المنشور

المرأة كائن مخلوق لمتعة الرجل

تدور هذه الأيام بين أروقة مجلس الشورى قضية المرأة والتحرش الجنسي، وقد طرح عضو المجلس «مازن عبدالرزاق بليلة» فكرة إيجاد قانون صارم في وجه كل من يتجرأ على التحرش الجنسي بالمرأة أيا كان نوعه.
أتصور أن قضية التحرش الجنسي في المجتمع السعودي قضية شائكة، وهناك بعض الشواهد التي من خلالها سأحاول توضيح وجهة نظري ومدى تعقيد هذه القضية. الجميع يتذكر قضية فتيات «نفق النهضة»، عندما قام تسعة مراهقين بملاحقتهن في أثناء ممارستهن رياضة المشي في شارع النهضة في مدينة الرياض، وتعرضت الفتيات بحسب ما رأينا في مقطع الفيديو الذي تم تصويره بواسطة الهاتف المتحرك إلى ألفاظ بذيئة، وتطاول باليد في مشهد تجاوز سقف كل الأخلاقيات. في ذلك الوقت خرج أحد المتشددين في وسائل الإعلام يلقي بالتهمة على الفتيات، باعتبار أنهن لم يتقيدن باللباس الشرعي -على حد قوله- ويقصد باللباس الشرعي العباءة الكبيرة التي تغطي الرأس، في حين أنني رأيت بنفسي ذلك البلوتوث، ولم أر أي جزء قد ظهر من الفتيات، كما أنهن مسدلات على وجوههن الغطاء.
أيضا ما قرأته في بعض مواقع الإنترنت من تقريع وتجريم للفتيات، جاء في لغة توحي لقارئها أن الجريمة من أولها لآخرها المدان فيها تلك الفتيات.
ما أردت قوله من خلال الاستشهاد بهذه القصة، هو أننا نعيش أزمة فكر محقون بتراكمات وضعت النظرة من خلاله إلى المرأة نظرة متراصة في قوالب جاهزة، إذ إن البعض لازال يعيش داخل رؤية واحدة، هي القائلة بأن المرأة مصدر الفتنة، وبذلك تكون المتهم الوحيد في أي حالة إغواء للرجل!
وهذا ما حصل مع أحد الفتيات عندما حدثتني عن موقف حصل لها مع أحد رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حين نهرها وأمرها أن تستر وجهها، أو تخرج من السوق، مع أن الفتاة من ضمن مقاييس الدين الإسلامي «محتشمة»، لكنها من ضمن مقاييسه لم تكن كذلك!
أعجبتني بردها وثقتها بنفسها، مع أنها لم تتجاوز العشرين من عمرها، حينما قالت له: «يا شيخ، ربي أمرك بغض البصر، وقد أمر عز وجل بهذا، لأن هناك من يرى في أجسادنا الفتنة، وهي من خلق الله نسترها، لكن لا نستطيع طمسها»، اختفى رجل الهيئة عن نظرها ولم يرد.
حول هذا دار النقاش فيما تلاقيه الفتيات من تحرش، سواء في الأسواق أم في الشوارع العامة من قِبل الشباب المستهتر، وأن الفتاة عندما تتعرض لمثل هذا التحرش والملاحقات التي تجعل منظرها وهي داخل سيارتها مؤسفا، فلا تجد من ينقذها، قالت لي إحداهن: «عندما أتوجه إلى رجل الشرطة، فهو لا يحرك ساكنا، باعتبار أن هذا الأمر ليس من مهام عمله، وإن توجهت إلى رجل الهيئة، فهو يلقي باللوم عليّ، وقد يحتجزني، ويستدعي ولي أمري ليقوم بالتوقيع على تعهد زاخر بالتهم التي يرى أني اقترفتها.. فإلى أين أذهب؟».
فعلا أين تذهب؟ سؤال بريء ومشروع. إذا كانت الفتاة تخرج وتتعرض لما تتعرض له من شباب، هم أيضا ضحية لفكر نشأوا عليه وتشربوه في المدرسة والبيت، يقول إن المرأة كلها عورة، لذا فهو يرى أن هذه العورة طالما خرج منها شيء، كالعينين أو الوجه، صارت بلا حرمة، متاحة له، ولن يجد من يردعه، لأنها في مجتمع يرى أنها لم تتجرأ على هذا إلا لأنها رخيصة، وهنا يتم إهدار عرضها بمباركة الجميع.
بحكم اهتمامي بهذا الموضوع ومتابعتي له منذ سنوات، سواء عبر عملي الصحافي وعبر متابعتي لبعض الحالات التي تتصل بي أم تراسلني عبر البريد الإلكتروني، بحثت عن إحصائية على الأقل من خلالها أستطيع قياس حجم المشكلة، لكني لم أجد، فيما وجدت أن عددا من الدول العربية من خلال منظماتها النسوية والحقوقية قد وضعت أرقاما وإحصائيات ونسب تساعد المهتمين في تلمس خيوط هذه المشكلة، تمهيداً للبحث عن حلول لها، هذا ما وضعني في حيرة أمام تقاعس الجهات المخولة بعمل الدراسات والبحوث، علما بأني سألت عن دراسات حول هذه القضية وغيرها وأتاني الرد بأنه يوجد دراسات لكنها سرية..!
لا أدري إلى متى سنعيش في سرية، وإلى متى القضايا الاجتماعية ستظل مدفونة تحت ركام الجراح، ويبقى تداولها العلمي محكورا على أرفف الجهات الرسمية والمراكز البحثية بين الخشب والتراب.
مثل هذه المواقف ما عدت أجد لها أي مبرر، وطالما أن هذه الدراسات ستظل حبيسة مراكزها، فلنلتفت بجدية أكثر إلى مطالبة عضو مجلس الشورى هذه، ولا ننتظر كما انتظرنا في كثير من القضايا الأخرى أن تتغير نظرة المجتمع، فالخطوات الإصلاحية هي التي تتحرك لإيجاد قوانين وأنظمة تُفرض على الجميع، ومع تطبيق الأنظمة المفترضة ستتغير النظرة. هذا ما قلته في أكثر من محفل حول «قيادة المرأة للسيارة»، التي لا يوجد أي مانع عنها سوى نظرة المجتمع، هذه النظرة التي صارت الشمّاعة التي نعلق فوقها تقاعسنا، لن يتغير المجتمع إلا إذا سار على قوانين يمارسها في حياته ويلمس بنفسه نتائجها، وهنا سيتحمل مسؤوليته بنفسه وسيملك القدرة على تصنيف النتائج الإيجابية عن السلبية.
هذا الانتظار الطويل جعل النظرة الخارجية لنا كمجتمع سعودي نظرة قاصرة لا تتعدى كوننا مجتمعا جامدا، غير قادر على اتخاذ قراراته بنفسه، ومرة أخرى أؤكد أن القانون الذي ينظم الحياة الاجتماعية، هو من سيخلق الأجواء الصحية في أبجديات التعامل ما بين الرجل والمرأة، وإزالة المصطلحات الجاهلية التي ركزت على أن المرأة، ما هي إلا كائن مخلوق لمتعة الرجل.

نقلا عن الصحيفة الالكترونية “أوان”