المنشور

ثقافة العطالة العقلية: غياب الحاضنات (2)

على الرغم من قسوة المرحلة العسكرية والقومية السياسية فإنها كانت حاضنة كبيرة للثقافة العربية. وهذا لا ينفي أنها دمغت المرحلة بميسمها ووجهت حتى الترجمات في مناخات معينة.
وحتى الأحزاب التقدمية والقومية لعبت هذا الدور، ودعمت الوعي والإنتاج، فحركت الكثير من النتاجات وتبنت العديد من الرموز.
لكن هذه القوى كلها دخلت في عالم (المتخيل)، وهو عالم ذاتي تشكله حسبما تريد، لا يرتبط بقوانين الواقع، وهو إسقاطات بين الجنان والكوابيس، والهام ان من يشكلون هذا العالم المتخيل هم من فئات لم تشتغل في الإنتاج العقلي وكلما قرأته روايات ومسرحيات ومقالات، لكن جاءت من أجل أن تنظم حياة (الأمة) وتقودها للتطور الهائل الذي تستبصره، ومن خلال أدوات القوة، ومن هنا فهي تفتقد القدرة على أن تلعب دوراً لتطور الثقافات العقلية والآداب والفنون، وهي تضع حداً للثقافة الليبرالية الديمقراطية السابقة، القادرة على جلاء التنوعات وإيجاد الفضاءات المتنوعة في الفكر خاصة، وجعل الأنواع الأدبية والفنية تتصارع وتتعاون وتثري الثقافة في كل بلد.
ولهذا فإن القطع مع الثقافة الليبرالية السابقة أبرز الأنواع المقولبة حسبما تشتهي السلطات، والحركات، ولهذا فإن التحليلات في الرواية أو في المسرحية التي كانت الطلائع في عمليات الاستكشاف الاجتماعي والإنساني والإبداعي، صارت منمطة، وذات سقف تعبيري لا تتجاوزه، وأمام هذا الجدار كان يتم تسلل من خلال الثقافة الغربية لكسر هذه الأنماط فانتشرت ثقافة اللامعقول والسريالية وغيرهما لهز تصلب هذه الثقافة.
ومع انكسار الحاضنات الثقافية القومية تهدمت القطاعات العامة وسيطرت ثقافة الأسواق، وأدت الدخول وتباينها بين المناطق العربية، تفاوت التطور بين مناطق ذات قدم في الإنتاج ومؤسسات مهمة، وبين مناطق تملك النقود فقط، وبين مناطق تعرضت للحروب الأهلية والخارجية، ومناطق ذات سلام طويل لم يخل من تطرف إرهابي، وفي ثقافة فقدت ما سبق لها أن وطدته من تحليلات اجتماعية سطحية غالباً، وتجريبية محدودة، ومع سيطرة الأسواق اقتحمت البضائعُ الأجنبية ميادين الثقافة الجماهيرية، وتلاشت تلك المظلة القومية الحاضنة، مع مجيء مظلات عالمية متعددة، وغدت العروض والفنون والمهرجانات والكتب والاحتفالات مرتبطة بتسييس وطني أو حكومي، يراعي طرائق العرض الهيلوودي، من إبراز للنجوم، ومن الحصول على بركات الآباء السياسيين والماليين، رغم غياب الجماهير عن هذه المهرجانات المكلفة للميزانيات المنتوفة من كل جانب، ولهذا كان لابد من إدخال الشركات والمؤسسات المالية لترفع بأعمدتها هذه الأشباح الثقافية إلى عروض المسارح الخلابة.
كما أن الأجهزة الإعلامية الجماهيرية من تلفزيون وصحافة قامت بأدوارها لتحويل هذه الأشباح إلى رموز، فكانت الشمولياتُ النامية في نسيج المجتمعات (الليبرالية) العربية الجديدة لها طرق مختلفة عن الأنظمة السابقة، فأبرزتْ التعددية الثقافية بين ثقافة مرعيةٍ رسمياً ومن الأموالِ العامة والخاصة، وبين ثقافات شعبية متعددة مركونة في الظل ومُعطى لها سبل التطور على نفقاتها الخاصة، وهي ليس لها موارد، بشرط ألا تخترق الخطوط الحمراء السياسية والدينية والجنسية. ولهذا فإن الثقافات الدينية ذات الموارد تتغلب على الثقافات العصرية المعوزة من جهةٍ أخرى.
الثقافة السائدة ليبرالية هشة، مثل الوعي الليبرالي الذي قفز فجأة، من دون أن يقيم صلة حتى بماضيه العربي السابق، وهو يستندُ غالباً إلى دعم خاص مقتدر، كما يستند إلى الكرم الحكومي كذلك، وإلى بعض الحريات التي غدت إجبارية في عالم اليوم كالمواقع والاتصالات الحديثة عموماً. فصارت المراكزُ الثقافية الكثيرة مثل دكاكين المرحلة المتشابهة الوفيرة، مع غياب الملكيات الحكومية المنتجة المغيرة للتخلف.
ومن هنا فإن الثقافات الليبرالية الحكومية، الحرة الاستبدادية، تتماثل ووسائل الإنتاج، بائعة المواد الخام من دون تصنيع حقيقي، ولهذا فإن تلك الثقافات لا تصنعُ شيئاً، هي منتجة المواد الاستهلاكية والفقاقيع بدرجة أساسية، أما التصنيع الثقيل في الثقافة فهو لا يحصل على الموارد لكي يشتغل بأقل طاقته.
وهذا لا يعني توقف الروائيين والقصاصين والمسرحيين والشعراء والمفكرين عن الإنتاج، بل يعني أن ما ينتجونه لا يظهر في السوق أولاً، فهم غير قادرين على الوصول لمواد العيش الضرورية والاجتماعية لكي تعطيهم طاقة الإنتاج، ثانياً إن ما ينتجونه لا يتم تداوله بتوسع في السوق، لغياب شروط إعادة الإنتاج الوطني الموسع، سواء في الموارد الاقتصادية العامة الضائعة، أو في غياب المنتجين، أي البشر العاديين العاملين، لأن الإنتاجَ العربي السائد يغيبُهم عنه، فإنتاجُ المواد الخام وتصنيعها لا يتيح ثورة اقتصادية، وبالتالي لا ينتجُ ثورة ثقافية، فتتحجمُ أعدادُ القراء وتتقزم.
كما أن المواقع الحكومية – الليبرالية – الدينية تشكل الاقتصادات الاستهلاكية فلا تحتاج إلا إلى قشور الثقافات المختلفة، مثل اللوحات غير الكاشفة للآلام أو السجاجيد المستوردة، والديكورات الأخرى، فيصير المنتج الثقافي جزءاً من ذلك، كالمسلسلات والأفلام، وروايات الجيب وغيرها.
أو للثقافات القديمة الدينية الاستهلاكية أي الموجهة للعبادات أساساً، وللمأثورات المستعادة، وهي لها مساراها الحرفي والمالي.
فكما فقدت الثقافة العربية ركائزها الكبيرة الرافدة وهي القطاعات العامة التصنيعية، وبالتالي فقدت الحاضن الكبير، على مستويي تصنيع الكتاب وإنتاج القراء، دخلتْ عالمَ الأسواق وهي تبيعُ قوة عملها في السوق المزدحم والمشترون نادرون.
في مثل هذا السوق ذي الأسعار الغالية تتضاعف خسارة المنتجين الثقافيين، فهم يبيعون قوى إنتاجهم بشكل زهيد، أو لا يحصلون على أي ثمن، لأن الإنتاج الثقافي في عالم الليبرالية الهشة تضحية من الكتاب سرقة من أصحاب دور النشر، ولهذا يتدهور الإنتاج الوطني على كل صعيد: الحرف والصناعة الكبيرة وصناعة الإنتاج العقلاني.

صحيفة اخبار الخليج
27 يوليو 2009