المنشور

القابعون خلف المكاتب‮ ‬يلعبون بالأوراق‮!!‬

ماذا‮ ‬يعني‮ ‬قدرة التنظيم السياسي‮ ‬على الاختراق؟ وكيف‮ ‬يخفي‮ ‬وجهه بعدة أقنعة؟ وأين هي‮ ‬المواقع الأكثر أهمية وممكنة للاختراق؟ تلك أسئلة لا نحاول التركيز على مناقشتها هنا وان كانت هناك أسئلة كثيرة تتعلق بفن العمل البيروقراطي‮ ‬وقدرة الموظفين القابعين خلف تلك الأوراق في‮ ‬القدرة على التلاعب بأوراق الناس متى ما رغبوا في‮ ‬التلاعب بها،‮ ‬خاصة إذا ما كانت تلك الزمرة لوبياً‮ ‬محترفا ومرتبطا بتنظيم سياسي‮ ‬أو ما‮ ‬يشبه العصبة المنظمة كما هي‮ ‬تلك الشبكات الأخطبوطية في‮ ‬الدول،‮ ‬حيث نجد أن كلما كانت تلك الزمرة قابعة خلف تلك المكاتب مددا أطول وجذورها ضاربة في‮ ‬أوصال وشرايين المؤسسة بدرجة أفقية وعمودية فيها،‮ ‬فان الوضع عسير إذ تصل إلى اكبر رجل فيها‮ ‬يمتلك القرار إلى ابسط موظف قادر على تمرير الأوراق بسلاسة ويسر كلما استلم الأوراق من‮ “‬عمدة‮” ‬لديه الأصابع الميسرة‮. ‬
هؤلاء‮ ‬يمثلون اليوم قوة خارقة متنفذة تمتلك تحريك القرار حسب وجهتها دون علم أو قدرة صاحب‮ “‬التوقيع‮” ‬أن‮ ‬يناقشها،‮ ‬فقد اعتاد أن‮ ‬يترك لهم تحريك الأوراق حسب مشيئتهم وإرادتهم سواء بقناعة او انطلاقا من ثقة عمياء أو شراكة خفية قائمة بين المراتب العليا وتلك القوة القابعة خلف المكاتب توزع ابتساماتها‮ “‬الذهبية والخبيثة‮!” ‬فحين تترك أوراقك وتغادر المكتب لا تعلم ما الذي‮ ‬يصيبها من تعثر وحوار وتآمر،‮ ‬لكونهم وحدهم‮ ‬يلعبون بتلك الأوراق فلكل أصابع منهم مساحة في‮ ‬تشكيل لون المؤسسة ووجهها الوهمي‮ ‬والحقيقي‮ ‬دفعة واحدة،‮ ‬فيما‮ ‬يرى الناس المراجعون لأوراقهم مجرد معاملات باهتة وأوراقاً‮ ‬متطايرة من شخص إلى آخر،‮ ‬وكأنك تتحرك ككرة المضرب في‮ ‬لعبة‮ “‬البنغ‮ ‬بونغ‮”‬،‮ ‬وكلما حركت عنقك أسرع ازدادت الضربات في‮ ‬سرعتها إلى درجة تشعر بدوار‮ ‬يومي‮ ‬بين قسم وآخر،‮ ‬وإذا ما ارتفع صوتك فإنهم‮ ‬يتمتعون في‮ ‬ذات الوقت بقدرة مسرحية وبصوتين معا بدا لك متناقضين،‮ ‬فهم قادرون على الرد بدبلوماسية كبيرة وأيضا‮ ‬يردون بصوت أعلى متصلبا ومهينا بقدر ما‮ “روح شوف المسؤول الأكبر‮” ‬فتحال إليه بل ويعطونك أوراقك التي‮ ‬نامت لشهور في‮ ‬أدراج مكاتبهم بعد أن عثروا عليها بحكاية جديدة هو أن الموظف خرج في‮ “إجازة‮” ‬وقد ترك الأوراق في‮ ‬مكتبه المغلق‮. ‬وكأن المؤسسة باتت مؤسسة لأفراد ومكاتب خاصة وليس عملا داخل مؤسسة تتمتع بدرجة عالية من عملها الإداري‮ ‬والمؤسساتي‮. ‬
بعد كل تلك الإجابات الباهتة المثيرة للأعصاب فان الإجابة الأعظم لجعلك صامتا هو أن أوراقك لدى الوزير ولكن الوزير خرج للمؤتمر وسيعود بعد أسبوع،‮ ‬وإذا ما راجعتهم فإنك ستجد عملا منظما آخر هو أن الوزير جاء بالأمس وداوم ساعتين ولكنه خرج في‮ ‬إجازة طويلة قد تطول إلى شهرين وعليك الانتظار‮.. ‬فتدور حلقة اللعبة لمنظومة قررت أن تؤدبك أو تنتقم منك أو تدفعك للتطفيش أو إغاظتك عمدا‮ “لعبة الفخ والمكيدة‮” ‬لكي‮ ‬تلبسك تهمة الإساءة والقذف لرجل‮ ‬يؤدي‮ ‬مهماته الوظيفية بكل اتقان وتهذيب وأمانة‮!! ‬فتضحك من الكلمات الثلاث فتقول في‮ ‬نفسك بعد أن تستلم أوراق المحكمة فجأة وتكتشف بأنك مطلوب‮ ‬غدا للمحاكمة في‮ ‬القاعة ولنقل‮ “‬ج الكبرى‮” ‬فتتحيّر من كل تلك الإجراءات فتتصل بالمحامي‮ ‬والذي‮ ‬بدوره‮ ‬يحَار مثلك فتكتشف انك في‮ ‬جزيرة الحيرة وربما تكتشف بعد أيام انك في‮ ‬جزيرة الكوابيس عندما‮ ‬يخرج لك ذلك الموظف الجدير باللعب‮ “بأوراقك باتقان‮!” ‬ضمن منظومة واسعة ومنتشرة في‮ ‬أقسام متنوعة في‮ ‬المؤسسة ومتغلغلة بتجذر طويل الأمد بحيث‮ ‬يتغير وزير ويموت وزير،‮ ‬ولكن المنظمة وشبكتها باقية لكونها تدير عملا مؤسساتيا مرتبا‮. ‬
فماذا‮ ‬يضحكك في‮ ‬الأوراق عادة أكثر من تلك الجمل والكلمات اللعينة التي‮ ‬خاطها مشرع من نمطهم فاسد حتى العظم وقد تم استدعاؤه والطلب منه بوضع نصوص سهلة الامتناع وصعبة المعنى وشفراتها ملغزة ورموزها هيروغليفية‮! ‬ولكنك في‮ ‬النهاية تعرف العربية بكل وضوح إن كنت قد شتمت أو تطاولت على الموظف واتهمته في‮ ‬أمانته ونزاهته الوظيفية،‮ ‬وتلك هي‮ ‬التي‮ ‬أضحكتك كثيرا ثم اتهامك له بالرشوة والكسل والبلادة،‮ ‬فيما هو معروف بنشاطه واتقانه للعمل وهذه نكتة إضافية في‮ ‬ورقة الدعوة‮.. ‬أما تهمة القذف فهي‮ ‬وحدها مخجلة،‮ ‬فيما‮ ‬يرى أولئك من‮ ‬يلعبون بأوراق خفية انك قذفتهم بمفردات‮ ‬يمنعها القانون وقوة القانون وكان أجدر بك تهمة الاهانة بدلا من تهمة القذف‮!!‬
‮ ‬حمانا الله من النجاسة وطهرنا بحسن المعاملة فسرتهم تلك العبارات عندما سمعوها بعد أن وجدت أن المكتب برمته عيون بغيضة تحتكر كل الأوراق والمعاملات في‮ ‬شتى المكاتب بل والشركات،‮ ‬غير ان ظاهرة الاستحكام والانغلاق العصبوي‮ ‬نراها في‮ ‬مؤسسات الدولة اقل من المؤسسات الخاصة ولكنها باتت في‮ ‬البنوك الإسلامية ظاهرة واضحة،‮ ‬بينما تراجعت في‮ ‬شركات ومؤسسات‮ “‬نظفت‮” ‬نفسها من هجمة وتحكم تلك الأصابع الخفية‮. ‬
فلماذا‮ ‬يغيب دور الرقابة الإدارية والمحاسبة فيما نسمع ليلا ونهارا عن الشفافية وملاحقة الفساد ومناهضته بهدف دفع مشروعنا الإصلاحي‮ ‬للأمام وبجعل فضاء الحريات والديمقراطية أكثر عدلا ونزاهة‮. ‬فإذا تغلغلت تلك الأصابع في‮ ‬التعليم والإعلام والقضاء ثم مؤخرا‮ “‬بيت الشعب‮” ‬هل‮ ‬يكون خيارنا سهلا ونصمت أم نواصل مواجهة كل نمط من الفساد المستشري؟ وكيف‮ ‬يكون مصير كل صوت‮ ‬يؤمن بالمواجهة ويجد نفسه ذات‮ ‬يوم‮ ‬يحمل أوراقه الرسمية إليهم،‮ ‬فهناك لن‮ ‬يجد إلا تلك الابتسامة الذهبية فيما تبدو العيون تخفي‮ ‬لعبتها أيضا،‮ ‬وهذه المرة في‮ ‬جهاز الكمبيوتر‮.. ‬فالسيستم معطل‮!‬

صحيفة الايام
29 يونيو 2008