المنشور

صراع الطوائف والطبقات في لبنان (4 – 4)

ليست المصالحات اللبنانية تقوم على ارض صلبة، بل هي مصالحات تكتيكية، نتيجة لتغير ظروف خارجية، خاصة لتوجه سوريا للمفاوضات مع اسرائيل بشكل سري، مما جعل القوى المتصلبة تدرك أن لا شيء ثابت وقوي في الدول العربية الشمولية. تغدو المصالحات توافقات تكتيكية ولا تدخل الى عظم الهيكل النخر للنظام الطائفي، فلم تصل حتى وثيقة الطائف إلا إلى محاصصات طائفية، وواصلت القوى السياسية العيش والعمل في نظام القرن التاسع عشر من دون تغيير جوهري. فالقوى التقليدية تظل هي السقف المسيطر ولا احد قادر على تشكيل ثوابت الحداثة في النظام، لتستمر صراعات القوى المذهبية التقليدية، بشكل ثم تتصارع بشكل آخر، من دون احداث تراكم ديمقراطي وطني. بعض قوى اليسار اتخذت مطالب العمال والكادحين لتأييد جهة طائفية ضد اخرى، وليس لتغيير حياة هؤلاء باتجاه وطني شامل.
ان المحاصصة الطائفية وتوزيع الكراسي والوزارات ثم توزيعها بشكل آخر ثم اجراء مواجهات دامية وغير هذا من العاب السياسة، تجعل فريقي السلطة والمعارضة، او فريقي السلطة الآن، يواصلان تمزيق لبنان، واعداده لمذبحة اخرى. هل يمكن لبعض الفرقاء اللبنانيين كتحالف تيارات المستقبل والكتائب واليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي التقدمي ان يؤسسوا تياراً ديمقراطياً لبنانياً توحيدياً؟ ليس ذلك ممكناً وهم قد اعتمدوا على نفس الاسس الطائفية في بناء تنظيماتهم السياسية، باستثناء اليسار الديمقراطي، ولم يفصلوا بين السياسة والدين، ولم يشكلوا فريقاً فكرياً واحداً يعتمد عناصر الوطنية والعلمانية والخطوات الوطنية المتفق عليها لتغيير حياة اغلبية الشعب، فذلك لو حدث يتطلب اعادة قراءة تاريخ لبنان، وطرح فهم مغاير للأديان عن الرؤية التقليدية الاقطاعية السائدة، وتشكيل علاقة تعاون معينة واستراتيجية بين الفئات المتوسطة والعمال. وليس ذلك بسبب ان ايران دولة دينية شمولية تريد فرض نموذج الدولة الدينية هذه فقط، بل لأن كل دول المنطقة غير قادرة على تصعيد مثل هذه الدولة الوطنية العلمانية، فتغدو الصراعات ثم الحروب هي المعجلة لمثل هذا الحل، وهي كوارث بامتياز. وتغدو هذه اشد واقسى في لبنان بسبب التاريخ والتكوينات الطائفية الكثيرة التي تم استعراضها سابقاً، وبسبب كون الفلاحين والعمال لا يحصلون على حياة تليق بهم. واذا رأينا الكتل السكانية المذهبية فسنجد ان كتل الفقراء الواسعة الكثيفة هي التي تدعم السياسات المذهبية المعارضة، وسنجد ان الطوائف التي تحوزُ نسبة كبيرة من الثروة الوطنية هي التي تدعم الطائفية المحافظة، والتبعية. ولكن مختلف الطبقات والقوى السياسية لا تعترف بأن الصراع على الثروة والحكم هو سبب المشكلات لا الاديان والمذاهب. وبسبب هذا الصراع على الثروة المتشابك مع الحكم تـُقام علاقات غير وطنية وتحالفات فوق رؤوس المواطنين وتعدهم لمشروعات رهيبة. ويخف الصراع ويشتد بسبب هذا التداخل، وفي بلد بمثل هذه الفسيفساء يغدو عسكرياً عنيفاً في قممه الحمقاء. اخذت قوى عديدة تريد فض الاشتباك بين المذاهب والسلطة، بين الثروة والحكم. يقول احد الكتاب (ثمة خياران: إما ان تغرق المنطقة في سلسلة حروب طائفية تفضي في النهاية لاستهلاك طاقة الطائفة ذاتها، وهذا ما تفعله الصراعات العنيفة دائماً اقصد استهلاك الطاقة الكامنة في عواملها، وإما ينتصر الوعي والعقلانية، وتنتفض شعوب المنطقة لتمسك يدها بمصيرها، وتختصر مساراً طويلاً من الالم والدم والخراب)، (معقل زهور عدي، الصراع الاجتماعي والانقسام الطائفي). نرجو ألا تنتفض الشعوب بل ان تراكم الثقافة الديمقراطية الحديثة وتتشبع بها احزابها المناضلة، وتغير من القوانين العتيقة والتشكيلات السياسية المذهبية واحتكار السلطة والثروة، لان الانتفاضات عادة دامية حادة، ولا تتصف بعقلانية سياسية ولكنها غير مستبعدة. وقد توصلت اغلبية المجتمعين في ندوة توحيد اليسار اللبناني الى افكار مهمة مثل هذه: (وجدوا ان اليسار يفتقد تنظيما قادرا على بلورة شكل الصراع، من خلال تكوين الوعي الطبقي لدى الطبقة العاملة، وان جزءًا من اليسار اتخذ قراره بدعم دولة المؤسسات بحجة ان النظام اللبناني ليس رأسمالياً، وان اليسار لم يعرف كيفية التعاطي مع تشوه الصراع واصلاح هذا التشوه، ورأوا ان دور اليسار يكمن في تسليط الضوء على الصراع الطبقي بمواجهة الاقطاب التي تعطي هذا الصراع طابعاً طائفياً، وفي رفض الصراعات الفئوية والطائفية، بالاضافة الى اعادة صياغة شكل الوعي والعمل على تحقيق مكاسب اكبر للطبقة العاملة)، (ملتقى اليسار اللبناني، 2007). ان تكوين مصالح وثقافة لليسار الموحد لا ينفصل كذلك عن توسيع بذور العناصر الديمقراطية والعلمانية والوطنية في كل الاتجاهات الاخرى، ففي النهاية سوف تظل القوى الوسطى هي المسيطرة على السلطة، لكن باتجاه تلك الثوابت التحديثية. والنظام اللبناني ليس رأسمالياً حديثاً على المقاس الغربي، ككل الانظمة العربية، فهو نظامٌ انتقالي بين الاقطاع والرأسمالية، ودرجات الانتقال تحددها تطوراتُ القوى المنتجة والوعي والتشكيلات السياسية، ونمو السياسة التحديثية يتشكل باستبصار هذه العوامل الموضوعية والذاتية المتداخلة وتوظيفها لمصلحة الاغلبية من السكان بغض النظر عن مذاهبهم واديانهم.

صحيفة اخبار الخليج
28 اكتوبر 2008