المنشور

مجلس النواب بين مسألتـيـن


رحبت الكتل النيابية المختلفة بتوجيهات جلالة عاهل البلاد بتشكيل لجنة وزارية للنظر في التعديات الحاصلة على أملاك الدولة بعد عام 2002، وفي هذا إشارة إلى أن الكتل تنظر بايجابية للتوجيهات الملكية التي رأت فيها مخرجاً مناسباً من الوضع الناشئ بين السلطتين التشريعية والتنفيذية اثر انتهاء اللجنة من تقريرها وعرضه على المجلس.

والحق أنه ليس مجلس النواب وحده أمام قضية مهمة، وإنما المجتمع كله، والمناخ السائد اليوم يذكرنا، ولو إلى حدودٍ معينة، بالمناخ الذي تشكل في فترة من فترات الفصل التشريعي السابق (2002- 2006)، حين قدمت لجنة التحقيق في إفلاس صندوقي التقاعد والتأمينات تقريرها إلى المجلس، وجرت مناقشته بشكل مستفيض وصريح.

المنبر التقدمي نظم الأحد الماضي ندوة مهمة بعنوان: «أملاك الدولة – مقاربة للفساد»، تحدث فيها كل من نائب الأمين العام لـ «التقدمي» عبدالنبي سلمان ورئيس جمعية الشفافية عبدالنبي العكري، حيث سلط الرجلان ضوءاً كاشفاً على هذا الموضوع، من زاوية المعطيات التي حملها تقرير لجنة التحقيق البرلمانية حول الموضوع، وفي إطار مقاربة شاملة لمسألة الفساد.

وفي البيان الصادر عن اجتماعات الدورة الرابعة للجنة المركزية للمنبر التقدمي جرى التوقف أمام محتوى تقرير اللجنة المذكورة الذي رصد، في حدود ما استطاعت التوفر عليه من بيانات، الكثير من وجوه التجاوز على أملاك الدولة على مدى السنوات الأخيرة، لأن ما خرجت به لجنة التحقيق لا يمثل سوى جزء من حجم الوثائق التي تكشف عن هذه المسألة، حيث شكت لجنة التحقيق من عدم تعاون بعض الجهات الرسمية معها، ومن بينها عدم تقديم المخطط الهيكلي للدولة للجنة، علاوة على التكتم على وثائق مهمة، وعدم السماح لأعضاء اللجنة بدخول مواقع محددة وعدم التعاون من الجهة المعنية بتسجيل أملاك الدولة مع اللجنة.

والحق أننا أمام لحظة يتعين فيها على الحكومة من جهة ومجلس النواب من جهة ثانية جديتهما في التعاطي مع ملف ينطوي على قدر كبير من الأهمية والخطورة، يتصل بحرمة المال العام، وعدم جواز التصرف في الممتلكات العامة خارج القانون، فالحكومة مطالبة بأن تظهر تجاوبها مع إرادة السلطة التشريعية في رد الأمور إلى نصابها، وتصحيح وضع خاطئ تشكل في غياب الرقابة الضرورية المطلوبة، أما السلطة التشريعية فمطالبة بالثبات على موقفها، في التمسك بمحتوى التقرير الذي وضعته لجنة التحقيق وتوصياته.

لقد أظهرت الكتل النيابية المختلفة تمسكاً بموقفها الموحد من قرار آخر اتخذته مؤخراً يمس انفتاح البلد وتعدديته الاجتماعية والثقافية والحريات الفردية للناس في هذا البلد، وهو قرار أثار ردود فعل محتجة التي ما زالت تتوالى وتتصاعد، لأن توجه مجلس النواب بهذا الصدد يعبر عن ضيق الأفق، وتجاهل تأثيرات ذلك على اقتصاد البلد وسمعتها الاستثمارية.

فهل يُظهر مجلس النواب جديته في محاربة الفساد وكشف آلياته، بدل أن ينصرف إلى قضايا جانبية، ويجعل شغله الشاغل مصادرة مناخ الانفتاح والتعدد الاجتماعي والثقافي في البحرين، وما يترتب على ذلك من عواقب سلبية معروفة في المجتمعات المنغلقة والمتزمتة التي لا نريد لبلادنا أن تحذو حذوها.