المنشور

دروس صفقة تبادل الأسرى (1 ــ 2)


على الرغم من مرور نحو إسبوعين على عملية تبادل الأسرى بين المقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله وإسرائيل فان أصداء وتداعيات هذا الحدث الكبير مازالت تتوالى وتتفاعل في إسرائيل وفي لبنان وعلى مختلف الأصعدة عربيا وإقليميا ودوليا.
 فإذ تبرهن الصفقة المذلة بامتياز لإسرائيل، باعتراف أعتى قادتها وأنصارها، على حدود القوة والغطرسة اللتين ظلت إسرائيل تمارسهما بلا منازع على الساحة الإقليمية منذ عدوان يونيو 1967، فإنها تبرهن بالمقابل على حجم ما يملكه العرب من أوراق قوة وضغط وأسلحة متنوعة عديدة لطالما فرطوا ومازالوا يفرطون فيها، والتي من بينها كما نعلم إهمال القيمة المعنوية الهائلة التي يحيطها العدو ليس بحياة جنوده ومدنييه فحسب، بل بجثثهم إذا ما تعرضوا للموت، وهي قيمة لم يسبق لدولة في تاريخنا المعاصر، بل لربما على امتداد التاريخ العالمي كله بمختلف عصوره أن استبدت بها على نحو مهووس كالتي استبدت بالدولة الصهيونية.
 وإذا كانت إسرائيل قدمت كل هذه التنازلات الموجعة والمذلة بقبولها تحرير وتسليم مجموعة من أعتى أعدائها العرب الأبطال، ألا هم عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار وأربعة من مناضلي حزب الله الذين تم أسرهم في حرب يوليو/ تموز عام 2006، بالإضافة الى رفات جثث 199 مناضلا فلسطينيا وعربيا وكل ذلك في مقابل تسليمها جثتي جنديين إسرائيليين فقط وبضعة أشلاء لقتلى إسرائيليين، فماذا كانت يا ترى ستقدم من تنازلات على امتداد الصراع العربي ــ الإسرائيلي منذ احتلالها فلسطين العربية بالقوة عام 1948؟ وهنا يتبين لنا جدا كم جرى التفريط في حسن استغلال هذه الورقة خلال كل الحروب والمعارك التي خاضها العرب رسميا وشعبيا مع إسرائيل، بدءا من حرب 1948، ومرورا بحرب 1956، ثم حرب 1967، وليس انتهاء بحرب اكتوبر 1973، دع عنك كما قلنا معارك وحروب المقاومة الشعبية غير الرسمية.
صحيح ان عملية تبادل الأسرى الأخيرة بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل لم تكن هي أول عملية في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي منذ عام 1948، إذ تمت عمليات عديدة من هذا القبيل سواء فيما بين إسرائيل ودول المواجهة أم فيما بينها وبين حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، إلا أنه كان بالإمكان استغلال وتوظيف هذه الورقة ــ السلاح على نحو أفضل وأكثر فاعلية لو جرى حسن استغلاله.
 ومن نافلة القول ان ورقة التطبيع السياسي والاقتصادي، فضلا عن ورقة الأسرى هما من الأوراق التي يمكن توظيفها على طاولة المفاوضات تحديدا، هذا لو كان ثمة حسن استغلال لهذه الأوراق، كما ذكرنا، معطوفة بموقف جماعي فلسطيني موحد ومسنود بموقف جماعي عربي رسمي وليس مفاوضات منفردة يجرى فيها غالبا التسليم بضغوط العدو وتقديم التنازلات المجانية له، وذلك في ظل استفراده بكل طرف عربي على حدة مدعوما بقوة بموقف الولايات المتحدة المساند له وممارسة ضغوطها على هذه الأطراف العربية للتسليم بمطالب حليفها العدو الإسرائيلي. كما تتجلى أهمية الصفقة الأخيرة ودلالاتها في أنها تأتي في أوج لحظات هوان العرب وتشتتهم على نحو لم يكونوا عليه وان بدرجات متفاوتة خلال أوقات وظروف مجمل الصفقات السابقة.
 وبالإضافة الى ما تقدم ذكره من دلالات لصفقة تبادل الأسرى الأخيرة فإنه يمكننا أيضا أن نضيف الى ذلك الدلالات المهمة التالية:
 أولا: إن إتمام الصفقة يبين بجلاء ضعف إسرائيل أمام من تصفهم بالحركات «الإرهابية« وعدم تورعها عن الانصياع للمفاوضات ولو غير المباشرة مع هذه الحركات حينما تملك هذه الأخيرة أوراق ضغط في ساحات القتال مع العدو.
 ثانيا: لئن كانت واحدة من أكثر المقولات شيوعاً في اللغة السياسية فيما يتعلق بالأزمات السياسية الداخلية التي عصفت بلبنان منذ تفجر الحرب الأهلية عام 1975 هي أن ” قوة لبنان في ضعفه” فلعل هذه المقولة أفضل ما تتجلى وتتجسد بامتياز في الصفقة الأخيرة. فهذا البلد “الضعيف” الذي طالما صالت إسرائيل وجالت فيه واعتبرته مرتعا لاستعراض قوتها الوحشية المزيفة استطاع ان يذل إسرائيل غداة ذكرى عدوانها عليه في أواسط يوليو من عام 2006، وأن يجبرها بمقاومته الباسلة على التسليم بمطالبه المشروعة. واستطاع هذا البلد ورغم ما يمر به من أزمة سياسية عاصفة طاحنة ان يوحد صفوفه من أدنى المستويات الشعبية الى أعلى المستويات الرسمية للاحتفال بهذا الإنجاز الوطني بأفضل ما يليق وذلك كما جرى رسميا في المطار عند استقبال الأسرى المحررين من قبل رؤساء الجمهورية والنواب والحكومة المشكلة الجديدة.
 ثالثا: ان هذه الصفقة الأخيرة هي من الصفقات النادرة التي يرد فيها الاعتبار لقدسية جثامين الشهداء العرب في بلدان عربية اعتادت ألا تقيم أدنى وزن واهتمام لدماء الأحياء وحيواتهم فما بالنا بجثث الأموات؟
رابعا: على المستوى الذاتي الحزبي فإن لجوء قيادة حزب الله الى التشدد في شروط الصفقة لتشمل عميد الأسرى القومي سمير القنطار ورفات عدد كبير من الشهداء الفلسطينيين والعرب من مختلف الانتماءات السياسية ونجاحه في هذه الشروط ومن ثم اكتسابه شيئا جديدا من الشعبية العربية هو في أمس الحاجة إليها في ضوء الظروف السياسية الراهنة التي يمر بها الحزب على خلفية مواقفه في الصراع السياسي الداخلي انما هو درس بليغ لكل الأحزاب الدينية والفئوية العربية لا حزب الله فقط، حول أهمية الخروج من الشرنقة الطائفية والمذهبية قدر الإمكان. فكلما تمكنت هذه الأحزاب العربية من الخروج من هذه الشرنقة وإضفاء البعد الوطني والقومي على هويتها وشعاراتها وبرامجها تمكنت من ان توسع من شعبيتها الوطنية والقومية بآفاق أكثر رحابة.



أخبار الخليج 28 يوليو 2008