المنشور

“وطار” المثقف الذي أحب كل فئات شعبه


لم يكن رحيل الروائي والمثقف والسياسي الجزائري الكبير الطاهر وطار الذي توفي قبل يومين أو ثلاثة فقط من وفاة الوزير والمثقف السعودي الكبير غازي القصيبي في أوائل رمضان المبارك الجاري بأقل خسارة من رحيل هذا الأخير على الصعيدين الوطني والقومي رغم اختلاف ظروف وخصائص ما يشكله كل منهما من خسارة على ذينك الصعيدين ذاتهما.

وهما أيضا يتقاربان في السن حيث وطار يبلغ الـ 73 والقصيبي يبلغ الـ 70 ويشتركان في مسببات الوفاة والناجمة في الأساس عن مرض عضال.

ولئن تمركزت خسارة القصيبي الفادحة على الصعيد الوطني لما يمثله من شخصية ثقافية تنويرية كبيرة في مجتمع عربي ما برح يواجه صعوبات جمة في التحول إلى الحداثة والتخلص من البنية التقليدية، فإن الخسارة الكبرى التي شكلها رحيل “وطار” على الصعيدين الوطني والقومي إنما تتجسد فيما مثله من عبقرية الجمع بين هويات شعبه الفرعية في هوية واحدة بكل مصداقية.

فهو من مثقفي البلدان العربية النادرين في القدرة على التعبير عن كل هويات شعبه المنصهرة في بوتقة واحدة، وحينما نصف القدرة هذه على الجمع المتجانس غير المتنافر في هوية واحدة مركبة بـ “العبقرية”، فلأن بلوغها في مجتمع متعدد الاثنية مر بظروف تاريخية بالغة التعقيد في ظل الاستعمار الفرنسي طوال قرن وثلث القرن وترك بصماته البغيضة في محاولته سلخ هوية الشعب اللغوية (العربية) ليس بالأمر الهين البتة، وهنا تتجسد بالضبط المأثرة الاستثنائية العظيمة التي مثلتها شخصية الطاهر وطار، وهي مأثرة بلا شك جديرة حقا بالاستلهام من قبل كل المثقفين العرب الوطنيين الغيارى على وحدة أوطانهم وينتمون إلى مجتمعات عربية متعددة اثنيا أو طائفيا أو دينيا، ويعز عليهم أن تنكب شعوبهم بمحن تشطيرها على أساس أو أكثر من تلك التعدديات المذكورة.

مأثرة الطاهر وطار باختصار شديد تتمثل في أنه تمكن من التعبير عن هوية بلاده وشعبه بكل أبعادها ولم تنل أي تعقيدات أو حساسيات قائمة على تلك التعددية من المحافظة على وعيه الوطني صحيا ونقيا من الشوائب حتى في المنعطفات الحساسة الدقيقة، فكونه ينتمي إلى الأمازيغ (البربر) لم يمنع ذلك من شعوره وإحساسه وإقراره بصدق إنما ينتمي أيضا بفخر إلى بلد عربي لغته الأساسية هي العربية ويعتز بها ويكتب بها أروع أعماله الروائية والأدبية لتبز حتى عتاة من الروائيين العرب ليس في بلده فحسب بل في سائر البلدان العربية، بدءا من مجموعته القصصية “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” التي يفضح فيها كيف تاجر الانتهازيون والمتسلقون في السلطة بدماء الشهداء بعد انتصار الثورة، وليس انتهاء بروايته “اللاز” التي وصفها النقاد بأنها الأهم بين مجمل أعماله الروائية، وهو إلى ذلك ملم جيدا بالفرنسية من دون أن تكون سببا لسلخ وتشويه هويته الوطنية.

طبقيا فإن “وطار” ينحدر من عائلة فلاحية متوسطة الحال وقد ألحقه والده بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المعروفة بدورها الوطني والديني واللغوي الكبير في صيانة الهوية الجزائرية من مخاطر التغريب والفرنسة اللتين كان الاستعمار الفرنسي يعمل عليهما. وفي هذه الجمعية تعلم هذا الفتى البربري أصول الفقه واللغة العربية الفصحى، كما التحق بجامع الزيتونة بتونس وعرف بنهمه الشديد للقراءة منذ نعومة أظفاره، لكن ثقافته الدينية لم تحل دون إعجابه برموز الشخصيات العربية العلمانية على اختلاف انتماءاتها الدينية والقطرية مثل طه حسين وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وبشارة الخوري ونجيب الريحاني وعباس العقاد، كما لم تحل تلك الثقافة أو التأهيل الديني دونما انكبابه على الثقافة اليسارية وتأثره بها على طريقته الخاصة المستقلة بعيدا عن النمذجة والانتماءات الحزبية، ودونما تنكره لكل ما هو مضيء وإيجابي فيما تلقاه من ثقافة دينية ومن ثم ترفعه عليها بمجملها كما يفعل كثيرون من العلمانيين المثقفين العرب الذين مروا بظروف مشابهة في تلقي العلوم الدينية سواء في المجتمع أم في المدرسة أم حتى في مراكز دينية.

لكن يساريته لم تمنعه من نقده تدخل جنرالات الجيش في نتائج الانتخابات النيابية التي فاز فيها الإسلاميون عام 1991 وإلغائها على نحو ما فعل وصفق لذلك الكثير من غلاة العلمانيين العرب، وما ذلك إلا بفضل تبنيه العلمانية بصورة منفتحة مرنة غير متشددة جامدة ولمصداقيته مع نفسه في احترام نتائج الانتخابات كشخص ديمقراطي ينادي بالتعددية السياسية فكرا وممارسة.

بكل هذه التجليات واجه وطار معارك وحروبا على عدة جبهات، فهو المتهم في أوساط غلاة قومه من البربر بـ “المستعرب”، وهو المتهم من الحزب الحاكم بـ “المنحرف” عن الثورة لأنه انتقد الفساد الذي ينخر فيه وفي المؤسسة الحاكمة، وهو المتهم بـ “الرجعي” أو المتملق للتيارات الأصولية لأنه انتقد وقف المسار الذي فازت فيه الجبهة الإسلامية وهو المتهم من الفرانكفونيين بـ “البعثي” وهي تهمة لا يقصد بها في الجزائر انتماؤه إلى حزب البعث كما في المشرق، بل من يدافع بشدة عن عروبة بلاده ويقف ضد الفرانكفونيين، وهو المتهم بـ “التحريفي” من غلاة الشيوعيين رغم أنه عبر عن إدانته ما لحق ببعض أبطال الثورة الجزائرية الشيوعيين من عسف دموي على أيدي رفاقهم من جبهة التحرير في رواية “اللاز”.

فكم هي خسارة جسيمة للجزائر والعرب برحيل وطار وكم هي حاجة مجتمعاتنا العربية المنقسمة اثنيا وطائفيا على نفسها إلى مثقفين من طراز وطار في التعبير الجامع الأصيل عن الهوية الوطنية المشتركة!
 
 
أخبار الخليج 4 سبتمبر 2010