب مثالي (أو في أفضل الحالات: مادية ميكانيكية) للإنجاز التصادفي لهذا أو ذاك الواقع. ليس هناك أي إنجاز لهذا الواقع؛ إنجازيته محكومة بحركة ديالكتيكية تبدأ بالفشل ولكنها تتحقق بالتكرار، من دون أية منظمات ثورية، من دون أي نظرية ثورية، من دون “اللحظة الراهنة” التي تطرحها الحالة (والتلقي الذاتي لها)، من دون تعدد الإحتمالات لتحقق النزعة المضادة لما هو قائم. بإختصار: شكل مغلف، حتى لو كان عن غير قصد، للمثالية.

ما نحتاجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو فلسفة مادية حقيقية قادرة على إبقاء قبضتها الصارمة على المفاهيم المادية في وجه كل المثاليات وإن تقنعت بالمادية أو حتى آمنت بإنها مادية صرفة. إنتقد تشومسكي مؤخراً تلاعب الألفاظ الذي يستخدمه بعض من الفلاسفة المعاصرين ومن ضمنهم جيجك نفسه.. أعتقد يمكننا تبرير إنتقاد تشومسكي؛ هناك فرق واضح ما بين الصعوبة الفلسفية (التي هي حتمية) وما بين التلاعب اللفظي المتعمد لإخفاء شيء ما، فعلى الرغم من شهرة جيجك وتأثيره الواضح على اليسار إلا أنه من الممكن، عبر بعض أفكاره، يقوم بتسريب المثالية تحت مسمى المادية.

قال ماركس قديماً إن كتاب برودون في بؤس الفلسفة هو عبارة:  (“ألغاز”، “أسرار منزوعة من قلب الله”، “الوحي بنفسه” – لا ينقصه اي شيء إطلاقاً) .. كم يمكننا تطبيق هذا الكلام، بمثل المصداقية، اليوم على أغلب أفكار جيجك!

اقرأ المزيد