المنشور

وسنقول هنا قولاً ثقيلاً..


من جملة ما نعاني في البحرين، وما نعانيه كثير ، هو وجود هيكل إداري مكتظ فوقيا، ما يسمى بالإنجليزية الـ ‘ over management’.. أعداد كبيرة من الوزراء؛ وأعداد كبيرة من وزراء الدولة، مؤسسات وهيئات بهيكلة وزارات تقودها شخصيات برتبة وزير، محافظين برتبة وكلاء.. مستشارين يصل عددهم في الوزارة الواحدة أحياناً لـ 6 مستشارين!! ووكلاء لا يقل عددهم عن الثلاثة ويصل للضعف أحياناً..ووكلاء مساعدين ومدراء عموميين ‘بالكوم’.. وحال الموظفين العموميين ما هو إلا مصداق لصورة أكبر لمؤسسات وهيئات الدولة الكثيرة كماً والتي تلعب أدواراً متداخلة ومتشابهة- حد التطابق أحياناً – فهناك الوزارات، والهيئات والبلديات والمحافظات والمجلس الوطني بغرفتيه ‘البرلمان ومجلس الشورى’، ومجلس الوزراء ومجلس التنمية الاقتصادية ، والمجلس الأعلى للمرأة والهيئات الاستشارية والبيئية ومراكز البحوث.. وكثير من تلك الجهات تلعب أدواراً مستنسخة وتتقاسم الدور ذاته مع سواها من الجهات؛ ولو لم نكن نخشى ضيق الصدور لدللنا على ما نسوق بأمثلة أوضح!!

ما علينا..

هذا الرص الإداري الفوقي، في جزيرة بالكاد يعدو عدد سكانها المليون جلهم يتكتل في الجزء الشمالي من البلاد في مساحة لا تعدو الـ 30* كم مربع ليس بالأمر الإيجابي على الإطلاق.. ولنضع جانباً حقيقة ما في الأمر من استنزاف لموارد الدولة ‘مع علمنا أن بند الرواتب هو ما يحرق ثلثي الميزانية..!!’ ولنضع- كذلك- جانباً حقيقة أن جُل تلك المواقع خُلقت من الهدم إما بغرض توزيع الألقاب والمواقع على ” النبلاء” والـ” مقربين”؛ أو تمكيناً لبعض الشخصيات التي يُراد لها أن ‘تُرز’ في المشهد العام قسراً- وإن لم يكن لها دور أو يُرتجى منها فائدة أو نفع..!!

لنضع كل ذلك جانباً وننظر لما يفعله هذا الرص الإداري بالمصلحة العامة وانسيابية العمل في البلاد..
تداخل الصلاحيات الإدارية – بالمجمل – من شأنه أن يقود لنتاجين: إما أن يخلق تنافساً غير معلن وتناحراً على الصلاحيات والمكتسبات – أو- يؤدي للنقيض تماماً : خالقاً حالة من الاتكالية وتقاذف المسؤولية بين الجهات المختلفة.. لذا فدعاوى التقصير والإهمال تبددها الرياح لأنها تتوزع على جهات عدة تتصرف كل جهة منها على أنها من الأوزار.. براء!! أضف لذاك أن الحماس لتحقيق المنجزات يخبو لأن غنائمه وأفضاله تتوزع على الكل.. وبما أن من يعزي؛ وحتى ذاك الذي لا يعزي؛ يأكل من عيش الحسين – كما يقال – نجد أن الغالبية تأبى أن تضرب الصدر فيما الآخرون في سبات! سيما أن التجارب أثبتت أن من يعمل كثيراً ما يُحارب بضراوة غالباً بحجة ‘ التعدي على دوره وصلاحياته’!!

كما ويخلق هذا الوضع تباطؤاً قاتلاً في القرار.. بل إن أجل القرار كثيراً ما يضيع جراء المماطلة والتسويف.. ناهيك عن أن المطالبات بالتطوير والرقابة والمحاسبة تغدو – في ظل هذا الوضع – ترفاً.. ويفسر كل ذلك بوضوح تواضع فعالية القطاع العام رغم كثرة عامليه؛ وجودة بعض طواقمه؛ ولكن الرص الفوقي خلق وضعاً غير مريح؛ عائق للعمل وخانق للإبداع..

وصدق المثل الانجليزي الذي يقول ‘إذا كثر الطباخون تفسد الشوربة’!!

رحيق الكلام:
هذه هي السطور.. وعليكم بما بين السطور..
 
الوقت 30 يونيو 2009