المنشور

شيء ما النقطة صفر في الكتابة

لم تستغرق كتابة رواية «اسم الوردة» من أمبرتو إيكو أكثر من سنتين. من قرؤوا الرواية ويعرفون حجمها سيصابون بالدهشة من هذا القول، ولكن الكاتب أعطانا التفسير، بقوله، إن السبب بسيط، فهو لم يكن محتاجاً للقيام ببحث في القرون الوسطى، حيث تدور أحداث الرواية، ذلك أن أطروحته لنيل الدكتوراه كان موضوعها الجماليات القروسطية، كما أنه أنجز أبحاثاً أخرى حول هذه المرحلة.
يضاف إلى ذلك ما ذكره، من أنه قام بزيارة أديرة رومانية وكنائس قوطية ومنشآت قروسطية عديدة، لذلك كان الأمر بالنسبة له، حين قرر كتابة الرواية، كما لو كان يفتح رفاً كبيراً، حيث كانت ملفاته فيه مكدّسة منذ سنين عديدة، ولم يكن عليه سوى أن ينتقي ما كان في حاجة إليه لإنجاز روايته التي كانت فكرتها جاهزة في ذهنه.
نستنتج من هذا أن إنجاز الرواية لم يستغرق سنتين فقط، وإنما استغرق عمراً طويلاً من صاحبها. لم يكن بوسعه أن ينجزها لولا أنه راكم من المعرفة ومن المعلومات والاطلاع، ما جعله قادراً على توظيف كل هذا في كتابة الرواية في فترة قياسية بالنظر إلى عمق مضمونها وكبر حجمها.
بالنسبة لرواياته اللاحقة كان الأمر مختلفاً، وهو هنا أيضاً يقدم لنا تفاصيل إضافية في كتابه «اعترافات روائي ناشىء» الذي أتينا على ذكره هنا قبل فترة وجيزة، ووضع ترجمته إلى العربية الناقد المغربي سعيد بنكراد، فعلى الرغم من أن اختياره لموضوعاتها عائد إلى ألفته مع هذه الموضوعات، لكنها تطلبت منه وقتاً أطول: مثلاً استغرقت كتابة رواية «بندول فوكو» ثماني سنوات، أما روايتاه: «جزيرة اليوم السابق» و«باوولينو» فقد تطلبت منه كل واحدة منهما ست سنوات.
ظرف مشابه لظرف كتابة «اسم الوردة» حصل معه عند كتابة «الشعلة الغامضة للملكة لوآنا»، لأن الكتاب استغرق منه أربع سنوات فقط، كونه استند على قراءات الكاتب في سنوات طفولته بين ثلاثينات وأربعينيات القرن الماضي، لذلك كانت المادة الأولية في حوزته، من قبيل الشرائط المصورة والتسجيلات والمجلات والجرائد، إضافة إلى مخزونه من الذكريات، وكذلك مشاعر الحنين لديه، ولمسات مختلفة أخرى.
نخلص إلى أنه لا توجد في الكتابة نقطة اسمها الصفر. لا يوجد كاتب جدي ينطلق من الصفر، وإنما من مجمل خبراته ومعارفه وقراءاته وذكرياته ومشاعره، وبمقدار ما تكون هذه كلها أغنى وأعمق تأتي الكتابة حاملة جيناتها الغنية والعميقة، والعكس صحيح تماماً، حين تكون الثقافة سطحية والخبرات ضئيلة أو متواضعة فإن الموهبة وحدها لا تسعف في أن تجعل من الكتابة جيدة، أو على ما يكفي من الجودة في أحسن الأحوال، تماماً كما لا تكفي الخبرات والتجارب والمعارف لإنتاج كتابة متميزة، قادرة على البقاء، في حال لم يتوفر المرء على ما هو ضروري من موهبة.

madanbahrain@gmail.com

الخليج الاماراتية

السبت 28 رجب 1439 هـ ، 14 ابريل 2018 م