المنشور

دروس “كورونا” ومهامّ المستقبل

بحسب المؤشرات القائمة، وما لم تحدث أية مفاجآت غير متوقعة، فإنّ البحرين تتجه نحو مزيد من التعافي من تداعيات جائحة كورونا، على الأقل هذا ما تظهره الأرقام الرسميّة المعلنة وحالة التعافي العام، والبدء عمليا في اغلاق العديد من المحاجر المؤقتة والعودة التدريجية للطواقم الطبيّة والصحيّة إلى وظائفهم المعتادة، وهي خطوات تزيد من ثقة المواطنين والمقيمين بالعودة التدريجيّة للحياة الطبيعيّة، والتي تشير بدورها الى نجاح وسلامة وصحة الإجراءات المعتمدة للتعاطي مع الجائحة وتداعياتها التي استمرت حتى الآن اكثر من ثمانية عشر شهرا.

خلال هذه الفترة الزمنيّة الخانقة للناس والاقتصاد والحياة بشكل عام، والتي اتسمت بالتعاطي غير المسبوق، وعلى مختلف الصعد، من قبل الجهات الرسميّة والأهليّة في محاولة للخروج سريعًا من حالة الجائحة الي حالة التعافي. لا شك أنّ هناك الكثير من المظاهر والسلوكيات الإيجابية وكذلك السلبية، علاوة على أدوات وطرق إدارة الأزمة قد حدثت، بالإضافة إلى أنّ السمة الغالبة حاليا على خطاب وحديث الشرائح المختلفة تميل نحو التفاؤل، متوسمين أن فترة ما بعد الجائحة لن تكون بالضرورة شبيهة لما قبلها.

وإزاء حالة التفاؤل هذه يمكننا القول إنّ الأجواء الإيجابية السائدة في أوساط الناس يجب أن تستثمر بشكل جدي للعمل على توحيد الجهود الرسمية والأهلية للاستعداد لمرحلة ما بعد الجائحة، حيث جرت الكثير من التحولات، ليس فقط بالنسبة للوضع الصحي في الوطن، وإنما على أكثر من صعيد، فالجائحة التي لم توّفر دولة في العالم إلا وأضرّت بها وباقتصادها وبأوضاعها، حيث شهدنا كيف توقفت عجلة النمو والمشاريع الاقتصادية، والتعليم، وحركة التعمير والسفر والسياحة والصناعات المختلفة بشكل كبير، وتراجعت موارد الدول ومداخيلها وانكفأت الشركات الكبرى والصغرى والبنوك وتعطلت الابتكارات وعمليات الابداع والتطوير بدرجة كبيرة.

المشهد المتوقع لما بعد الجائحة يشي بأن العالم سيتجه نحو التعافي الاقتصادي السريع، والعودة التدريجيّة للحياة باتت امرا ملحا، وقد لمسنا ذلك على أكثر من صعيد، فها هي أسعار النفط تتجه للصعود التدريجي بعد أن استشعرت الدول المنتجة أهميّة خلق التوافقات المطلوبة فيما بينها ولو في حدودها الدنيا على الأقل، وبالمثل طرحت الكثير من الشركات الكبرى العديد من تصوراتها وخططها لما بعد الجائحة.

وفي ظلّ المعطيات آنفة الذكر فإننا في البحرين، دولةً وشعبًا، يجب أن نكون أكثر استعدادا ويقظة وتأهباً للمرحلة القادمة، فالعالم الذي يقترب كثيراً من ترك الجائحة خلفه، لاشك أنه يريد بكل الوسائل أن ينتقل منها إلى مرحلة أخرى مليئة بالنجاحات وتحقيق الإنجازات، أو على الأقل تعويض جزء من خسائره التي راكمتها الأزمة خلال الفترة الماضية، ليصبح من نافلة القول إننا أصبحنا أكثر حاجة واستعدادًا لتعبيد الطرق للمضي قُدمًا نحو الوفاء بمتطلبات التنمية الشاملة والتعاطي مع استحقاقات المرحلة القادمة بعقول منفتحة وقلوب منسجمة متحابة وجهود خلاقة لا تعرف الانقسام والفرقة وتطمح في بناء دولة حقيقية تليق بنا جميعا، آخذين في الاعتبار جملة من التحولات المحلية والإقليمية والدولية التي حدثت ولا زالت تتوالى ارهاصاتها، ومدى تأثيرها، بشكل مباشر وغير مباشر، على أوضاعنا بشكل عام، يرتبط هذا ارتباطًا وثيقًا مع حالة الإقليم الذي نعيش وسط تموجاته وسكونه وحالة العالم من حولنا وهو يصيغ تحالفاته ومصالحه وتوافقاته وتحالفاته أيضا انطلاقا من مصالح دوله التي باتت ترنو اكثر للحفاظ على سيادتها ومواردها وتعرف كيف تعزز من مواقعها واصطفافاتها القادمة.

في السياسة لا يوجد معطى جامد او ثابت، ومن يركن إلى ذلك من الدّول أو التجمعات فحتما سيصبح إما في خانة النسيان أو أن يتجاوزه العالم والزمن ويتضاءل تأثيره وحضوره، وعليه يصبح التفكير بشكل مختلف وايجابي وبعقول منفتحة وبإرادة خلاقة لا تستسلم للماضي بكل ما له وما عليه فقط، وانما تنظر للمستقبل ببعد نظر ورحابة فكر، فالمرحلة القادمة بكل ما هو متوقع لها من تحوّلات كبرى حتما تحتاج إلى كل ذلك وأكثر منه، فالاستعداد للمرحلة يتطلب تغيير خطط وتعديل رؤى وبرامج واعتماد منهجيات مختلفة للتعاطي مع مختلف الأوضاع المحلية والإقليمية والعالمية، وبالتالي يصبح من المسلمات أنه لا سبيل للتعاطي مع هذه الأوضاع الجديدة بذات العقول المعيقة المترددة او العاجزة أحياناً، أو حتى البرامج المحدودة الطموح.

علينا التعلّم من الأزمة، وبمثل ما فرضت علينا جائحة كورونا أن نتعاطى بفكر ووعي وكوادر وطاقات وبرامج وخطط ومقوّمات مختلفة أهلّتنا فعلًا لتحقيق ما وصلنا إليه من نجاحات لحماية وطننا وشعبنا والمقيمين على أرضه عبر خطط مدروسة وبرامج دعم للأفراد والشركات والمجتمع بأسره، لم يكن مجرد التفكير فيها وارداً قبل الجائحة، ولابد من الإشارة هنا إلى أن بعض الخطوات والتعيينات والتغييرات الهيكلية الإيجابية التي اختطتها الحكومة مؤخراً من شأنها أن تحفز لدينا التفاؤل بالمستقبل، حيث لا خيار لدينا سوى البناء على ما تحقق من نجاحات للعبور نحو المستقبل عبر شراكة حقيقيّة فاعلة كم يحتاجها الوطن.