المنشور

صناعة الموت!

ليس حل العمالة الوطنية هو الانتقام من العمالة الاجنبية او العنف من ذلك العامل الذي حلم ذات يوم بالذهاب الى بلدة خليجية ليغرف من كنوزها اموالا لبناء بيت صغير في بيشاور وتزويج اولاده وتعليمهم. كتب لهم العديد من الرسائل عن مدينة جديدة غير المنامة التي اكتشفها على خارطة الدنيا الواسعة «وحينما هبط مطار المحرق لم يكن يحمل الا شنطة مطاطية صغيرة وعلبا تكفيه لايام وملابس غطت رائحتها فضاء ذلك المناخ الملوث بأبخرة المصانع المحيطة . ومكث لأيام في معسكرات المقاول الكئيبة فقد بدأ يستيقظ صباحا مع الشمس وينام معها» وعندما حانت له فرصة التعرف على محيط القرى التي يسكنها كان عليه ان يهضم فكرة جديدة هل بالفعل انه في عالم الحلم ام الحقيقة المرة التي يراها؟!. ومع ذلك كان يواصل كتابة رسائله ولم يكن ينتظر الموت العاجل بين دفة القرى والطرق المحترقة والجنون المتربص به، هل كان هذا العامل الباكستاني وقد يكون من جنسية اخرى اذ لم تكن الزجاجات المحترقة تدرك الفرق بين هوية الغرباء والمواطنين ولا تميز بين ألوان الموت. مثل ذلك العنف اللامجدي انتزع روح عامل لم تنته مدة اقامته ولم يستكمل استلام اجور الشهور التي عملها فكان على موعد مع الموت الاحمق، هل بالفعل كان هذا العامل الباكستاني او النيبالي او البنغالي حلا ًلرحيل العمالة الاجنبية؟ حلاً عاجلاً لاحلال عمالتنا الفائضة؟ التي تورطت بين تدني الاجور وتدني قدراتها المهنية والتعليمية في بعض المجالات! هل بالفعل جميع تلك المهن والجنسيات حلاً لمشكلة انغمست في دماغ شاب متهور حاول ان يخلط اوراق التمييز بين الجنسيات والتجنيس «فضاع ذلك الوعي الانتقامي المنفعل» ومن وضعوا زجاجة المولوتوف في دماغه هم انفسهم الذين انتحوا جانبا عندما حملها بيديه تلبية لرغبة سياسية وتحريضية «فهناك نداء للخلايا الصغيرة المتناثرة دون روابط» افعلوا ما يهز الشارع كل بمفرده «المهم ان يشاهد العالم الخارجي حركتنا وتوجهاتنا ويكتشف النظام ومن حوله وعدسات الصحافة ان الوضع ليس مستقرا ولا يهم الثمن المدفوع ولا الخسارة الممكنة وغياب فرصة النجاح، فالمهم انقاذ البطل من محنته» وبأن كل شيء على ما يرام وما زال «الشارع ملكنا» ومن يدينون فعلك ليسوا الا خونة واذا ما صمت المجتمع فان ذلك يعني انه يؤازرك ويشد من عضدك. فيا ايها الفتيان المجاهدون «انقذوا الوطن بقتل الغرباء فهم الاعداء الحقيقيون لمحنتنا» مثل تلك الشعارات والافكار الجوفاء التي تشحن بها ثلة الفتيان والشباب تصبح افيونا دائما ويعززها على الدوام ذلك الصوت الداخلي السري والاعلام المتناقل معها تحت شعارات ونماذج وامثلة من قضايا شعوب اخرى، كلها باتت وقودا لشبابنا العاطل والحاقد والطائفي والعنصري، فهل نحن صائبون على مواصلة التجييش المضاد ام الاجدر بنزع فتيل الجنون والعنف من يد هؤلاء الشباب الذين يتلقون فلسفة العنف والقوة كجزء من الجهاد والشهادة في وطن بحاجة الى وقت من الحوار ودرجة عالية من الصبر، وسيكون الكثير من الناس غرباء ومواطنين ضحية لها. علينا ان نحمل عملنا السياسي من قاعات الفنادق والابنية ونذهب الى قرانا التي تجذر فيها شعور الكراهية الوطنية والسياسية «وان نعايش الهموم اليومية» ولن ينجح برنامجنا التوعوي والوطني بمفردنا وانما ببناء جبهة وطنية عريضة يكون رجال الدين والدولة جزءاً منها. فهناك ستواجهنا اسئلة عملية لسنا قادرين على حلها لوحدنا «فهموم جيل شاب عاطل في القرية» جيل مشحون ويعيش حالة التحريض الدائم والمنتظم، ويحمل بين يديه ليل نهار فتيل العنف والانفجار. هل يكفينا ان ندين العنف الكريه بحيث نبني اجواء واسعة من الكراهية دون ان نعي نتائج ابعاد ثقافتنا الموتورة؟ هل ستساعدنا عمليا لغة التحريض المضاد والاعمى ضد اشخاص فقدوا الامل بالحياة وسقطوا في قبضة الاحباط واليأس وخطاب العمل السري؟ لقد بات الشخص بمفرده قادرا على خلق حالة من الضجيج وليس المهم لدى حامل تلك الزجاجة هدفه الاسمى، فاصطياد عامل بسيط لا ذنب له يشعره براحة الضمير طالما ثقافة العداء للعمالة الاجنبية قائمة وغاب عنها الوعي الحقيقي ونزعت منها الانسانية، المهم هو صناعة الموت والعنف في شوارعنا لمتابعة مسلسل «الابطال الملثمين» وعندما يسقط في قبضة الامن وتتم مساءلته لماذا قتل العامل المدعو! فلن تكون لديه اجابة تقنعهم/ وتقنعنا بفعلته الشنيعة؟
 
صحيفة الايام
31 مارس 2009