المنشور

المرأة الكويتية واختراق الأسوار المحرمة

قبل اقل من عقدين كانت هناك أصوات عالية تعتقد أنها قادرة على منع الصوت النسائي الاقتراب من صناديق الاقتراع واحتضان ورقة التصويت والذهاب بها خلف الستارة لكي تختار من يمثلها، فليس لهذا الكائن الحق ولا القدرة على اختيار من يمثلها فمكانها الطبيعي هو البيت وإنتاج الأولاد وتربيتهم، بل وذهب بعيدا بعضهم على اتهامها بأنها ليست قادرة على فهم السياسة ولا دهاليزها، فالسياسة للرجل وحده هكذا بقدرة قادر تعالى صوت الرجل وبكل غرابة على الاجتهاد بأنها لا تفقه في السياسة ولا دهاء السياسة فالنساء يظلن نساء تابعات وتبعيات يلحقن بالرجل أينما يذهب وكيفما يقول. آراء بدت غريبة عن عصرها وزمنها، آراء تكشفت مع مسارها اليومي وتعرت، فقد اخذ الجيل الجديد يرى بأم عينه غرابة تلك الآراء التي لا يمكن أبدا أن تتزامن وتنسجم مع الحياة المعاصرة، فقد لمس الجيل الشاب “إناثا وذكورا” في ساحات الجامعة وقاعاتها، بأن هناك متغيرا كبيرا يخترق أروقة الجامعة، كائن يسمونه المرأة والتي هبطت من الفضاء لكي تحاضر وتدرس لهم وتدرس معهم، ليس في مجال بعيدا عن حقول الرجال، إذ لم تعد تختص في الكيمياء والفيزياء وغيرها، وإنما تحديدا في علم له علاقة بالسياسة وأخواتها، تدّرس للطلبة كل ما يمكن تصوره من حقول ومجالات، فهي قادرة على اجتراح كل أشكال المستحيل. هذا التيار العارم النسوي حاول من يعادونه ويعادون العلم أن يكون لحضورها الجامعي مكانة وقبول لدى المجتمع، فبدأت كل أشكال المنع والحظر بجعلها صوتا ممنوعا للذكور، فالنساء للنساء والنساء ليست للسياسة، وكل تلك الأشكال من الممنوعات والمحرمات. فإذا ما نجحت تلك الأصوات من منعها بعض الوقت، فإنها غير قادرة على منعها كل الوقت، فبدأت الأنثى المستعصية العصية، على رفع صوتها داخل البيت احتجاجا على منعها تحطيم الأسوار والجدران البيتية منذ وقت طويل يقارب النصف قرن أو يزيد، وبالتدريج وجد المجتمع التقليدي في الكويت النساء يدخلن الشارع العام مثلما يمسكن بأوراق المكاتب والوزارات ويدرن أقسام وقطاعات تعدت التعليم والمدرسة الابتدائية. مثل هذا التطور لا مجال لحجره وتحجيمه فمنطق الحياة يستدعي مساهمة النصف الثاني في التنمية المجتمعية، واخذ دوره المنتظر، إذ لا يمكن للمرأة بعد كل هذا المسار الطويل من الركض الماراثوني في حقول الحياة والتعليم الانتظار وراء ستارة التصويت فقط واختيار نائبها المصون عنها كما كان يتم اختيار الزوج عنها، لكي ترضي رغبة الرجل وقناعته، فهو وحده القادر على خلقها وصنع تفكيرها وتربيتها. هذا العالم الصنمي لم يعد قادرا على إقناع المرأة بالجلوس خلف جهاز التلفاز والاستمتاع بكل مشاهد الحياة الغريبة، بل والذهاب إلى المجمعات التجارية اللامعة وشراء ما تريد، ولكنها في النهاية ممنوعة من الاقتراب إلى المقعد النيابي ولا إلى الترشح والحديث بصوت محاور ومناور في مجلس الأمة، فهي مجرد امرأة!! قادر الرجل على لجمها وخداعها وترويضها في عالم السياسة المصنوعة للرجال. كل تلك الفرضيات الصماء البليدة تحجرت في دول كثيرة منذ وقت طويل، وهاهي تبدأ مسارها أيضا في التحجر إذ قررت المرأة الكويتية إدخال مثل تلك الآراء في متحف التاريخ، وتبرهن على ان المرأة صارت مقبولة للرجال والنساء أيضا، فقد قررت الأصوات الانتخابية أن تختار أربع نساء كويتيات للتمثيل النيابي من بين رجال عديدين حملوا أوراقهم الانتخابية وترشحوا بهدف سد تلك الأبواب في وجه النساء. أربع نساء دفعة واحدة يخترقن الأسوار المحرمة، لمواجهة أصوات معادية لها أكثر من كونها معادية لبرنامج المترشحات الفائزات بأعلى الأرقام. كانت النتائج مفاجئة هزت المحيط العربي والعالمي والمتابع للانتخابات في دول العالم، إذ كان حتى وقت قريب المجتمع الخليجي مجتمعا مغلقا على النساء، مجتمع يحدد طبيعته الذكورية، ودون وجه حق كان يردد مقولات غريبة لا يقبلها عصرنا المتمدن التقني الأكثر اقترابا والتصاقا بالثورة المعلوماتية، إذ باتت المرأة بهذه التقنية قادرة على الهروب من كل أنواع الحصار الذكوري، وتشكل لها الرحيل والسفر لتلقي العلم مجالا جديدا لرؤية المرأة كيف تعيش وتفكر وتعلن احتجاجها وتحررها من المطبخ وتفريخ الأولاد وحدهم وكفى المؤمنين شر القتال. لكم قالت الأصوات المعادية عن إن النساء مخلوقات ضعيفات ثم صرن كالشيطان اللعين، ومن نعت إلى آخر ومن قيد إلى آخر ومن سجن إلى سجن اكبر، عرفته النساء في تاريخ غير عادل لهن، وكان الجهل والقمع وسيفه بيد الرجل الظالم والمجتمع الظالم، ولكن الحرية أثمن قيمة إنسانية كان على المرأة الذهاب نحوها واحتضانها، فمن خلال فهم معنى حرية الإنسان بدأ الفهم الحقيقي لمعنى تحطيم الأسوار الممنوعة التي سيّجها الرجل وقام بتشكيلها بين الوقت والآخر بألوان ترضي مزاجه ورغباته! فكيف سيتعامل النواب الذكور المعنيين بشعارات العداء للأنوثة مع النائبات الجدد؟ إذ اعتاد أن يلعنهن سابقا وهن في البيت ويلهج بلسانه وأصابعه وهو يردد لزوجاته الأربع! “حدك باب البيت!” وإياك وان تقتربي من الغرباء وتحديدا الرجل الملعون فهو من صنع الشيطان. اليوم لم تعد تلك المفردات قابلة للصرف إذ سيبدأ جرس جديد يقرع في فضاء الكويت وسنرى كيف تناور المرأة في عالم السياسة وتحاور وتقترح وتناقش بجدارة، وستعلن للجميع وخاصة من صوت لها بأنها خير من يمثلهن، وسيتحرك قطار هذه المسيرة بين شعاب الوديان والجبال الشاهقة ويتقدم ويتراجع مثل كل النواب وكل صيغ الحياة، وينهزمن ويخسرن ويصعدن ويتذوقن المرارة تلو المرارة، ثم يحملن مشعل الإرادة في دورات أخرى، المهم أنها حطمت اللحظة التاريخية المستحيلة لتغادر الأسوار المحرمة ولن تعود إليها أبدا كسجينة أبدية. ولو استيقظ البحار الطيب على شاطئ الكويت سيصرخ ياالله ما هذا الكلام الجديد الذي لا افهمه “نساء ليبراليات!” وكأنها موضة عصرية فاحشة في السوق الشعبية خلخلت كل الجالسين في المقعد الخشبي الطويل، مقعد اعتاد الناس من فوقه احتساء الشاي والكفاح من اجل الحياة بكل طيبة وصبر وانتظار رزق الله أن يأتي من عمق الماء. فهل يفهم الكائن النائم أن الكويت تعيش عام 2009 وليس عام 1920 وعليه إزالة الغبار من عينيه.
 
صحيفة الايام
31 مايو 2009