المنشور

في الطريق إلى الأول من مايو (3 -3)

في عشية انعقاد مؤتمر اتحاد العمال أتذكر اني كتبت هنا عن دلالات الحكم الذي اصدره القضاء البحريني بإعادة النقابيين المفصولين من عملهما في شركة “بتلكو” الى وظيفتيهما، وهما كل من فيصل غزوان وماجد سهراب وبيّنت ما يكسبه هذا القرار التاريخي غير المسبوق في تاريخ الحركتين العمالية والنقابية من دلالات ودروس نقابية وقانونية وسياسية، ولعل من أهم هذه الدروس أهمية تفعيل سلاح اللجوء الى القضاء مهما بدت سبله شائكة ومعقدة أو مقيدة، وبخاصة في ظل المكتسبات التي حققتها الحركة العمالية البحرينية في مرحلة الانفراج السياسي الراهنة وفي مقدمتها حق التنظيم النقابي العلني بعد عقود طويلة من العمل النقابي تحت الارض وارتباط هذا العمل بالتبعية للتنظيمات اليسارية السرية.
وكان من ضمن ما خلصت اليه في ذلك المقال ان هذا المكسب النقابي القضائي يكتسب مغزى توقيته انه يأتي عشية مؤتمر اتحاد العمال الوشيك “ليعطي أطرافه دفعة قوية للتمسك بالوحدة النقابية بعيدا عن تسييس العمل النقابي والصراعات الفئوية والحزبية والشخصية التي تضر بمصالح الحركة النقابية البحرينية الجديدة الوليدة”، أخبار الخليج ــ فضاءات، عدد 22/3/2008م، لكن بعد الاطلاع على ما نشر في كل صحافتنا المحلية اليومية من تغطيات موسعة عن وقائع المؤتمر ومجريات كواليسه، وبعد ما حصلنا عليه من معلومات من مصادر سياسية ونقابية مختلفة، يتبين جليا ــ طبقا لكل ذلك وطبقا لما أفرزه المؤتمر من نتائج ــ ان الحركة النقابية ممثلة في الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، أي في مرحلة الشرعية العلنية هي أبعد ما تكون اليوم تجسيدا للوحدة النقابية المنشودة، وهي أبعد ما تكون بمنأى عن تسييس العمل النقابي، وأبعد ما تكون بمنأى عن الصراعات الفئوية والحزبية والشخصية..
فكل هذه الأمراض والآفات التي تضر بمصالح أي حركة نقابية ثبت حضورها بقوة في التحضيرات التي جرت لمؤتمر الاتحاد الاخير ثم في أجواء ومداولات المؤتمر ومداولات وصراعات دهاليزه وكواليسه.. نقول هذا بصرف النظر عن سلامة وشرعية العملية الانتخابية التي جرت فيه.. ونقول هذا بغض النظر عن كون الاتحاد، كنقابة عامة اتحادية، ينبغي المحافظة عليه والتمسك به كمكسب تاريخي كائنا من يكون الطرف السياسي المهيمن عليه بفضل نتائج المنافسة الحرة النزيهة خلال العملية الانتخابية السليمة المشروعة. وفي كل بقاع وأقطار العالم ظل العمل النقابي العمالي منذ ولادته وبكل تقاليده وخبراته حكرا على اليسار لأسباب تاريخية وسياسية، ليس هنا محل تناولها، وظل هو كذلك الى حد كبير حتى الآن على الرغم من انحسار نفوذ اليسار العالمي سياسيا.
ولم تكن الحركة العمالية النقابية البحرينية استثناء عن الحركة العمالية النقابية العالمية حيث ظل اليسار متمتعا بهذا النفوذ في أوساطها حتى في أحلك ظروف انحساره منذ أواخر الثمانينيات الى مطالع الالفية الثانية، ولم يهتز هذا النفوذ الا في مرحلة العمل العلني الشرعي بعد انبثاق مشروع جلالة الملك، حيث تمكن الاسلام السياسي الشيعي من التغلغل الى جسم الحركة النقابية العمالية ومد نفوذه شبه الكامل وبسط سيطرته عليها، وهو ما حصده بناء على ذلك في المؤتمر الاول ثم في المؤتمر الثاني الاخير. وهكذا فنحن أمام تغلغل حزبي شمولي سياسي جديد لبسط نفوذه وهيمنته الحزبية على الحركة النقابية حل محل التغلغل الشمولي الحزبي اليساري القديم وعلى نحو اقصائي شبه كامل لما تبقى لهذا اليسار من بقايا نفوذ وكوادر نقابية. لكن الفرق بين التغلغلين انه في الوقت الذي كان فيه اليسار بمختلف تياراته يمثل في ذات الوقت عمليا ألوان طيف النسيج الوطني الاجتماعي البحريني على امتداد ما يقرب من نصف قرن، أو في الوقت الذي تمتلك فيه قوى اليسار في هذه الحركة خبرات وتقاليد مديدة من العمل النقابي كما هو حال قوى اليسار في كل الحركات النقابية العالمية، فإن الاسلام السياسي بكلا شقيه، وهو في موضع حديثنا الشق الشيعي تحديدا، يفتقد هذه الخبرات والتقاليد المديدة باعتباره حديث عهد على العمل النقابي برمته وبمرحلتيه السرية والعلنية. وهو بذلك بحاجة ملحة، ولو على الاقل كمرحلة انتقالية، الى اعتماد مبدأ الشراكة السياسية والتقاسم في مسئوليات قيادة العمل النقابي مع اليسار ولو بنسبة الثلثين مقابل الثلث كحد أدنى في حين لا يصل التمثيل الحالي الى نسبة ثلاثة أرباع مقابل الربع.
الأهم من هذا وذاك انه اذا كان يمكن فهم ان تتملك الاسلام السياسي الشيعي نزعة اكتساح كل مقاعد الدوائر الانتخابية البرلمانية في دوائر معاقل نفوذه المذهبي ومن ثم ان يتنكر لأي مبدأ لتقاسم تشكيلة موحدة لقائمة انتخابية نيابية مع حلفائه من قوى اليسار في جبهة المقاطعة السابقة الذين لطالما اتخذهم واجهة لإخفاء هويته المذهبية عن وجه تياره السياسي، ولربما تكون له أجندة دينية خصوصية أملت عليه هذا التوجه نحو هذا الاكتساح التفردي الاقصائي، فإن ما لا يمكن فهمه ان تتملكه هذه النزعة بكاملها في الانتخابات العمالية، حتى على الرغم من تجربته الراهنة المريرة في العمل البرلماني حيث استفرد لوحده كمعارضة وحيدة وحُشر في الزاوية الضيقة وتم تصويره ومازال يصور بنجاح وامتياز معظم مواقفه وبرامجه ومشاريعه تحت القبة البرلمانية، بأنها “طائفية”، سواء الطائفية الفعلية منها، أم التي يفترض انها تعبر عن مصالح وطنية وشعبية عامة.
العمل النقابي، كما نعلم، يختلف اختلافا بينا عن العملين الحزبي والبرلماني، فهنا لا توجد شعارات سياسية أو دينية أو حزبية ذات خصوصية معينة ليبرر به الاسلام السياسي الشيعي تفرده شبه الكامل بالهيمنة على العمل النقابي إذ لا توجد سوى مطالب وحقوق نقابية وقد ثبت ان اليسار أيا كانت اخطاؤه ممكن ائتمانه عليها وتمثيله لكل فئات العمال في الدفاع عنها.. لا بل ان الحركة النقابية الجديدة ممكن ان تكون البروة والرافعة لإعادة بناء حركة المعارضة على أسس وطنية. لكن بهذا الاكتساح الحزبي للإسلام الشيعي الذي جرى أيضا بسبب ضعف اليسار وتفتته وتقادم كوادره النقابية ليس بين قواه فحسب بل داخل التنظيم الواحد أو الجمعية الواحدة فإن ثمة مخاوف جدية من انتقال عدوى الانقسامات والتحشيدات الطائفية من المجتمع والحياة السياسية وبضمنها البرلمانية والحزبية الى الحياة النقابية.
 
صحيفة اخبار الخليج
30 ابريل 2008