المنشور

هل تتواصل الخدعـة ؟!!


لقد كان حديثا مكتوبا موجعا ذلك الذي رفعه إلى مسامعنا، على جرعات، أمين عام المنبر التقدمي والكاتب حسن مدن من خلال عموده «فسحة للتأمل» والمتعلق بتجربته في خوض انتخابات 2010، هذه الانتخابات التي انتظرناها بأمل دخول الليبراليين تحت قبة البرلمان حتى نرى حراكا غير الحراك الذي مللنا معايشته على مدى أربع سنوات عجاف، ونستشعر إنجازا يغير في الأوضاع المعيشية ويخفف من وطأة غلاء احتياجاتها. وظني أن الدكتور حسن قد أحسن فعلا عندما أعاد إسماع ذات الحديث المكتوب إلى شريحة أكبر من الناس في اللقاء المتلفز مع الكاتبة والإعلامية سوسن الشاعر في برنامج «كلمة أخيرة».

مصدر الوجع هو تلك القسوة التي تعاملت بها «جمعية الوفاق» مع الدكتور حسن مدن الذي زرع الخوف فيها وقض مضجعها في ما تدعوه بدائرتها المغلقة، عندما أرعبها هدير الأصوات المنحازة إليه «كبديل وطني» محلٍ للثقة. والحال أن هذه القسوة في التعامل هي ما تجيده تيارات الإسلام السياسي جميعها، من دون استثناء، وتتعامل بها مع الأطياف الوطنية الأخرى التي تتقاطع معها في الرؤى والأفكار.

لم يكن كلام الدكتور حسن مدن مفاجئا، إذ ان سلوكا كهذا الذي مورِسَ ضده، لا بد وأن يكون متوقعا صدوره ممن يخطط لاعتلاء كرسي التشريع؛ ليذهب بعيدا، من دون أن تحده حدود، أو توقفه معطيات الحضارة الحاضرة، في التفكير ببناء الدولة الدينية وسن قوانين تعيق التطور وتكبل المجتمع وتجعله أبعد ما يكون عن مسايرة متغيرات الألفية الثالثة، ومن هذا المنطلق ليس من مصلحة أصحاب الفكر المنغلق أن يتجاوروا في المجلس التشريعي مع أصحاب فكر مغاير يسعون إلى تعزيز دور المؤسسات، ويساهمون في بناء الدولة المدنية، وخصوصا إذا ما كان أصحاب هذا الفكر مثل الذي يحمله ويعبر عنه أمين عام المنبر التقدمي المشهود له بالتعاطي المرن والمسؤول مع القضايا الوطنية كافة.

لكن ما يخفف من تلك القسوة ويفتح نافذة على الحلم هو تلك الأرقام الباعثة على الأمل التي حققها معظم المترشحين الليبراليين، وأخص بالحديث هنا الدكتورين حسن مدن وحسن العالي بالذات وهما اللذان خاضا الانتخابات في دائرتين مغلقتين كما يحلو لـ«الوفاق» أن تتباهى به، وسط ضجيج وفاقي لا معنى له؛ للنيل من شخصيهما عبر إطلاق نعوت وأوصاف تعرف هي، أي الوفاق، قبل غيرها أن لها مكانا في المنطقة المقدسة في وجدان الناخبين، وأحسب أن الدكتورين قد حولا الدائرتين من المغلقتين إلى دائرتين مقلقتين للوفاقيين حتى دفعت بهم إلى الركون إلى التشهير وإطلاق تلك الأوصاف والنعوت التي يراد من ورائها التشهير. هذه الأوصاف والنعوت تعمل بكفاءة عالية على حرف رأي الناخب عن أن يكون صاحب قرار مستقل في تحديد اختياراته. والحال إن احتكار الإيمان، وقذف الآخرين بشتى النعوت التي تستهدف الإنسان وتخرجه من ملته هو سلوك قميء وشائع احترفت توظيفه التيارات السياسية الإسلامية كلها ومن سار في ركبها ضد الانفتاح على المختلف، وهو مفتاحها الانتخابي الأكثر نفاذا إلى وجدان الناخبين وقلوبهم فيما مضى من زمن، غير أن هذا الأسلوب بدأ يفقد بريقه، وبالتالي تأثيره، لدى الناخبين الذين أصبحوا يطمحون إلى التغيير، وإشاعة السلم الاجتماعي انطلاقا من المؤسسة التشريعية.

ولسنا هنا لنلقي الكلام على عواهنه، إنما هذا هو الواقع الذي أظهرته نتائج الانتخابات في أكثر الدوائر التي بها حضور لهذه التيارات في محافظة المحرق والوسطى، وغدا سوف تتسع الدائرة، وتدور الدوائر.

وفي رأيي ان نجاح الوفاقيين في توظيف الدين، واحتكار الإيمان ساهم فقط في إرجاء وصول الدكتورين إلى البرلمان لمدة أربع سنوات أخرى، ولم يمنع إظهار اتساع شعبية الليبراليين وتقلصها في كتلة «الإيمانيين»، وهذا بحد ذاته محفز إلى العمل الجماهيري في المستقبل كما أشار الدكتور مدن في مقابلته المذكورة.

ولا بأس، من وجهة نظري، في عدم وصول الدكتورين البرلمان؛ حتى وإن كان عدم وصولهما لا يمثل إلا تشويها لصورة البرلمان لجهة تمثيله الحقيقية لكافة أطياف المجتمع، غير أن البأس، كل البأس، هو في ذلك الفتق الذي زاد اتساعا في الثوب الوفاقي؛ حتى بات لا يستر مخفيات الكراهية التي يكتنزها تاريخ من العداء مع الفكر التقدمي ورافعته الديمقراطية، وتعجز عن رتقه كل تلك التصريحات والادعاءات الجوفاء ببناء تحالف وطني، ويؤكد أن البعد الطائفي هو ديدن تيارات الإسلام السياسي كلها بصرف النظر عن المذهب الذي تعتنقه. وإني لأعجب حقيقة ممن لازال يثق بدعوات الوفاق إلى التحالف، وأسوق هنا تساؤلا: التحالف من أجل ماذا؟ هل هو من أجل الوقوف عند ملفات التأزيم، وإلهاء المواطنين بأحاديث وحوارات لا تسمن من جوع؟ لا ينبغي أن تتواصل الخدعة، وحان الوقت لوقف الحديث عن المهزلة التي نسميها تحالفا مع من يضع هدم الدولة المدنية على قائمة أهدافه الإستراتيجية، فمسعى «جمعية الوفاق» هو البحث عن غطاء وطني تخفي من تحته المذهبية الفاقعة.

الأيام  26 نوفمبر 2010