المنشور

الإشكالية العربية الأزلية الأبرز


ما حدث في تونس، وفي مصر من بعدها فورا، وفي بعض الساحات العربية الأخرى سواء على وقع الحدثين نفسهما أو لتوفر ونضوج عامل انسداد الأفق الخطير الذي تحدثنا عنه في مقال الأسبوع الماضي، خصوصا أمام الكتلة العظيمة المنسية من الشباب العربي الذي يشكل الغالبية العظمى في كافة البلدان العربية تقريبا، أو باجتماع العاملين معا، لاشك انه سوف يسيطر إلى بعض الوقت على معظم التغطيات الإعلامية والصحفية والأجندات والاهتمامات الوطنية والإقليمية والدولية.
 
فما حدث في مصر خصوصا هو “تسونامي” سياسي “خارق للعادة” على حد تعبير أحبائنا في تونس الخضراء. ولسنا بحاجة لشرح أهمية ودور مصر الكبير جدا ليس في الإقليم العربي والشرق أوسطي وحسب، وإنما في العالم أجمع. ويكفي أن نسترجع “حالة الطوارئ” الذي ميزت تحركات وردود أفعال البيت الأبيض وقصر الإليزيه وعشرة داوننغ ستريت وبرلين وغيرها من عواصم صناعة القرار الدولي منذ انطلاق حركة الاحتجاجات في مصر يوم الخامس والعشرين من يناير/كانون ثاني الماضي، لندرك مدى الدور المحوري الإقليمي والدولي الذي تضطلع به مصر.
 
وعلى ذلك فان من يعتقد أن ما حدث في مصر تحديدا لن يتجاوز حدود مصر، سوف يتعين عليه إعادة قراءة الحدث والمشهد برمته من كافة نواحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية. فمصر هي مصر، ولطالما كانت وستظل القلب النابض لكافة بلدان وشعوب الأمة العربية من محيطها إلى خليجها، ومصدر إلهامها وحراكها النهضوي، سواء في حالات المد أو حالات الجزر، ما يزكي كل القراءات التي ذهبت تحليلاتها للتداعيات المحتملة للثورة الشعبية المصرية.
 
وهناك شبه إجماع على هذا المذهب عبرت عنه الصحافة العالمية بينها ما ذهب مثل التايمز البريطانية في عددها ليوم السبت 12 فبراير 2011 لحد وصف ما حدث “بسقوط جدار برلين2” وذلك في مانشيت حمل عنوان “ثورة النيل” حيث كتبت: “إن ذلك كان بمثابة سقوط جدار برلين لهذا الجيل. فمصر والشرق الأوسط والسياسة في العالم العربي تغيرت إلى الأبد”.
 
السؤال الآن ما الذي استدعى الحتميات التاريخية للإتيان في هذه الأوقات لقول كلمتها الفصل في المأزق التاريخي الذي تجتازه المجتمعات العربية منذ بضعة عقود؟
 
كان الجميع قد نسوا في غمرة دواماتهم وانسحاقهم في دوامة الحياة وعملية إعادة إنتاجها اليومية الرتيبة، واستسلامهم لصيرورتها ودِعتها، أن مفاعيل قوانين التطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات قاطبة لا تعلق عملها لمجرد أن بعض المجتمعات اختارت ذلكم الخيار اللامبالي بها وبحتميات تجسُّدات خروقاتها، ومنها قانون التراكم الرأسمالي الذي يتم بموجبه مراكمة الفقر المدقع في جانب والثراء الفاحش في جانب آخر، ما لم تكن هناك متابعة دائمة للفجوة التي يُنتجها هذا القانون والعمل على تجسيرها من آن لآخر قبل تفاقمها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
على أن الأمر لا يقتصر على العوامل الموضوعية لإنفاذ سريان مفعول الحتميات التاريخية، فهنالك العوامل الذاتية المواكبة والمحفزة للحركة الداخلية لهذا القانون السوسيولوجي. ويتصدر هذه العوامل (الذاتية) الجمود والتكلس اللذان لابد وأن يفضيان في المحصلة إلى العسف والإقصاء وصولا إلى الاستبداد المطبق على الدولة والمجتمع معا، فيجيء المآل المحتَّم متمثلا في نشوء بيئة طاردة للكفاءات والمخلصين والشرفاء النزيهين، وجاذبة للمتسلقين والمنافقين أنصاف المتعلمين الذين لا هم لهم سوى تثبيت مواقعهم والغرف والاستفادة والاستزادة والإثراء من البيئة التي يسهمون في تخليق وافتعال أجوائها، بشقيها الاحتفالي والفزعوي على السواء .. “بإبداع” كيل المديح الاعجازي للانجازات غير المحسوسة والهجوم على كل صاحب رأي مختلف يحمل نقدا بناءا للأداء العام.
 
 
 
وقديما قالت العرب “صديقك من صدَقك لا من صدَّقك”. ولعمري أن من صاغ هذه العبارة في ذلكم الوقت الغابر قد أعمل فكره عميقا في محاولة سبر أغوار وتوصيف العلاقة الأزلية الملتبسة بين الساسة و”المسيوسين” في مختلف مواقعهم، وهو ما أطلقت عليه العلوم الإنسانية في الغرب اليوم مسمى “برين ستورمنج” أو العصف الذهني بحسب النحت العربي للكلمة.
 
وهي، كما ترون، مفردات قليلة ولكنها بالغة الدلالة تنم عن حكمة تكثف خلاصة القراءة للحال المزرية التي كانت سائدة في ذلكم العصر العربي الاضمحلالي الذي وصل فيه الشك والريبة وعدم الثقة بين الرعاة والرعية إلى أدنى درجاتها، فأراد قارئ هذه الحالة المزرية صاحب ذلكم القول الحكيم المأثور أن يوجه رسالة تصف الدواء لداء تلك الحالة، وذلك بوضعه اليد على الجرح المتمثل في بطانات السوء التي ظلت تلعب على مدى تاريخ الدولة العربية منذ نشأنها الأولى – ولازالت للأسف الشديد – دورا “ديناميكيا” في التستر والتغطية على كافة مواطن الخلل والأخطاء الحادثة في مفاصل الدولة وتراكمها كميا وصولا إلى حالة احتقانها المتفجرة، وفي توسيع وتعميق الفجوة بين الحكام والمحكومين.
 
فهذه على أية حال إحدى مصائبنا في العالم العربي المسئولة عن كثير من خيباتنا ونكباتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا شفاء منها إلا بالتخلص من سببها ومن ارثها البغيض.