المنشور

تقرير جولدستون.. هل يتم إجهاضه مجددا؟

لم يحدث في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي ــ الاسرائيلي منذ نكبة عام 1948 قبل 60 عاما التي انتهت بإنشاء الدولة العبرية بالقوة والارهاب على أرض فلسطين العربية ان أثار تقرير حقوقي دولي مهم كل هذه الضجة العالمية على مختلف المستويات والأصعدة عربيا واسرائيليا ودوليا كما أثاره تقرير القاضي الدولي الجنوب افريقي اليهودي الاصل ريتشارد جولدستون، رئيس اللجنة الأممية لتقصي الحقائق في قطاع غزة والتحقيق في الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي من قبل اسرائيل و”حماس” أثناء الحرب الاسرائيلية على القطاع نفسه.
ان ما حدث ويحدث منذ صدور تقرير القاضي المذكور بدا أقرب الى الكوميديا السوداء والى واحد من فصول الملهاة في المرحلة التاريخية الراهنة التي يعيشها الفلسطينيون بوجه خاص والعرب بشكل عام في صراعهم مع عدوهم الاسرائيلي. فمثلما حدث أثناء حرب الابادة تلك ذاتها التي شنتها اسرائيل على المدنيين العزل في القطاع والتي استمرت زهاء 23 يوما متواصلة من 27 ديسمبر 2008 حتى 18 يناير 2009 ان وقفت الحكومات العربية والسلطة الفلسطينية تتفرجان على حرب الابادة تلك وتتشاوران بدم بارد عما اذا الموقف يستحق عقد “قمة” أم لا يستحق فيما المذابح الاسرائيلية ونوافير الدم الفلسطيني في القطاع تجري على قدم وساق، في الوقت الذي كان شرفاء العالم في عواصم أوروبية وغربية عديدة يتظاهرون يوميا منددين ليس بتلك المذابح فحسب، بل يا للعار، بتلك المواقف الانهزامية والتواطؤية الفلسطينية والعربية المخزية، وبضلوع الولايات المتحدة في دعم الحملة العدوانية الاسرائيلية.. ها هو اليوم، وفي هذا التقرير تحديدا، يتم فضح مجددا كل تلك الاطراف الاسرائيلية والعربية والدولية المتواطئة والضالعة في جريمة الابادة بحق أهالي غزة العزل وذلك من خلال محاولة ليس التنصل من مسئولية جرائم حرب الابادة التي ارتكبها الفاشيون العنصريون الصهاينة بحق شعبنا العربي في قطاع غزة، بل محاولة أيضا حماية العدو من مقاضاته وتقديمه للعدالة الدولية لكي ينال عقابه العادل ولا تتكرر المأساة، كما قرر بذلك عن حق رئيس لجنة التحقيق في جرائم الحرب جولدستون ذاته.
والحال لم يقيض للعرب والفلسطينيين ان يحصلوا على قاض استثنائي دولي فريد من نوعه قادر ليس على اقناع المجتمع الدولي بجرائم اسرائيل في غزة فحسب، بل احراج الدول الكبرى التي تحتمي عادة بها اسرائيل للفرار من وجه العدالة كما قيض لهم في حصولهم على جولدستون الذي لم يحرج تلك الدول الكبرى الحليفة لاسرائيل فحسب بل احرج هذه الاخيرة وجردها هي وحليفاتها من ورقة التوت المبتذلة في تبرير جرائمها بأن من وضع التقرير معاد للسامية.
فشخصية مثل جولدستون يصعب اتهامها بالعداء للسامية أو الطعن في نزاهتها وتجردها، سواء بالمعايير والذرائع الاسرائيلية أو بمعايير وذرائع القوى الكبرى المؤيدة لها وعلى رأسها الولايات المتحدة التي لعبت دورا مخزيا لاجهاض التقرير في اجتماع مجلس حقوق الانسان الذي قضى بإرجاء البت في التقرير حتى مارس القادم بعد الضغط على السلطة الفلسطينية باتجاه طلب ارجائه، ثم كررت هذا الدور المخزي نفسه في الاجتماع الثاني للمجلس الذي انتهى بفشل مساعيها، ذلك بأن جولدستون علاوة على كونه يهودي الاصل ولم يعرف قط بعدائه لاسرائيل، فضلا عن ان احدى بناته تعيش فيها، فإنه عُرف بالحرفية المميزة وتوخي الحياد والموضوعية بين الاطراف المعنية في كل القضايا الدولية المهمة التي سبق ان تولى التحقيق فيها.
وبسبب هذه الخبرة التي اكتسبها وحرفيته في مهنته الحقوقية عينه نيلسون مانديلا أول رئيس لجنوب افريقيا بعد تحررها من النظام العنصري المقبور قاضيا بالمحكمة الدستورية لجنوب افريقيا من عام 1994 حتى عام 2003، وأسهم في صوغ وتفسير دستور جنوب افريقيا ليحل محل الدستور العنصري السابق، وأشرف على عملية الانتقال السلمي السياسي الديمقراطي من نظام الفصل العنصري ضد السود سكان البلد الاصليين الى النظام الديمقراطي الجديد القائم على المساواة في المواطنة والحقوق المدنية.
ولم تكن خبرات جولدستون على الصعيد الدولي أقل شأنا من خبرته والانجازات التي حققها على الصعيد الوطني فقد عين مدعيا عاما رئيسيا في المحكمة الدولية الخاصة بمقاضاة مجرمي الحربين الاهليتين في يوغسلافيا السابقة ورواندا، وتولى منصب رئيس لجنة التحقيق الدولية في كوسوفو، كما تم تعيينه مشرفا على لجنة تحقيق في قضية الفساد المرتبطة ببرنامج النفط مقابل الغذاء في العراق، وشغل منصب رئيس الجمعية الوطنية والمعهد الوطني لمنع الجريمة واعادة تأهيل المجرمين، وعين كذلك رئيسا لمجلس ادارة حقوق الانسان لجنوب افريقيا، وهو الى ذلك كاتب صحفي معروف في قضايا حقوق الانسان الدولي، وأستاذ غير متفرغ في جامعتي هارفارد ونيويورك.
لقد أدى جولدستون مهمته التحقيقية الدولية في جرائم الحرب التي ارتكبتها اسرائيل خلال عدوانها على غزة بأقصى درجة ممكنة من الحرفية ووصف مهمته بأنها أصعب المهام التي تولاها في حياته كمحقق دولي، حيث توخى ان يظهر تقريره بأدنى حد ممكن من العدالة والحياد، حتى ان ابنته نيكول التي تعيش في اسرائيل قالت: “انه لولا والدها لكان التقرير أشد وأخطر على اسرائيل”. ومع ذلك فإنه لم يشفع له اصداره مثل هذا التقرير انتماؤه إلى الديانة اليهودية وعدم ظهوره في أي نشاط يعرف له معاد لاسرائيل، لا بل لم يشفع له ما بدا فيه في بعض أجزاء تقريره من اضفاء قدر من التوازن بين الضحية والجلاد بتحميل “حماس” أو اظهارها كمرتكبة جرائم حرب خلال عدوان المحتل الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني الواقع عمليا تحت الاحتلال في قطاع غزة والمحاصر برا وبحرا وجوا من كل الجهات. فالجميع يعلم بأنه لولا ذلك الاحتلال غير المشروع لما انطلقت صواريخ “حماس” باتجاه سكان المستوطنات الاسرائيلية والمناطق المحاذية للقطاع الذين لم يصبهم حتى عشر ما أصاب الفلسطينيين من مذابح ابادة.
واذ لم يسبق لتقرير دولي ان وضع اسرائيل وحلفاءها الدوليين في مأزق امتحان حقوق الانسان والديمقراطية اللذين يتشدقون بهما.. فهل يتعظ الفلسطينيون والعرب مما تحقق من مكسب دولي كبير مهم مازال يواجه فصولا جديدة من محاولات الاجهاض الامريكية والاسرائيلية المتواصلة لكي لا يمثل المجرمون أمام محكمة الجنايات وينالوا عقابهم الذي يستحقونه؟

صحيفة اخبار الخليج
29 اكتوبر 2009