المنشور

إذاعة لندن.. و”العربي”

مر خلال العام الجاري 2008 ذكرى مناسبتين تاريخيتين لمنبرين ثقافيين ين إعلاميين على درجة من الأهمية وذلك لما لعبه كلا هذين المنبرين من دور هام محوري في النهوض الثقافي والسياسي طوال عقود طويلة من الزمن. المناسبة الاولى تتمثل في احتفال إذاعة لندن “البي. بي. سي” القسم العربي بذكرى مرور 80 عاما على تأسيسه (تأسس 1938)، والمناسبة الثانية تتمثل في ذكرى مرور نصف قرن على صدور أول عدد لمجلة العربي (عام 1958) وهي أعرق المجلات الثقافية العربية وأكثرها ريادة. ورغم ما يمتاز به كلا الحدثين، كما يبدو للوهلة الأولى، من خصوصية بأن الكويت هي المعنية بالدرجة الاولى باحتفاليتها الخاصة بالعربي، وأن إذاعة لندن الاجنبية هي المعنية باحتفاليتها الخاصة بتأسيس “القسم العربي” فيها، الا انني أحسب ان الاحتفاليتين مهمتان وتنطويان على دلالات وأبعاد ثقافية وسياسية لكل البلدان العربية دون استثناء، وذلك بالنظر، كما ذكرنا، لما لعبه كل منهما (الاذاعة والمجلة) من دور محوري موثر في النهوض الثقافي والسياسي والاجتماعي في تاريخنا العربي المعاصر في ضوء ما كانتا تتمتعان به من شعبية واستقطاب واسع منقطع النظير لدى الشعوب العربية كافة من المحيط الى الخليج، عجزت معهما كل المجلات الثقافية والاذاعات العربية داخل أقطار العالم العربي عن بزهما أو مضاهاة أي منهما على امتداد عقود من الزمن. وبهذا فإن كلتا الاحتفاليتين يمكن اعتبارهما حدثين ثقافيين اعلاميين عربيين كبيرين يخصان كل العرب ويستحقان مشاركة عامة الساحة الثقافية العربية فيهما. وهما إلى ذلك من الناحية اللغوية عرفا منذ بدايات انشاء كل منهما بما يقدمانه من أداء وخدمات لغوية متميزة في شكل عصري يسهم في الارتقاء باللغة العربية والنهوض بها واحياء تراثها. فإذاعة لندن عرفت على امتداد عقود منذ تأسيسها 1938 بأدائها الراقي المتميز في الإلقاء بلغة عربية واضحة سليمة معتمدة في ذلك على حسن اختيار المذيع الكفء ذي المؤهلات والقدرات اللغوية وذي طبقات الصوت الجوهرية المناسبة وقدرته المتمكنة الدقيقة في الفصاحة التي لا مثيل لها في الغالبية العظمى من الاذاعات العربية، وهي الى ذلك عرفت أيضا ببرامجها اللغوية المميزة كبرنامج “قل ولا تقل” الذي كان يقدمه اللغوي العراقي الكبير المرحوم مصطفى جواد، وهو برنامج خاص بلحن العامة والأخطاء اللغوية، وكان يستقطب مختلف فئات المستمعين على تباين مستوياتهم الثقافية. ومن هذه البرامج اللغوية برنامج “قول على قول” الذي كان يقدمه اللغوي الفلسطيني الكبير حسن الكرمي صاحب الفضل الاول في ارساء مدرسة لغوية متميزة في اختيار المذيعين الفصحاء بإذاعة لندن. هذا علاوة على ما كانت تقدمه هذه الاذاعة من برامج ثقافية وأدبية أخرى عديدة. أما مجلة “العربي” فبالاضافة الى موادها الثقافية والاجتماعية المتميزة فكانت تخصص أبوابا للأدب والشعر واللغة كباب “جمال العربية” للأديب المصري فاروق شوشة. كما كان كلا هذين المنبرين الاعلاميين ــ العربي واذاعة لندن ــ عرفا بعنايتهما الفائقة بخلو مواد موضوعاتهما من الاخطاء النحوية، ما خلا استثناءات نادرة محدودة. واللافت ان كلا المنبرين الاعلاميين، جاء تأسيسهما في ظروف سياسية لا تخلو من المغزى والدلالة. فالقسم العربي باذاعة لندن جاء انشاؤه خلال عام 1938 أثناء الحرب الباردة بين بريطانيا وايطاليا وذلك بغرض مواجهة الاذاعة الايطالية التي كانت أول من بث بالعربية في وقت مبكر (عام 1932) وكان غاية كلتا الدولتين كسب نفوذ وقلوب المستمعين العرب رغم قلة أجهزة المذياع في البلدان العربية حينذاك. أما “العربي” فكان العام الذي صدرت فيه (1958) عاما مميزا في تاريخ العرب المعاصر يشي بالكثير من الدلالات السياسية. فقد صدر العدد في نفس سنة الوحدة المصرية ــ السورية 1958 وقيام الثورة العراقية، وحيث كان العالم العربي يغلي في تلك الفترة ضد الاستعمار والاحلاف العدوانية الغربية مع الانظمة العربية الذيلية له. وكان المد القومي في أوجه ولم تكن الكويت قد استقلت بعد، كما لم تكن بامكانياتها وثروتها النفطية التي حباها الله بها بعدئذ. وكان أول رئيس تحرير لها هو المرحوم الدكتور احمد زكي الذي عُرف بخلفيته الثقافية المعمقة التي تركت بصماتها الجلية على تميز هذه المجلة الثقافية العربية وما حظيت به من شعبية كاسحة في كل الاقطار العربية من دون استثناء، وعلى الاخص طوال فترة رئاسته تحريرها التي امتدت الى 204 أعداد من المجلة. واستمرت هذه الشعبية في فترة رئاسة تحرير المرحوم احمد بهاء الدين (80 عددا). ولعل نظرة سريعة على أهم مواد العدد الاول وأسلوب الكتابة فيه ليعكس لنا المناخ الثقافي القومي السائد حينذاك، ففي افتتاحية العدد الاول يكتب رئيس التحرير “باسم الله نفتتح الحديث الاول، وباسم العروبة خالصة، بحتة محضة، نخط أول سطر يقع عليه البصر من هذه المجلة الوليدة. وأسميناها العربي، وما كان اسم بواف بتحقيق ما يجول في رؤوس رجال الوطن العربي كله ورؤوس نسائه من معان، وما تستدفئ به قلوبهم من آمال وأماني، كاسم “العربي، في حسمه وايجازه”. وكان من أبرز مواد العدد الاول التي تعكس ذلك المناخ القومي: استطلاع عن جيش التحرير الجزائري، واستطلاع آخر عن البحرين، والاذاعة العربية أقوى سلاح لتوحيد الوطن العربي لفاروق خورشيد، والقومية العربية لمحمد أحمد خلف الله، وآن للعرب ان يستردوا أمجادهم لفيليب حتي، والمسرح العربي في خطر. في حين جاء العنوان الثابت اللازمة للاستطلاعات المخصصة عن الأقطار العربية “أيها العربي اعرف وطنك”. وكانت مواد المجلة بصفحاتها المصقولة وألوان صورها المميزة تجذب شرائح مختلف القراء على تباين مستوياتهم الثقافية والعمرية. ولم يكن غريبا والحال كذلك اننا كنا نترقب يوم صدورها ونحن طلاب صغار بفارغ الصبر ونشتريها من حصاد توفير مصروفنا الجيبي اليومي الشحيح. وغالبا ما تنفد في نفس يوم وصولها. أما اذاعة لندن فعلاوة على برامجها المتنوعة السياسية والثقافية والاجتماعية الخفيفة والدسمة من خلال الاسلوب الذي تميزت به فقد كانت دقة وقتها في تقديم نشرة الأخبار وطزاجة هذه الأخبار وحسن ترتيبها من حيث الأهمية وحرص الاذاعة على تقديم المخفي من هذه الأخبار في الاذاعات العربية بأسلوب راق شبه محايد ومتوازن وان لم يخل أحيانا من الدس.. كل ذلك كان من عوامل انجذاب ملايين المستمعين العرب إليها وثقتهم فيها في عصر شهد وصاية إذاعات الانظمة الشمولية العربية على عقول المستمعين العرب. ومن أسف فإن هذا الدور الثقافي والسياسي المحوري الكبير الذي لعبه كل من اذاعة لندن والعربي لم يعد اليوم ومنذ ما يقرب من عقدين بنفس الزخم السابق لاسباب عديدة، ذاتية وموضوعية، ليس هنا مجال تناولها وان لم يتبدد هذا الدور كليا بعد.

صحيفة اخبار الخليج
27 يناير 2008