المنشور

عبدالناصر.. دراميا وسياسيا

في ظل الأزمة العامة التي ترزح في ظلها الأنظمة والشعوب العربية على السواء بكل مناحيها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية فإن الجميع من حركات وأحزاب معارضة وكتاب ورموز ثقافية ومؤسسات سينمائية مازالت تجد ضالتها في الكنوز التراثية والتاريخية الذهبية إما هروبا من الواقع المرير ومظاهر الأزمة الآخذة في التفاقم، وإما للخلاص من طوق الرقابة وتوظيف معادن هذه الكنوز بغرض الإسقاط على الحاضر المأساوي المعاش، وهكذا وجدنا أحزابا تمر بأزمات وانحسارات جماهيرية منغمسة الآن في كتابة صفحات من تاريخها المجيد أو يعكف الآن شيوخها الكبار على كتابة مذكراتهم الحزبية المجيدة..
وهكذا يفعل الروائيون وكتّاب المسرحيات أيضاً، وهكذا يفعل المخرجون السينمائيون، الذين ما انفكوا يستنبطون وينجمون في مناجم وكنوز التاريخ العربي للبحث عن صفحاته المشرقة المضيئة في العزة والممانعة والبطولات الوطنية والإنجازات العلمية قبل غروب شمس الحضارة العربية. ولم يشذ مخرجو ومنتجو المسلسلات التلفزيونية بالطبع عن ذلك بل هم في مقدمة المتخصصين في إخراج المسلسلات التاريخية، وقد جعلوا من شهر رمضان المبارك مضمارا سنويا للسباق الماراثوني لسلق وإنتاج ما يمكن سلقه من مسلسلات على عجل للفوز «حصريا« بأكبر عدد ممكن من القنوات الفضائية العربية، وعلى الأخص الخليجية منها، أما عن مدى جودة مضامين هذه المسلسلات ومدى أدائها تمثيليا وتقنيا فأغلبيتها إما متوسطة المستوى وإما دون المستوى المطلوب. في العام الماضي كان أكثر المسلسلات التاريخية التي حظيت بشهرة واسعة النطاق وأثارت ردود فعل سياسية وفنية مسلسل «الملك فاروق« الذي كان بمثابة اختراق سوري درامي لصفحة من صفحات مصر السياسية التاريخية المعاصرة المهمة، في حين كانت مصر هي الأجدر بفتحها دراميا، لكن لأن مصر تواجه منذ سنوات أزمة ثقافية داخلية تلقي بظلالها حتى على قطاع السينما والدراما، فضلا عن وجود مسببات سياسية أخرى، فقد تأخرت عن فتح هذه الصفحة السياسية المتعلقة بشخصية الملك فاروق تحديدا والمرحلة التاريخية التي مرت بها مصر في ظله وأسلوب إدارته للحكم وحياته الخاصة اليومية. ومع ذلك فإن المسلسل نال اهتماما منقطع النظير بين المشاهدين المصريين. وفي هذا العام يتكرر نفس الاختراق حيث تم انتاج مسلسل عن حياة الرئيس المصري والزعيم العربي جمال عبدالناصر المنتظر عرضه في رمضان الوشيك وحيث كان متوقعا ان يشتريه التلفزيون المصري ويعرضه ولكن فجأة ولأسباب غامضة وغير مفهومة امتنع هذا التلفزيون عن شرائه، ولأن اللبيب بالإشارة يفهم، فإن المرء ليس بحاجة الى أن يضرب أخماسا بأسداس لتفكيك غموض هذا الموقف الغريب للتلفزيون المصري، فهنالك حساسية إقليمية من قبل القائمين على قطاعات فنية في التلفزيون وفي السينما وفي الموسيقى تجاه أي إنتاج عربي يتوهمون بأنه يهدد الموقع الريادي المصري الفني الذي تتبوأ به بلادهم عربيا، وهي حساسية مرضية مزمنة يبدو لا علاج لها. وبات حتى الكتّاب والنقاد المصريون ينتقدونها ويطالبون بعلاج المصابين بها أو ازاحتهم من مواقعهم التنفيذية العليا كمراكز قوى. لكن هؤلاء بدلاً من أن يدفعهم نجاح الدراما السورية في اختراق دراميا صفحات من تاريخ بلادهم وذلك بالتفتيش عن أسباب تخلف الدراما المصرية عن خوض هذا المجال الذي هم الأجدر به فإنهم يصبون جام سخطهم على المسلسلات العربية الناجحة غير المصرية نفسها، اللهم إلا إذا كانت هناك أسباب سياسية أخرى تتصل بمخاوف الحزب الحاكم من ان يجذب مسلسل عبدالناصر قطاعات واسعة من جيل الشباب ويثير انبهارهم وإعجابهم الزعامة المصرية والعربية الفذة التي كان يمثلها جمال عبدالناصر. مهما يكن فإن حظر هذا المسلسل في التلفزيون المصري في عصر الفضائيات هو حظر عبثي طالما بإمكان المشاهدين المصريين ان يشاهدوه على القنوات العربية الأخرى مهما يكن فما نأمله ان ينجح هذا المسلسل موضوعيا في إنصاف هذه الشخصية بتبيان ما لها وما عليها وما حققته من انجازات عظيمة لمصر وللأمة العربية. * * * درع عبدالناصر أعجبتني البادرة التي أقدم عليها الحزب العربي الديمقراطي المصري بمنح 25 شخصية دولية وعربية ومصرية درع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر تقديرا لدورهم المساند للقضايا العربية ولدفاعهم ونضالاتهم من أجل قضايا شعوبهم في مواجهة الهيمنة الاستعمارية الغربية. ومن هؤلاء الرئيس الفنزويلي شافيز، والرئيس الجنوب افريقي السابق مانديلا، والرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا، وزعيم حزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله، والفريق محمد فوزي، والشهيد البطل الفريق عبدالمنعم رياض، وعزيز صدقي، ومحمد حسنين هيكل، ومحمد فائق، وسامي شرف وغيرهم. * * * وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن البادرة التي اتخذتها جمعية الوسط العربي الإسلامي بطبع صورة لجمال عبدالناصر في ذكرى الثورة هي الأخرى بادرة تستحق التقدير والثناء. ولكن كان الأجدر بأن يطبع أسفل الصورة اسم الزعيم عبدالناصر اذ ان هذه لأول مرة تصدر صورة عبدالناصر بدون طبع اسمه عليها وعندما التقيت الدكتور جاسم المهزع واثنيت على هذه البادرة لجمعيته منبها إياه بهذه الملاحظة رد بأن عدم طبع الاسم كان مقصوداً فوجه الزعيم حسب تعبيره معروف لدى الجميع وبضمنهم حتى الأجيال الشابة التي لم تعاصره. وأتمنى من كل قلبي أن يكون استنتاجه صحيحا في هذا العصر العربي الرديء وان تتمكن هذه الأجيال الشابة من معرفة ليس صورة جمال عبدالناصر فقط بل ما لعبه من دور تاريخي في تاريخنا العربي المعاصر.
 
صحيفة اخبار الخليج
31 اغسطس 2008