المنشور

كان صرحاً فهوى

قبيل ظهر العاشر من هذا الشهر اجتمع موظفو مركز البحرين للدراسات والبحوث في قاعته الرئيسية في حفل تكريم لإحدى موظفاته. لم يدر بخلد أحد منهم أن هذا هو الاحتفال الأخير قبل أن تتفرق بهم السبل ويمضوا كل في طريق. فصبيحة ذلك اليوم صدر قرار بحل المركز وتصفيته تصفية تامة ونهائية بعد أكثر من ثلاثين عاما من نشاطه.
كان وقع الخبر شديد الوطأة ليس على موظفي المركز فقط، بل وعلى كل من له علاقة بمستقبل العلم والبحث العلمي في مملكة البحرين والمنطقة. إن بلدان ومناطق العالم تتزاحم في تنافسية متزايدة الشدة من أجل احتلال مكانها اللائق في ظروف العولمة وتحدياتها. ولم تعد مؤشرات كمستويات الدخل والفقر ومعدل توقع الحياة على أهميتها كافية لقياس درجة تطور ورفاهية الشعوب. المعيار الأكثر أهمية هو وضع العلم سواء على مستوى التعليم أو البحث العلمي أو درجة إدخاله كقوة منتجة في الاقتصاد الوطني. فبالحسابات الكبيرة هنا تكمن إحدى أهم قضايا الآفاق الوطنية الحقيقية. العلم والبحث العلمي إذا ما توافر المناخ الديمقراطي لتطورهما، هما المسئولان الأساسيان عن صياغة نواة القدرة التنافسية الوطنية.
يسهل على أي مراقب أن يشير إلى عشرات الثغرات والإخفاقات في عمل مركز البحرين للدراسات والبحوث. لكنه أيضاً يمكن أن يشير إلى الكثير من الإنجازات في مجالات الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والحضارية وفي مجال البحر والمياه والأحياء البحرية، ومجال الخرائط والمسوحات الجغرافية والاتصالات والطرق والنقل والمرور وخدمات الكهرباء والماء. وقد أنجز تلك الدراسات إما وفق برامجه الداخلية أو بالتعاون والتعاقد مع وحدات ومراكز الدراسات والأبحاث ولصالح مؤسسات حكومية وشركات خاصة محلية وأجنبية أو بعض منظمات المجتمع المدني، كما لصالح منظمات تابعة للأمم المتحدة.
القاعدة الذهبية في الدول المتحضرة تقول إنه مهما كانت مؤسسات البحث العلمي قوية فإنه يجب أن تدعم وتسخر لها الإمكانيات لتحقق منجزات وأبحاث أرقى، أما الأضعف فيجب النهوض بها بسرعة. ولنضرب بروسيا مثلاً. فبعد التدمير الذي أحدثته سياسات يلتسين بالعلم الروسي، جاء خلفه بوتين ليشير بصريح العبارة إلى أنه إذا كان هناك من يستهدف أكاديمية العلوم الروسية لينظر إليها من باب الربحية، فإن على الدولة أن تستهدف هؤلاء الأشخاص الذين سيضعفون قدرات البلد العلمية والتقنية التكنولوجية. بعد هذا لم يعد تطور العلم الروسي يسير على مبادئ بيروقراطية لعدد محدد من كبار المسئولين، بل على أساس بروز القادة في مجرى عمليات إجرائية تنافسية مفتوحة وشفافة في ميادين البحث العلمي وإدارته. وبالفعل استطاع العلم الروسي أن يستعيد الوضع الذي كان عليه قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وتنطلق الرؤوس المضيئة بإبداعات وإنجازات واعدة. وأمامنا مثال آخر في برنامج تعاون دول حوض المتوسط العربية الثماني مع الاتحاد الأوروبي في مشروع «تقييم القدرات العلمية والتقنية والابتكارات» المسمى بمشروع ESTIME والذي بدأ العمل به مع بداية الألفية لوصف وتطوير القدرات العلمية والتكنولوجية في مجال البحث العلمي الذي انعكس إيجاباً في دعم القاعدة العلمية التقنية لهذه البلدان.
بالمقابل فإن صدور شهادة وفاة مركز البحرين للدراسات والبحوث تبعث على طرح أسئلة كثيرة تمس مستقبل العلم والبحث العلمي. في مقدمة الأسئلة: ما الدراسة العلمية التي استخلصت منها جدوى حل المركز، وما الاستراتيجية والعقيدة العلمية الجديدة البديلة لذلك، وبأية جهة ستناط مهامها؟ إذا كان الباعث هو عدم الرضا عن مجلس الأمناء فلماذا ظل سنتين إضافيتين بعد انتهاء مدته دون بحث؟ وإذا كان الخلل في الإدارة فلماذا لم يجر تغييرها؟ هل كان الخلل في الرسالة، الأهداف أم في الرقابة والمتابعة والمحاسبة؟ ولماذا لم تتم مراجعة كل ذلك؟ وإذا كان الخلل في عدم التوافق بين مهام المركز والعمل التجاري الربحي، وخصوصاً بالنسبة لفرع الجيوماتيك فلماذا لم يجر تعديل وضع هذا الفرع أو أن يلحق بهيئة «ممتلكات» مثلاً؟ ماذا عن عقود المشاريع المبرمة بين المركز وعدد كبير من مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الأجنبية، حيث يرتبط «جيوماتيك»، مثلاً، بعقود مع أكثر من خمسين جهة أهمها مشروع كبير مع إدارة الكهرباء والماء؟ هل ستجري تجزئة هذه الشبكة الواسعة من التعاقدات على شركات خاصة تنتظر ذلك؟ هل ستكمن مهمة التصفية في النواحي المالية وشئون الموظفين الموجودين في حالة انعدام الوزن حالياً، أم ستطال التصرف بالإرث العلمي البحثي وتوظيفه لاحقاً، وخصوصاً الدراسات التي بقيت معلقة على الرفوف رغم أهميتها؟ هل من جدوى، وهذا مجرد اقتراح لكي لا تضيع الجهود، بأن يجري تشجيع العاملين في المركز بتحويل أقسامه إلى مؤسسات علمية بحثية متخصصة على غرار تعاونيات البحث العلمي في عدد من البلدان، بحيث تعود ملكيتها إلى العاملين أنفسهم؟
وبما أنه لم تطرح أسباب حل المركز فإن أكثر ما لا يتمناه المرء هو أن تكون الأرض الشاسعة المساحة التي يقوم عليها هي السبب وراء حله لتضم مشاريع أخرى من مشاريع ما يسمى «بالتنمية العقارية» بعد أن كانت مهداً لصرح علمي؟
هل من إجابات على هذه وغيرها من الأسئلة لتريح، أو لا، بال جميع من يعز عليهم وضع ومستقبل العلم والبحث العلمي في المملكة؟
 
صحيفة الوسط
28 يونيو 2010