المنشور

تراجع الانتفاضة الشعبية

تموجت الحياة السياسية منذ الاستقلال حتى عام 1990 على مظاهر احتجاجية وإضرابات وخطب حماسية داخل البرلمان وخارجه ومشاريع كبيرة وصغيرة، ستدفع بالبلاد أحيانا إلى حافة الهاوية . بعد سقوط الشاه ورحيله تصبح إيران لكل دول المنطقة بالحسابات الإستراتيجية حالة خاصة، سواء أردنا ذلك أم لا نتيجة سلوك الحركات الدينية الداخلية ونتيجة سلوك القيادة الإيرانية ومرجعياتها مع فكرة وحلم تصدير الثورة, والاستنفار الثوري والمشروع الإيراني الجديد! فماذا نتوقع شكل وطبيعة المنطقة من الناحية السياسية مع رحيل الشاه كشرطي للشرق الأوسط ؟ فينابيع النفط هنا، فالعراق من الشمال ومن الشرق والغرب إيران والسعودية، وفي قلب المنطقة دول خليجية صغيرة ولكنها غنية نفطيا، فيما راح الإخطبوط السوفيتي في الجوار يمد عنقه نحو المياه الدافئة بعد غزوه أفغانستان! إذ تكون ما يقرب من 800 كيلو متر مربع هي المسافة الفاصلة بين الجيش الأحمر القابع في كابل وعواصم دول خليجية دفاعاتها العسكرية محدودة، وغياب الشاه شكل اختلال في موازين القوى الإقليمية، فباكستان خندقا ضعيفا لرد زحف الجيش السوفيتي فيما لو قرر التحرك نحو المياه الدافئة ( وبتعبير الانجليز كان الخليج البحيرة البريطانية الزرقاء الدافئة ). كان لا بد وان تزج دولتين نفطيتين كإيران والعراق في حرب الثماني سنوات 1981-1988، أثمرت عن حماية دول المنطقة من غطرسة الثورة الإيرانية الحالمة بالتصدير، ولكنها على حساب أشلاء واقتصاد دولة قوية في المثلث العربي المواجه للعدو الأول وهو إسرائيل. خسرت إسرائيل حليفا مهما هو الشاه ولكنهم أيضا سعدت بتدمير العراق عسكريا – مرحليا الحد من خطورة الجيش والنظام البعثي في بغداد – والذي على أنقاض نتائج الحرب مع إيران ستكون المفاوضات عسيرة بين صدام وحلفائه في حرب مؤقتة وتحالف قومي مؤقت، حيث أنظمة الخليج والغرب لم تكن تثق قط بنظام صدام المتقلب والتوسعي. بلع الغرور الصدامي الطعم فغزا الكويت مؤملا حياد الغرب في تلك المغامرة السياسية، فالمشروع يومها كان أوسع من حلم بغداد أو طهران في المنطقة فهناك صراع دولي استراتيجي أهم من قوى وأنظمة إقليمية، قابلة للتشكيل عندما يتم ترتيب الوضع العالمي الجديد، الذي تفجر مع غزو الكويت وحربها 1990-1991، فانهيار المعسكر الاشتراكي في قلب أوروبا يعني إن بداية القرن ستصبح مختلفة ’ والشرق الأوسط القريب من نقاط ساخنة في البلقان واسيا الوسطى والخليج بحاجة إلى فكرة مشروع جديد شرق أوسطي، كان من نتاج وسيناريو الدولة العبرية قاده شمعون بيريز آنذاك. المشروع الفكري الكبير في هذه الفترة انبثق مع فلسفة انتهاء التاريخ وصراع الإيديولوجيات، وعولمة نظام جديد وثقافة عالمية جديدة في السياسة الدولية تهتم بمسألة مركزية هي الثورة الإعلامية والمعرفية وتكريس الديمقراطية وحقوق الإنسان كثقافة عالمية جديدة لكل الأنظمة دون استثناء. كان من الضروري إعادة ترتيب القارات كلها إقليميا وداخليا، وقراءة الكتل الاقتصادية الجديدة في الصراع العالمي القادم، تمحورت في البداية بين الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فيما بعد تم إضافة الهند وروسيا الاتحادية والبرازيل، باعتبار إن تلك الدول ستشكل أقطاب مهمة في القارات المتنوعة ولا يمكن تجاهل دورها ومكانتها ودورها المستقبلي في جدلية الصراع العالمي الجديد. كنا نحن في تسعينيات البحرين، نحوم صعودا وهبوطا حسب البورصة السياسية المحلية والإقليمية والدولية، فلم تكن البحرين منذ 1990 -1999 إلا إيقاعا واضحا للمشهد السياسي، المزدهر بعرائض واحتجاجات فقدت التوزان، وقد نبعت من خزان الحركات الدينية الطائفية، التي نفذ صبرها من نتائج حراك العرائض، فوجدت سنوات 1994-1996نفسها تدخل مجددا نفق عام 1982-1983مع اختلاف التفاصيل، حيث سيكون الريف مصدر الحرائق والتفجيرات والزعامة، فيما كانت بداية الثمانينات مصدرها المدينة. وسواء كانت الحركة الدينية منبتها المدينة أو الريف، فان تكوينها الفكري ـ لا التنظيمي – والسياسي والطبقي فكر البرجوازية الصغيرة، التي تنازعت قيادتها في الرؤية والعمل عقول دينية معممة وعقول متدينة خارج العمامة، ولكنها تخضع للمرجعية الدينية في نهاية المطاف. وننوه بملاحظة هامة، بأن في كلا الظاهرتين ظاهرة الريف المهيمن على تحريك المدن أو العكس، فهذا لا يعني أن الجانبين خلت حلقاته التنظيمية وعناصره من وجودها في قلب الريف أو أحياء المدينة، غير إنها في كل المراحل عجزت كبرجوازية صغيرة ومتوسطة، ريفية ومدينيه، في تحريك وقيادة الطبقة العاملة ومؤسساتها الحيوية منذ انتصار الثورة الايرانية حتى هذه اللحظة ( ولنا حديث لاحق في هذا الجانب ) ولكن ما قام به الإعلام الخارجي من تضخيم مكانته الداخلية في التسعينات هو إطلاق بالونات دعائية عن أن حركته هي انتفاضة شعبية!! ومن ثم انتقل إلى تعبيرات وطنية وعصيان مدني، بعد أن اكتشف أن تلك العملة السياسية تعرضهم للفضح والعزلة السياسية، كلما استخدموا عبارات تدلل على طائفية الحركة وليس شعبيتها بالمعنى الواسع لكلمة الانتفاضة الشعبية (كل الشعب). خلاصة لم تنجح حركة التسعينات في خلق إضراب عام، واسع ومتنوع وشعبي، كشل حركة الاقتصاد في المؤسسات والسوق، وشل حياة المجتمع كاملة، وإنما تغذت على أعمال وأنشطة عنيفة تارة وسلمية تارة أخرى، كان اليأس في النهاية لا بد وان يقودها للتخريب العشوائي والمخطط، إذ تفتت الخلايا عن قيادتها ففقدت بوصلة العمل المنظم والدقيق والواضح لكل حركة سياسية لديها برنامج سياسي محدد. فرفض المشروع الإصلاحي والمقاطعة وتقلبات المواقف لم يعزز مكانتها التسعينية ومرحلتها، وإنما قصم ظهرها كحركة بعد طلاق الوفاق التاريخي والانحياز للمشاركة، وتحول (الأحرار / حق ) من أكثرية متماسكة إلى أقلية تائهة تقتات على ورقة الإعلام المضخم والاحتجاجات اليتيمة في شوارع لندن وغرفها، في رهان على ورقة حقوق الإنسان الأخيرة.
 
صحيفة الايام
24 اكتوبر 2010