المنشور

منظمة التحرير الفلسطينية 1 + 2

انتهت الحرب الهمجية الوحشية الصهيونية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة التي استمرت 22 يوماً مخلفة أبشع دمار واسع وحشي طاول الزرع والضرع والحجر بمعنى الكلمة على أرض فلسطينية. لكن وبالرغم من كل ذلك لم تنته بعد، للأسف، الحرب السياسية الانقسامية بين حركة «حماس« من جهة والسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس من جهة أخرى. وفي خضم هذه الفوضى العارمة التي تشهدها الساحة السياسية الفلسطينية مرت خلال الأيام القليلة الماضية من شهر يناير الجاري ذكرى مناسبتين تاريخيتين فلسطينيتين عزيزتين على قلوب الفلسطينيين بوجه خاص والعرب بوجه عام: الأولى هي ذكرى مرور 45 عاما على إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية 1964م، والثانية انطلاق أول عملية فدائية عسكرية على يد حركة «فتح« في الأول من يناير عام 1965م. وفي مرور هاتين المناسبتين التاريخيتين المهمتين مرور الكرام بصمت، وكأنهما يتيمتان منسيتان، ثمة مغزى تراجيدي مؤلم لا يخلو من الدلالات التاريخية البليغة على المآل الذي آلت إليه الثورة الفلسطينية بعد 45 عاماً من إنشاء الكيان المؤسسي الجامع المعبر عن هوية شعبها وعن نضاله المشروع، وبعد مرور 44 عاماً أيضاً على اختطاطه «الكفاح المسلح« كوسيلة نضالية مستقلة عن الأنظمة السياسية العربية، وعلى الأخص تلك التي حاولت أن تفرض وصايتها على منظمة التحرير وعلى النضال الفلسطيني المشروع. وفي المآل التراجيدي العاصف الذي آل إليه هذا النضال المشروع بعد أربعة عقود ونيف من تأسيس المنظمة، ومن الانطلاقة المسلحة لكبرى فصائلها «فتح« لا يكاد يلمس المرء اليوم أي وجود سياسي ملموس يُذكر لمنظمة التحرير ولا ثمة ضغط نضالي مؤثر ملموس أيضاً لحركة «فتح« التي تكاد تختزل في بضعة ديناصورات متنفذين على قمة هرم ما يعرف بـ «السلطة الفلسطينية« في رام الله أو الضفة الغربية. بعد هزيمة 1967م وحيث برز بقوة الدور الكفاحي العسكري الملحمي لفصائل الثورة الفلسطينية، وعلى رأسها «فتح«، بقيادة ياسر عرفات، فإنه بفضل ما اجترحته هذه الفصائل من بطولات فدائية وما قدمته من تضحيات ودماء زكية كبيرة استطاعت أن ترفع وصاية الأنظمة من على المنظمة، وان تجعلها المعبر والرمز والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وقد أقرت الأنظمة العربية له هذه الشرعية في مؤتمر قمة الرباط عام 1974م. وعلى امتداد 20 عاماً بالتمام والكمال منذ ذاك التاريخ حتى عام 1994م، جرت مياه كثيرة ومرت الثورة الفلسطينية بمنعطفات وتعرجات خطيرة انعكست على وضع ومكانة منظمة التحرير فلسطينيا وعربيا ودوليا بدءا من طرد الفصائل من الأردن إثر صدامها الكبير مع سلطته في ايلول 1970م، ومرورا بطردها من لبنان عام 1982م إثر الاجتياح الإسرائيلي في صيف ذلك العام، فتأسيس «حماس« في 1987م، وتنامي قوة شوكتها السياسية ثم العسكرية بالتوازي مع انحسار دور الفصائل الوطنية بعد هزائمها العسكرية في الأردن ثم في لبنان، فضلاً عن تضعضع نفوذها الجماهيري، ليس في الشتات فحسب، بل الأهم من ذلك داخل الأراضي المحتلة عام 1967م (الضفة والقطاع)، وهو التضعضع الذي يعكس أخطاءها القاتلة بإهمال نفوذها الجماهيري الدائم في الداخل بكل أشكاله السياسية والثقافية والدينية والتعبوية خلال صعودها العسكري، وهي الأخطاء التي عرفت كيف تستغلها جيداً «حماس«، ولاسيما في القطاع معقلها الرئيسي.. وأخيراً انتهاء باتفاقيات «أوسلو« التي وقعها رموز «فتح« القياديون المتنفذون في المنظمة، وما تبع ذلك من رهن النضال الفلسطيني بمجمله ومستقبل القضية الفلسطينية برمتها بالمفاوضات القائمة على اتفاقيات أوسلو الموقعة مع العدو الإسرائيلي، ولا شيء آخر سوى «المفاوضات«، ناهيك عن طمس دور ووجود منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب، بعد أن تم توقيع اتفاقيات «أوسلو« باسمها (المنظمة) باعتبارها المنظمة المعترف بها دوليا كممثل للشعب الفلسطيني. اليوم، وبعد مرور أكثر من 15 عاماً على توقيع اتفاقيات أوسلو باسم المنظمة، وما مر به الشعب الفلسطيني وقضيته طوال هذه الفترة من تجربة مريرة بالغة التدمير بفضل الحصاد الكارثي لتلك الاتفاقيات، في مقابل شبه انفراد فصيل واحد متشدد ممثلاً في «حماس« بتقرير مصير القضية عبر شكل المواجهة مع إسرائيل، وفي ضوء كوارث الضربات والحملات الوحشية العنصرية الصهيونية المتواصلة، منذ الانتفاضة الثانية عام 2000م حتى العدوان الهمجي الوحشي الأخير على القطاع، ما أحوج هذا الشعب المعذّب إلى استعادة ورد الاعتبار إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار التنظيمي المعبر جبهويا عن مختلف مكوناته السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية في الداخل والخارج والمرجع والملاذ الأول والأخير لتنظيم وتوحيد صفوفه وتقرير قراراته المصيرية جماعيا عند المنعطفات الحاسمة الصعبة.. فهل ثمة بارقة أمل في ذلك بعد مذابح غزة؟

تغييب دور منظمة التحرير الفلسطينية منذ التوقيع على اتفاق اوسلو عام 1993، وانشاء السلطة الفلسطينية التي جاءت ثمرة لذلك الاتفاق لم ينعكس على الوضع المأساوي الراهن الذي تشهده الساحة السياسية الفلسطينية من حال تشرذم وانقسام وتفتت وفوضى غير مسبوقة تاريخيا فحسب، بل انعكس أيضا في غيابها كمرجعية تنظيمية يحتكم إليها جميع الاطراف والقوى السياسية، وعلى الأخص فيما يتعلق باتخاذ القرارات المصيرية عند المنعطفات التاريخية الصعبة الحاسمة، بل لربما الأهم من ذلك فإن المنظمة يمكن اعتبارها الاطار التنظيمي المباشر، أو غير المباشر، لحل الخلافات او الصراعات السياسية الناشئة بين فصائلها وهذا ما تجلى خلال سني بروز دورها المحوري الذي لعبته منذ اواخر الستينيات حتى مطالع التسعينيات تقريبا أي عشية انفراد اعضاء قيادتها الفتحاويين في اللجنة التنفيذية، وعلى رأسها الرئيس الراحل أبوعمار، بالتوقيع على اتفاقيات اوسلو باسم المنظمة وباسم الشعب الفلسطيني بعيدا عن اشراك سائر قوى واطراف المنظمة، وبعيدا ايضا عن مؤسساتها، وعلى الأخص المجلس المركزي والمجلس الوطني (السلطة التشريعية). وعلى الرغم من ان الخلافات بين فصائل المنظمة تصل احيانا إلى الاشتباكات العسكرية، فإن تحقيق المصالحة فيما بينها لم يصل أبدا الى ابواب موصدة دائمة، او الى درجة من التعقيد، كالذي شهدناه ومازلنا نتابع فصوله منذ سنوات بين السلطة الفلسطينية و«حماس«. ومن دون انكار ما للأولى من خطايا وانحرافات سياسية وإدارية ومالية جسيمة، إلا ان من الواضح جليا لكل من يقرأ بتمعن مواقف كلا الطرفين حول الارضية أو القاعدة التي يمكن أن تقوم عليها مفاوضات المصالحة بينهما ان «حماس« تفتقر الى الذهنية البعيدة النظر لتسهيل المصالحة واسس شروط التنازلات الواقعية المتبادلة. فمثلما ادى نجاح المقاومة اللبنانية في اجبار القوات الاسرائيلية على الانسحاب من الجنوب عام 1999 الى شعور حزب الله بالثقة المفرطة في النفس التي انعكست بعدئذ على اسلوب وذهنية حواراته في الداخل مع خصومه السياسيين، وتمسكه بالانفراد لبنانيا بقرار الحرب او السلم مع اسرائيل مما أدى الى كارثة العدوان الهمجي الاسرائيلي على لبنان صيف 2006، فان النجاح الساحق الذي حققته «حماس« في الانتخابات التشريعية أفضى بدوره الى شعورها بثقة مفرطة في النفس وصلت الى نزوعها الى فرض نفسها واستفرادها بالساحة السياسية وطغيان النزعة الاستئصالية ليس ضد «فتح« فحسب بل سائر الفصائل الوطنية الأساسية الاخرى، وصولا إلى انفرادها باتخاذ قرار وقف التهدئة واستئناف اطلاق الصواريخ مما أفضى الى الكارثة المأساوية غير المسبوقة التي حلت بالقطاع من جراء العدوان الاسرائيلي الوحشي الأخير على غزة. ووجود هذه النزعة الاستئصالية لدى «حماس« لا يعني في المقابل، بالطبع، عدم وجودها بهذه الدرجة او تلك لدى «السلطة الفلسطينية«. ولعل مما يزيد الأمر تعقيدا في الوضع الانقسامي الراهن بين الطرفين استبعاد كليهما لأي دور اساسي مؤثر ممكن أن تلعبه الفصائل الفلسطينية الأخرى لتقريب وجهات النظر بينهما وتضييق الفجوة، وصولا الى تحقيق المصالحة الوطنية، وذلك ليس لما تملكه هذه الفصائل، وعلى الاخص اليسارية منها، من تجربة مفيدة في حوارات ومفاوضات المصالحة الوطنية ابان نشوب الاختلافات سواء فيما بين بعضها بعضا، أم فيما بينها وبين كبرى هذه الفصائل «فتح« المهيمنة تاريخيا على قيادة المنظمة. ومن ثم يمكن الاطمئنان لاداء ودور ممثلي هذه الفصائل، كوسيط وطني محايد ونزيه، وهو افضل من الركون الى الوساطات العربية، ذلك أن أهل فلسطين ادرى بشعابها، ولا يمنع بعدئذ ان يكون دور أي وساطة عربية مكملا او بروتوكوليا لوضع اللمسات الاخيرة لأي مشروع اتفاق مصالحة وطنية شاملة، أي بمشاركة جميع الفصائل الفلسطينية. قبيل يومين فقط من انطلاقة الحملة العدوانية الوحشية الأخيرة على غزة صدر بيان مشترك لأربعة فصائل وطنية فلسطينية يسارية، وهي كل من: الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (عمودها الفقري الحزب الشيوعي الاسرائيلي)، وحزب الشعب، وفي هذا البيان ثمة مقاربة واقعية لمخاطر استمرار النزاع بين فتح والسلطة من جهة وبين حماس من جهة اخرى وسبل حل النزاع. ومع ان البيان لم يغفل اهمية الورقة المصرية كأرضية لاستعادة الوحدة من خلال تشكيل حكومة توافق وطني واجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة الا انه شدد على أهمية تفعيل وتطوير منظمة التحرير وفقا لاتفاق القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني تمهيدا لانتخاب مجلس وطني وفق التمثيل النسبي لكل الفلسطينيين في الوطن والشتات. وحذر البيان من خطورة التلاعب بمسألة ولاية الرئيس لتبرير التمديد له لان ذلك يهدد ويطعن في الشرعيات القائمة. ومع ان احدا لا يقلل بطبيعة الحال من الدور الذي تلعبه القاهرة الآن لحلحلة القطيعة والجمود بين السلطة و«فتح« من جهة وبين حماس من جهة أخرى، فإن هذه الحلحلة إذا ما قيض لها في الجولات القادمة ان تتطور الى معجزة تحقيق مصالحة جديدة ستكون هشة ولن تغني بأي حال من الاحوال عن الضرورة القصوى الملحة لإعادة الاعتبار للدور المحوري لمنظمة التحرير الفلسطينية في الحياة السياسية والنضالية لشعبها، وفي شتى مناحي الحياة الاجتماعية المختلفة. وهذا لن يتم الا بعد التوافق على اعادة بناء المنظمة على اسس ديمقراطية حقة جديدة تأخذ بعين الاعتبار متغيرات العصر وتطور الوعي الديمقراطي للشعب الفلسطيني وقواه السياسية.

صحيفة اخبار الخليج
29 يناير 2009