المنشور

الخطاب ضد الإسلام السياسي.. جاء موضوعيا وعقلانيا

لقد اطلعت على مقالة الدكتور علي فخرو، المنشورة بجريدة «أخبار الخليج« في صفحة قضايا وآراء بتاريخ 5 يونيو 2008م والمعنونة بـ “الخطاب الانتقائي ضد الاسلام السياسي”، وما تمخض عن ماهية المقالة التي جاءت ردا على ما أورده محاضر في محاضرته عن الاسلام السياسي في احد بلدان الخليج.. واعلان الدكتور علي فخرو شيئا من استيائه وانتقاده لما “اكتنف المحاضرة بالتعميم التبسيطي المخل بالأمانة الفكرية.. واصدار المتحدث حكما سلبيا جارحا واحدا على كل الحركات الاسلامية السياسية” حسبما جاء على لسان الدكتور علي فخرو من خلال مقالته..
ولكن ايا كانت الأمور وما تمخض عنها من نتائج، فنحن بدورنا نستطيع القول انه لا يوجد وجه للتمايز او الاختلاف ما بين حركة اسلامية متخلفة ومتشددة وحركة اسلامية مستنيرة ومتسامحة.. لكون حركات ومنظمات تيار الاسلام السياسي جميعها التقت في بوتقة واحدة باقحامها الدين في السياسة، ومزجت السياسة بالدين واعتمدت اجندة خطابها الديني، المتسمة بـ “المفارقة الدينية والميتافيزيقية الغيبية” غير القابلة للحوار أو المناقشة او مبدأ الاجتهاد، التي هي خطوط حمراء لا يمكن ولا يسمح بالاقتراب منها.
ولعل المفكر الدكتور نصر حامد ابوزيد قد اصاب كبد الحقيقة بهذا الصدد حينما اكد في كتابه نقد الخطاب الديني بقوله: “ان التيارات الاسلامية (المعتدلة والمتطرفة) تلتقي على عناصر وثوابت اساسية غير قابلة للنقاش واهمها (النص والحاكمية)”. غني عن القول إنه حينما يسترسل الدكتور علي فخرو خلال مقالته بقوله: “المقصود هو ان يكون الخطاب الفكري السياسي خطاب تحاور مع الخصم لا تدميره، خطاب تسامح معه لا اقصاء له، خطاب عدل لا خطاب ظلم” فان هذا الكلام هو كلام العقل بعينه.. كلام موضوعي عقلاني يؤمن صاحبه بمفاهيم الديمقراطية والرأي الآخر، بقدر ما يؤمن بوظائف العقل لا وظائف العاطفة، ولكن عندما نسحب هذا الكلام على واقع تيار الاسلام السياسي، فإن مغازيه وتداعياته ستظل نقيضة وغريبة وخارجة عن تلك العقول الجامدة المنغلقة، لا تنسجم والاجندة الدينية لخطاب هذا التيار الاسلامي، الذي يدافع عنه الدكتور علي فخرو.. طالما تنظيمات الإسلام السياسي من دون أي تمييز بينها ترفض هي أصلا مبدأ التعددية والرأي المعارض الآخر، وتغلق الابواب امام الحداثة والتحديث والتنوير، وتنزل الحدود على رقاب من اختلف معها، وتؤمن بإسقاط الماضي على الحاضر بالثوابت والنصوص على حساب تعطيل وظائف العقل واغلاق باب الاجتهاد وتحرم الديمقراطية وحرية الرأي والفكر المعتقد وتمارس دعوى الحسبة، وتحرم ترشح المرأة إلى الانتخابات، بل تدعوها للعودة الى المنزل، وتحظر الاختلاط في المعاهد والجامعات.. وبالتالي إقحام الدين في السياسة وتسييس الدين واسلمة السياسة ثم تتوج بأسلمة القوانين والتشريعات، لتمهد الطريق لاقامة الامارة الاسلامية، التي تتسم بـ “النص والحاكمية” وامتلاك الحقيقة المطلقة.
ولعل القول يبقى صحيحا ان الدكتور علي فخرو هو من اعرف العارفين، بأن بعض قوى وعناصر تيار الاسلام السياسي هي صنيعة الدول الغربية والولايات المتحدة من جهة، وصنيعة الانظمة العربية المتخلفة من جهة ثانية.. ولكون هذه الانظمة متخلفة بتشكيلتها الهرمية البطريكية والسياسية، فإن هذه القوى الاسلامية وفي مقدمتها “جماعات الاخوان المسلمين” قد استطاعت منذ عقد الخمسينيات ان تستحوذ على المواقع المهمة لدى مختلف الدول العربية وخاصة الدول الخليجية، وتهيمن على اعلى المناصب في وزارات التربية والتعليم ووزارات الاعلام. ولكن يظل بالمقابل ان تيار الاسلام السياسي بخطابه الديني هو اكثر تخلفا من تخلف صنيعته الانظمة العربية.. ليضاعف هذا التيار الاسلامي التخلف بجميع اشكاله، لأن احزابه وتنظيماته المتخلفة قائمة على الاصطفافات الطائفية والمذهبية بطابعها ذي البعد الواحد، وذي الطائفة الواحدة، والمرجعيات الدينية.. وبالتالي غرست هذه الاحزاب الدينية بذور التخلف في واقع الارضية المجتمعية “الرسمية والشعبية” التي لاتزال تعاني تداعيات الارث الظلامي، وفي مقدمتها شعوب هذه الدول ومجتمعاتها.. ويكفي نتائج الانتخابات البرلمانية والبلدية والمحلية، التي فاز فيها على مدار الاعوام الاخيرة مختلف التيارات الاسلامية من اخوان مسلمين وسلفيين وخمينيين في كل من البحرين والكويت والاردن ومصر، بأصوات ناخبين انخدعوا بشعار “اطعم الفم تستحي العين”، اي حين اطعمت افواههم استحت عيونهم.. وذلك من خلال مساعدات زهيدة ترقيعية تسلم اليهم عبر المال السياسي. وفي هذا الصدد فان المفكر نصر حامد أبوزيد قد وضع النقاط على الحروف، حول تخلف الوجهين النظام السياسي والتيار الاسلامي.. بقوله: “ان الخطاب الديني يمثل الغطاء الايديولوجي للأنظمة الدكتاتورية الرجعية وتكريس اشد الانظمة الاجتماعية والسياسية رجعية وتخلفا”.
في نهاية المطاف فإننا نحاور الدكتور علي فخرو الذي من خلال مقالته ساند حركات تيار الاسلام السياسي المستنيرة من وجهة نظره.. نحاوره بأسئلة بالغة الاهمية: ما مدى حكمه العقلاني والموضوعي على ما ورد في رد مقالتنا لما جاء في مقالته؟ وما مدى ايمانه بهذه الحركات الاسلامية التي هي حركات طائفية ومذهبية اصلا؟ على الرغم من ان الدكتور علي فخرو ينتمي إلى الفكر العقلاني والعلماني والديمقراطي حيث صاحب هذا الفكر يمقت بطبيعة الحال النعرات الطائفية والمذهبية والقبلية والفئوية على حد سواء.
 
صحيفة اخبار الخليج
27 يونيو 2008